الاقتصاد الهندي يواجه أزمة مزدوجة مع ارتفاع النفط وتراجع الروبية

ثالث أكبر مستهلك عالمي يعاني معضلة كبرى

التقلبات الحادة في أسعار النفط تمثل المشكلة الأكبر للاقتصاد الهندي (رويترز)
التقلبات الحادة في أسعار النفط تمثل المشكلة الأكبر للاقتصاد الهندي (رويترز)
TT

الاقتصاد الهندي يواجه أزمة مزدوجة مع ارتفاع النفط وتراجع الروبية

التقلبات الحادة في أسعار النفط تمثل المشكلة الأكبر للاقتصاد الهندي (رويترز)
التقلبات الحادة في أسعار النفط تمثل المشكلة الأكبر للاقتصاد الهندي (رويترز)

لا تزال التقلبات الحادة في أسعار النفط تمثل المشكلة الأكبر للاقتصاد الهندي. ولأنها ثالث أكبر مستورد عالمي للنفط الخام؛ حيث تستورد 80 في المائة من احتياجاتها من الخارج، فإن الهند تقف على المحك بعد ارتفاع أسعار النفط بواقع 70 في المائة العام الماضي وحده، لو أننا حسبنا السعر بالروبية الهندية.
فقد أظهرت بيانات صادرة عن الحكومة الهندية أنه بين عامي 2017 و2018، استوردت الهند 219 طنا من النفط الخام بقيمة 88 مليار دولار، وفي سبتمبر (أيلول) من العام الماضي استوردت نفطا بقيمة 10.91 مليار دولار، بزيادة 33.6 في المائة عن العام الماضي.
إن زيادة دولار واحد في سعر برميل النفط الخام في الأسواق العالمية، يتسبب في تحمل الخزانة الهندية نحو 1.5 مليار دولار. وفي الشهور الأخيرة تعدى سعر النفط عالميا 80 دولارا للبرميل (ضعف السعر منذ عامين)، ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، منها التوتر الجيوسياسي، والعقوبات، وبالطبع تدفق رأس المال لأغراض المضاربة. وفي عام 2015، تفوقت الهند على اليابان بعد أن أصبحت ثالث أكبر مستهلك للنفط الخام بعد الولايات المتحدة والصين، وفي الوقت ذاته، فإن استهلاك الهند من النفط الخام يرتفع بأعلى وتيرة بين اقتصادات الدول الكبرى. وفي هذا الصدد، أفاد بارتا غوش، المدير التنفيذي لمؤسسة النفط الهندية، بأنه من المتوقع ارتفاع طلب الهند على النفط ليصبح 500 مليون طن في العام بحلول عام 2040، غير أن الزيادة المستمرة في أسعار النفط ربما تقف حجر عثرة أمام النمو. ويعني هذا زيادة الاستهلاك ليصبح 10 ملايين برميل يوميا، مقارنة بنحو 4.7 مليون برميل عام 2017.
وعلى صعيد متصل، صرح بروناب سين، مدير «مركز النمو العالمي» في الهند، بأن «اقتصاد الهند في غاية الحساسية لأسعار النفط؛ حيث يقال إن زيادة سعر البرميل بواقع 10 دولارات يقلل إجمالي دخل الفرد بواقع 0.2 إلى 0.3 في المائة».
وقد تراجعت احتياطات الهند من النقد الأجنبي بواقع 5.14 مليار دولار خلال الأسبوع الذي سبق 12 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وهو التراجع الأكبر خلال أسبوع واحد منذ سبع سنوات، بحسب بيانات صادرة عن البنك المركزي الهندي. فقد تراجع الاحتياطي النقدي 5.14 مليار دولار ليصبح 394.46 مليار دولار.

احتياطيات استراتيجية

تتطلع الهند إلى الحصول على استثمارات من منتجي نفط وتجار عالميين، لتكوين احتياطيات نفط إضافية للطوارئ، تقي من الارتفاع الحاد والمفاجئ في الأسعار.
عمالقة النفط في العالم، مثل «أرامكو»، و«شركة بترول أبوظبي الوطنية» وكيانات النفط التجارية، مثل «فيتول غروب»، و«غلينكور»، جمعيهم عبروا عن رغبتهم في مشاركة الهند في تكوين احتياطي استراتيجي نفطي للبلاد. وتعتزم الحكومة الدعوة إلى مناقصات لتكوين شراكات لبناء خزانات نفط خام استراتيجية في منطقتي «شانديخول»، بولاية «أوديشا»، و«بادور» في «كرانتكا» ضمن نشاطات القطاع الخاص.
وفي هذا الصدد، قال إتش بي إس أهوجا، المدير التنفيذي لشركة «احتياطي النفط الاستراتيجي الهندي المحدودة»، إنه «بالنظر إلى الطلب المتزايد على الطاقة في البلاد، فقد أبدى اللاعبون العالميون رغبة في المشاركة في إنشاء كيان يحفظ مخزون النفط الاستراتيجي في البلاد. ويمكن للخزانات تحت الأرض استيعاب 6.5 مليون طن من النفط الخام. إن تشجيع المستثمرين على المساهمة في بناء مرافق التخزين، من شأنه أن يقلل الضغط على أموال الدولة، ويساعد الحكومة في تنفيذ أهداف ميزانيتها الرامية إلى التوسع في الاحتياطي النفطي لحماية الاقتصاد القومي من اشتعال الأسعار».
واستطرد أهوجا بقوله: «نعمل على الاستعانة بالتجارب المالية لدول أخرى في بناء وملء الخزانات، وهو ما سيعود بالنفع المادي على المستثمرين»، مضيفا أن «الهند ستحتفظ بحقها في النفط المخزون بتلك المستودعات».
وللهند مخزون نفطي يبلغ 5.33 مليون طن في خزانات تحت الأرض بثلاثة مواقع أخرى مختلفة. وقد اشترت الحكومة النفط الخام لملء الخزانات بمنطقتي «فيسخاباتنام» و«أندرا برادش»، ونصف خزان آخر بمنطقة «منغلور» في ولاية «كرانتاكا»، فيما تؤجر النصف الآخر لشركة بترول أبوظبي.

تراجع الروبية

ساء وضع سعر النفط في الهند بسبب التدهور السريع لقيمة عملة الروبية، بعد أن انخفضت بواقع 16 في المائة منذ بداية العام. بكلمات أخرى، تتعرض البلاد لضربة مزدوجة تتمثل في ارتفاع أسعار النفط الخام وتراجع قيمة الروبية، مما يرفع من سعر الواردات. ولم يؤدّ قرار الحكومة بتعويم الروبية إلى نتائج ملموسة حتى الآن.
ووفق التقرير الصادر عن «مؤسسة كريسل البحثية»، فقد أدى ارتفاع قيمة النفط إلى الضغط على العجز في الحساب الجاري للدول المستوردة للنفط مثل الهند، مما أدى إلى مزيد من التراجع في قيم العملات.
ويواجه صناع القرار في الهند حاليا مهمة صعبة، تتمثل في قيادة دفة الاقتصاد. على سبيل المثال، فقد اتسع العجز في الحساب الجاري ليبلغ 2.4 في المائة من الناتج القومي الإجمالي في الربع الأول من العام المالي 2018 - 2019. ومن المتوقع أن يصل إلى 3 في المائة بنهاية العام، وهو ما لا يظهر أي مؤشرات للتعافي. بالإضافة إلى ذلك، فإن زيادة مبيعات البترول والديزل قد تأثرت بالفعل سلبيا بعد أن قفزت أسعارهما إلى عنان السماء.
ومن المرجح أن يكون لذلك تأثير سلبي على مستقبل الاقتصاد الهندي، الذي يعد الأسرع نموا في العالم، في الفترة القادمة؛ حيث إن ارتفاع أسعار الوقود يهدد بحدوث حالة من التضخم، مما يجبر البنك المركزي الحذر على اللجوء إلى مزيد من التشديد في السياسة المالية. فقد حققت مؤشرات أسواق المال خسائر نتيجة لانسحاب المستثمرين الأجانب من أسواق المال الهندية، بسبب المخاوف العالمية وتأثير عملة الروبية الضعيفة على العائدات المحلية. وفي الوقت ذاته، سحب المستثمرون الأجانب أكثر من 12 مليار دولار من الأسواق الهندية، حتى الأسبوع الأول من أكتوبر الجاري.
وبحسب التقارير، فإن هذا هو أسوأ هروب لرأس المال منذ عام 2002، فالوضع يبدو قاتما على المدى القصير، بحسب البروفسور أر نغراج، الأستاذ بـ«معهد أنديرا غاندي للتنمية والأبحاث» بمومباي، الذي أضاف أن المشكلة تكمن في هروب رأس المال نتيجة لسحب المستثمرين أموالهم، مما يؤدي إلى تراجع قيمة الروبية وهبوط أسعار الأسهم.
في الوقت ذاته، حاولت الهند إقناع منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) بوضع حد للحصص التي تحصل عليها المنظمة عند بيع الدول الأعضاء نفطهم للهند. وتمثل «الحصة الآسيوية» السعر الأعلى الذي تدفعه الدول الآسيوية لشراء النفط من «أوبك». فالولايات المتحدة وأوروبا الغنيتان تحصلان على النفط بأسعار منافسة. وقد توجه رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي بنداء حار خلال تجمع لوزراء النفط البارزين في نيودلهي مؤخرا، لتقليل كلفة الطاقة، لكي يتعافى الاقتصاد في المستقبل. ودعا مودي كذلك إلى مراجعة شروط السداد، بأن طالب باستخدام جزئي للروبية الهندية في شراء النفط، بدلا من الدولار الأميركي، بغرض تخفيف العبء على الدول المستوردة للنفط نتيجة لارتفاع قيمة الدولار الأميركي.

بدائل للدولار في تجارة النفط

تفكر الهند مليا في استبدال الدولار في تجارتها النفطية مع إيران وفنزويلا وروسيا. ويعمل بنك الاحتياطي الهندي ووزارة المالية على توفير عملة الروبية، وعقد صفقات مقايضة مع الدول المنتجة للنفط مثل روسيا وإيران وفنزويلا. وبالفعل أبرمت الهند اتفاقا بهذا المعنى بالروبية مع إيران. وقد أفاد الباحث إر سارمارثي بأن «نحو مليوني برميل يوميا من النفط الخام قد تختفي من السوق بسبب العقوبات الأميركية على إيران، بنهاية الربع الأخير من العام الجاري. وفي حال فقدت الهند نفط إيران الذي تبتاعه بتخفيضات كبيرة - في الوقت الذي قفزت فيه أسعار النفط - وتجاوزت الضغوط حدود تحمل المواطنين رغم كل الإجراءات المتخذة، وفي وقت تمر فيه الروبية بأسوأ فترات ضعفها أمام الدولار، فسوف يخترق الموقف السياسي منطقة الخطر».
كان النفط الذي ستشتريه الهند من إيران دوما صفقة رابحة للهند؛ لأن إيران وحدها تعرض مهلة السداد بعد 60 يوما من الشراء، وهي الميزة التي لا تعطيها أي دولة أخرى مصدرة للنفط للهند. وفي سياق متصل، قال مسؤول رفيع، إن «فنزويلا تعد ضمن أكبر عشر دول مصدرة للنفط للهند، ولذلك فقد تكون هناك إمكانية لاستخدام نظام السداد بالروبية. وعلى الهند النظر إلى ما يمكنها بيعه إلى جانب الأرز والأدوية لتضفي نوعا من الجاذبية على صفقاتها»، مضيفا أن «الترتيبات في هذا الشأن ستعتمد على نظام المقايضة».
وخلال زيارة الرئيس الروسي للهند الشهر الماضي، اتفق الطرفان على العمل بنظام الروبية في واردات الطاقة.



أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.