سلاح تنظيم العشوائيات يقترب من موالي النظام في دمشق

احتجاجات على قرار الحكومة تطبيق القانون رقم 10 في أحياء شاركت في الحرب

مقاتل معارض في داريا قرب دمشق قبل سيطرة النظام عليها (غيتي)
مقاتل معارض في داريا قرب دمشق قبل سيطرة النظام عليها (غيتي)
TT

سلاح تنظيم العشوائيات يقترب من موالي النظام في دمشق

مقاتل معارض في داريا قرب دمشق قبل سيطرة النظام عليها (غيتي)
مقاتل معارض في داريا قرب دمشق قبل سيطرة النظام عليها (غيتي)

لم تعد سياسية «التهجير القسري» التي يتبعها النظام السوري تقتصر على معارضيه، بل طالت حالياً مؤيديه من خلال الكشف عن خطط لتنظيم مناطق «السكن العشوائي» المحيطة بمدينة دمشق وفق القانون رقم 10.
وكشفت محافظة دمشق الشهر الماضي عن خطة زمنية لوضع دراسات خاصة بمناطق «السكن العشوائي» المحيطة بالمدينة، ومن ثم إعادة تنظيمها وفق القانون رقم «10» الذي صدر بداية العام الحالي. ويجيز إحداث منطقة تنظيمية أو أكثر ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الإدارية، والذي جاء تطويراً للمرسوم 66 الصادر عام 2012 والقاضي بتنظيم منطقتين عشوائيتين ضمن دمشق وهما «بساتين المزة» و«كفر سوسة».
تتضمن الخطة، بحسب الإعلام الرسمي، في مرحلتها الأولى التي ستنتهي العام المقبل، وضع دراسة تنظيمية لأحياء «القابون الصناعي»، و«برزة»، و«عشر الورور»، و«جوبر» شمال شرقي العاصمة، حيث سيتم «هدم المناطق المخالفة (العشوائية) ومنح أصحاب الشقق والأراضي أسهماً في المنطقة، ليصار إلى تنظيمها كمناطق أبراج سكنية.
سيتم في المرحلة الثانية الممتدة من 2019 – 2020، وضع دراسة لمناطق «التضامن» و«دف الشوك» و«حي الزهور» الواقعة جنوب شرقي العاصمة ومنطقتي «الزاهرة» و«نهر عيشة» جنوب غربي العاصمة، بينما تشمل الثالثة مناطق «قاسيون» و«مهاجرين» و«معربا»، وسيتم وضع الدراسة الخاصة بها ما بين 2020 - 2021، على حين سيتم في المرحلة الرابعة الممتدة ما بين 2021 و2022 وضع دراسة لمنطقتي «الدويلعة» و«الطبالة»، وفي الخامسة منطقتي «مزة 86» و«مخالفات دمر» ما بين 2022 – 2023، والسادسة «استملاك المعضمية» ما بين 2023 - 2024.
يلاحظ من إعلان محافظة دمشق السابق، أن المناطق والأحياء التي تشملها الخطة، منها ما كان بالكامل تحت سيطرة فصائل المعارضة المسلحة، وأخرى كانت المعارضة تسيطر على أجزاء منها، وبعضها كان بالكامل تحت سيطرة النظام، وقاتل كثير من سكانها إلى جانب النظام ضد فصائل المعارضة.
نصف السكان في عشوائيات
والعشوائيات أو سكن المخالفات هي مناطق غير منظمة، أنشئت بلا تراخيص، وتطورت مع الوقت من دون أن تحظى بخدمات نظامية من شبكات ماء وصرف صحي وخطوط توتر عالي، بالإضافة إلى عدم وجود حدائق وشوارع عريضة ومراكز ثقافية وظروف الحياة اللائقة الأخرى فيها.
وتشير الأرقام إلى أن نسبة السكن العشوائي تصل إلى ما يعادل نصف السكن الإجمالي في سوريا، ويتوزع على 147 منطقة، جرى بناؤها منذ عقود من قبل الفقراء الذين لفظتهم المدن إلى أطرافها، مروراً بموجات الهجرة من الأرياف القريبة المترافقة مع تدهور قطاع الزراعة، وصولاً إلى الخروج الكبير بعد موجة الجفاف الأخيرة التي ضربت عمق الريف السوري في منتصف العقد الماضي. وبحسب المكتب المركزي للإحصاء التابع للنظام لعام 2007، فإن 46 في المائة من سكان مدينة دمشق يقيمون في «مناطق المخالفات» أو ما اصطلح على تسميتها بـ«أحزمة الفقر»، ويصل عددهم إلى ما يقارب 700 ألف نسمة، غير أن هناك أرقاماً متداولة غير رسمية توصلها إلى 2.5 مليون في دمشق وريفها، علما أن سكان مدينة دمشق قبل اندلاع الأحداث في البلاد وصل إلى نحو 4 ملايين نسمة، بينما يشير متابعون إلى أن العدد وصل إلى أكثر من 6 ملايين بعد موجات النزوح التي حصلت خلال سنوات الحرب.

ألوان طائفية
وبينما تشير الأرقام إلى وجود 18 منطقة سكن عشوائي في مدينة دمشق تنتشر في محيطها، يلاحظ أن سكانها متعددو المنابت الدينية (مسلمون ومسيحيون) والمذهبية (سنة وعلويون ودروز) والقومية (عرب سوريون وفلسطينيون وأكراد مسلمون). ولكن وسط هذا تتلون كثير من المناطق بألوان طائفية صافية، حيث يتركز المسيحيون في عشوائيتي «الدويلعة» و«الطبالة» والعلويين في «مزة 86» و«عش الورور» و«حي الورود»، في حين تتركز الغالبية السنية في منطقة مخالفات «جوبر»، و«برزة البلد» و«بساتين المزة» وصولا إلى «كفرسوسة اللوان»، و«الدحاديل» و«بيادر نادر» و«نهر عيشة» و«القدم» و«العسالي» و«دف الشوك» و«الزهور».
وعلى حين يقطن الأكراد في عشوائية «حي الرز» أو ما يعرف بـ«زورافار» على تخوم مشروع دمر، يسكن عشوائية «التضامن» خليط ديني وطائفي وقومي من سنة وعلويين ودروز وسوريين ولاجئين فلسطينيين.

الفساد سبب قيامها
وتنامت هذه العشوائيات بسرعة ملحوظة خلال العقود الماضية، حيث كان موظفو البلديات والمحافظة يتقاضون رشى مالية كبيرة من الأهالي مقابل السماح لهم ببناء المنازل في تلك العشوائيات، مما أدى إلى تكوين هؤلاء الموظفين ثروات كبيرة.
ويرى مراقبون، أن النظام شجع على تشكيل بؤر سكانية عشوائية تحيط بالقطع والوحدات العسكرية القريبة من دمشق، يكون تكوينها الأساسي من عائلات الضباط والعساكر الذين يؤدون مهماتهم فيها، مع حرصه على المحافظة على الظروف المعاشية السيئة لمناطقهم الأصلية، وتهميشها وتجهيلها قدر الإمكان، لأغراض قد تتعلق بإبقائها كتلاً بشرية صماء غير قابلة للانفتاح على الآخر، مما يضمن استمرار السيطرة عليها، ويحفظ ولاءها عبر استدامة الخوف فيها من الآخر المتوهَّم.
ويلفت هؤلاء المراقبون إلى أن «مساكن الحرس» و«مزة 86» و«عش الورور» وغيرها ظلت مناطق مغلقة للموالين، وأصبحت لاحقاً المورد البشري الأهم للمسلحين من «الشبيحة»، الذين نجح النظام في تجنيدهم معه، ضمن سياق الحرب.

«التضامن» و«دف الشوك» و«الزهور»
تقع أحياء «التضامن» و«دف الشوك» و«الزهور» جنوب شرقي المدينة، ويعتبر الأول بوابة العاصمة الجنوبية الفاصلة بين المدينة وريفها، ويحده شمالا الثاني والثالث، ومن الغرب «مخيم اليرموك» للاجئين الفلسطينيين وشرقا وجنوبا بلدة يلدا.
وبقي حيا «دف الشوك» و«الزهور» ومنطقة «الزاهرة» خلال الحرب المستمرة في عدد من مناطق البلاد منذ أكثر من سبع سنوات تحت سيطرة النظام، ويحد الأول والثاني من الجنوب حي «التضامن» وغربا منطقة «الزاهرة» وشرقا حي القزاز وشمالا الجسر المتحلق الجنوبي.
لكن فصائل المعارضة المسلحة تمكنت في العام الثاني من الحرب من السيطرة على الجادات الجنوبية من حي «التضامن» إلى أن استعاد النظام السيطرة عليها بداية صيف العام الحالي مع أحياء دمشق الجنوبية (مدينة الحجر الأسود، ومخيم اليرموك، والجزء الشرقي من حي القدم) التي كانت تحت سيطرة المعارضة وتنظيمي «داعش» و«هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة سابقا).
وبحسب الأرقام، كان أعداد قاطني حي «التضامن» قبل بداية الحراك السلمي تقدر بـ200 ألف يشكلون نسيجاً اجتماعياً متفاوتاً في العادات والتقاليد، فجل سكانه من نازحي هضبة الجولان العرب والتركمان، ومن محافظات السويداء وإدلب ودير الزور ودرعا واللاذقية وطرطوس، إضافة إلى قسم لا بأس به من اللاجئين الفلسطينيين.
وشكل المنحدرون من محافظات درعا ودير الزور وإدلب، الذين كانوا يتجمعون في الجادات الجنوبية من الحي، وتقدر مساحتها بأكثر من نصف مساحة الحي، نواة الحراك السلمي في عامه الأولى، في وقت يوجد في الجزء الشمالي المقابل شوارع الجلاء ونسرين والغفاري على التوالي، والتي يوجد فيها أيضاً تنوع في النسيج الاجتماعي للسكان، لكن تسليح النظام للموالين جعل لهم سطوة كبيرة على باقي السكان من الطوائف الأخرى، ليبقى هذا الجزء من الحي تحت سيطرتهم.
وبعد استعادة النظام السيطرة بشكل كامل على الجادات الجنوبية من الحي تدفق الأهالي إليها لتفقد منازلهم وحاجاتهم، وينقل نشطاء عن كثير من الأهالي، بأن أغلب المنازل الواقعة في القسم الغربي من الجزء الجنوبي من الحي طالتها أضرار بسيطة ويمكن ترميهما، وتقدر نسبتها بأكثر من 80 في المائة من نسبة كامل المنازل في الجزء الجنوبي، بينما المنازل الواقعة في القسم الشرقي طالتها أضرار كبيرة وهي مدمرة بشكل شبه كامل.
وفي يوليو (تموز) الماضي شكل محافظ دمشق بشر الصبان، لجنة لتطبيق القانون رقم «3» لعام 2018 في الجادات الجنوبية من الحي والمتضمن إزالة الأنقاض وإعادة تدويرها وتحديد المباني الصالحة للسكن والمباني المتضررة غير الصالحة للسكن.
وفوجئ في أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي، الأهالي النازحين من الجادات الجنوبية والذين ينتظرون بفارغ الصبر السماح لهم بالعودة إلى منازلهم، بمضمون قرار اللجنة الذي صادق عليه المحافظ وخلص إلى أن 690 منزلا صالحة للسكن ويمكن للأهالي العودة إليها ريثما يتم تنظيم كامل منطقة التضامن وفق القانون رقم «10»، الأمر الذي قد يستغرق من 4 - 5 سنوات.
وذكر رئيس اللجنة فيصل سرور الذي أعلن عن مضمون القرار عبر صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، أن باقي البيوت في الجزء الجنوبي من الحي غير صالحة للسكن، ولا يمكن ترميمها في الوقت الحالي، ويقدر أهالي عددها بأكثر من 8 آلاف منزل.
وفيما يعتبر تجاوزا للخطوط الحمراء، وسابقة لم تحصل في سنوات الحرب والعقود الماضية، شن النازحون من القسم الجنوبي من الحي هجوما عنيفا على المحافظة واللجنة ورئيسها، وذلك عبر صفحات موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» الخاصة بهم، وتعليقات في صفحات مؤسسات النظام، وصفوا خلالها التقرير بأنه «غير صحيح»، وشككوا بنزاهة اللجنة، وطالبوا بإلغاء التقرير وإحالة اللجنة إلى التحقيق ومحاسبتها.
وجاء في تعليق لأحد النشطاء: «نناشد رئيس الجمهورية الدكتور بشار الأسد لإنصافنا... ربحنا الحرب وخسرنا حق العودة لمنازلنا... أهالي التضامن تستنجد كل ضمير حي من أصحاب القرار الذي هجر 200 ألف شخص».
ولم يقتصر الأمر على تصدر قضية حي «التضامن» مواقع التواصل الاجتماعي، فقد كان لافتا تركيز وسائل إعلام النظام والقريبة منه المرئية والمسموعة على خطط المحافظة لتنظيم مناطق «السكن العشوائي» وخصوصا قضية منع أهالي حي «التضامن» من العودة، وذلك عبر الكثير من البرامج أبدى مقدموها تعاطفا مع الأهالي لأن «أغلبهم عمال وفلاحين وموظفين فقراء ومتطوعين في الجيش والشرطة ووقفوا مع الدولة وكيانها خلف الجيش وقدموا شهداء وجرحى».
وتم خلال كثير من تلك البرامج استضافة رئيس اللجنة لتقديم توضيحات عن الأمر، بينما رد عليه كثير من المداخلين بالتأكيد على أن تقرير اللجنة «غير صحيح» وعملها «غير نزيه».
كما، نشرت جريدة «الوطن»، المقربة من دوائر صنع القرار بدمشق عدة تقارير حول تقرير اللجنة ومطالبات الأهالي بالعودة إلى منازلهم، ونقلت عبرها استنكارهم وتنديدهم بالقرار، وأكدت أنها اطلعت على قائمة تضم آلاف التوقيعات ممن يعترضون على قرار المحافظة من نازحي الحي، وعلى عمل اللجنة المكلفة.
ولفتت «الوطن» إلى أن عشرات من المحامين الذين هم من نازحي الحي وغير أهالي الحي تبرعوا للترافع في القضية أمام القضاء، سيما وأن القانون يعطي للمتضرر حق الاعتراض خلال أسبوعين من تاريخ إعلان القرار.
أحد النازحين من الحي ويقيم حالياً في ريف العاصمة الغربي يقول لـ«الشرق الأوسط»: «ذهبنا إلى منازلنا أكثر من مرة وجلنا في معظم الحارات. ما جاء في التقرير غير صحيح إطلاقاً. سرور يتحجج بأن هناك أنفاقاً تحت المنازل. هو يكذب»، بينما يقول آخر، وهو في العقد الخامس من العمر: «يريدون الإجهاز على المذبوحين أصلاً. يريدوننا أن نبقى في التشرد لعشرات السنوات. ربما لن نعيش حتى نرى سكنهم البديل».
وإن كان نازحو الجادات الجنوبية من حي «التضامن» كسروا حاجز الخوف وعبروا عن استنكارهم وتنديدهم بقرار اللجنة، فإن الصمت هو سيد الموقف في القسم الشمالي من الحي الذي ما زال سكانه يعيشون في منازلهم، وكذلك في حيي «دف الشوك» و«الزهور»، لكن الموقف لم يخلو من طفرات ترد على ألسنة البعض من السكان، ونقلتها عنهم مصادر أهلية وفحواها أن: «هذه مكافآت لنا في مقابل ما قمنا به خلال الحرب!»، في إشارة إلى وقوفهم إلى جانب جيش النظام في مواجهة فصائل المعارضة المسلحة.

«جوبر» و«الدويلعة» و«الطبالة»
يقع حي جوبر في شمال شرقي دمشق، بين أحياء «باب توما» و«القصاع» و«التجارة» غرباً و«القابون» شمالاً وبلدتي «عين ترما» و«زملكا» شرقاً وبلدة «عين ترما» ومنطقة الدويلعة» جنوباً، ويبعد سبعة كيلومترات من القصر الجمهوري الرئاسي، وهو من أقرب الأحياء إلى ساحة العباسيين بدمشق.
ويعتبر الحي البالغة مساحته كيلومترين وثمانمائة وستين مترا، بوابة الغوطة الشرقية إلى مدينة دمشق وهو شريان اقتصادي لها بما فيه من تعدد مجالات العمل من مهن شعبية وحرفية وطبية وتجارية وصناعات صغيرة. وطبقا لإحصائية رسمية صدرت عام 2008؛ فإن عدد سكان الحي بلغ آنذاك نحو ثلاثمائة ألف نسمة معظمهم من المسلمين السنة.
وعندما انطلقت شرارة الأحداث في سوريا كان حي جوبر أحد الأحياء الأولى التي احتضنت مظاهرات الريف الدمشقي في نهاية (أغسطس (آب)) 2011، وقد هتف المتظاهرون يومها بإسقاط النظام أثناء توجههم إلى ساحة الأمويين، لكن سرعان ما قابلهم رجال الأمن بإطلاق النار والغازات المدمعة مما أوقع قتلى وجرحى في صفوفهم.
وسيطرت فصائل المعارضة المسلحة لاحقاً على الحي في منتصف 2013، وتحول بعد ذلك إلى ساحة جبهة تمتد على القسم الأهم من الطريق الدائري الجنوبي باعتباره إحدى الجبهات المتقدمة باتجاه العاصمة، كما قصفت قوات النظام الحي بالغازات السامة عدة مرات فقضى خلالها العشرات نحبهم بالاختناق.
وصعد النظام قصفه الجوي والمدفعي اليومي من جبل قاسيون على حي جوبر بكل أنواع الأسلحة، في حملة عسكرية مكثفة استخدم فيها صواريخ «الفيل» و«الزلزال» والقنابل الفراغية والعنقودية وغيرها، ليمنع أي تقدم لقوات المعارضة في سبيل تأمين العاصمة وليتمكن من فرض طوق حصار جديد على الغوطة الشرقية.
وبعد سيطرة النظام على الحي بداية الصيف الماضي، اتضح أن نسبة الدمار فيه تصل إلى 80 في المائة، بدءا من تدمير أسواقه ومبانيه وليس انتهاء بمساجده ومدارسه. وقد أصبح منطقة مهجورة ومنكوبة يصعب على أهلها تأمين قوتهم.
وأما منطقة الدويلعة فتقع إلى الجنوب الشرقي من المدينة وترتبط بريف دمشق بمدينة جرمانا ومخيمها وحي كشكول من الشرق والجنوب الشرقي وباب شرقي من الغرب والغوطة مع حي جوبر من الشمال، أغلب سكانها من المسيحيين المنحدرين من مناطق متفرقة من سوريا، ويتبع لها أحياء «كشكول» و«الطبالة» و«الكباس»، ولا يوجد تقديرات دقيقة لعدد سكانها.

«القابون» و«برزة البلد» و«عش الورور»
يقع حي القابون في شمال شرقي العاصمة، ويبعد عن مركز المدينة 4 كلم في منطقة مهمة بين الغوطة شرقا (بلدتي عربين وحرستا) والمدينة غربا (أراضي الصالحية)، ويجاور أحياء برزة من الشمال وجوبر من الجنوب، ويخترقه الأوتوستراد الدولي السريع (طريق دمشق - حمص) وعقدة طرقية مهمة (عقدة القابون)، وفي الحي كراج انطلاق ووصول باصات البولمان فلذلك يعتبر الحي بوابة دمشق الشمالية.
ويقدر عدد سكان القابون بأكثر من 80 ألف نسمة أغلبهم من المسلمين السنة، وعرفوا برفضهم للذل وشاركوا في مقارعة الاستعمار حتى أن فرنسا قصفته بالطائرات وقدم كثير من الشهداء لتحرير سوريا من فرنسا.
ويعتبر القابون شرارة الثورة السورية في دمشق فكان مع حي «برزة» أول الأحياء التي خرجت في مظاهرات منتظمة وشهدت حراكاً سلمياً ابتداء من 25 (مارس) 2011، وقدم مئات الشهداء منذ شهر أبريل (نيسان)) 2011 حيث كان الأهالي يخرجون في مظاهرات سلمية تواجهها قوات الأمن بإطلاق الرصاص واعتقال الشبان ويستهدفها القناصة.
وسيطر «الجيش الحر» في (سبتمبر) 2012 على حي القابون ودارت معارك عنيفة بينه وبين جيش النظام وحلفائه حتى مايو (أيار) 2017 حيث سيطر الأخير على الحي بعد تهجير ساكنيه إلى شمال البلاد.
وعلمت «الشرق الأوسط»، أن النظام وخلال معاركه الأخيرة مع المعارضة و«هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة سابقاً) في حي القابون أرسل ضابطاً رفيع المستوى إلى الحي للتفاوض مع الأهالي وخيرهم بين الرضوخ لمطالبه أو إزالة الحي، إلا أن الأهالي رفضوا الرضوخ لمطالب النظام، مما يشير إلى أن إدراج الحي في خطة المحافظة لإعادة تنظيمه، هو انتقام من الأهالي وليس لمعالجة السكن العشوائي في محيط العاصمة. وخلال اجتماع ضم صناعيي القابون وممثلين عن محافظة دمشق ووزارة الإدارة المحلية التابعة للنظام مؤخرا، رفض الصناعيون قرار المحافظة القاضي بنقل منشآتهم الصناعية من المنطقة الصناعية إلى مدينة عدرا في ريف دمشق، تحت ذريعة الدمار الذي لحق بتلك المنشآت، بحسب ما ذكرت وسائل إعلام محلية.
وتزعم محافظة دمشق، أن المنطقة الصناعية في القابون تضررت بنسبة 80 في المائة، إلا أن الصناعيين كشفوا، خلال لقائهم مع مسؤولي المحافظة، أن نسبة الدمار لا تتجاوز 10 في المائة، وذلك بالاستناد إلى تقييم نقابة المهندسين ووزارة العدل في حكومة النظام.
أما منطقة «برزة»، فهي تمتد على مساحة 5500 هكتار، بدءاً من مشفى «ابن النفيس» غرباً حتى مشفى «تشرين العسكري» شرقاً، ومن بلدة معربا، التي تعتبر الحد الفاصل بين برزة ومدينة التل شمالاً، وحتى نهر يزيد جنوباً، الذي يفصل بين بساتين القابون وبساتين برزة.
وتقسم «برزة» إلى عدة أحياء هي: برزة البلد - مساكن برزة - مسبق الصنع - حي تشرين - عش الورور.
ومع بدء الأحداث في البلاد، شهدت «برزة» أحداثاً كثيرة انتهت بسيطرة فصائل المعارضة المسلحة على حي «برزة البلد» في السنة الثانية للحرب، وظلت المعارك العسكرية تدور بين الفصائل وجيش النظام وحلفائه حتى تمكن الأخير من استعادة السيطرة عليه عقب حصار خانق امتد عدة سنوات. وإن كان عدد سكان «برزة» وفق إحصاءات 2005 يبلغ نحو 90 ألف نسمة، إلا أنها حالياً تعتبر من أكثر مناطق دمشق كثافة سكانية بالمقارنة مع المناطق المنظمة والعشوائية، ويصل بحسب مراقبين إلى نحو 700 ألف نسمة.
وعلى النقيض من أهالي القابون و«برزة البلد» الذين انخرطوا في الحراك السلمي، وقف أهالي حي «عش الورور» الواقع شمال شرقي حي «برزة البلد» على سفح جبل صخري إلى جانب النظام، فمنذ المظاهرات الأولى في «برزة البلد» راح أهالي «عش الورور» يهاجمونها، مزوّدين بالعصي والسكاكين والمسدسات والبنادق ليقمعوا السكان.
وبينما يصف أهالي «برزة البلد»، حي «عش الورور» بأنه «مستوطنة حقيقية»، يشكل العلويون النسبة العظمى من سكانها الذي يصل عددهم إلى نحو 100 ألف نسمة حاليا، ينقل نشطاء عن أهالي في «عش الورور»: أن التنظيم الذي تنوي محافظة دمشق إجراءه «لن يحدث قبل عشرات السنين، فلطالما سمعنا عن التنظيم من قبل وحتى الآن لم يحدث، والآن يكررون ما قالوه في السابق ليس إلا، وحتى لو حدث لن نسمح بأن يطال منطقتنا».

«المزة 86» و«مساكن الحرس»
تعتبر منطقة «المزة 86» من المناطق الشعبية في محيط مدينة دمشق، وهي عبارة عن مناطق من البناء العشوائي تنتشر على الجهة الغربية الجنوبية للمدينة على سفح جبل المزة، وكانت قبل سبعينات القرن الماضي عبارة عن أحراش وصخور وأراضٍ زراعية تعود ملكيتها إلى أهالي المزة، أما قمة الجبل المُمتدّة حتى سلسة جبل قاسيون والأراضي المتاخمة له، فتعود لوزارة الدفاع، يحدها جنوباً المزة أوتوستراد وغرباً مزة فيلات وشمالاً جبل قاسيون وشرقاً الشيخ سعد.
وبعد أن أسس رفعت الأسد، الشقيق الأصغر للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، «سرايا الدفاع» وأطلق عليها «اللواء 86» كان مقره نفس المكان الذي يطلق عليه الآن «مزة 86»، سمح في البداية لبعض ضباطه وعناصره ببناء غرف صغيره لإيوائهم، وكانت وقتها مبنية من اللبن والصفيح، ومع مرور الزمن أحضر هؤلاء العسكريون عائلاتهم من قراهم الساحلية، وأصبحت فيما بعد منطقة سكنية ذات طابع عسكري.
وتقسيم المنطقة إلى «مزة 86 مدرسة» و«مزة 86 خزان»، الأولى نسبة لأول مدرسة فتحت في تلك المنطقة، أما الثانية فأطلق عليه اسم «مزة 86 خزان» بعد بناء خزان للماء يروي كل مناطق المزة.
وبينما كان عدد سكان «المزة 86» في بداية الأحداث يقدر بـ300 ألف نسمة، ذكر رئيس اللجنة تطبيق القانون رقم «3» في حي «التضامن» أن عدد سكانها يصل إلى مليون نسمة.
ومع اندلاع الأحداث في منطقة «المزة بساتين» ومدينتي «داريا» و«المعضمية» بريف العاصمة الجنوبي الغربي والقريبة من حي المزة انحاز أهالي «المزة 86» للنظام، وشكلوا ميليشيات تخصصت بتصدير «الشبيحة» إلى المعضّمية وداريا و«مزّة بساتين» بينما تكفّلت ميليشيات «حي الورود» و«مساكن الحرس» الواقعة غربي دمشق بقمع الحراك الشعبي في «دمر البلد» وبلدتي «قدسيا» و«الهامة» بريف العاصمة.
ومنذ قيام منطقة «المزة 86»، لوحظ تمرد الأهالي على النظام، حيث كانوا يدخلون مواد البناء إلى المنطقة «عنوة» رغم منع النظام لذلك وإقامته حواجز على مداخل المنطقة لهذا الغرض.
ويتساءل مراقبون: هل يستطيع النظام دخول «المزة 86»؟. وإن دخل هل سيقف الأهالي مكتوفي الأيدي متفرجين؟، ويقول هؤلاء المراقبون: من «المتوقع أن يجابه الأهالي الأمر».
وفي إطار عمليات التغيير الديموغرافي التي يقوم بها النظام السوري لإعادة توزيع السكان، قررت الحكومة في (يوليو) الماضي تشميل «مخيم اليرموك» للاجئين الفلسطينيين جنوب دمشق، بالقانون رقم «10»، بعد تدميره خلال حملة عسكرية ومعارك وقصف، مما يعني مصادرة أملاك معارضين ومواصلة تشريد سكانه البالغ عددهم أكثر من 600 ألف نسمة لسنوات طويلة.



القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».


من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
TT

من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)

منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تحوّل سؤال «هل حان وقت المغادرة؟» من نكتة سياسية تُقال بعد كل انتخابات، إلى حديث جاد يتكرر في غرف الأخبار، وعلى منصات التواصل، وحتى في مكاتب الاستشارات الضريبية وشركات الهجرة.

لم يعد سؤال «هل نغادر؟» مجرّد انفعال انتخابي عابر أو تهديد يُطلقه نجوم الشاشة ثم يُطوى. صار السؤال جزءاً من أحاديث يومية في أوساط واسعة: عائلات تُقلّب خرائط مدارس أكثر أمناً وتبحث عن مجتمع أقل توتراً، نساء شابات يقرأن معارك الحقوق والثقافة بوصفها مؤشراً على مستقبل أكثر ضيقاً، أكاديميون يتعاملون مع العلاقة المتدهورة بين الدولة والجامعة باعتبارها اختباراً لاستقلال المعرفة، وأثرياء يتحدثون عن الضرائب والبيئة السياسية بلغة إدارة مخاطر، ويفكرون في «خطة ب» هادئة لا تنفي علاقتهم بالاقتصاد الأميركي، بقدر ما تؤمّن لهم مخرجاً من تقلبات السياسة والضرائب.

في هذا المناخ المتشنّج، تحوّلت «الهجرة المعاكسة» إلى عبارة تختصر مزاجاً أكثر مما تصف حركة سكانية كبرى. فالضجيج كبير، لكن الدقة تقتضي التفريق بين رغبة في الرحيل تُقاس بالاستطلاعات، وبين خطوات قانونية فعلية للحصول على إقامة أو تأشيرة، وبين حقيقة ديمغرافية تُقاس بصافي الهجرة وتدفّقات الداخلين والخارجين. المفارقة أن أهم ما تُظهره الأرقام في العام الأول من الولاية الثانية لا يبدو «نزوحاً أميركياً جماعياً» بقدر ما يبدو تراجعاً في الداخلين إلى الولايات المتحدة، أي في الهجرة إليها، مع آثار اقتصادية وديمغرافية ملموسة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤشراً بيده خلال لقائه عائلات فقدت أفراداً منها في جرائم ارتكبها أشخاص دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية (رويترز)

مزاج الرحيل

اللافت في موجة الحديث الأخيرة أنها لم تعد حكراً على فئة واحدة أو سبب واحد. في مرحلة سابقة، كان الانقسام السياسي هو محرك الخطاب: «إذا انتصر خصمي فسأغادر». أما اليوم، فالسردية أكثر تركيباً: الناس لا تتحدث عن الرئيس وحده، بل عن مزيج من الاستقطاب، والإحساس بتراجع «الحد الأدنى من الاتفاق» داخل المجتمع، وارتفاع تكلفة العيش، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والقلق من العنف المسلح، وصولاً إلى شعور متزايد لدى بعض الشرائح بأن البلد صار مساحة «مفاوضة يومية» على الحقوق والهوية واللغة. هذا ما يفسر لماذا باتت فكرة الرحيل تخرج من إطار «الرمز السياسي» إلى إطار «الخيار الحياتي».

أحد المؤشرات على ذلك هو نشوء خدمات جديدة تُحوّل القلق إلى خطة. في تقرير لمجلة «فوربس» عن شركة ناشئة تساعد الأميركيين على الانتقال، لا يقدّم الأمر بوصفه موجة هروب جماعية، بل بوصفه صناعة تُرشد الناس إلى مسارات قابلة للتطبيق، وتحديداً نحو بعض البلدان الأوروبية، عبر دعم إداري وقانوني وترتيبات معيشية. الفكرة هنا ليست أن الجميع سيغادر، بل أن عدداً متزايداً يريد أن يعرف: ما الذي يمكن فعله واقعياً؟ وما التكلفة؟ وما المسار القانوني؟

وعلى مستوى المزاج العام، جاءت أرقام «غالوب» لتكسر حاجز «الانطباع». الاستطلاع المنشور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أظهر أن نحو واحد من كل خمسة أميركيين يقولون إنهم يرغبون في مغادرة الولايات المتحدة بشكل دائم إذا أتيحت الفرصة، وأن الدفعة الأكبر تأتي من النساء الأصغر سناً: 40 في المائة من النساء بين 15 و44 عاماً عبّرن عن رغبة في الانتقال الدائم إلى الخارج، مقابل 19 في المائة من الرجال في الفئة العمرية نفسها، مع مقارنة لافتة بأن النسبة لدى الشابات كانت أقل بكثير قبل عقد. وتنبّه «غالوب» إلى نقطة منهجية حاسمة: الاستطلاع يقيس «الرغبة» لا «الخطة» ولا «التنفيذ»، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن أزمة ثقة عميقة لدى جيل كامل، وعن فجوة جندرية في الرضا عن المسار الأميركي.

هنا يظهر جانب من «الهجرة المعاكسة» لا يحتاج إلى «طائرة»: انسحاب نفسي من فكرة المستقبل الأميركي لدى فئات ترى أن معارك الداخل، على الأمان والحقوق والتعليم، لم تعد هامشية، بل باتت تحدد شكل الحياة اليومية. وهذا الانسحاب النفسي، حتى لو لم يتحول إلى انتقال فعلي لدى الأغلبية، يترك أثراً سياسياً واقتصادياً طويل المدى: من أين يخطط الناس لبناء حياتهم؟ وأين يريدون تربية أطفالهم؟ وأي مجتمع يثقون به؟

مارة يعبرون الطريق في تايمز سكوير بمدينة نيويورك (شاترستوك)

الأرقام الصلبة عن أميركا

حين تُذكر «الهجرة المعاكسة» في النقاش العام، يسهل الانزلاق إلى صورة درامية: أميركيون يرحلون بالملايين. لكن ما تقوله البيانات الأحدث هو أن القصة الديمغرافية الأهم في 2025–2026 ترتبط بانخفاض الهجرة إلى الولايات المتحدة، وتراجع صافي الهجرة الدولية بصورة حادة مقارنة بالعام السابق.

في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر مكتب الإحصاء الأميركي تدوينة تحليلية عن تقديرات السكان تُظهر أن صافي الهجرة الدولية بلغ ذروة عند 2.7 مليون في 2024 ثم انخفض إلى 1.3 مليون في 2025، مع توقعات بأن يتراجع أكثر إذا استمرت الاتجاهات. ويضيف مكتب الإحصاء نقطة قد تُستخدم في غير محلها: الانخفاض الكبير نتج من تراجع الهجرة إلى الداخل وارتفاع الهجرة إلى الخارج معاً، لكن ذلك لا يعني تلقائياً «هروب مواطنين» بقدر ما يعكس تغيّرات أوسع في تدفقات السكان، بما فيها تشدد السياسات وتبدل سلوك الهجرة عموماً.

وفي قراءة أكثر تفصيلاً، تشير ورقة محدثة من معهد «بروكينغز» (يناير 2026) إلى أن صافي الهجرة في 2025 كان على الأرجح قريباً من الصفر أو سلبياً للمرة الأولى منذ نصف قرن على الأقل، ضمن نطاق تقديري بين 295 ألفاً و10 آلاف، مع توقعات بأن يبقى ضعيفاً في 2026. الورقة نفسها تعترف بتزايد عدم اليقين بسبب تراجع الشفافية في بعض البيانات، لكنها تؤكد الاتجاه العام: التغيير الأكبر هو في ميزان الداخلين والخارجين ككل، لا في «رحيل الأميركيين» وحده.

أهمية هذا التفصيل أن «الهجرة المعاكسة» تُطرح أحياناً كدليل على تراجع جاذبية أميركا، بينما الأثر الاقتصادي المباشر لتراجع صافي الهجرة يظهر غالباً عبر قنوات أخرى: نقص اليد العاملة في قطاعات محددة، وتباطؤ في نمو السكان في ولايات كبرى، وضغط على النمو والاستهلاك. وفي تحليل نشرته مؤسسة «بارونز» استناداً إلى نمذجة اقتصادية، أشار إلى أن تباطؤ نمو السكان بين 2024 و2025 يمكن أن يرتبط بخسائر اقتصادية كبيرة، مع ربط واضح بين التراجع الحاد في صافي الهجرة الدولية وبين خسارة وظائف وعائدات اقتصادية، حتى مع وجود نقاش بين الباحثين حول حجم الأثر النهائي.

بهذا المعنى، فإن العام الأول من الولاية الثانية لا يمكن اختزاله في «الناس تغادر»، بل في «أميركا تقلل الداخلين»، وهو تحوّل يغيّر تركيبة سوق العمل والجامعات والابتكار، ويعيد رسم علاقة الولايات المتحدة بالعالم ليس فقط عبر التجارة والأمن، بل عبر البشر أنفسهم.

متظاهرون ضد «أيس» بمدينة روتشستر في ولاية نيويورك (غيتي)

الجامعات العريقة في خط النار

إذا كان ملف الضرائب والأمان المجتمعي يُغذي رغبة الرحيل لدى العائلات والأفراد، فإن ملف الجامعات يفتح باباً مختلفاً: باب «هجرة العقول» وتآكل القوة الناعمة. فمنذ الاحتجاجات الواسعة في الجامعات الأميركية على خلفية حرب غزة، اتخذت المواجهة بين الإدارة الفيدرالية وبعض المؤسسات الأكاديمية الكبرى طابعاً أكثر خشونة، امتزج فيه الأمن الجامعي بالتمويل الفيدرالي وبالتحقيقات وبالخطاب السياسي حول «معاداة السامية» وحدود الاحتجاج.

في مارس (آذار) 2025، حذّر المجلس الأميركي للتعليم من قرار إلغاء 400 مليون دولار من منح وعقود فيدرالية لجامعة كولومبيا، واعتبرته سابقة خطرة تقوض الأبحاث وتلتف على العمليات القانونية المعتادة، في إشارة إلى أن التمويل بات يُستخدم كأداة ضغط سياسية يمكن أن تمتد آثارها إلى مجالات علمية وطبية لا علاقة مباشرة لها بالسجال السياسي.

ثم جاء يوليو (تموز) 2025 ليؤكد أن نموذج «العصا والجزرة» ليس نظرياً، حين توصلت جامعة كولومبيا إلى اتفاق مع الحكومة لإعادة التمويل البحثي، تضمن دفع أكثر من 220 مليون دولار، بينما قالت «رويترز» إن البيت الأبيض رأى في الاتفاق نموذجاً يمكن تكراره، في حين حذّر منتقدون من أن ذلك قد يفتح الباب لتدخلات أوسع في الحوكمة الجامعية.

أهمية هذه المعركة في سياق «الهجرة المعاكسة» أنها تمس أحد أعمدة الجاذبية الأميركية التاريخية: الجامعة بوصفها مصنعاً للنخب العالمية وحاضنة للبحث والابتكار. حين تتحول الجامعة إلى ساحة صدام مالي - سياسي، وحين يشعر الأكاديمي أو الطالب أن الحرم الجامعي بات تحت ضغط دائم، يرتفع احتمال التفكير في بيئات أخرى أقل تقلباً، حتى لو لم تكن أكثر بريقاً. وفي حالات كثيرة، لا تكون النتيجة «هجرة فورية»، بل تراجع تدريجي في قدرة الولايات المتحدة على اجتذاب أفضل الباحثين والطلاب الأجانب، وهو ما يلتقي مع ملف التأشيرات والتنافس التكنولوجي.

والأمر لا يقف عند كولومبيا. هذا الشهر رفعت وزارة العدل الأميركية دعوى ضد جامعة «هارفارد» تتهمها بعدم الامتثال لتحقيق فيدرالي بشأن سجلات القبول. وتقول الوزارة إن الدعوى تهدف إلى إجبار الجامعة على تسليم وثائق تتعلق بأي اعتبار للعرق في القبول، من دون اتهامها بتمييز فعلي. وحظيت القضية بتغطية إعلامية واسعة، ما يعكس اتساع نطاق المواجهة إلى ملفات القبول والحوكمة وسياسات التنوع، بالتوازي مع ملفات الاحتجاجات.

هنا يتشكل لدى جزء من الرأي العام الأكاديمي شعور بأن «المعركة» لم تعد حادثاً مرتبطاً بغزة وحدها، بل جزءاً من مواجهة أوسع مع المؤسسات التي تُوصف تقليدياً بأنها «نخبوية». وفي مثل هذه الأجواء، يصبح التفكير في الانتقال أو على الأقل في «تدويل» المسار المهني خياراً عقلانياً لدى بعض الأكاديميين، لا لأن أميركا فقدت ميزاتها العلمية، بل لأن تكلفة عدم اليقين ارتفعت، ولأن السياسة دخلت بحدة إلى التمويل والقبول والحوكمة.

تلامذة ترافقهم الشرطة لدخول مدرستهم بعد حادثة إطلاق نار أودت بحياة زملائهم في ولاية كاليفورنيا (أ.ب)

أوروبا تلتقط حرب التنافس مع الصين

الخط الأكثر حساسية في قصة «الهجرة المعاكسة» لا يتعلق بمن يغادر من الأميركيين، بل بمن لا يأتي إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في مجال التعليم العالي والتكنولوجيا. فالتنافس التكنولوجي مع الصين لا يدور حول المصانع وحدها، بل حول المختبرات، والمهارات، والطلاب، والباحثين. وفي هذا السياق، يصبح ملف الطلاب الأجانب جزءاً من «حرب مواهب» عالمية، حيث تسعى الدول إلى اجتذاب العقول أو منع خصومها من الوصول إلى المعرفة.

على مستوى البيانات، أظهر تقرير معهد التعليم الدولي أن إجمالي الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة تراجع 1 في المائة في العام الأكاديمي 2025-2026، لكن الأهم كان في «النبض المستقبلي»: انخفاض بنسبة 17 في المائة في أعداد الطلاب الدوليين الجدد. كما قالت غالبية كبيرة من المؤسسات المشاركة إن مخاوف التأشيرات كانت العائق الأول أمام الطلاب. هذه الأرقام لا تعني انهياراً فورياً، لكنها تضيء على اتجاه قد يصبح مؤلماً إذا استمر؛ لأن «الجدد» هم من يحددون ما سيكون عليه الحضور الدولي بعد سنتين أو ثلاث.

مسافر ينتظر القطار في مدينة نيويورك (أ.ف.ب)

في الوقت نفسه، اتخذت واشنطن خطوات أكثر صرامة تجاه الطلاب الصينيين. في مايو (أيار) 2025، قالت الخارجية الأميركية إنها ستعمل على «إلغاء التأشيرات بشكل هجومي» لفئات من الطلاب الصينيين، خصوصاً من لديهم صلات بالحزب الشيوعي أو يدرسون في «مجالات حرجة»، مع تشديد التدقيق على طلبات مستقبلية. وغطّت تقارير إعلامية هذه السياسة في سياق تحذير من «استغلال» الجامعات وسرقة أبحاث، بينما أشارت أخرى إلى أن الخطوة أثارت قلقاً واسعاً في الجامعات وبين الطلاب، في وقت تعتمد فيه مؤسسات كثيرة على الرسوم التي يدفعها طلاب دوليون.

هنا تتشابك خيوط القصة: تشدد التأشيرات والتنافس مع الصين يقللان من تدفق طلاب وباحثين، ومعارك الإدارة مع الجامعات على خلفية احتجاجات غزة تزيد شعور عدم اليقين داخل الحرم، فتجد دول أخرى فرصة لتقديم نفسها كبدائل «أهدأ» أو «أوضح قواعد». وليس صدفة أن تبرز وجهات أوروبية بعينها كهولندا وبريطانيا والبرتغال في خطاب الانتقال الأميركي، لا سيما أن بعضها يجمع بين جودة حياة وإمكانية قانونية قابلة للتطبيق.

في هولندا مثلاً، نقلت تقارير إعلامية محلية، استناداً إلى بيانات دائرة الهجرة، أن نحو 7 آلاف أميركي تقدموا خلال 2025 بطلبات تتعلق بتصاريح عمل أو دراسة أو لمّ شمل، وهو أعلى مستوى منذ عقد على الأقل، مع ارتفاع لافت في استخدام مسار «معاهدة الصداقة الهولندية - الأميركية» الذي يتيح للأميركي تأسيس نشاط تجاري برأسمال متواضع نسبياً. هذه ليست أرقاماً ضخمة قياساً بحجم الولايات المتحدة، لكنها كافية لإظهار أن «الخطة ب» تتحول إلى سلوك عند شريحة محددة قادرة على الحركة.

وفي المملكة المتحدة، لا يظهر المؤشر في سجلات الهجرة فقط، بل في سوق العقار. شركة «رايت موف» البريطانية قالت إن الاستفسارات من الولايات المتحدة حول منازل معروضة للبيع في بريطانيا ارتفعت 19 في المائة عن العام السابق، وهو أعلى مستوى منذ 2017، مع ملاحظة أن جزءاً كبيراً من الطلب يتركز على وحدات صغيرة، بما يوحي بأن الأمر غالباً استثمار أو منزل ثانٍ أكثر من كونه انتقالاً نهائياً لعائلات كبيرة.

أما البرتغال، فتبقى جذابة كنموذج «جودة حياة» وتكاليف أدنى نسبياً لبعض الفئات. لكنّها تقدم في الوقت نفسه درساً على أن أوروبا ليست بوفيهاً مفتوحاً. ونقلت وكالة «رويترز» في يونيو (حزيران) 2025 أن الحكومة البرتغالية اتجهت إلى تشديد قواعد التجنيس ولمّ الشمل ورفع مدة الإقامة المطلوبة لمعظم الأجانب قبل طلب الجنسية، تحت ضغط سياسي داخلي متصاعد حول الهجرة؛ أي أن من يراهن على استقرار طويل الأمد يجد أن القواعد يمكن أن تتغير بسرعة، وأن «الوجهة» ليست وعداً ثابتاً.

أحد المحاربين القدامى يحمل لافتة كُتب عليها «المهاجرون يجعلوننا عظماء» رداً على إجراءات «أيس» في البلاد (رويترز)

ما الواقعي وما المبالغ؟

بهذا المعنى، لا تعني الوجهات الأوروبية أن أميركا فقدت هيمنتها. العكس: كثير من حركة «الهجرة المعاكسة» لدى الأثرياء والمهنيين تعكس منطق إدارة المخاطر داخل اقتصاد عالمي تقوده الولايات المتحدة. فالأميركي الذي يشتري منزلاً في لندن أو يفتح باب إقامة في أمستردام لا يقطع علاقته بالهيمنة الأميركية، بل يستخدم مزاياها: الدخل، ورأس المال، والعمل عن بعد، لبناء خيار إضافي خارج المجال السياسي الداخلي. إنها مفارقة «الهيمنة»: القوة التي تمنح فرصاً هائلة هي نفسها التي تجعل السياسة داخلها أكثر صخباً وتأثيراً في حياة الفرد، فتدفع بعضه إلى توزيع حياته على أكثر من جغرافيا.

في النهاية، تبدو «الهجرة المعاكسة» أقل اتساعاً مما يوحي به ضجيجها، لكنها أكثر دلالة مما يريد البعض الاعتراف به. ليست موجة نزوح جماعي، بل تيار نوعي يقوم على ثلاث طبقات: رغبة متزايدة في الرحيل لدى فئات محددة، وخطوات عملية لبناء مخارج قانونية ومالية، وتحوّل ديمغرافي أكبر يتمثل في تراجع الداخلين إلى الولايات المتحدة. وبين هذه الطبقات تتشكل صورة بلد يزداد نفوذاً في الخارج، لكنه يخوض في الداخل معارك متزامنة على الهوية والأمان والمعرفة، وهي معارك تكفي وحدها لإنتاج سؤال الرحيل، حتى إن بقي، في معظم الأحيان، «خطة ب» أكثر منه قراراً نهائياً.


حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني