ما الذي يبقى من يوسف الخال... الشعر أم المشروع؟

بين الشاعر والمترجم والمثقف التنويري ومؤسس مجلة «شعر»

يوسف الخال
يوسف الخال
TT

ما الذي يبقى من يوسف الخال... الشعر أم المشروع؟

يوسف الخال
يوسف الخال

لم يكن أمراً بلا دلالة أن يحتفظ اسم يوسف الخال بكل ذلك البريق الذي كان له في خمسينات القرن الفائت وستيناته على نحو خاص، وأن تظل صورته الناصعة ماثلةً في أذهان اللبنانيين والعرب، لا بوصفه أحد رموز التجديد الشعري فحسب، بل بوصفه المثقف التنويري والمترجم والناقد والمنظّر الرؤيوي، ومؤسس مجلة «شعر» التي اعتبرت بحق راعية قصيدة النثر، والحاضنة الشرعية لمشروع الحداثة الثانية التي تبلورت معالمها في بيروت، بعد أن كانت بغداد قابلة الحداثة الأولى. ولم يكن أمراً بلا دلالة أيضاً أن يكون الرجل الذي أسهم إلى حد كبير في تظهير صورة العصر الذهبي للعاصمة اللبنانية قادماً من سوريا، تماماً كما كان حال أسماء مهمة أخرى من مثل: أدونيس ومحمد الماغوط وفؤاد رفقة ونذير العظمة ورياض نجيب الريس، الذين شاطروا أنسي الحاج وشوقي أبي شقرا وعصام محفوظ مغامرة البحث عن أفق جديد للكتابة العربية. وإذا أضفنا إلى هؤلاء اسمي نزار قباني وعمر أبو ريشة، على سبيل المثال لا الحصر، لقادنا ذلك إلى استنتاج أن بيروت لم تكن لتفلح في لعب دورها النهضوي الذي لعبته قبل ستة عقود لو لم تكن موئلاً وملاذاً للهاربين من زنازين القهر والاستبداد، ومساحةً للحرية والتجريب، ومختبراً محفوفاً بالمخاطر لتوليد الأفكار والرؤى الخلاقة.
إن من غير الممكن بالطبع أن يؤرخ أحد ما للمشهد الثقافي اللبناني بُعيد منتصف القرن الفائت دون التوقف ملياً عند اسم يوسف الخال، ودوره الريادي في رسم ملامح زمنه الثقافية والإبداعية، وتحديد سماتها ومساراتها المختلفة. ومع ذلك، فإن من حق الناقد المتأمل أن يعمل على ترسيم الحدود الفاصلة بين الشاعر في يوسف الخال، وبين صاحب المشروع الطليعي الذي خاض حروباً شديدة الضراوة ضد كل أشكال الصنمية والتنميط والتخلف والاجترار الفكري والتعبيري. وقد يكون من الأجدى أن نقارب صاحب «دفاتر الأيام» من زاوية المشروع والدور، ومن ثم ننتقل إلى منجزه الشعري، بغية الوقوف على وجوه التكامل أو التعارض بين حداثة الخال في شقها النظري من جهة، وحداثته المتحققه في النص الشعري من جهة أخرى. لقد امتلك يوسف الخال، في الجانب الأول، كل ما يلزم المثقف المبدع ليلعب دوره الطليعي المحوري في قيادة دفة التغيير، والانعطاف بها نحو وجهات ومناطق مختلفة. فإلى جانب ثقافته العالية، واطلاعه الواسع، ومكانته الأكاديمية، كان لديه ذلك الحضور الشخصي المحبب، على وسامة وأناقة ظاهرتين. وإذا أضفنا إلى ديناميته اللافته فارق السن بينه وبين أقرانه (ولد عام 1917)، فقد كان من الطبيعي أن يظهر في إطار مجلة «شعر» وندوتها الأسبوعية بمظهر الأب أو الأخ الأكبر، الذي لم يكن لقب «بطريرك الحداثة» سوى تتويج رمزي لموقعه المتقدم ودوره الرعائي.
لقد عرف يوسف الخال كيف ينأى بمجلته الرائدة عن التقوقع الآيديولوجي والعصبية الضيقة والمشروع الشخصي، ليحولها بتأثير واضح من مجلة أميركية تحمل الاسم نفسه إلى منصة مفتوحة للسجال الثقافي، وصراع الأفكار، والانتصار للحرية. فقد دعت المجلة إلى تحرير الإبداع من أية تبعية أو شبهة تبشيرية وعقائدية ملحقة به. ولم يكن من قبيل الصدفة أن يُستهل العدد الأول بقول الشاعر الأميركي أرشيبالد مكليش: «ليس على أولئك الذين يمارسون فن الشعر في زمن كزمننا كتابة الشعر السياسي، أو محاولة حل مشكلات عصرهم بقصائدهم، بل عليهم ممارسة فنهم لأجل أغراض فنهم، وبمستلزماته الذاتية». كما ذهب الخال، في إحدى مقالاته، إلى أن الشعر اللبناني، والعربي بوجه عام، لا يزال أسير الرومانسية الوجدانية أو الشكلانية الاجترارية الفارغة من أي بعد إنساني، وأن الشعراء، وبينهم سعيد عقل «يعيشون جسدياً في زمن، وروحياً وعقلياً في زمن آخر». ودعا إلى شعر مختلف، يقوم على التجربة الحياتية، وإبدال المفردات القديمة بأخرى معاصرة، وتطوير الإيقاع بما يتناسب مع طبيعة التجربة، والابتعاد عن الرمزية التجريدية لمصلحة الرمز المتصل بتاريخ الأمة وتراثها الروحي والعقلي. ورغم أن المجلة قد احتضنت عدداً غير قليل من الكتّاب المنتمين إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، فإن الشاعر لم يخف انحيازه، وبتأثير من أستاذه شارل مالك، إلى الكيان اللبناني، بما هو مساحة للتنوع والمغامرة الإنسانية وتعدد الثقافات. وهو لم يتردد، تبعاً لذلك، في أن يخوض أشرس السجالات والمعارك مع مجلة «الآداب» التي نادى صاحبها سهيل إدريس، على غرار سارتر، بمبدأ الالتزام في الأدب، كما انتصر للمشروع القومي العربي في مواجهة المنادين بالقومية اللبنانية. على أن ذلك لم يمنع الخال بالمقابل من أن يفتح صفحات مجلته أمام مئات النقاد والشعراء والمثقفين من كل المدارس والأساليب، كما من بلاد العرب وأمصارهم كافة، بحيث كانت تُنشر جنباً إلى جنب نصوص بدوي الجبل ونزار قباني وعبد الله البردوني وبدر شاكر السياب وأدونيس وفدوى طوقان وسميح القاسم وميشال طراد ومحمد الماغوط وعشرات غيرهم. وهو إذ عدّ أن تجديد طاقات اللغة وحيويتها سيكون ضرباً من ضروب العبث، ما لم يؤازره تفاعلٌ خلاقٌ مع الثقافات الفاعلة في العالم المعاصر، سعى بكل طاقته إلى جعل المجلة منصة لعشرات النصوص المترجمة عن اللغات الحية، متولياً على المستوى الشخصي ترجمة عدد من التجارب الإبداعية الكبرى، مثل: «الأرض الخراب» لتوماس إليوت، و«النبي» لجبران، و«ديوان الشعر الأميركي»، وغيرها. على أن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق يتعلق بمدى المجانسة والتناغم بين مقولات يوسف الخال وتنظيراته الجريئة حول الشعر، وأعماله الإبداعية التي صدر معظمها عن «دار العودة»، قبل رحيله بقليل. والواقع أن قراءة نقدية متفحصة لأعماله الأولى تُظهر بوضوح أن هذه الأعمال لا تنسجم، من حيث لغتها وأسلوبها، مع طروحاته النظرية الجريئة المتقدمة، بل إن قصائده ومقطوعاته الموزونة المقفاة لا ترقى إلى المستويات التي بلغتها القصيدة العربية الكلاسيكية في نماذجها العليا، بل هي تدور في فلك القصيدة المهجرية، أو النماذج العاطفية الرومانسية التي دعا فيما بعد إلى مقاومتها، والتخفف منها، كقوله: «فيا عينُ لا تدمعي \ رويداً، فعمّا قريبْ \ يعود إلى الحبيبْ \ ويبقى معي \ ومهما يُجنّ القدرْ \ ويفرش دربي ظلامْ \ ففي جانبي غرامْ \ كضوء القمرْ». وفي الشق «الوطني» من المجموعة، لا نعثر إلا على مقولات سياسية جاهزة، أقرب إلى النظم الموزون منها إلى أي شيء آخر: «يا بلادي سلمْتِ، ما زال لبنان \ قوي العمَاد، لمّا يُذلا \ شامخ الأنف، رافع الرأس حرا \ هانئاً دون غيره مستقلا». أما مسرحيته الشعرية اللاحقة «هيروديا» التي تتمحور حول العلاقة الآثمة بين الحاكم الروماني هيرودس وعشيقته هيروديا، التي قايضت رقصة ابنتها سالومي برأس يوحنا المعمدان، فهي تكشف عن تطور ملحوظ في تطويع الأوزان وتقطيعها لصالح الحوار الدرامي، ولو أنها لم تضف الكثير إلى ما أنجزه أحمد شوقي في مجال المسرح الشعري.
قد يكون الدور الذي لعبه يوسف الخال في إطار مجلة «شعر» شبيهاً بشكل أو بآخر بالدور الذي لعبه أندريه بروتون في إطار الحركة السوريالية. فهذا الأخير لم يكن أكثر السورياليين موهبة وأعظمهم نتاجاً، ولكنه كان بينهم الأفعل والأكثر دينامية وإخلاصاً لقضية الشعر والفن، تماماً كما كان وضع الخال بين أقرانه. إلا أنه من الظلم للشاعر ألا نشير إلى القفزة الواسعة التي حققها في وقت لاحق، حيث تعهد أن يقطع مع ماضيه الشعري، وأن يبحث عن مقاربات أسلوبية ورؤيوية مغايرة لتجربته السابقة، وهو ما سيبدو جلياً في مجموعته المتميزة «البئر المهجورة»، التي تتصادى إلى حد بعيد مع «الأرض الخراب» لإيليوت، بقدر ما تجمع بين الرمز الأسطوري التموزي والرمز الديني، المتمثل بشكل أساسي في شخصية المسيح بأبعادها المختلفة. صحيح أن الخال لم يقطع على المستوى الإيقاعي صلته بالأوزان في إطارها التفعيلي، ولكن نصوصه نحتْ أكثر فأكثر نحو التأمل في قضايا الحرية والظلم والاغتراب الوجودي، خصوصاً في القصيدة التي تحمل المجموعة اسمها، حيث يبدو إبراهيم رمزاً للإنسان العربي الذي حولته الهزيمة إلى كائن محطم مسلوب الإرادة: «لكن إبراهيم ظلّ سائراً \ كأنه لم يسمع الصدى \ وقيل إنه الجنون \ لكنني عرفت جاري العزيز من زمن الصغَرْ \ عرفته بئراً يفيض ماؤها \ وسائرُ البشَرْ \ تمرّ لا تشرب منها، لا ولا \ ترمي بها، ترمي بها حجَرْ». ومع أن خالدة سعيد قد عدّت، في إحدى مقالاتها النقدية، أن «البئر المهجورة» أحفل القصائد بالجاذبية والصدق والأسئلة الوجودية المريرة، فإنها لم تتردد بالمقابل في وصف قصائد أخرى للشاعر بالجفاف، وانعدام الحرارة، وغياب التجربة الذاتية. أما أنسي الحاج، من جهته، فلم يرفض مقولة سعيد حول تغييب الذات أو تحييدها من قبل الشاعر، لكنه بلغته اللماحة الماكرة ذهب إلى استنتاج أن الخال قد اختار بوعي كامل إبعاد قصيدته عن الغنائية والإنشاء العاطفي، وأنه «آثر عري حيطان الصومعة على الزخرف، وبرود شمس العقل على حرارات العواطف ورطوبات الأدب». وإذا كانت النصوص الموزونة في «قصائد في الأربعين» تتميز بالليونة والدفء، والتوهج الروحي، والترميز الموفق، كقول الشاعر: «أقوم وأرحل عن صحرنايا \ عن الظل عند ارتفاع الظهيرة \ وأنفض عني الغبارْ \ وفي العطَفات الأخيرةِ حيث تغيب ويسقط خلفي الستارْ \ سأنسى وجوه الحجارةِ، أنسى حشائشها كرؤوس الإبرْ \ وفي صحرنايا وأدتُ بناتي \ وكنتُ الضريحْ \ وفيها تشوّه وجهي، تناءى \ فدارت به كلّ ريحْ»، فإن قصائد الخال النثرية لم تكن منسجمة مع سليقته المفطورة على الأوزان، بما جعل التأليف الذهني الصرف يحول القصائد إلى تراكيب مسبقة التصاميم، أو متتاليات من الجمل الاسمية الباردة.
لا نستطيع، أخيراً، أن نفصل بين مأزق يوسف الخال في علاقته مع اللغة والشعر، ومأزق المشروع نفسه الذي وصل في نهاية الأمر، وبعد هزيمة بالذات، إلى طريق مسدود. فحيث يتوقف الشاعر عن الكتابة، بدعوى اصطدامه بجدار اللغة، ومن ثم يدعو إلى كتابة جديدة تزول فيها الفوارق بين المنطوق والمكتوب، ينفرط في الآن ذاته عقد المساهمين في المجلة، ومن ثم تتوقف عام 1970 نهائياً عن الصدور. ولعله من الظلم بمكان أن نذهب مع منير العكش إلى القول إن سبب احتجابها الحقيقي هو كون «عيونها في البحر، ومواهبها تخبُّ مع العيس»، أو الجِمال. صحيح أن بعض كتابها قد اختفوا تماماً عن ساحة الإبداع، ولكن الصحيح أيضاً أن بعضهم الآخر لا يزال حتى الساعة يحتل أكثر المواقع تقدماً وفرادة في المشهد الثقافي العربي. أما يوسف الخال الشاعر، فسيكون عليه أن يلوذ بصمت طويل، قطعته فيما بعد كتابات له بالمحكية لم تضف كثيراً إلى منجز ميشال طراد والرحبانيين وسعيد عقل، في حين بدا كتابه النثري «رسائل إلى دون كيشوت» أقرب إلى الاعترافات والبوح الشعري والاستشعار المرير بالخيبة والنكوص ودنو الأجل. وبالعودة، أخيراً، إلى السؤال المتعلق ببقاء الشاعر والمشروع، فإن موجبات الإنصاف والرؤية الموضوعية تستوجب الاعتراف بالدور المحوري المهم الذي لعبه الخال، مثقفاً ومترجماً ومؤسساً لمجلة رائدة، في تجديد الثقافة العربية، وتوسيع أفق القصيدة الحديثة ومسرحها. ومن يعود الآن إلى قراءة أعداد «شعر»، لا بد أن تذهله راهنية الأفكار والأسئلة والأساليب التي اقترحتها على اللغة والحياة العربيتين. ومع أن الزمن وحده منوط به تحديد ما يبقى وما لا يبقى من الشعراء والمبدعين، فإن الأبقى في نتاج يوسف الخال الشعري لن يكون أعماله الأولى، ولا قصائده العمودية أو المحكية، بل كثير من نصوصه المبثوثة في «البئر المهجورة» و«قصائد في الأربعين» و«رسائل إلى دون كيشوت»، حيث المواءمة واضحةٌ بين اللغة والرؤيا، كما بين الدعوة النظرية إلى التجديد والتجديد الفعلي على أرض الكتابة نفسها.



محمد شيخ: عرض «بارني» في قريتي بالصومال لحظة استثنائية

صور الفيلم في وقت قصير بسبب مشكلات التمويل (مهرجان لوكارنو)
صور الفيلم في وقت قصير بسبب مشكلات التمويل (مهرجان لوكارنو)
TT

محمد شيخ: عرض «بارني» في قريتي بالصومال لحظة استثنائية

صور الفيلم في وقت قصير بسبب مشكلات التمويل (مهرجان لوكارنو)
صور الفيلم في وقت قصير بسبب مشكلات التمويل (مهرجان لوكارنو)

قال المخرج الصومالي محمد شيخ إن فكرة فيلمه الروائي الأول «بارني» (Barni) انطلقت من رغبته في تقديم حكاية عن الشباب الذين ينتقلون من القرية إلى المدينة، مشيراً إلى أنه أراد أن يمزج في تجربته الأولى بين عناصر سينمائية مختلفة تأثر بها خلال نشأته ومشاهدته الأفلام.

وأضاف محمد شيخ، في مقابلة عبر «زووم» مع «الشرق الأوسط» بعد عرض فيلمه مؤخراً ضمن فعاليات مهرجان «لوكارنو السينمائي»، أن نشأته على أفلام «بوليوود، خصوصاً أفلام شاروخان وسلمان خان، إلى جانب أفلام هوليوود، دفعته إلى جمع مجموعة من العناصر التي أحبّها في السينما داخل فيلم واحد، من الحركة البطيئة وقصة الحب إلى الرقص والموسيقى وغيرها».

وتدور أحداث «بارني» (Barni) في قرية صومالية تعيش فيها عائلات من الرعاة، قبل أن يتبدل هدوء المكان بعد اختفاء بارني، الطفلة البالغة 9 سنوات، عقب حفل زفاف احتفالي. ورغم الجهود التي يبذلها أهل القرية للعثور عليها، تظل الطفلة مفقودة، فتقرر شقيقتها الكبرى أمينة، البالغة 18 عاماً، الانطلاق مع صديقيها هيرسي، 19 عاماً، وجيدي، 17 عاماً، في رحلة إلى المدينة بحثاً عنها. ومع انتقالهم إلى البيئة الجديدة، يواجه الثلاثة صعوبات متزايدة في التأقلم والعثور على بارني.

اضطر المخرج لتصوير الفيلم خارج الصومال (مهرجان لوكارنو)

وقال شيخ إن نقص التمويل كان التحدي الأكبر أمام إنجاز الفيلم، لكونه كان يرغب في تصويره داخل الصومال، لكن المخاطر الأمنية دفعت فريق العمل إلى اختيار جيبوتي موقعاً للتصوير، مشيراً إلى أن وجود وكالة سينمائية في جيبوتي وترحيبها بمساعدة فريق الفيلم أسهما في اتخاذ القرار بالتصوير هناك.

وأشار شيخ إلى أن ضيق الوقت كان من أبرز الصعوبات التي واجهته أثناء تصوير الفيلم؛ لأن نقص التمويل انعكس أيضاً على المدة المتاحة لتنفيذ العمل، لافتاً إلى أن نقص الخبرة كان تحدياً آخر، إذ لم يكن على دراية قبل خوض التجربة بكل المعامل السينمائية الدولية والمراحل التي يمر بها صناع الأفلام، لكنه أكد أن التعامل مع هذه التحديات أصبح أكثر سهولة بمجرد بدء التصوير.

وأكد أن أكثر التجارب تأثيراً بالنسبة إليه جاءت بعد الانتهاء من الفيلم، عندما عرضه على الممثلين وعائلاتهم، ثم اصطحبه إلى قريته، لأن هؤلاء الأشخاص كانوا يشاهدون للمرة الأولى فيلماً يتحدث عنهم، من دون الحاجة إلى قراءة الترجمة، وهو ما جعل التجربة شديدة الخصوصية بالنسبة إليه، مشيراً إلى أن ذلك العرض شهد استخدام جهاز عرض لإسقاط الفيلم على حائط، مع مكبرات صوت، في حين تجمع الشباب لمشاهدته، في مشهد كان مؤثراً لأنه يُمثل الجمهور الذي صنع الفيلم من أجله.

مخرج الفيلم محمد شيخ (مهرجان لوكارنو)

وأضاف المخرج أن مشاركة «بارني» في مهرجانات حول العالم منحت الفيلم فرصة للوصول إلى جماهير مختلفة، كما أتاحت له التعرف إلى صناع سينما من بلدان متعددة، مشيراً إلى أن اختلاف ردود أفعال الجمهور من مهرجان إلى آخر كان من أكثر الجوانب التي أسعدته، إذ كان كل جمهور يتفاعل مع الفيلم من زاوية مختلفة. كما رأى في هذه الرحلة فرصة مهمة له بوصفه مخرجاً شابّاً للتعرف إلى عالم المهرجانات وآليات عمله.

وأوضح شيخ أن حضور فيلم صومالي في المهرجانات الدولية كان تجربة فريدة بالنسبة له، خصوصاً مع وجود أفراد من الجالية الصومالية في عدد من المدن التي زارها، لافتاً إلى أن إقامته في الولايات المتحدة جعلت السفر إلى المهرجانات أسهل.

وحصد مشروع فيلم «اقبلوا رجائي للدفن» (Accept My Plea for Burial) للمخرج الصومالي محمد شيخ 20 ألف فرنك سويسري، ضمن منحة «أبواب مفتوحة» (Open Doors Grant)، وهي إحدى الجوائز الرئيسية التي يقدمها برنامج «أبواب مفتوحة» في مهرجان «لوكارنو»، وجاء المشروع ضمن 6 أفلام روائية في مرحلة التطوير اختيرت للمشاركة في منصة الإنتاج المشترك، التي خصصت دورة 2026 لمشروعات من 42 دولة أفريقية.

شاهد الممثلون الفيلم وسط عائلاتهم (مهرجان لوكارنو)

وعن مشروعه السينمائي الجديد، قال شيخ إن المشروع حصل كذلك على تمويل من «صندوق الدوحة للأفلام للإنتاج»، موضحاً أنه بات الآن في مرحلة متقدمة من التطوير، ويعود مرة أخرى من خلاله إلى أجواء القرى الصومالية، ومن المقرر تصويره في الصومال أو إثيوبيا.

وأعرب عن أمله في بدء التصوير خلال الصيف المقبل، على أن يعقب ذلك إعداد نسخة أولية والدخول في معامل ما بعد الإنتاج، تمهيداً لإنهاء الفيلم، وبدء جولته في المهرجانات، متوقعاً أن تكون الانطلاقة الأولى في عام 2028.


الأوبرا تعود إلى لبنان من بوابة «مهرجان ومسابقة بيروت الدولية»

المايسترو فرناندو عفارة يقود الأوركسترا المرافِقة لمارينا فيوتي (الجهة المنظمة)
المايسترو فرناندو عفارة يقود الأوركسترا المرافِقة لمارينا فيوتي (الجهة المنظمة)
TT

الأوبرا تعود إلى لبنان من بوابة «مهرجان ومسابقة بيروت الدولية»

المايسترو فرناندو عفارة يقود الأوركسترا المرافِقة لمارينا فيوتي (الجهة المنظمة)
المايسترو فرناندو عفارة يقود الأوركسترا المرافِقة لمارينا فيوتي (الجهة المنظمة)

في خطوة فنّية تُعدّ الأولى من نوعها في لبنان، تنطلق في 8 سبتمبر (أيلول) المقبل الدورة الأولى من «مهرجان ومسابقة بيروت الدولية للأوبرا»، برعاية وزارتَي السياحة، والثقافة، وبالتعاون مع بلدية زوق مكايل، وجمعية «بيتي»، والسفارة السويسرية في لبنان. ويطمح القائمون على الحدث لإعادة لبنان إلى موقعه الريادي على الخريطة الثقافية العالمية، في حين يعود الريع إلى صندوق الصليب الأحمر اللبناني.

وتحيي المهرجان النجمة الأوبرالية العالمية مارينا فيوتي، بينما يتولى قيادة الأوركسترا المرافقة لها المايسترو فرناندو عفارة، مؤسِّس جمعية «Les Solistes de Beirut».

وتشير رئيسة جمعية «بيتي» المشاركة في التنظيم، الدكتورة جوزفين زغيب، إلى أنّ الهدف الأساسي من هذه الخطوة يتمثّل في تشجيع المواهب الناشئة على خوض تجربة غناء الأوبرا. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «شكّل لبنان مركزاً ريادياً لمختلف الفنون، وكان فنّ الأوبرا أحدها، لكن جمهوره لا يزال أقلّ من جمهور الفنون الأخرى. لذلك رغبنا في إحيائه من جديد، ودعم مواهبه من خلال هذا الحدث».

ومن المتوقَّع أن يشارك في المسابقة عدد من الناشئين من لبنان، والعالم. وبعد إخضاع المتقدّمين لامتحان أمام لجنة تحكيم عالمية، سيُختار المرشّحون للتنافس، على أن تُقام المسابقة في مارس (آذار) المقبل. وتوضح زغيب: «تضمّ لجنة التحكيم موسيقيين، وقادة أوركسترا عالميين، وهو ما يتيح للمشاركين فرصة الاحتكاك بأسماء بارزة، والاستفادة من خبراتهم».

وتشيد بالضيفة العالمية، مغنّية الميتزو سوبرانو مارينا فيوتي، التي تحيي حفل المهرجان، وتقول: «إنها فنانة من الطراز الرفيع، وقد سبق أن أحيت الاحتفالات الوطنية في فرنسا، وسويسرا. ونتوقّع أن يحضر الحفل، مساء 8 سبتمبر، نحو 2500 شخص. وقد اعتمدنا أسعاراً مقبولة ليتسنّى لمختلف الفئات الاجتماعية الحضور، لا سيما الطلاب»، مؤكدةً أنّ فيوتي لم تتردَّد في تلبية الدعوة رغم الحرب الدائرة في جنوب لبنان.

يستضيف المدرج الروماني في زوق مكايل فعاليات المهرجان (الجهة المنظمة)

من جهته، يرى المايسترو فرناندو عفارة أنّ مواهب لبنانية كثيرة تنتظر فرصة لإبراز قدراتها في مجال الأوبرا. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الفنّ منتشر في مختلف دول العالم، وهو من الفنون الراقية التي يعود تاريخها إلى أزمنة بعيدة. لذلك فكرنا في أن يكون للبنان مساحة خاصة به، لا سيما أن مهرجانات فنية مثل (البستان) و(بعلبك) تستقدم نجوماً في هذا المجال ضمن برامجها السنوية».

ويضيف: «من خلال المهرجان، والمسابقة، سيتاح للمشاركين التواصل مباشرة مع عالم الأوبرا من خلال لجنة تحكيم متخصّصة، ومن شأن ذلك أن يسهم في اكتشاف مواهب تتطوّر، وتتقدّم مستقبلاً لتصبح من نجوم هذا الفن».

ولا يقتصر المشروع، وفق عفارة، على تنظيم مهرجان، ومسابقة، بل يتطلَّع إلى أن يكون مدخلاً تربوياً لتعريف الجيل الجديد بهذا الفنّ. ويوضح: «يمكن أن تشكّل المبادرة نوعاً من التوعية التربوية لجيل شاب لا يعرف الأوبرا جيداً، فتضعه على الطريق الصحيح لاختبار الفنّ الأصيل بعيداً عن المستهلك، والتجاري».

ويكشف عن أنّ المنظمين يدرسون إقامة ورشات عمل وحلقات لتعريف طلاب الجامعات وتلامذة المدارس بالفنّ الأوبرالي، مضيفاً: «سنقيم صفوفاً تعليمية، وحفلات سنوية لتقريب الجيل الجديد من هذا الفنّ. نريد أن نكون بمنزلة منصة خاصة به، وداعمين أساسيين له».

وعمّا إذا كان يتوقّع نجاح هذه الخطوة في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، والفنّ السريع، يردّ عفارة: «نواجه تحدّيات كثيرة، كما في مجالات أخرى نعاني فيها صعوبات اقتصادية، وثقافية، وفنية. لكننا سنلجأ أيضاً إلى هذه الوسائل للترويج لمشروعنا، بما يُقرّب بين وجهات النظر».

ويضيف: «في الماضي، كنا نتعرَّف إلى الفنون من خلال الأسطوانات المدمجة، والشرائط المسجَّلة. أما اليوم، فأصبحت المسألة أسهل بفضل وسائل التواصل، وهي تلعب دوراً إيجابياً أكثر منه سلبياً».

ورغم أنّ الأوبرا عُرفت على مدى عقود بكونها فناً نخبوياً له جمهوره الخاص، يرى عفارة أنّ ملامحها تبدَّلت، وأصبحت أكثر قرباً من الجمهور بأسلوب حديث، ومعاصر. ويقول: «لقد تغيَّرت ملامحها، وعلينا بدورنا أن نخرجها من دائرة الفنّ النخبوي، وقد سبقنا الغرب إلى ذلك».

تُحيي مغنّية الميتزو سوبرانو مارينا فيوتي النسخة الأولى من المهرجان (الجهة المنظمة)

ويتابع: «صرنا نلاحظ تغيّراً، سواء على صعيد الديكورات، أو طول الأعمال والأغنيات الأوبرالية. كما لعبت التكنولوجيا دوراً، وأفرزت أساليب حديثة في الموسيقى الأوبرالية. ونحن نعوّل أيضاً على القصص الأوبرالية النابعة في غالبيتها من التجربة الإنسانية، وهو ما يسهم في تقريبها من الناس عموماً، كونها تنقل حالات مشبَّعة بالأحاسيس».

ويشير عفارة إلى أنّ المشروع حظي باهتمام وسائل إعلام أجنبية: «لفت إعلاننا إقامة المهرجان والمسابقة هذه الوسائل إليهما، من بينها قنوات تلفزيونية من بلجيكا، وفرنسا، وصحافة أوروبية، وهي مهتمّة بالمجيء إلى لبنان، وتغطية الحدث».

ويختم: «لدى الأجانب فضول دائم للتعرّف إلى الفنون في الشرق الأوسط، ولا سيما الفن الأوبرالي. ونأمل أن يُشكّل هذا المهرجان مساحة تواصل بين لبنان والعالم، ويفتح الباب أمام مواهب جديدة للوصول إلى الساحة الدولية».


«هارفارد» تدفع 53 مليون دولار لتسوية قضية سرقة رفات بشرية وبيعها

جانب من جامعة هارفارد في كامبريدج بماساتشوستس في الولايات المتحدة 7 ديسمبر 2023 (رويترز)
جانب من جامعة هارفارد في كامبريدج بماساتشوستس في الولايات المتحدة 7 ديسمبر 2023 (رويترز)
TT

«هارفارد» تدفع 53 مليون دولار لتسوية قضية سرقة رفات بشرية وبيعها

جانب من جامعة هارفارد في كامبريدج بماساتشوستس في الولايات المتحدة 7 ديسمبر 2023 (رويترز)
جانب من جامعة هارفارد في كامبريدج بماساتشوستس في الولايات المتحدة 7 ديسمبر 2023 (رويترز)

وافقت جامعة هارفارد على دفع 53 مليون دولار لتسوية دعاوى مدنية تتعلق بسرقة وبيع رفات بشرية كانت عائلات قد تبرعت بها لكلية الطب لأغراض البحث العلمي، في قضية أثارت صدمة واسعة بسبب انتهاك حرمة المتبرعين وخيانة ثقة عائلاتهم، وفقاً لصحيفة «الغارديان».

وتعود القضية إلى سيدريك لودج، المدير السابق لمشرحة كلية الطب في هارفارد، الذي أقر في مايو (أيار) الماضي بذنبه في سرقة وبيع أجزاء من جثامين بشرية ضمن شبكة امتدت إلى عدة ولايات أميركية، وحُكم عليه في ديسمبر (كانون الأول) بالسجن 8 سنوات.

وقال ممثلو الادعاء إن لودج سرق، بين عامي 2018 ومارس (آذار) 2020 على الأقل، أعضاءً وجلوداً وأدمغة ورؤوساً بشرية من جثامين تبرع أصحابها بها للجامعة لاستخدامها في التعليم والبحث العلمي، من دون علم المتبرعين أو عائلاتهم.

كما حُكم على زوجته دينيس لودج، البالغة 65 عاماً، بالسجن لمدة عام ويوم واحد، لدورها في الشبكة التي كانت تتاجر بصورة غير قانونية في الرفات البشرية.

ووفقاً لوزارة العدل الأميركية، نقل لودج الرفات إلى منزله في نيو هامبشاير؛ حيث كان يرسلها، بمساعدة زوجته، إلى مشترين في ولايات أخرى. وأُعيد بيع بعض الرفات لاحقاً لتحقيق أرباح.

وأقر عدد من المتهمين الآخرين بالذنب في قضايا مرتبطة بالشبكة، وصدر بحقهم عدد من الأحكام.

وبموجب التسوية، ستُقدم كلية الطب في هارفارد بياناً إلى عائلات المتبرعين المتضررة خلال ندوة إلكترونية مباشرة، تؤكد فيه أن تصرفات لودج كانت «مستهجنة أخلاقياً»، وتتعارض مع معايير الجامعة. كما ستعرض الكلية التغييرات التي أدخلتها على برنامج التبرع بالأجساد.

وتعتزم الكلية إنشاء منحة مالية سنوية لطلاب الطب، اعتباراً من العام الأكاديمي 2027-2028، «تقديراً وتكريماً لجميع المتبرعين بأجسادهم».

وكانت عائلات متضررة قد بدأت رفع دعاوى ضد هارفارد في صيف 2023، متهمة الجامعة بالإهمال والتسبب في أضرار نفسية وعاطفية.

وأكد مسؤولون في الجامعة أن التسوية ستنهي الدعاوى المدنية، لكنها لن تنهي عملية التعافي من «هذا الحادث المؤلم»، معربين عن «الحزن العميق والتعاطف» مع عائلات المتبرعين.

وتُسلط القضية الضوء على انتهاك الثقة التي تضعها العائلات في المؤسسات العلمية، حين تتبرع بأجساد أحبائها أملاً في أن تُستخدم باحترام لخدمة العلم، لا أن تتحول إلى سلعة تُباع وتشترى.