البرلمان الأوروبي يوافق على تدابير لتشديد قواعد الهجرة واللجوء

انتقادات حقوقية للقرار... وتشكيك في «أمان» دول الاستقبال

مهاجرون يصلون على متن سفينة تابعة لخفر السواحل بإيطاليا بعد إنقاذهم بالقرب من جزيرة لامبيدوزا (أرشيفية - رويترز)
مهاجرون يصلون على متن سفينة تابعة لخفر السواحل بإيطاليا بعد إنقاذهم بالقرب من جزيرة لامبيدوزا (أرشيفية - رويترز)
TT

البرلمان الأوروبي يوافق على تدابير لتشديد قواعد الهجرة واللجوء

مهاجرون يصلون على متن سفينة تابعة لخفر السواحل بإيطاليا بعد إنقاذهم بالقرب من جزيرة لامبيدوزا (أرشيفية - رويترز)
مهاجرون يصلون على متن سفينة تابعة لخفر السواحل بإيطاليا بعد إنقاذهم بالقرب من جزيرة لامبيدوزا (أرشيفية - رويترز)

أقرّ البرلمان الأوروبي، الأربعاء، حزمة من التعديلات على قانون اللجوء في الاتحاد، تمنح حكومات الدول الأعضاء مزيداً من التسهيلات والخيارات لترحيل طالبي اللجوء إلى مراكز في بلدان تقع خارج الأسرة الأوروبية.

وبهذه التغييرات على قواعد اللجوء، أصبح بإمكان سلطات البلدان الأعضاء ترحيل المهاجرين إلى دول لا تربطهم بها أي علاقة، وإيواؤهم في مراكز مخصصة لهذا الغرض لإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية، على غرار ما هو معمول به حالياً في بعض البلدان مثل هولندا والدنمارك، أو إيطاليا التي كانت السبّاقة في تطبيق هذا النظام بإرسالها أعداداً من المهاجرين غير الشرعيين إلى مراكز في ألبانيا وسط احتجاجات شديدة من أحزاب المعارضة.

وقد أثارت هذه التعديلات التي أقرها البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، بدعم من الكتل المحافظة واليمينية المتطرفة، موجة انتقادات شديدة من منظمات حقوق الإنسان التي نبّهت أن هذه القواعد الجديدة تُشكّل انتهاكاً صارخاً لحقوق طالبي اللجوء، وأعربت عن شكوكها في أن البلدان التي وردت على قائمة «الدول الآمنة» تضمن احترام الحقوق الأساسية للمهاجرين.

مراكز ترحيل

وتأتي هذه التعديلات في خضمّ صعود القوى والأحزاب اليمينية المتطرفة في معظم بلدان الاتحاد الأوروبي، حيث يسود الخطاب الشعبوي المحرّض ضد المهاجرين، وذلك رغم التقادم العمري المطرد بين السكان الأوروبيين، وحاجة البلدان الأوروبية الماسّة لليد العاملة في عدد كبير من القطاعات الإنتاجية والخدماتية، وهو خطاب تبنّته مؤخراً عدة أحزاب محافظة.

وأبرز ما في التعديلات الجديدة أنها تعطي دفعاً لإقامة مراكز مخصصة لترحيل المهاجرين خارج الاتحاد، اصطلحت المؤسسات الأوروبية على تسميتها «حلولاً مبتكرة»، تتبنّى النموذج الذي يعرف باسم رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني التي ما زالت تخوض معركة ضد الأجهزة القضائية في بلادها التي أفتت بعدم دستورية هذا النموذج.

وفي حال موافقة حكومات الدول الأعضاء في الاتحاد، تدخل هذه التعديلات حيّز التنفيذ ابتداء من مطلع يونيو (حزيران) المقبل، وتفتح الباب أمام البلدان لترحيل المهاجرين غير الشرعيين إلى دول خارج الاتحاد وقّعت الحكومات الأوروبية اتفاقيات معها، أو إلى دول يعدّها الاتحاد «آمنة»، مثل تونس ومصر وكوسوفو وألبانيا وكولومبيا. يضاف إلى ذلك أن مواطني هذه الدول المعتبرة آمنة، سيواجهون صعوبات جمّة للحصول على حق اللجوء في الاتحاد.

وعدّت الكتل البرلمانية التي اعترضت على قائمة الدول الآمنة، أي الاشتراكية والليبرالية والخضر، أن النص الجديد يضع مئات الآلاف من الأشخاص في دائرة الخطر، ويُشكّل خطوة أخرى في اتجاه تجريد سياسة الهجرة الأوروبية من إنسانيتها. أما الذين أيّدوا التعديلات، فقد برّروا موقفهم بالقول إن «المواطنين الأوروبيين ينتظرون من ممثليهم الوفاء بالوعود التي قطعوها في حملاتهم الانتخابية حول موضوع الهجرة، وهذا ما نقوم به اليوم بالضبط»، كما جاء في كلمة رئيس كتلة الحزب الشعبي الأوروبي الألماني مانفريد ويبير.

غرامات مالية

وبعد ساعات قليلة على إقرار التعديلات في البرلمان الأوروبي، عقدت الحكومة الإيطالية جلسة استثنائية وافقت خلالها على مشروع قانون يجيز فرض «حصار بحري» يمنع قوارب الإنقاذ التابعة لمنظمات إنسانية تساعد المهاجرين من دخول المياه الإقليمية الإيطالية في ظروف تُهدّد الأمن العام، مثل ارتفاع عدد المهاجرين بنسبة ملحوظة، أو مخاطر طوارئ صحية، أو احتمالات دخول عناصر إرهابية إلى البلاد، أو خلال انعقاد لقاءات دولية رفيعة المستوى.

ويلحظ القانون الجديد فرض غرامات مالية على السفن المخالفة تتراوح بين عشرة آلاف وخمسين ألف يورو، ومصادرة السفينة في حال تكرار المخالفة. وسارعت أوساط قانونية إلى التحذير من أن هذه التدابير تتعارض مع أحكام اتفاقية الأمم المتحدة حول قانون البحار التي صادقت عليها إيطاليا. وسبق للحكومة الإيطالية أن لجأت إلى مثل هذه الإجراءات في بداية عهد ميلوني، الأمر الذي تسبب في أزمة دبلوماسية بين روما وباريس، وصلت إلى حد استدعاء فرنسا سفيرها في العاصمة الإيطالية وتجميد العلاقات بين البلدين.

وكان مفوّض الأمم المتحدة السابق لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي قد ندّد بالمقترحات التعديلية على قانون الهجرة الأوروبي، وذلك قبل أيام من نهاية ولايته أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وأعرب عن «شديد الغضب» من الحكومات الأوروبية التي خفّضت مساعداتها للاجئين بالتزامن مع قرار الإدارة الأميركية إنهاء أنشطة وكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية USAID، مشيراً إلى أن تمويل الوكالة الدولية تراجع العام الماضي بنسبة 25 في المائة قياساً بعام 2024، في الوقت الذي تضاعف عدد اللاجئين في العالم في السنوات العشر المنصرمة، ليبلغ 122 مليوناً في الوقت الراهن. وقال غراندي إنه يميل إلى الاعتقاد بأن الدول الأوروبية، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، قد خفّضت مساعداتها بضغط من الولايات المتحدة، لتخصيص موارد إضافية للأمن والدفاع، واصفاً هذا التصرف بالخطر الاستراتيجي الذي ستكون له تداعيات سلبية على بلدان الاتحاد الأوروبي في القريب المنظور.



تقرير: قتيلان في هجوم بمسيّرة أوكرانية على بريانسك الروسية

رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)
رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)
TT

تقرير: قتيلان في هجوم بمسيّرة أوكرانية على بريانسك الروسية

رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)
رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)

كشف حاكم منطقة بريانسك الروسية، ‌اليوم ‌(السبت)، ​أنَّ ‌شخصين ⁠قُتلا ​وأُصيب 5 ⁠آخرون عندما أصابت طائرة مسيّرة ⁠أوكرانية ‌منزلاً ‌خاصاً ​في منطقة ‌كليموفو ‌السكنية، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف أن القوات ‌الروسية دمَّرت 29 طائرة ⁠مسيّرة ⁠أوكرانية فوق المنطقة خلال الساعات الـ24 ​الماضية.

واستهدفت القوات الروسية بنى تحتية للطاقة ومراكز لوجستية تُستخدَم لصالح الصناعة العسكرية الأوكرانية، في كييف وخاركيف، بمسيّرات الليلة الماضية، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزارة الدفاع الروسية، في بيان اليوم، إن الغارات الليلية أصابت محطة التوليد المشترك «للطاقة الكهربائية والحرارة رقم 6» التي تزوِّد المنشآت اللوجستية العسكرية ومواقع تخزين الأسلحة والمعدات العسكرية بالكهرباء في كييف، وورشاً داخل منطقة «بروتون» الصناعية كانت تنتج مكوّنات للأسلحة والمعدات العسكرية للجيش الأوكراني، ومستودعات جُهّزت للاستخدام أماكن لتجميع وتخزين الطائرات المسيّرة في خاركيف.

وذكرت الوزارة أنه تم أيضاً استهداف سفينة شحن تسير في البحر على بُعد 18 كيلومتراً جنوب أوديسا، وعلى متنها حمولات مخصَّصة للقوات المسلحة الأوكرانية.

وفي بيان منفصل، صدر صباح اليوم، أعلنت الوزارة اعتراض وتدمير 433 مسيّرة أوكرانية فوق 19 منطقة روسية خلال الليلة الماضية.


وسط خلاف حول المحكمة الدستورية... الرئيس البولندي يدعو إلى «استعادة سيادة القانون»

الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)
الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)
TT

وسط خلاف حول المحكمة الدستورية... الرئيس البولندي يدعو إلى «استعادة سيادة القانون»

الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)
الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)

كشف الرئيس البولندي، المحافظ كارول نافروتسكي، صباح اليوم السبت، عن أن الخلاف طويل الأمد مع حكومة دونالد توسك بشأن المحكمة الدستورية يهدد الأمن الداخلي للبلاد، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويأتي ذلك عقب تصاعد حاد للخلاف خلال الليل.

وخاطب نافروتسكي المحتجين خارج مبنى المحكمة، المطوق، بعد أن شق طريقه إلى الداخل بصعوبة، داعياً إلى مشاورات عاجلة مع جميع الأطراف الممثلة في البرلمان «لتثبيت الوضع السياسي واستعادة النظام الدستوري».

وطالب بـ«استعادة سيادة القانون وسحب قوات الأمن التي نشرتها الحكومة من مقر المحكمة».

متظاهرون يتجمعون خارج مقر المحكمة الدستورية البولندية بعد أن منعت الشرطة الوصول إلى المبنى في وارسو (أ.ف.ب)

وكان المتظاهرون قد احتشدوا لساعات خارج مقر المحكمة في العاصمة وارسو منذ مساء الجمعة، متهمين حكومة توسك (يسار-وسط) بتقويض دستور البلاد وقضائها، بعد تعليق عمل رئيس المحكمة ونائبه.

ووفقاً لبيان نُشر على موقع المحكمة، فإن رئيسها بوجدان شفينتشكوفسكي، الذي عيّنه حزب القانون والعدالة اليميني الشعبوي المعارض الذي حكم بولندا حتى 2023، ستحل محله مؤقتاً آنا كورفين-بيوتروفسكا، وهي واحدة من خمسة قضاة عيّنهم البرلمان الحالي حديثاً ورفضهم نافروتسكي المدعوم من القانون والعدالة.

وقطع نافروتسكي رحلة كانت مقررة إلى السنغال بسبب تفاقم الخلاف، وعاد إلى وارسو مساء الجمعة.


انتفاضة الطلاب تطوي صفحة فوتشيتش في صربيا... وروسيا الخاسر الأكبر

لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)
لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)
TT

انتفاضة الطلاب تطوي صفحة فوتشيتش في صربيا... وروسيا الخاسر الأكبر

لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)
لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)

لم تكن الاحتفالات التي شهدتها صربيا عقب الفوز الانتخابي الكاسح للحركة الطلابية، مجرد تعبير عن انتصار المعارضة على السلطة؛ بل بدت كأنها لحظة تحرر من 14 عاماً من الحكم الذي تركزت فيه السلطات بيد شخص واحد، وتراجع خلاله دور المؤسسات، وانحسرت الحريات الإعلامية، واتسعت دائرة الفساد والمحسوبية، وفق المعارضين؛ فمع إقرار ألكسندر فوتشيتش بالهزيمة، في الانتخابات المبكرة التي أُجريت في 25 أكتوبر (تشرين الأول)، بدا أن صربيا تدخل مرحلة سياسية جديدة، عنوانها الأبرز أن الأنظمة التي تبدو راسخة قد تصبح عرضة للسقوط عندما تتجاوز نقمة المجتمع القدرة على التحمّل.

الرئيس السابق ألكسندر فوتشيتش زعيم الحزب التقدمي الصربي في مقر الحزب عقب إقراره بالهزيمة في الانتخابات البرلمانية - الأحد 25 أكتوبر 2026 (أ.ب)

لكن إسقاط السلطة لا يعني بالضرورة بناء نظام ديمقراطي بديل؛ فالحركة الطلابية التي حققت هذا الانتصار تواجه الآن اختباراً أصعب من الانتخابات نفسها، فهل تستطيع تحويل التعبئة الشعبية إلى مؤسسات مستقلة، واستعادة سيادة القانون، ومكافحة الفساد، من دون الوقوع في أخطاء القوى التي سبقتها؟

* من مأساة نوفي ساد إلى انتفاضة وطنية

بدأت القصة قبل سنتين في 1 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، عندما انهارت مظلة خرسانية في محطة القطارات بمدينة نوفي ساد، ما أدى إلى مقتل 16 شخصاً. لم تكن المأساة، بالنسبة للطلاب والمحتجين، مجرد حادث؛ بل كانت تجسيداً لمشكلة أعمق تتعلق بالفساد وغياب الرقابة والمساءلة.

وطالب المحتجون منذ البداية بكشف الوثائق المرتبطة بأعمال ترميم المحطة، وتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين؛ فلم تحصل استجابة كافية، فيما لم تصدر أحكام قضائية بحق المسؤولين عن الكارثة.

خلال مسيرة النصر التي نظمها ائتلاف «قائمة الطلاب» في بلغراد (إ.ب.أ)

ومع مرور الوقت، تجاوزت الاحتجاجات حدود المطالبة بالعدالة في قضية محددة، وتحولت إلى حركة واسعة ضد نظام سياسي فقد شعبيته، فيما انضم إليها مواطنون من خلفيات ومناطق مختلفة. ووصلت التعبئة إلى تنظيم تجمعات في العاصمة بلغراد ضمت أحياناً نحو 200 ألف شخص، لتصبح واحدة من أبرز الحركات الشعبية التي واجهت حكم فوتشيتش.

* كسر حاجز الخوف

تمثّل أحد أهم أوجه هذا التحول في استعادة المجتمع قدرته على التعبير عن رفضه؛ ففي بلد اعتاد فيه المواطنون، وفق رواية المحتجين، مشاهدة الفساد والمحسوبية في تفاصيل حياتهم اليومية؛ من الحصول على الخدمات إلى فرص العمل، أصبحت الحركة مساحة جامعة لتجاوز الخوف والانخراط في العمل العام.

ولم تقتصر التحركات على العاصمة أو المدن الكبرى؛ بل امتدت إلى أنحاء البلاد، ونظّم الطلاب مبادرات رمزية لافتة، بينها التوجه بالدراجات إلى ستراسبورغ وتنظيم سباق تتابع إلى بروكسل، في إشارات إلى ارتباطهم بأوروبا، وإلى تصورهم لمستقبل سياسي مختلف.

ومع ذلك، لم ترفع الحركة الأعلام الأوروبية في تجمعاتها، وهو ما أثار تساؤلات بشأن موقفها من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ويفسر أحد التحليلات ذلك بخيبة أمل المحتجين من مواقف قادة أوروبيين زاروا صربيا وأبدوا دعماً للحكومة. لذلك، اختار الطلاب التركيز على الشأن الداخلي لإعادة بناء مؤسسات الدولة ومحاربة الفساد، بدلاً من انتظار تدخل خارجي.

ولم تظهر إشارة علنية أوروبية مؤيدة لمطالب الطلاب إلا في ربيع 2025، عندما أعلنت مفوضة الاتحاد الأوروبي للتوسع، مارتا كوس، أن الاتحاد يشاطرهم تلك المطالب.

من المحتفلين بالفوز الانتخابي (أ.ف.ب)

* ديمقراطية من القاعدة إلى القمة

لم يكن نجاح الحركة نتيجة قيادة تقليدية أو عمل حزب سياسي يمتلك هرمية قيادة عمودية وجهازاً انتخابياً؛ فقد اعتمد الطلاب أسلوباً أفقياً في التنظيم، من خلال اجتماعات عامة مطولة ومداولات شارك فيها أصحاب آراء مختلفة. وبعد عملية تدقيق واسعة، قدمت الحركة قائمة تضم 250 مرشحاً للانتخابات البرلمانية.

كان ذلك اختباراً غير مألوف للديمقراطية المباشرة والتشاركية، في وقت شكك فيه مراقبون كثيرون في قدرة حركة بلا قيادة مركزية واضحة على التحول إلى قوة انتخابية فاعلة. لكن النتيجة جاءت حاسمة: حصلت القائمة الطلابية على نحو 53 في المائة من الأصوات، مقابل 39 في المائة لمعسكر فوتشيتش، وحققت أغلبية برلمانية عملية في انتخابات شهدت أعلى نسبة مشاركة منذ أكثر من 3 عقود.

وجاء سقوط فوتشيتش بعد انتصار بيتر ماجار في المجر على فيكتور أوربان، ليثبت أن هزيمة زعيم سلطوي عبر الانتخابات أمر ممكن. كما أن قبول فوتشيتش النتيجة، بدلاً من اللجوء إلى مواجهة واسعة أو رفض الهزيمة، أتاح انتقالاً أكثر سلاسة للسلطة.

غير أن التجربة الصربية تستحضر أيضاً دروس عام 2000، عندما أُطيح سلوبودان ميلوشيفيتش؛ فالقوى التي استفادت آنذاك من التغيير لم تنجح جميعها في بناء نظام خالٍ من الفساد، وانتهى بعضها إلى فضائح ومحاولات احتكار السلطة.

* التحدي الأصعب يبدأ الآن

ستواجه الحكومة المقبلة دولة لا تزال شبكات النفوذ الموالية لفوتشيتش حاضرة في مؤسساتها الرسمية وغير الرسمية؛ فالحزب التقدمي الصربي، رغم خسارته، احتفظ بـ105 مقاعد في البرلمان المؤلف من 250 مقعداً. كما أن إصلاح القضاء والإعلام، ومواجهة الجريمة المنظمة، وتفكيك شبكات المصالح المتجذرة، لن تتحقق بمجرد اتخاذ قرارات سريعة.

ومن المرجح أن يكون التحقيق الشامل في كارثة نوفي ساد أول اختبار سياسي وأخلاقي للحكومة الجديدة؛ فالمساءلة في هذه القضية لا تتعلق بمحاسبة المسؤولين فحسب، بل بإظهار أن القانون يسري على الجميع، وأن الوعود الانتخابية يمكن أن تتحول إلى نتائج ملموسة.

وتبرز كذلك معضلة الاقتصاد، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستثمارات الأجنبية منذ تفكك يوغوسلافيا. وقد ارتبطت علاقات السلطة بشركات أجنبية تنفذ مشاريع أثارت جدلاً، من بينها مشروع استخراج الليثيوم الذي سعت إليه شركة «ريو تينتو». وترى الحركة الطلابية أن تغيير النظام السياسي شرط لمعالجة البنية التي تسمح بتداخل المصالح الاقتصادية والنفوذ السياسي.

أما خارجياً، فلن يكون التحول سهلاً، لأن قاعدة الحركة تضم مؤيدين للاتحاد الأوروبي، وآخرين متعاطفين مع روسيا، فضلاً عن معارضين لحلف شمال الأطلسي (ناتو). لذلك، لا يُتوقع حدوث انقلاب سريع في السياسة الخارجية الصربية التي قامت طويلاً على الموازنة بين القوى الكبرى. وسيظل ملف كوسوفو التي انفصلت عن صربيا وأعلنت استقلالها من جانب واحد عام 2008، خطاً أحمر، فيما يبقى الحياد العسكري عائقاً أمام التقارب مع «الناتو».

وقد يشكل التقارب مع الاتحاد الأوروبي المجال الأكثر قابلية للتقدم، خصوصاً أن سيادة القانون وحرية الإعلام ومكافحة الفساد تتقاطع مع شروط بروكسل لمسار الانضمام.

مؤيدون لـ«قائمة الطلاب» يحتفلون في بلغراد (رويترز)

* نهاية حقبة أم بداية اختبار جديد؟

تؤكد التجربة الصربية أن التغيير من القاعدة إلى القمة ممكن، حتى في ظل ظروف انتخابية غير متكافئة. لكنها تؤكد أيضاً أن الانتصار على زعيم سلطوي لا ينهي تلقائياً آثار سنوات من تركيز السلطة وإضعاف المؤسسات.

وبين نشوة التحرر وصعوبة الحكم، تبدأ الآن المعركة الحقيقية على مستقبل صربيا: هل تكون هذه الانتخابات نهاية دورة سلطوية جديدة؟ أم مجرد فصل آخر في تاريخ بلد ما زال يبحث عن ديمقراطية مستقرة؟

ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الدولة الواقعة في منطقة البلقان الحساسة، لطالما كانت داعمة لروسيا التي خسرت حليفاً في المجر والآن في صربيا، ولا عجب في أن نرى قريباً دوائر الكرملين تتهم يداً خارجية بدعم الحركة الاحتجاجية للتخلص من فوتشيتش...