بعد عشرين سنة من دراسة أميركية بأن الموسيقى الهادئة (والموسيقى الكلاسيكية) تزيد الذكاء، خاصة وسط صغار السن، وبعد أن أنفقت الحكومات (خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا) ميزانيات ضخمة لنشر الموسيقى في المدارس والمؤسسات الاجتماعية، وبعد أن صارت أمهات حوامل يضعن ميكرفونات على بطونهن ليستمع كل جنين إلى الموسيقى، أعلنت دراسة أجرتها جامعة هارفارد بأن الموسيقى لا تزيد الذكاء، ولا تقلله. ورغم أن الدراسة لم تحسم الموضوع نهائيا، أثارت ضجة كبيرة، خاصة وسط مدرسي الموسيقى في مختلف المراحل التعليمية، وخاصة وسط المؤسسات، والمنظمات، والمصانع، والشركات الموسيقية.
وكانت صحيفة «هارفارد غازيت» أول من نشر الخبر، في الأسبوع الماضي، تحت عنوان: «موزارت صامتا» (إشارة إلى ولغانغ اماديوس موزارت، النمساوي الذي يعتبر من عمالقة الموسيقى الكلاسيكية). وقالت: إن دراسة أشرف عليها طالب الدكتوراه صمويل ميهر برهنت على عدم علمية الدراسة الأولى. وأن الطالب مؤهل جدا لأنه متخصص تقريبا في كل الأدوات الموسيقية: غيثارة، عود، صفارة، كلارنيت، ساكسفون، الخ...
وبعد أن زادت الضجة، دافع الطالب عن نفسه، وعن الذين ساعدوه. وقال: إن الدراسة لم تثبت بأن الموسيقى لا فائدة لها، أو أن الموسيقى مجال ثانوي، أو أن الموسيقى الكلاسيكية فقط للأغنياء، ولا يقدر غيرهم على تذوقها. قال: إن الدراسة أثبتت، فقط، أن الموسيقى لا تزيد الذكاء، وخاصة وسط تلاميذ الرياضيات. وأن التجربة التي أجراها شملت تلاميذ استمعوا إلى الموسيقى الهادئة، وتلاميذ درسوا الفنون الجميلة، وأنه قارن بين ذكاء النوعين.
وأضاف: «لا نعلم أطفالنا شكسبير، ودانتي، وتولستوي لأن ذلك سيجعلهم ينجحون في التاريخ، أو الأدب، أو الفلسفة. نحن نعلمهم هؤلاء لأنهم شخصيات هامة، ساهمت، وتساهم حتى اليوم، في التراث الإنساني. ولهذا، يجب إلا نعلم أطفالنا الموسيقى لأنهم سينجحون في الرياضيات. ولكن لأن الموسيقى ساهمت، وتساهم، في التراث الإنساني».
لم يقم الطالب بهذه الدراسة بمفرده، أو لهدف خاص (كما قال بعض ناقديه). فخلال السنوات القليلة الماضية، بدأت حركة في مجال علم النفس لإعادة النظر في نظريات نفسية أثرت على حياة الناس اليومية. ومنها نظرية زيادة الذكاء وسط الأطفال بسبب الموسيقى. في الحقيقة، حتى الآن، أعاد هؤلاء المراجعون دراسة 13 بحثا هاما في علم النفس، وفشلت ثلاثة أبحاث في تأكيد مصداقيتها.
وكتبت كارولين جونسون، في صحيفة «بوسطن غلوب»: «عبر الأعوام، انتشرت نظرية أن تعليم العزف على آلة موسيقية، أو قراءة دفتر موسيقي، أو الغناء الهادئ مع مجموعة، تزيد الذكاء. وصارت النظرية مستأصلة في الحياة الحديثة. لكن، ظلت الأدلة غير قوية». وقال الطالب ميهر بأنه، سيرا على هذه النظرية، تعلم الموسيقى وهو صغير السن، وأنها أثرت عليه كثيرا، حتى قرر أن يتخصص فيها. غير أنه، كما قال، شك في مصداقية «موزارت ايفيكت» (الأثر الموزارتي، إشارة إلى عبقري الموسيقى الكلاسيكية). وشك في الدراسة التي كانت أجريت عام 1993. وقال: إنه تابع الأبحاث التالية في الموضوع. ووجد أن نسبة كبيرة منها شكت، أيضا، في مصداقية ذلك البحث. لم تقلل هذه الدراسات من أهمية الموسيقى في التأثير على النفس والأحاسيس والعواطف. بل أكدت أن الموسيقى الهادئة (وخاصة الكلاسيكية) تهدئ الأعصاب. لكن، فرقت هذه الأبحاث بين الهدوء والذكاء، بين التصرف النفسي والتفكير الأكاديمي، بين السلوك والتحصيل. غير أنه، رغم ذلك، استمرت (بل ازدهرت) نظرية، ومشروعات، وصناعة، وتجارة، واستثمارات استعمال الموسيقى لزيادة ذكاء الأطفال. استعرض ميهر وزملاؤه الأبحاث المنشورة في هذا المجال. ووجدوا أنها ليست كثيرة: خمسة فقط. وأن دراسة واحدة فقط من هذه كانت ذات مصداقية، لكن، مصداقيتها محدودة، ولا تبرهن على صحة هذه النظرية الهامة.
وبمساعدة آخرين في قسم علم النفس في جامعة هارفارد، أجرى ميهر أبحاثا حول تأثير الموسيقى على التفكير، في مجال علم النفس الذي يسمى «كوغنيتف» (تفكير تحليلي). قارنوا بين تأثير الموسيقى وتأثير اللوحات الفنية والفنون الجميلة. شملت المقارنة 20 طفلا وطفلة، عمر كل منهم أربع سنوات. وحضروا، مع آبائهم أو أمهاتهم، دروسا استمرت شهرين، ولمدة ساعة لكل درس. عشرة حضروا دروس موسيقى، وعشرة حضروا دروس لوحات فنية، ورسومات فنية.
ثم أجريت اختبارات ذكاء على المجموعتين. لكن، عكس تجارب قياس الذكاء اعتمادا على حل أسئلة في الرياضيات (وهي التجارب السائدة في هذا المجال)، قاسوا الذكاء اعتمادا، أيضا، على أسئلة في اللغة والمعلومات العامة. ولم تجد الدراسة فرقا بين ذكاء المجموعتين. رغم أنها أوضحت شيئين:
أولا: تؤثر الموسيقى على التفكير، وبالتالي، يمكن أن تزيد الذكاء.
ثانيا: إذا زادت فترة الدرس، ربما سيكون الفرق واضحا. لكن، على أي حال، كشفت الدراسة خلل النظرية الأولى الأساسية. إن لم تحسمها. وقالت ايلين وينار، أستاذة علم النفس في كلية بوسطن (ولاية ماساتشوستس)، والمتخصصة في دراسة تأثير الفنون على الأطفال، بأن هذه النتائج لم تكن مفاجئة لها. وانتقدت نظرية أن الفنون (أو الموسيقى) تدرس لزيادة الذكاء. وخاصة لحل أسئلة الرياضيات. وأضافت: «تشير هذه إلى نظرية ضيقة جدا عن ما ينبغي أن يتعلم الأطفال. لقد فقدنا إحساس أن الأطفال يتعلمون ليصيروا بشرا فاهمين. ويشمل ذلك الموسيقى والفنون. يتعلمونها ليستفيدوا منها، لا ليسخروها للحصول على درجات عالية في موضوع معين».
9:41 دقيقه
جامعة هارفارد الأميركية: الموسيقى لا ترفع مستويات الذكاء
https://aawsat.com/home/article/14233
جامعة هارفارد الأميركية: الموسيقى لا ترفع مستويات الذكاء
- واشنطن: محمد علي صالح
- واشنطن: محمد علي صالح
جامعة هارفارد الأميركية: الموسيقى لا ترفع مستويات الذكاء
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

