كبرى المؤسسات الدولية تدعو لإصلاح الأنظمة العالمية بدل تدميرها

الدين العالمي سجل أرقاماً قياسية... وحرب الرسوم قد تدمر 17.5 % من حجم التجارة

جانب من جلسات اجتماعات صندوق النقد الدولي في بالي الإندونيسية أمس (إ ب أ)
جانب من جلسات اجتماعات صندوق النقد الدولي في بالي الإندونيسية أمس (إ ب أ)
TT

كبرى المؤسسات الدولية تدعو لإصلاح الأنظمة العالمية بدل تدميرها

جانب من جلسات اجتماعات صندوق النقد الدولي في بالي الإندونيسية أمس (إ ب أ)
جانب من جلسات اجتماعات صندوق النقد الدولي في بالي الإندونيسية أمس (إ ب أ)

حذر رؤساء منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، أمس، من تأثير سياسات الحماية التجارية على الاقتصاد العالمي، ودعوا لوقف تصعيد الخلافات التجارية الحالية، داعين قادة العالم إلى إصلاح الأنظمة التجارية العالمية بدلاً من السعي إلى تقويضها.
ويشغل احتمال تصعيد أكبر للخلاف التجاري بين الولايات المتحدة والصين، أكبر اقتصادين في العالم، بال وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية والاقتصاديين الذين يتوافدون علي منتجع بالي لحضور الاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد، التي تبدأ اليوم الخميس.
وخفّض صندوق النقد توقعات النمو العالمية للعامين الحالي والمقبل، وقال في تقرير أول من أمس، إن الخلاف التجاري بين الولايات المتحدة والصين يؤثر على الاقتصاد العالمي، وإن الأسواق الناشئة تعاني من نقص السيولة والتدفقات الرأسمالية. وقال الصندوق إن الأبحاث الحديثة أظهرت وجود مخاطر للنظام المالي العالمي زادت على مدى الأشهر الستة الماضية، وستسجل زيادة حادة إذا تصاعد الضغط في الأسواق الناشئة، وتدهورت العلاقات التجارية أكثر.
ومن جانبها، دعت مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد الأربعاء، قادة العالم إلى إصلاح الأنظمة التجارية العالمية بدلاً من السعي إلى تقويضها، في تصريح هو بمثابة توبيخ للسياسيين الذين يعززون الرسوم الجمركية والحمائية.
ويأتي تصريحها في وقت يهدد الخلاف التجاري بين الصين والولايات المتحدة النمو الاقتصادي العالمي؛ حيث حذر خبراء صندوق النقد الدولي من «نقاط ضعف جديدة» في النظام العالمي.
وقالت لاغارد خلال اجتماع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بالي في إندونيسيا: «نحتاج إلى العمل معا من أجل تخفيف التوتر وحل النزاعات التجارية الراهنة. نحتاج إلى أن نتكاتف لإصلاح النظام التجاري الحالي وليس تدميره».
وردد الأمين العام لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أنخيل غوريا الرسالة ذاتها، محذرا من تبعات اقتصادية للتوتر بدأت تظهر. وقال إن «النمو هذه السنة لا يبدو جيدا» كما كان في العام الماضي، موضحا أن «الفرق هو التجارة والتوتر والحمائية وتدابير الرد». وتابع أنه «بعد فترة من الانتعاش الاقتصادي، بدأنا نقوم بهذه الأمور، وسجلنا تباطؤا».

التجارة العالمية مهددة

من جانبها، قالت منظمة التجارة العالمية أمس، إن حربا تجارية واسعة بين الولايات المتحدة والصين، يمكن أن تخفض حجم التجارة العالمية، بنسبة 17.5 في المائة.
وفي حديثه على هامش المؤتمر، قال رئيس المنظمة، روبرتو أزيفيدو، إن الخلاف يمكن أن يقلص الاقتصاد العالمي بنسبة 1.9 في المائة.
وتظهر عملية حسابية أجراها صندوق النقد، أن الصين وأميركا يعانيان من النزاع التجاري؛ حيث تم الإعلان بالفعل عن رسوم جمركية على ما قيمته 360 مليار دولار أميركي من السلع، بالإضافة إلى ذلك ستخفض الرسوم الجمركية على السيارات وقطع غيار السيارات الاقتصاد الأميركي بنسبة 0.9 في المائة، والاقتصاد الصيني بنسبة 0.6 في المائة.
وقال رئيس منظمة التجارة العالمية، إنه منفتح بشأن مطالب من الولايات المتحدة والرئيس الأميركي دونالد ترمب لإصلاح النظام التجاري العالمي، مضيفا أن هناك آراء مختلفة حول القضية من أعضاء المنظمة.

النمو العالمي في خطر

وحضر نحو 32 ألفاً من النخبة المالية العالمية إلى هذا المنتجع الإندونيسي، للمشاركة في أسبوع من المناقشات التي خيمت عليها سياسة «أميركا أولاً» التي ينتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي فرض أو هدد بفرض تعريفات جمركية أعلى على السلع المستوردة، لا سيما الصين، وكذلك من حلفاء تقليديين مثل الاتحاد الأوروبي.
وأدى كذلك رفع أسعار الفائدة الأميركية إلى خلق حالة من البلبلة في عملات الأسواق الناشئة؛ حيث تجهد الدول التي اقترضت بكثافة بالدولار لتسديد ديونها بسرعة.
وأفاد التقرير الصادر الأربعاء عن صندوق النقد الدولي حول الاستقرار المالي العالمي، بأن النمو العالمي قد يكون في خطر إذا شهدت الأسواق الناشئة مزيداً من التدهور، أو تصاعدت حدة التوترات التجارية.
وقال الصندوق في تقريره نصف السنوي: «ظهرت نقاط ضعف جديدة، ولم يتم بعد اختبار مرونة النظام المالي العالمي». ويبدو المشاركون في السوق «مرتاحين» إزاء المخاطر المحتملة التي قد تنجم عن «زيادة مفاجئة في حدة الظروف»؛ مثل ارتفاع أسعار الفائدة أو انخفاض إمكانية الحصول على الرساميل. وحذر الصندوق من أن فرض مزيد من التعريفات الجمركية والتدابير المضادة لها يمكن أن يؤدي إلى تشديد أكبر للظروف المالية، مع ما يترتب على ذلك من آثار سلبية على الاقتصاد العالمي والاستقرار المالي.
وقالت لاغارد خلال الاجتماع، إن الظروف العالمية لا تبعث على الشعور التام بالاكتئاب. وتابعت: «يدفع الوضع للشعور ببعض الإحباط؛ لكنني في الواقع متفائلة لأن هناك رغبة فعلية في تحسين وتطوير العلاقات التجارية العالمية».
ولكن الباحث الأميركي جيفري ساكس تحدث بلهجة أقل دبلوماسية، في تقييمه لإدارة ترمب للعلاقات التجارية الأميركية، منتقداً مزاعم الرئيس المتكررة بأن العجز مع الصين ودول أخرى يعني أن الأميركيين يتعرضون للاستغلال.
وقال ساكس، مدير مركز التنمية المستدامة في جامعة كولومبيا، خلال ندوة في بالي: «إن العجز التجاري لا يعني بالضرورة وجود غش من قبل الطرف الآخر... هذا يعني أن الولايات المتحدة تحاول وقف نمو الصين. إنها فكرة رهيبة». وأضاف أن «كل الاتهامات الموجهة ضد الصين... مبالغ فيها إلى حد كبير».
ومع ارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصادات المتقدمة، وإغراء المستثمرين بتحويل أموالهم بحثاً عن عوائد أعلى، قال صندوق النقد إن الاقتصادات الناشئة يجب أن تتخذ خطوات لحماية نفسها من هجرة الأموال. واقترح على سبيل المثال تعزيز احتياطيات العملات الأجنبية التي يمكن استخدامها في الأزمات، وكذلك العمل مع أسواق السندات المحلية لبناء قاعدة مستثمرين محلية، بدلاً من الاعتماد على التمويل من الخارج.

ضغوط متزايدة

وقال الصندوق أمس، إن المخاطر التي واجهها النظام المالي العالمي في الأشهر الستة الأخيرة زادت، وقد تشهد تناميا حادا إذا تصاعدت الضغوط في الأسواق الناشئة، أو تعرضت علاقات التجارة العالمية لمزيد من التدهور.
وأشار الصندوق إلى أنه رغم تدعيم الجهات التنظيمية للنظام المصرفي في العشر سنوات الأخيرة، منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية في 2008، فإن أوضاع التيسير المالي ساهمت في تراكم عوامل الضعف، مثل مستويات الدين المرتفعة و«زيادة مفرطة» في تقييمات الأصول.
وأوضح الصندوق في تقريره نصف السنوي للاستقرار المالي العالمي، أن اللوائح المصرفية الجديدة التي تهدف لتفادي خطط الإنقاذ المالي مستقبلا، لم تخضع للاختبار بدرجة كافية. وقال الصندوق: «زادت مخاطر المدى القريب التي تهدد الاستقرار المالي العالمي قليلا، وبشكل عام تبدو أطراف السوق متساهلة إزاء خطر حدوث تشديد حاد في الأوضاع المالية».
وقال توبياس أدريان، مدير أسواق المال في صندوق النقد، إن الصدمات المحتملة للنظام قد تأتي في كثير من الأشكال، مثل زيادة أعلى من المتوقع في التضخم، تؤدي لقفزة حادة في أسعار الفائدة، أو خروج «فوضوي» لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي؛ لكن حدة تأثير مثل هذه الصدمات ستتحدد وفقا لنقاط الضعف، التي تشمل نمو مستويات الدين غير المالي الذي تجاوز الآن 250 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وانخفاض في معايير تغطية القروض خارج القطاع المصرفي التقليدي، وأسعار الأصول المرتفعة التي قد تشهد تدهورا حادا.
وقال توبياس في مؤتمر صحافي: «إن هذا التفاعل بين تراكم عوامل الضعف وتراجع أسعار الأصول، هو ما قد يؤدي لتداعيات معاكسة على نشاط الاقتصاد الكلي».

مخاطر الديون

وأشار الصندوق أيضا إلى المخاطر الآتية من ارتفاع ديون الشركات، وكثرة الاقتراض الحكومي، وتبعات إجراءات التحفيز المالي، وخطط الإنقاذ الحكومي في أعقاب الأزمة المالية العالمية عام 2008. ومنذ تقرير الاستقرار الأخير في أبريل (نيسان) الماضي، أصبحت الظروف الاقتصادية العالمية أقل توازناً، مع زيادة الفروق بين الاقتصادات المتقدمة والناشئة.
وعلى الرغم من زيادة الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) سعر الفائدة، فإن الظروف المالية «شهدت مزيداً من التيسير» في الولايات المتحدة؛ حيث بقيت قيمة الأسهم مرتفعة. وقال التقرير إن الظروف في أوروبا وغيرها من الاقتصادات المتقدمة الرئيسية بقيت «سهلة نسبيا»، على الرغم من أن المستثمرين قللوا توقعاتهم بشأن قيام البنك المركزي الأوروبي بزيادة أسعار الفائدة.وفي الصين، لا يزال الوضع «مستقراً في الإجمال» على الرغم من أن ديون الشركات باتت أعلى من المستويات التاريخية، والاقتراض الأسري من بين الأعلى على مستوى البلدان الناشئة. وقال فيتور غاسبار، مدير إدارة الشؤون المالية في صندوق النقد، إن «الصين تدرك ذلك جيدا وتتخذ خطوات لإبطاء تراكم الديون».

الدين العالمي ينمو... وكذلك الأصول العامة

وفي هذا السياق، قال الصندوق أمس، إن مستويات الدين العالمي سجلت رقما قياسيا بلغ 182 تريليون دولار في 2017؛ حيث نمت 50 في المائة في الأعوام العشرة السابقة؛ لكن الصورة تبدو أقل قتامة عند أخذ قيمة الأصول العامة في الحسبان.
وقال الصندوق إن قاعدة بيانات جديدة في تقريره نصف السنوي للمراقبة المالية أظهرت صافي قيمة ضخما للأصول في 31 دولة، يسهم بنسبة 61 في المائة من الناتج الاقتصادي العالمي. وبلغت قيمة الأصول في هذه الدول نحو 101 تريليون دولار بما يعادل مثلي ناتجها المحلي الإجمالي، وشكلت أصول الشركات العامة أكثر من نصف هذه الأصول بقليل، بينما شكلت الموارد الطبيعية مثل النفط أو الثروة المعدنية أقل من النصف بقليل.
وقال تقرير الصندوق: «ما إن تفهم الحكومات حجم وطبيعة الأصول العامة، يمكنها البدء في إدارتها بمزيد من الكفاءة. المكاسب المحتملة من تحسين إدارة الأصول ضخمة».
وقال الصندوق إن مكاسب الإيرادات من الشركات العامة غير المالية والأصول المالية الحكومية، يمكن أن تصل نسبتها إلى ثلاثة في المائة من الناتج المحلي الإجمالي سنويا، وهو ما يعادل حصيلة ضريبة الشركات السنوية في الاقتصادات المتقدمة.
وذكر التقرير أستراليا ونيوزيلندا وبريطانيا، كدول تأخذ خطوات إيجابية لتحسين إدارة الأصول تحسبا لنمو الالتزامات المالية مستقبلا. وقال الصندوق إن الاستخدام الأكثر كفاءة للمباني التي تملكها الحكومات على سبيل المثال، يمكن أن يساعد في تقليص تكاليف الاستئجار، بينما تحولت بريطانيا عن السندات المرتبطة بالتضخم، للحد من مخاطر سعر الفائدة في محفظة سندات بنك إنجلترا المركزي.



ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
TT

ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)

في خضم التحولات الجيوسياسية التي تعصف بممرات الطاقة العالمية، طُرحت رؤية اقتصادية سورية طموحة تتقاطع مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030»؛ لإنهاء عقود من الارتهان لمضيق هرمز.

وتطرح مبادرة (4+1)، التي كشف عنها مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية أسامة قاضي لـ«الشرق الأوسط»، خريطة طريق تجمع بين إنشاء شبكة قطارات سريعة حديثة وإعادة إحياء أنابيب النفط (التابلاين) التاريخي؛ بهدف تحويل الجغرافيا السورية والسعودية منصةً لوجيستيةً عالمية تربط ثلاث قارات.

وتستهدف هذه المبادرة الاستراتيجية، التي تأتي في توقيت بالغ الحساسية، تأمين تدفق نحو 7 ملايين برميل نفط يومياً بعيداً عن التهديدات الإيرانية، وضمان استقرار أسواق الغذاء والطاقة عالمياً.

وتهدف المشاريع المطروحة إلى كسر حلقة «الابتزاز الجيوسياسي» المرتبط بمرور أكثر من 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، من خلال إيجاد ممرات برية آمنة ومستقرة تخفض تكاليف النقل وتعزز أمن الإمدادات.

وجاء الإعلان عن هذه الرؤية في ظل تعطل حركة الملاحة البحرية وتصاعد التوترات الإقليمية؛ ما يمنح مشاريع الربط السككي وأنابيب النفط العابرة للحدود زخماً استثنائياً بصفتها بدائل مستدامة تضع المملكة في قلب تدفقات التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.

قطار سريع

ويعد مشروع إنشاء خط قطار سريع تتراوح سرعته بين 200 و300 كيلومتر/ساعة، يربط المملكة بسوريا مروراً بالأردن، مستفيداً من امتداد شبكة السكك الحديدية السعودية إلى منفذ الحديثة، من أبرز تلك المشاريع.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، أوضح قاضي أن هذا المشروع يترجم عملياً مستهدفات «رؤية السعودية»، من حيث تنويع الاقتصاد وتعظيم دور المملكة بصفتها مركزاً لوجيستياً عالمياً، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، وإعمار سوريا، والمساهمة في النهوض الاقتصادي العربي، كما أنه يحوّل الجغرافيا قيمةً اقتصادية مباشرة، ويضع المملكة في قلب تدفقات التجارة بين آسيا وأوروبا.

والجدوى الخاصة بهذا المشروع ليست نظرية، بحكم أن أكثر من 70 في المائة من البنية داخل السعودية قائمة حتى منفذ الحديثة؛ ما يخفّض تكلفته وتسارعه، حسب قاضي، الذي قال: «إن كل دولار يُستثمر فيه سيولّد عائداً مركباً عبر رسوم عبور، وخدمات لوجيستية، ومناطق صناعية، وتوسّع الصادرات، وفي الوقت نفسه يوفر مساراً مكمّلاً يحدّ من اختناقات الممرات البحرية، ويعزّز استقرار تدفقات النفط والغاز، وهذه ليست فقط بنية نقل، بل أداة لخفض تذبذب الأسعار ورفع موثوقية الإمدادات ويخلق قيمة مضافة ويعزّز الأمن الغذائي العربي».

ويتضمن المشروع إحياء مسار خط الحجاز بحكم أنها جزء من الشبكة الحديثة؛ ما يمنح المشروع عمقاً تاريخياً ويخفض التكاليف، ويفتح الربط شمالاً نحو تركيا، وجنوباً نحو المدينة المنورة.

وللوصول إلى المشروع قبل عام 2030، يجب تقسيمه حزماً تعمل بالتوازي داخل الأردن وسوريا، مع قيادة برامج مشتركة، بحيث يتم، وفقاً لقاضي، البدء بـ«خط شحن» حديث عالي الكفاءة و«خط ركاب» متوسط السرعة، ثم رفع السرعات تدريجياً في المقاطع ذات الجدوى.

وأوضح قاضي أن التكلفة التقديرية لهذا المشروع تتراوح بين 12 و25 مليار دولار لسيناريو مختلط (شحن + ركاب سريع جزئياً)، وترتفع في حال تعميم السرعات العالية على كامل المسار، لكن العائد الاستراتيجي - لوجيستياً وطاقياً وغذائياً - يجعله من أعلى المشاريع مردوداً في المنطقة.

ومما يسرع من تنفيذ المشروع أن الجزء السعودي قائم حتى مدينة الحديثة، بينما تصل المسافة من الحديثة إلى دمشق نحو 700 كيلومتر، وبين دمشق وأنطاكيا نحو 350 كيلومتر.

وأشار قاضي إلى أن سرعة القطار في المرحلة الأولى من المشروع ستصل إلى نحو 120 – 200 كيلومتر/ساعة، وفي المرحلة الثانية إلى 200 – 300 كيلومتر/ساعة، في حين يستغرق تحضيره وتمويله أقل من سنة، والتنفيذ المرحلي المتوازي أقل من ٤ سنوات، بحيث يحتفل البلدان بتشغيل أولي للخط قبل عام 2030.

ورأى أن الأمن الغذائي العربي لن يتحقق عبر الاستيراد فقط، بل عبر بناء ممرات لوجيستية ذكية، وهذا المشروع يحول المنطقة منصةً لإعادة توزيع الغذاء عالمياً، تبدأ من الهند وآسيا، وتعبر الخليج وسوريا، لتصل إلى أوروبا.

«التابلاين» لتحييد «هرمز»

من ضمن مشاريع (4+1)، إعادة إحياء خط أنابيب نقل النفط «التابلاين» الذي نشأ عام 1947 بطول 1664 كيلومتراً، ويمتد من مدينة بقيق السعودية إلى ميناء صيدا اللبناني على البحر الأبيض المتوسط، مع تعديل نهايته ليصب في ميناء بانياس السوري، بحيث يتم ضخ ما بين 5 و7 ملايين برميل يومياً عبر أربعة خطوط متوازية، وذلك بعدما أغلق المشروع بشكل نهائي في تسعينات القرن الماضي.

هذا المشروع، وفق قاضي، هو صمام أمان لاستقرار أسواق الطاقة العالمية؛ لأنه «عندما نخلق ممراً برياً آمناً للنفط والغاز من الخليج إلى البحر المتوسط، فإننا نُخرج جزءاً كبيراً من تجارة الطاقة العالمية من دائرة المخاطر الجيوسياسية، وخاصة تلك المرتبطة بمضيق هرمز. بمعنى آخر، نحن لا ننقل الطاقة فقط، بل ننقل العالم من اقتصاد مهدد بالاختناقات إلى اقتصاد مستقر متعدد المسارات».

كركوك - بانياس والغاز القطري

المشروع الثالث، هو إعادة تأهيل خط «كركوك – بانياس» لنقل النفط، واستبداله بخطوط متوازية تضخ من مليون إلى 3 ملايين برميل نفط يومياً من مدينة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس، بعدما كان يضخ نحو 300 ألف برميل.

ويتمثل المشروع الرابع بمد خط لنقل الغاز القطري الذي بدأ ينقطع بسبب «مشاكل مضيق هرمز وإيران».

ويبدأ الخط من قطر إلى الأردن وبعد ذلك سوريا وصولاً إلى تركيا ومن ثم أوروبا، على أن ينبثق منه المشروع الخامس بمد وصلة نقل إلى بانياس.

وأوضح قاضي في حديثه، أن سوريا كانت تاريخياً قلب طرق التجارة العالمية، واليوم يمكن أن تعود إلى هذا الدور، ولكن بمنطق القرن الحادي والعشرين: «سكك حديدية سريعة، وموانٍ ذكية، وممرات طاقة متكاملة»، وإذا نجحت مشاريع (4+1)، فإن دمشق لن تكون فقط عاصمة سياسية، بل عاصمة لوجيستية واقتصادية تربط ثلاث قارات. أضاف: «نحن ننتقل من مفهوم الجغرافيا السياسية إلى الجيو-اقتصاد، ومن يملك الممرات يملك التأثير، وسوريا مؤهلة لأن تكون أحد أهم الممرات في العالم، ومشاريع (4+1) تعيد تعريف المنطقة ليس كمنطقة صراعات، بل كمنطقة عبور وازدهار».

صورة قديمة تظهر عمليات نقل أنابيب التابلاين (أرامكو)

بعد الأزمات الأخيرة، أدرك العالم أن الاعتماد على الممرات البحرية فقط هو مخاطرة استراتيجية، وما يتم تقديمه من مشاريع وفق قاضي هو «بديل بري مستقر، يقلل من تكلفة النقل ويزيد من أمن الإمدادات، وهي ليست بديلاً عن البحر، بل توازن ضروري يمنع أي جهة من احتكار حركة التجارة العالمية».

وشدد قاضي على أن إعمار سوريا يجب ألا تكون إعادة بناء حجارة، بل بناء دور اقتصادي، وهذه المشاريع تخلق اقتصاد عبور يدر مليارات الدولارات سنوياً، وعشرات ألوف فرص العمل، وتدفع بعجلة النمو الاقتصادي السوري، وبهذا النموذج، تصبح سوريا دولة منتجة للخدمات اللوجيستية والطاقة، وليست فقط متلقية للمساعدات».

وبينما علمت «الشرق الأوسط»، أن هذه المشاريع هي «قيد الدراسة من قِبل كثير من الجهات الحكومية السورية والعربية»، أبان قاضي أن تكلفتها تصل إلى أقل من 30 مليار دولار، وهي في حاجة إلى تمويل من ثلاثة صناديق سيادية عربية على الأقل في المنطقة وصندوق سيادي أوروبي. وعدّ المشاريع أنها «أول اختبار حقيقي لفكرة التكامل الاقتصادي العربي، وإذا نجح هذا النموذج، يمكن تعميمه ليصبح نواة لسوق عربية مشتركة حقيقية، وستُذكر في التاريخ بصفتها أحد أهم مشاريع القرن الحادي والعشرين في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي التي تتناغم مع (رؤية السعودية 2030) بجعل الشرق الأوسط أوروبا جديدة، وسوريا هي درّة الشرق الأوسط».

من جهته، رأى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، باسل كويفي، أن الحديث عن هذه المشاريع يمثل طرحاً لاستراتيجية «الجيوبوليتيك الطاقي» التي يمكن أن تعيد تشكيل وجه الشرق الأوسط بالكامل. لكنه لفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه رغم النظرة المتفائلة، فحزمة هذه المشاريع تحتاج إلى تمويل ضخم واستثمارات كبيرة، وثقة ائتمانية عالية واستقرار نقدي، والأهم توافق سياسي شامل.


وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)
TT

وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)

اجتمع وزراء دول «مجموعة السبع» ومسؤولو البنوك المركزية يوم الاثنين، لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، والتي تسببت في قفزة هائلة بأسعار الطاقة، وأثارت مخاوف جدية على الاقتصاد العالمي.

تأتي هذه التحركات بعد الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي، ورد طهران باستهداف الدول المصدِّرة للخام في المنطقة، وتعطيل معظم الشحنات عبر الخليج. وقد أدى هذا الضغط على الإمدادات إلى رفع أسعار النفط والغاز الطبيعي، ما أحدث تأثيرات متلاحقة وقوية على سلاسل التوريد في صناعات متعددة.

وصرح وزير المالية الفرنسي، رولاند ليسكيور، بأن «مجموعة السبع» حشدت وزراء المالية والطاقة ومسؤولي البنوك المركزية في أول اجتماع بهذا الشكل الموسع، منذ تأسيس المجموعة عام 1975. وقال للصحافيين قبيل الاجتماع: «نعلم أن ما يحدث الآن في الخليج له تداعيات طاقوية، واقتصادية، ومالية، وقد يمتد ليشمل معدلات التضخم... الهدف هو مراقبة التطورات وتبادل التشخيصات؛ خصوصاً فيما يتعلق بالاضطرابات المحتملة».

وشارك في الاجتماع الذي عُقد عبر تقنية الفيديو، ممثلون عن وكالة الطاقة الدولية، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. وتسعى الولايات المتحدة، من خلال المجموعة التي ترأس فرنسا دورتها الحالية، إلى حشد الدعم لإنهاء الحصار الإيراني لممر مضيق هرمز الملاحي.

التحرك السريع

وفي ظل الضغوط المتزايدة، سارعت الحكومات لإقرار تدابير تحد من تأثير نقص الإمدادات وتحليق أسعار الطاقة؛ حيث أعلنت الحكومة الفرنسية يوم الجمعة عن تخصيص 70 مليون يورو (80 مليون دولار) لدعم قطاعات الصيد والزراعة والنقل خلال شهر أبريل (نيسان). وشدد ليسكيور على ضرورة أن يكون الدعم «مستهدفاً وسريعاً»، مؤكداً أن «هذه أزمة تؤثر علينا جميعاً وتتطلب تحركاً سريعاً وعادلاً».


«السوق السعودية» تسجل أعلى مستوياتها منذ شهر ونصف

مستثمران يتابعان تحركات سهم أحد البنوك في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)
مستثمران يتابعان تحركات سهم أحد البنوك في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)
TT

«السوق السعودية» تسجل أعلى مستوياتها منذ شهر ونصف

مستثمران يتابعان تحركات سهم أحد البنوك في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)
مستثمران يتابعان تحركات سهم أحد البنوك في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)

أنهى مؤشر السوق الرئيسية السعودية جلسة الاثنين على ارتفاع بنسبة 0.8 في المائة ليغلق عند 11 ألفاً و167 نقطة، مسجلاً أعلى إغلاق منذ شهر ونصف، وبتداولات بلغت قيمتها الإجمالية نحو 6.1 مليار ريال.

وشهدت السوق ارتفاعاً في أبرز الأسهم القيادية، حيث ارتفع سهما «أرامكو السعودية» و«مصرف الراجحي» بأكثر من واحد في المائة، ليصل سعراهما إلى 27.28 ريال و105.40 ريال على التوالي.

وقفز سهم «سابتكو» بنسبة 10 في المائة عند 9.88 ريال، عقب إعلان الشركة عن نتائجها المالية للربع الرابع من 2025، وارتفع سهم «بترو رابغ» بنسبة 7 في المائة، وسط تداولات بلغت نحو 15 مليون سهم.

وصعد سهم «أنابيب السعودية» بنسبة 5 في المائة بعد توقيع الشركة عقداً مع «أرامكو» بقيمة 127 مليون ريال، بينما سجل سهم «صالح الراشد» أعلى إغلاق منذ الإدراج عند 67.20 ريال، لتصل مكاسب السهم منذ الإدراج إلى نحو 50 في المائة.