ما الذي يبقى من يوسف الخال... الشعر أم المشروع؟

بين الشاعر والمترجم والمثقف التنويري ومؤسس مجلة «شعر»

يوسف الخال
يوسف الخال
TT

ما الذي يبقى من يوسف الخال... الشعر أم المشروع؟

يوسف الخال
يوسف الخال

لم يكن أمراً بلا دلالة أن يحتفظ اسم يوسف الخال بكل ذلك البريق الذي كان له في خمسينات القرن الفائت وستيناته على نحو خاص، وأن تظل صورته الناصعة ماثلةً في أذهان اللبنانيين والعرب، لا بوصفه أحد رموز التجديد الشعري فحسب، بل بوصفه المثقف التنويري والمترجم والناقد والمنظّر الرؤيوي، ومؤسس مجلة «شعر» التي اعتبرت بحق راعية قصيدة النثر، والحاضنة الشرعية لمشروع الحداثة الثانية التي تبلورت معالمها في بيروت، بعد أن كانت بغداد قابلة الحداثة الأولى. ولم يكن أمراً بلا دلالة أيضاً أن يكون الرجل الذي أسهم إلى حد كبير في تظهير صورة العصر الذهبي للعاصمة اللبنانية قادماً من سوريا، تماماً كما كان حال أسماء مهمة أخرى من مثل: أدونيس ومحمد الماغوط وفؤاد رفقة ونذير العظمة ورياض نجيب الريس، الذين شاطروا أنسي الحاج وشوقي أبي شقرا وعصام محفوظ مغامرة البحث عن أفق جديد للكتابة العربية. وإذا أضفنا إلى هؤلاء اسمي نزار قباني وعمر أبو ريشة، على سبيل المثال لا الحصر، لقادنا ذلك إلى استنتاج أن بيروت لم تكن لتفلح في لعب دورها النهضوي الذي لعبته قبل ستة عقود لو لم تكن موئلاً وملاذاً للهاربين من زنازين القهر والاستبداد، ومساحةً للحرية والتجريب، ومختبراً محفوفاً بالمخاطر لتوليد الأفكار والرؤى الخلاقة.
إن من غير الممكن بالطبع أن يؤرخ أحد ما للمشهد الثقافي اللبناني بُعيد منتصف القرن الفائت دون التوقف ملياً عند اسم يوسف الخال، ودوره الريادي في رسم ملامح زمنه الثقافية والإبداعية، وتحديد سماتها ومساراتها المختلفة. ومع ذلك، فإن من حق الناقد المتأمل أن يعمل على ترسيم الحدود الفاصلة بين الشاعر في يوسف الخال، وبين صاحب المشروع الطليعي الذي خاض حروباً شديدة الضراوة ضد كل أشكال الصنمية والتنميط والتخلف والاجترار الفكري والتعبيري. وقد يكون من الأجدى أن نقارب صاحب «دفاتر الأيام» من زاوية المشروع والدور، ومن ثم ننتقل إلى منجزه الشعري، بغية الوقوف على وجوه التكامل أو التعارض بين حداثة الخال في شقها النظري من جهة، وحداثته المتحققه في النص الشعري من جهة أخرى. لقد امتلك يوسف الخال، في الجانب الأول، كل ما يلزم المثقف المبدع ليلعب دوره الطليعي المحوري في قيادة دفة التغيير، والانعطاف بها نحو وجهات ومناطق مختلفة. فإلى جانب ثقافته العالية، واطلاعه الواسع، ومكانته الأكاديمية، كان لديه ذلك الحضور الشخصي المحبب، على وسامة وأناقة ظاهرتين. وإذا أضفنا إلى ديناميته اللافته فارق السن بينه وبين أقرانه (ولد عام 1917)، فقد كان من الطبيعي أن يظهر في إطار مجلة «شعر» وندوتها الأسبوعية بمظهر الأب أو الأخ الأكبر، الذي لم يكن لقب «بطريرك الحداثة» سوى تتويج رمزي لموقعه المتقدم ودوره الرعائي.
لقد عرف يوسف الخال كيف ينأى بمجلته الرائدة عن التقوقع الآيديولوجي والعصبية الضيقة والمشروع الشخصي، ليحولها بتأثير واضح من مجلة أميركية تحمل الاسم نفسه إلى منصة مفتوحة للسجال الثقافي، وصراع الأفكار، والانتصار للحرية. فقد دعت المجلة إلى تحرير الإبداع من أية تبعية أو شبهة تبشيرية وعقائدية ملحقة به. ولم يكن من قبيل الصدفة أن يُستهل العدد الأول بقول الشاعر الأميركي أرشيبالد مكليش: «ليس على أولئك الذين يمارسون فن الشعر في زمن كزمننا كتابة الشعر السياسي، أو محاولة حل مشكلات عصرهم بقصائدهم، بل عليهم ممارسة فنهم لأجل أغراض فنهم، وبمستلزماته الذاتية». كما ذهب الخال، في إحدى مقالاته، إلى أن الشعر اللبناني، والعربي بوجه عام، لا يزال أسير الرومانسية الوجدانية أو الشكلانية الاجترارية الفارغة من أي بعد إنساني، وأن الشعراء، وبينهم سعيد عقل «يعيشون جسدياً في زمن، وروحياً وعقلياً في زمن آخر». ودعا إلى شعر مختلف، يقوم على التجربة الحياتية، وإبدال المفردات القديمة بأخرى معاصرة، وتطوير الإيقاع بما يتناسب مع طبيعة التجربة، والابتعاد عن الرمزية التجريدية لمصلحة الرمز المتصل بتاريخ الأمة وتراثها الروحي والعقلي. ورغم أن المجلة قد احتضنت عدداً غير قليل من الكتّاب المنتمين إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، فإن الشاعر لم يخف انحيازه، وبتأثير من أستاذه شارل مالك، إلى الكيان اللبناني، بما هو مساحة للتنوع والمغامرة الإنسانية وتعدد الثقافات. وهو لم يتردد، تبعاً لذلك، في أن يخوض أشرس السجالات والمعارك مع مجلة «الآداب» التي نادى صاحبها سهيل إدريس، على غرار سارتر، بمبدأ الالتزام في الأدب، كما انتصر للمشروع القومي العربي في مواجهة المنادين بالقومية اللبنانية. على أن ذلك لم يمنع الخال بالمقابل من أن يفتح صفحات مجلته أمام مئات النقاد والشعراء والمثقفين من كل المدارس والأساليب، كما من بلاد العرب وأمصارهم كافة، بحيث كانت تُنشر جنباً إلى جنب نصوص بدوي الجبل ونزار قباني وعبد الله البردوني وبدر شاكر السياب وأدونيس وفدوى طوقان وسميح القاسم وميشال طراد ومحمد الماغوط وعشرات غيرهم. وهو إذ عدّ أن تجديد طاقات اللغة وحيويتها سيكون ضرباً من ضروب العبث، ما لم يؤازره تفاعلٌ خلاقٌ مع الثقافات الفاعلة في العالم المعاصر، سعى بكل طاقته إلى جعل المجلة منصة لعشرات النصوص المترجمة عن اللغات الحية، متولياً على المستوى الشخصي ترجمة عدد من التجارب الإبداعية الكبرى، مثل: «الأرض الخراب» لتوماس إليوت، و«النبي» لجبران، و«ديوان الشعر الأميركي»، وغيرها. على أن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق يتعلق بمدى المجانسة والتناغم بين مقولات يوسف الخال وتنظيراته الجريئة حول الشعر، وأعماله الإبداعية التي صدر معظمها عن «دار العودة»، قبل رحيله بقليل. والواقع أن قراءة نقدية متفحصة لأعماله الأولى تُظهر بوضوح أن هذه الأعمال لا تنسجم، من حيث لغتها وأسلوبها، مع طروحاته النظرية الجريئة المتقدمة، بل إن قصائده ومقطوعاته الموزونة المقفاة لا ترقى إلى المستويات التي بلغتها القصيدة العربية الكلاسيكية في نماذجها العليا، بل هي تدور في فلك القصيدة المهجرية، أو النماذج العاطفية الرومانسية التي دعا فيما بعد إلى مقاومتها، والتخفف منها، كقوله: «فيا عينُ لا تدمعي \ رويداً، فعمّا قريبْ \ يعود إلى الحبيبْ \ ويبقى معي \ ومهما يُجنّ القدرْ \ ويفرش دربي ظلامْ \ ففي جانبي غرامْ \ كضوء القمرْ». وفي الشق «الوطني» من المجموعة، لا نعثر إلا على مقولات سياسية جاهزة، أقرب إلى النظم الموزون منها إلى أي شيء آخر: «يا بلادي سلمْتِ، ما زال لبنان \ قوي العمَاد، لمّا يُذلا \ شامخ الأنف، رافع الرأس حرا \ هانئاً دون غيره مستقلا». أما مسرحيته الشعرية اللاحقة «هيروديا» التي تتمحور حول العلاقة الآثمة بين الحاكم الروماني هيرودس وعشيقته هيروديا، التي قايضت رقصة ابنتها سالومي برأس يوحنا المعمدان، فهي تكشف عن تطور ملحوظ في تطويع الأوزان وتقطيعها لصالح الحوار الدرامي، ولو أنها لم تضف الكثير إلى ما أنجزه أحمد شوقي في مجال المسرح الشعري.
قد يكون الدور الذي لعبه يوسف الخال في إطار مجلة «شعر» شبيهاً بشكل أو بآخر بالدور الذي لعبه أندريه بروتون في إطار الحركة السوريالية. فهذا الأخير لم يكن أكثر السورياليين موهبة وأعظمهم نتاجاً، ولكنه كان بينهم الأفعل والأكثر دينامية وإخلاصاً لقضية الشعر والفن، تماماً كما كان وضع الخال بين أقرانه. إلا أنه من الظلم للشاعر ألا نشير إلى القفزة الواسعة التي حققها في وقت لاحق، حيث تعهد أن يقطع مع ماضيه الشعري، وأن يبحث عن مقاربات أسلوبية ورؤيوية مغايرة لتجربته السابقة، وهو ما سيبدو جلياً في مجموعته المتميزة «البئر المهجورة»، التي تتصادى إلى حد بعيد مع «الأرض الخراب» لإيليوت، بقدر ما تجمع بين الرمز الأسطوري التموزي والرمز الديني، المتمثل بشكل أساسي في شخصية المسيح بأبعادها المختلفة. صحيح أن الخال لم يقطع على المستوى الإيقاعي صلته بالأوزان في إطارها التفعيلي، ولكن نصوصه نحتْ أكثر فأكثر نحو التأمل في قضايا الحرية والظلم والاغتراب الوجودي، خصوصاً في القصيدة التي تحمل المجموعة اسمها، حيث يبدو إبراهيم رمزاً للإنسان العربي الذي حولته الهزيمة إلى كائن محطم مسلوب الإرادة: «لكن إبراهيم ظلّ سائراً \ كأنه لم يسمع الصدى \ وقيل إنه الجنون \ لكنني عرفت جاري العزيز من زمن الصغَرْ \ عرفته بئراً يفيض ماؤها \ وسائرُ البشَرْ \ تمرّ لا تشرب منها، لا ولا \ ترمي بها، ترمي بها حجَرْ». ومع أن خالدة سعيد قد عدّت، في إحدى مقالاتها النقدية، أن «البئر المهجورة» أحفل القصائد بالجاذبية والصدق والأسئلة الوجودية المريرة، فإنها لم تتردد بالمقابل في وصف قصائد أخرى للشاعر بالجفاف، وانعدام الحرارة، وغياب التجربة الذاتية. أما أنسي الحاج، من جهته، فلم يرفض مقولة سعيد حول تغييب الذات أو تحييدها من قبل الشاعر، لكنه بلغته اللماحة الماكرة ذهب إلى استنتاج أن الخال قد اختار بوعي كامل إبعاد قصيدته عن الغنائية والإنشاء العاطفي، وأنه «آثر عري حيطان الصومعة على الزخرف، وبرود شمس العقل على حرارات العواطف ورطوبات الأدب». وإذا كانت النصوص الموزونة في «قصائد في الأربعين» تتميز بالليونة والدفء، والتوهج الروحي، والترميز الموفق، كقول الشاعر: «أقوم وأرحل عن صحرنايا \ عن الظل عند ارتفاع الظهيرة \ وأنفض عني الغبارْ \ وفي العطَفات الأخيرةِ حيث تغيب ويسقط خلفي الستارْ \ سأنسى وجوه الحجارةِ، أنسى حشائشها كرؤوس الإبرْ \ وفي صحرنايا وأدتُ بناتي \ وكنتُ الضريحْ \ وفيها تشوّه وجهي، تناءى \ فدارت به كلّ ريحْ»، فإن قصائد الخال النثرية لم تكن منسجمة مع سليقته المفطورة على الأوزان، بما جعل التأليف الذهني الصرف يحول القصائد إلى تراكيب مسبقة التصاميم، أو متتاليات من الجمل الاسمية الباردة.
لا نستطيع، أخيراً، أن نفصل بين مأزق يوسف الخال في علاقته مع اللغة والشعر، ومأزق المشروع نفسه الذي وصل في نهاية الأمر، وبعد هزيمة بالذات، إلى طريق مسدود. فحيث يتوقف الشاعر عن الكتابة، بدعوى اصطدامه بجدار اللغة، ومن ثم يدعو إلى كتابة جديدة تزول فيها الفوارق بين المنطوق والمكتوب، ينفرط في الآن ذاته عقد المساهمين في المجلة، ومن ثم تتوقف عام 1970 نهائياً عن الصدور. ولعله من الظلم بمكان أن نذهب مع منير العكش إلى القول إن سبب احتجابها الحقيقي هو كون «عيونها في البحر، ومواهبها تخبُّ مع العيس»، أو الجِمال. صحيح أن بعض كتابها قد اختفوا تماماً عن ساحة الإبداع، ولكن الصحيح أيضاً أن بعضهم الآخر لا يزال حتى الساعة يحتل أكثر المواقع تقدماً وفرادة في المشهد الثقافي العربي. أما يوسف الخال الشاعر، فسيكون عليه أن يلوذ بصمت طويل، قطعته فيما بعد كتابات له بالمحكية لم تضف كثيراً إلى منجز ميشال طراد والرحبانيين وسعيد عقل، في حين بدا كتابه النثري «رسائل إلى دون كيشوت» أقرب إلى الاعترافات والبوح الشعري والاستشعار المرير بالخيبة والنكوص ودنو الأجل. وبالعودة، أخيراً، إلى السؤال المتعلق ببقاء الشاعر والمشروع، فإن موجبات الإنصاف والرؤية الموضوعية تستوجب الاعتراف بالدور المحوري المهم الذي لعبه الخال، مثقفاً ومترجماً ومؤسساً لمجلة رائدة، في تجديد الثقافة العربية، وتوسيع أفق القصيدة الحديثة ومسرحها. ومن يعود الآن إلى قراءة أعداد «شعر»، لا بد أن تذهله راهنية الأفكار والأسئلة والأساليب التي اقترحتها على اللغة والحياة العربيتين. ومع أن الزمن وحده منوط به تحديد ما يبقى وما لا يبقى من الشعراء والمبدعين، فإن الأبقى في نتاج يوسف الخال الشعري لن يكون أعماله الأولى، ولا قصائده العمودية أو المحكية، بل كثير من نصوصه المبثوثة في «البئر المهجورة» و«قصائد في الأربعين» و«رسائل إلى دون كيشوت»، حيث المواءمة واضحةٌ بين اللغة والرؤيا، كما بين الدعوة النظرية إلى التجديد والتجديد الفعلي على أرض الكتابة نفسها.



مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended