«حرب وثائق» بين واشنطن وموسكو حول شروط إعمار سوريا

أميركا وثماني دول غربية تشترط «انتخابات برلمانية ورئاسية» وروسيا ترفض «التسييس»... و {الشرق الأوسط} تنشر نصوص الأوراق

جندي سوري يقف داخل منزل دمر في مخيم اليرموك الفلسطيني جنوب دمشق السبت الماضي (أ.ب)
جندي سوري يقف داخل منزل دمر في مخيم اليرموك الفلسطيني جنوب دمشق السبت الماضي (أ.ب)
TT

«حرب وثائق» بين واشنطن وموسكو حول شروط إعمار سوريا

جندي سوري يقف داخل منزل دمر في مخيم اليرموك الفلسطيني جنوب دمشق السبت الماضي (أ.ب)
جندي سوري يقف داخل منزل دمر في مخيم اليرموك الفلسطيني جنوب دمشق السبت الماضي (أ.ب)

تدور «حرب وثائق» بين واشنطن وموسكو في نيويورك حول ظروف إعمار سوريا، بين اشتراط أميركا وثماني دول غربية حليفة حصول «الانتقال السياسي» في سوريا و«إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية» من جهة، ورفض روسيا «تسييس الإعمار» والمساعدات الإنسانية واستعجالها عودة اللاجئين من جهة أخرى.
وكشفت وثائق أرسلها وزراء خارجية الدول المانحة الغربية والإقليمية، بينهم وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ومراسلات وأوراق أممية حصلت «الشرق الأوسط» على نسخ منها، رفض المساهمة في إعمار سوريا «قبل بدء عملية سياسية بقيادة الأمم المتحدة لتحقيق انتقال سياسي شامل، وصريح، وحقيقي لا رجعة عنه» ما يعني «صوغ دستور جديد وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية حرة ومنصفة ومستقلة وخاضعة لإشراف الأمم المتحدة وهيئاتها ضمن بيئة آمنة ومحايدة» في 2021 وفق الجدول الزمني للقرار الدولي 2254، واستحقاقات الانتخابات السورية.
وإذ رفض ممثلو الدول التسع والاتحاد الأوروبي جهود موسكو استعجال الإعمار السوري، فقد دعموا موقف الأمم المتحدة بوجوب التزام العاملين في مؤسساتها في سوريا والعالم بـ«المساءلة»، وعدم التعامل مع «متورطين بجرائم حرب».
انتخابات برلمانية ورئاسية
في 19 سبتمبر (أيلول)، بعث ممثلو بلجيكا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وبولندا والسويد وبريطانيا والولايات المتحدة برسالة إلى غوتيريش، معربين عن «القلق من الضغوط المتزايدة للدفع في مسار بدء جهود التنمية وإعادة الإعمار في سوريا، بصرف النظر تماماً عن موقف العملية السياسية الراهنة»، في إشارة إلى نشاطات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ورسائله إلى غوتيريش.
وأشار المسؤولون إلى أن رسالتهم الموقَّعة تحظى بدعم دول الاتحاد الأوروبي بموجب استراتيجيته المعلنة في أبريل (نيسان) الماضي، التي عبَّر فيها عن «الاستعداد التام للمساهمة والمساعدة في بناء سوريا شرط بدء سريان الانتقال السياسي الشامل، والصريح، والحقيقي (...) بكل جدية وحزم»، وتأييد هذا الموقف في بيان قادة دول مجموعة السبع الكبرى في اجتماعهم في مايو (أيار) عام 2017.
وذكرت الوثيقة أنه «تبدأ عجلة التقدم الذي لا رجعة عنه في الدوران من خلال العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة باتجاه انتقال سياسي شامل وصريح وحقيقي بموجب القرار 2254... لا يمكن توقع أي دعم أو تأييد دولي لتمويل برامج التنمية وإعادة الإعمار في المدى الطويل؛ إذ يجب أن تتاح للشعب السوري، بمن في ذلك النازحون في خارج البلاد، القدرة بحرية تامة على انتخاب مَن يمثلونهم من المرشحين السياسيين». وزادت: «طالما أن سوريا لم تتخذ بعد أولى خطواتها على مسار الاستقرار المستدام، فإن جهود تمويل التنمية والبرامج وإعادة البناء لن تكون ذات معنى مجدي، بل وربما قد تسفر عن نتائج عكسية مزرية تتشكل في صورة قميئة من انتشار وتفشي الفساد وترسيخ هياكل الحكم المعيبة بشكل عميق، فضلاً عن تعزيز أركان اقتصاد الحرب».
وإلى حين تحقيق التقدم في «الانتقال السياسي»، دعت هذه الدول الأمم المتحدة إلى «توفير المساعدات الإنسانية المنقذة للأرواح، وأن تتحدد الأولويات بناء على خطة الاستجابة الإنسانية. وسيكون من السابق لأوانه كثيراً الانتقال لما بعد مستوى المساعدات الإنسانية في المرحلة الراهنة إلى الجهود التنموية طالما أن السلطات السورية الحالية تواصل عرقلة جهود توفير المساعدات المحايدة القائمة على توفير الاحتياجات الأساسية من قبل الأمم المتحدة، والمنظمات الإغاثية الأخرى»، خصوصاً أن الأمم المتحدة أعلنت أن «الظروف الراهنة غير مواتية للعودة الآمنة والطوعية والكريمة للاجئين».
وكان هذا رداً على المبادرة الروسية بقيادة وزارة الدفاع لإعادة 1.7 مليون لاجئ سوري من دول الجوار عبر ممرات محددة، وبموجب لجان مشتركة مع حكومات الأردن ولبنان وتركيا.
في ضوء تراجع التمويل الدولي للإغاثة، اقترحت الوثيقة الغربية «فرض الأولويات الصارمة إزاء الاحتياجات الأساسية من المواضيع بالغة الأهمية؛ إذ من شأن المساعدات المقدَّمة إلى سوريا أن تسهم في تغطية احتياجات المعوزين مع إفساح المجال المعقول لبدء العملية السياسية برعاية الأمم المتحدة، بما يتسق مع القرار 2254، الذي يتصدر جهود إنقاذ سوريا من الصراع الكارثي المدمر إلى السلام والأمن والاستقرار».
وشدَّدت على أن «أي جهود تتعلق بعملية إعادة الإعمار داخل سوريا لا يمكن لها أن تبدأ عملياً، إلا في أعقاب مباشرة الانتقال بقيادة الأمم المتحدة في شكل موثوق ولا رجعة عنه». عليه، أبلغت الدول الموقعة على الرسالة غوتيريش أنها ستلقي «بكل ثقلها الدبلوماسي وراء العملية السياسية الشاملة التي تقودها منظمة الأمم المتحدة في جنيف ووراء جهود مبعوثكم الخاص (ستيفان دي ميستورا) لتأكيد الغاية المشتركة من تأسيس اللجنة الدستورية السورية الشاملة المحاطة بكل إمارات المصداقية، ووفقاً واتساقاً مع القرار 2254».
وختمت بضرورة «صوغ دستور جديد وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية حرة ومنصفة ومستقلة وخاضعة لإشراف الأمم المتحدة وهيئاتها ضمن بيئة آمنة ومحايدة».
معايير ومبادئ
كان وزير الخارجية الروسي واجه مرات عدة غوتيريش بسبب «رسالة سرية» من الأمم المتحدة عن «معايير ومبادئ العمل في سوريا». كما قدمت البعثة الروسية في نيويورك رسائل احتجاج إلى المنظمة الدولية في نيويورك. وحضت موسكو على بدء المساهمة في الإعمار قبل حصول تقدم في الانتقال السياسي والاكتفاء بـ«وقف الحرب» و«اتفاقات خفض التصعيد» التي كان آخرها اتفاق الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان في سوتشي في 17 الشهر الماضي. كما رفضت موسكو «تسييس الإعمار» في سوريا وسط تقديرات روسية بأن كلفة الحرب تجاوزت 400 مليار دولار أميركي.
في المقابل، جدد ممثلو الدول التسع لغوتيريش دعمهم «ورقة المبادئ والمعايير» الأممية، وقالوا: «نشيد بالمقاربة المبدئية المعتمدة لدى منظمة الأمم المتحدة، بما ينسجم مع القرار (2254)، المنصوص عليه صراحة في (معايير ومبادئ مساعدة الأمم المتحدة في سوريا)، وارتكازاً على مبدأ مفاده أنه بمجرد بدء الانتقال السياسي الحقيقي والشامل المتفاوض بشأنه بين الأطراف المعنية يمكن اعتبار منظمة الأمم المتحدة قيد الاستعداد لتوفير التمويل اللازم وتسهيل جهود إعادة الإعمار في البلاد».
وفي أعقاب قرار اللجنة التنفيذية التابعة للامين العام للأمم المتحدة في سبتمبر 2017 شكلت مجموعة مصغرة بإشراف فريق العمل المشترك بين الوكالات الخاص بسوريا، وكُلفت بصياغة المعايير والمبادئ الواضحة المعنية بمساعدات الأمم المتحدة في سوريا، كي تنطبق هذه المعايير والمبادئ على مساعدات الأمم المتحدة، لا سيما المساعدات التي تتجاوز مجرد الجهود الطارئة لإنقاذ الحياة. الأمر الذي يعكس المبادئ الإنسانية القائمة، ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، والمقصود منها مساعدة وحماية الأمم في سياق المشهد السوري المفعم بالتعقيدات. كما هدفت أيضاً إلى حماية الأمم المتحدة كذلك من المخاطر المحتملة المتعلقة بسمعتها على الصعيد الدولي».
مجرمو حرب
حضَّت «معايير ومبادئ مساعدة الأمم المتحدة في سوريا» التي قدمت موسكو احتجاجاً رسمياً عليها٬ المؤسسات الأممية في دمشق على التزام «معايير لضمان توفير الدعم والمساعدة للمستحقين، في كل المناطق السورية»، بما ينسجم مع «مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة»، وتحديداً القرارين 2254 لعام 2015، و2118 لعام 2013، و«بيان جنيف» لعام 2012. كما أكدت على أن «تنسحب المبادئ الإنسانية على الاحتياجات الإنسانية المتعلقة بإنقاذ الحياة»، مع ضمان «عدم الاعتراض والتدخل (في دمشق) في عملياتها، بغية مواصلة العمليات المتوخاة في خطة الاستجابة الإنسانية».
وكررت الوثيقة، التي تقع في صفحتين، مواقف الدول الغربية الذي جاء لاحقاً: «فقط عندما يحصل انتقال سياسي شامل وجدِّي ومتفاوض عليه بين الأطراف المعنية السورية، ستكون الأمم المتحدة جاهزة لتسهيل الإعمار»، ثم دعت عاملي الأمم المتحدة إلى «التزام مبادئ الحياد والنزاهة والاستقلال ومراعاة مبادئ حقوق الإنسان».
إلى وقتذاك: «لا بد من منح الأولوية للمساعدات، استناداً إلى الاحتياجات الملحة للسكان مع تركيز على احتياجات الفئات الضعيفة والأفراد بالأسلوب الذي يوفر الحماية لحقوق الإنسان. ولا بد من توصيل تلك المساعدات بطريقة منصفة وعادلة وغير تمييزية وغير مسيسة والعمل مباشرة مع المجتمعات المحلية والعائلات، بحيث يتم تقديم مساعدات الأمم المتحدة بصورة موحدة في كل أرجاء سوريا، بصرف النظر تماماً عن مناطق النفوذ المختلفة».
وأكدتا: «يجب ألا تكون المساعدات الأممية موجهة لخدمة الأطراف التي يُزعم ارتكابها جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية. ويجب تحديد مساعدات الأمم المتحدة بصورة واعية وصريحة من دون الإخلال بأهداف المساءلة المتعلقة بالانتهاكات الخيرة لحقوق الإنسان، وأهداف التسوية السياسية المشروعة والمنصفة والمستدامة».
وكانت موسكو ضغط على دول غربية للمساهمة في إعمار سوريا بعيداً من مسار عملية جنيف أو مؤسسات الأمم المتحدة. ودعا «مؤتمر الحوار السوري» في سوتشي، بداية العام الحالي، إلى «رفع العقوبات المفروضة من جانب واحد بحق سوريا، ما يؤدي إلى حل المشكلة الإنسانية والمشكلات الاقتصادية ويصب في الإعمار»، من دون اشتراط ربط ذلك بـ«انتقال سياسي» أو تقدم في تنفيذ القرار 2254. وتُسهِم روسيا في معارض في سوريا وتحشد دولاً عربية وآسيوية لهذا الغرض.
دستور جديد
في 27 سبتمبر الماضي، دعا وزير الخارجية الأميركي نظراءه في «المجموعة الصغيرة» وتضم فرنسا وبريطانيا وألمانيا ودولاً عربية رئيسية إلى اجتماع في نيويورك أسفر عن تبني موقف مشترك. وشكَّل هذا إشارة سياسية إلى عودة واشنطن إلى الملف السوري منذ تسلُّم بومبيو منصبه، وتعيين جيم جيفري وجويل روبان مسؤولين عن الملف.
وتم إرسال رسالة باسم الدول المشاركة إلى غوتيريش، تضمنت «تأييداً لتشكيل لجنة دستورية في جنيف بشكل عاجل لدفع جهود الأمم المتحدة الرامية إلى التوصل إلى حلّ سياسي للصراع في سوريا بموجب القرار 2254».
وإذ أشارت إلى أن النزاع السوري أودى خلال سبع سنوات «بحياة مئات الآلاف من الأرواح وشرّد الملايين قسراً داخل سوريا وخارجها»، أكدت الرسالة وجود «حاجة لدبلوماسية منسّقة وإرادة سياسية دولية لإنهاء النزاع إذ إنه لا يوجد حلّ عسكري للحرب ولا بديل عن الحل السياسي. ونؤكد بأقوى العبارات الممكنة أن أولئك الذين يسعون إلى حلّ عسكري لن ينجحوا إلا في المجازفة بتصعيد خطير وفي اندلاع لهيب الأزمة عبر المنطقة برمتّها وفي خارجها».
وكانت الدول التسع أشارت في رسالتها في 19 سبتمبر (أيلول) إلى أن اتفاق سوتشي لا يلغي تماماً احتمالات الهجوم من قوات النظام بدعم روسي - إيراني على شمال غربي سوريا.
وأكدت «المجموعة الصغيرة» في بيانها على «حتمية أن يتماشى الحلّ السياسي» مع القرار 2254 ما يتطلب أن «تعقد الأمم المتحدة ومكتب المبعوث الخاص اجتماع لجنة دستورية ذات مصداقية وشاملة، في أسرع وقت ممكن كي تبدأ العمل في صياغة دستور سوري جديد وتضع الأسس لإجراء انتخابات حرّة ونزيهة بإشراف الأمم المتحدة في بيئة آمنة ومحايدة يتمتع فيها جميع السوريين المؤهلين، بمن في ذلك الموجودون في المهجر، بالحق في المشاركة».
كما حضت الدول دي ميستورا على تقديم تقرير إلى مجلس الأمن يتضمن مدى التقدّم في تشكيل اللجنة الدستورية في موعد لا يتجاوز 31 الشهر الحالي، و«نشجع كل الأطراف على ضمان استعداد الأطراف السورية للمشاركة بشكل جوهري في إجراءات اللجنة بمجرد عقدها»، في إشارة إلى موسكو التي لم تمارس الضغط الكافي على دمشق وأنقرة وطهران خلال اجتماع «الدول الضامنة الثلاث» لعملية «آستانة» في جنيف في 10 الشهر الماضي للاتفاق على قوائم الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني لتشكيل اللجنة الدستورية.
ويتوقع أن يقدم دي ميستورا، الذي مدَّد غوتيريش مهمته حتى نهاية الشهر الحالي، تقريراً إلى مجلس الأمن في حدود منتصف الشهر الحالي يتضمن نتائج جهوده بما في ذلك لقاؤه وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو قبل يومين.



الحوثيون يفرضون تبرعات في ريف صنعاء لدعم جبهاتهم

الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)
الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)
TT

الحوثيون يفرضون تبرعات في ريف صنعاء لدعم جبهاتهم

الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)
الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)

فرضت الجماعة الحوثية ضغوطاً على السكان في محافظة ريف صنعاء، لإجبارهم على تقديم تبرعات نقدية وعينية ومحاصيل زراعية لصالح مقاتليها في الجبهات، في ظل أوضاع إنسانية قاسية يكابدها السكان، وفق ما أفادت به مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط».

وتؤكد هذه التطورات اتساع نطاق الممارسات التي تُصنَّف ضمن أدوات «اقتصاد الحرب»؛ إذ تعتمد الجماعة الانقلابية في اليمن على تعبئة الموارد المحلية لتعويض تراجع مصادر التمويل التقليدية، ما يفاقم الأعباء على السكان في بيئة تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية حادة.

ووفق المصادر، كثّفت الجماعة خلال الأيام الأخيرة من النزول الميداني لمشرفيها إلى قرى وعزل في 12 مديرية بمحافظة ريف صنعاء، من بينها همدان، وسنحان، وأرحب، والحصن، وحجانة، وبني حشيش، والحيمتين، وبني مطر، ومناخة، وصعفان، وخولان، لفرض ما تسميه «التبرعات الطوعية» تحت لافتة تسيير «قوافل عيدية» للجبهات.

الجماعة الحوثية أرغمت مزارعين وسكاناً على التبرع للمجهود الحربي (إكس)

ويقول سكان إن هذه التبرعات تُفرض فعلياً بالقوة، ودون مراعاة للظروف المعيشية المتدهورة؛ إذ يُطلب من الأهالي تقديم مساهمات نقدية وعينية بشكل متكرر، بالتزامن مع حملات مشابهة في الأحياء والمؤسسات الخاضعة للجماعة في العاصمة المختطفة.

وتشمل هذه الحملات إلزام السكان بالمشاركة في تجهيز قوافل غذائية، إلى جانب جمع تبرعات مالية تحت أسماء متعددة، مثل «المجهود الحربي» و«إسناد المقاتلين»، فضلاً عن رسوم إضافية تُفرض لتغطية تكاليف النقل والتجهيز.

استنزاف مصادر الدخل

في موازاة ذلك، طالت الجبايات القطاع الزراعي؛ إذ أُجبر عشرات المزارعين في مناطق «طوق صنعاء» على تقديم جزء من محاصيلهم، بما في ذلك الفواكه والخضراوات، وأحياناً المواشي، ضمن القوافل التي تُرسل إلى الجبهات.

ويحذر مزارعون من أن هذه الإجراءات تُلحق أضراراً مباشرة بإنتاجهم؛ إذ تؤدي إلى تقليص العائدات وتُضعف قدرتهم على تغطية تكاليف الزراعة، ما يهدد استمرارية نشاطهم في المدى المتوسط.

ويقول أحد المزارعين في مديرية بني حشيش: «أجبرونا هذا الموسم على تسليم جزء كبير من محصول الزبيب بحجة دعم الجبهات، ولم نحصل على أي مقابل. خسرنا جهد موسم كامل، ولم يتبقَّ ما نعيل به أسرنا».

أهالي الحيمة في ريف صنعاء الغربي أُجبروا على تقديم التبرعات النقدية (إكس)

كما يوضح أحد السكان من مديرية همدان، يُشار إليه باسم «مصلح»، أن مشرفين حوثيين فرضوا على الأسر مبالغ مالية تتراوح بين 10 آلاف و50 ألف ريال يمني (الدولار بنحو 530 ريالاً يمنياً) تحت أسماء مختلفة. ويضيف: «في حال عدم الدفع، نتعرض للمضايقات أو الاستدعاء، ما يجعل الأمر مرهقاً للغاية».

وفي مديرية بني مطر، يشير مزارعون إلى أن الإتاوات شملت أيضاً محاصيل أساسية مثل البطاطس والخضراوات، إضافة إلى فرض المساهمة في تكاليف نقلها، رغم ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع العائدات.

أعباء متفاقمة

تعكس هذه الشهادات حجم الضغوط التي يواجهها السكان في محافظة صنعاء، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع الممارسات المفروضة، لتشكّل عبئاً متزايداً على الحياة اليومية لمختلف الفئات.

ولا تقتصر تداعيات هذه الجبايات على المزارعين؛ إذ تمتد إلى الموظفين الذين يعانون من انقطاع الرواتب، والتجار الذين يواجهون ركوداً في الأسواق، فضلاً عن الأسر التي تكافح لتأمين الاحتياجات الأساسية في ظل ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية.

وتأتي هذه الضغوط الحوثية في وقت يعاني فيه ملايين اليمنيين من موجات تضخم حادة وارتفاع مستمر في أسعار المواد الغذائية، ما يجعل أي التزامات مالية إضافية عبئاً يصعب تحمّله.

جانب من «قافلة عيدية» للمقاتلين قدمها القطاع الصحي الخاضع للحوثيين (إعلام حوثي)

ويرى مراقبون أن تصاعد هذه الممارسات يعكس اعتماد الجماعة الحوثية المتزايد على «اقتصاد الحرب»، الذي يقوم على تعبئة الموارد المحلية لتمويل العمليات العسكرية، بالتوازي مع تراجع الإيرادات الأخرى.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من التدهور الاقتصادي والاجتماعي، ويقوّض فرص التعافي في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة، خصوصاً في الأرياف التي تعاني أساساً من ضعف البنية الاقتصادية نتيجة سنوات الصراع.


مياه الأمطار تغمر شوارع عدن

سكان عدن أفاقوا على شوارع غمرتها مياه الأمطار (إعلام محلي)
سكان عدن أفاقوا على شوارع غمرتها مياه الأمطار (إعلام محلي)
TT

مياه الأمطار تغمر شوارع عدن

سكان عدن أفاقوا على شوارع غمرتها مياه الأمطار (إعلام محلي)
سكان عدن أفاقوا على شوارع غمرتها مياه الأمطار (إعلام محلي)

كثَّفت الفرق الفنية التابعة للسلطة المحلية في مدينة عدن، حيث العاصمة المؤقتة لليمن، جهودها لمواجهة آثار الأمطار الغزيرة التي هطلت على المدينة. وبنما تمَّ فتح عدد من الشوارع، تعمل هذه الفرق على مدار الساعة لاستكمال المهمة، وسط تحذيرات من استمرار الحالة المطرية الناتجة عن منخفض جوي.

ومع ساعات الصباح الأولى، أفاق سكان المدينة الساحلية، التي لا تشهد الأمطار إلا نادراً، على كميات غزيرة من الأمطار غمرت الشوارع الرئيسية، بينما أشرفت السلطة المحلية، على سير أعمال فتح الطرق ومنافذ تصريف المياه، حيث تولَّت الآليات شفط وتصريف مياه الأمطار في عدد من المديريات، في إطار الجهود المستمرة للتعامل مع تداعيات الحالة الجوية وتحسين مستوى الخدمات المُقدَّمة للسكان.

ونشرت السلطة فرق مؤسسة المياه وصندوق النظافة في عدد من المواقع المتضررة، حيث تولَّت عملية شفط مياه الأمطار المتراكمة في الشارع الرئيسي بمديرية المعلا، والطريق الرابط بينها وبين مديرية خور مكسر، والتي شهدت تدفقاً كبيراً للمياه؛ نتيجة هطول الأمطار.

كما انتشرت فرق ميدانية أخرى في مديرية المنصورة، وعملت على فتح انسدادات مناهل الصرف الصحي في مديرية الشيخ عثمان، ضمن خطة طوارئ تهدف إلى الحد من تجمعات المياه وإعادة فتح الطرق أمام حركة السير.

الفرق الميدانية أعادت فتح عدد من شوارع عدن (إعلام محلي)

وعلى الرغم من كميات الأمطار الكبيرة التي هطلت على المدينة، والتحذيرات من استمرارها، فإن فرق العمل واصلت مهامها حتى ساعات المساء. واطلع مسؤولو السلطة المحلية على طبيعة الأعمال المُنفَّذة والتحديات التي تواجه الفرق، وفي مُقدِّمتها كثافة المياه وتراكم المخلفات في قنوات التصريف، والتي تعيق سرعة الإنجاز.

وشدَّد المسؤولون على ضرورة مضاعفة الجهود ورفع مستوى الجاهزية والاستجابة السريعة لمواجهة أي طارئ، والتنسيق المستمر مع الجهات ذات العلاقة لضمان تصريف المياه بشكل آمن والحفاظ على سلامة السكان وممتلكاتهم.

إجراءات احترازية

أكدت السلطة المحلية في عدن، أنها سخّرت إمكاناتها الفنية والبشرية كافة، بما في ذلك مضخات الشفط وآليات النقل إلى جانب الكوادر الميدانية، للعمل على مدار الساعة في مختلف المديريات المتأثرة، داعية السكان إلى التعاون مع هذه الفرق وعدم رمي المخلفات في قنوات تصريف المياه لما لذلك من آثار سلبية على كفاءة الشبكة.

وكان وزير الدولة محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، قد وجه الجهات المختصة برفع مستوى الجاهزية والاستعداد، واتخاذ التدابير الاحترازية اللازمة، بالتزامن مع بدء هطول الأمطار على عدد من مديريات المدينة، في ضوء التحذيرات الصادرة عن مركز التنبؤات الجوية والإنذار المبكر بشأن استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي لأيام عدة، والتي قد يصاحبها تدفق للسيول ونشاط للرياح.

الفرق الفنية تواصل شفط المياه وسط تحذيرات باستمرار الحالة المطرية (إعلام محلي)

وطالب محافظ عدن صندوق النظافة والتحسين، ومكتب الأشغال العامة والطرق، والدفاع المدني، ومؤسستَي المياه والكهرباء، وشرطة السير، بالعمل على الحد من المخاطر وحماية الأرواح والممتلكات، وتكثيف أعمال فتح وصيانة قنوات تصريف مياه الأمطار، ورفع المخلفات من مجاري السيول، ومراجعة البنية التحتية لشبكات الكهرباء والمياه، وتنظيم الحركة المرورية في الشوارع التي تشهد تجمعات للمياه.

وأكد المحافظ اليمني أن السلطة المحلية تتابع تطورات الحالة الجوية أولاً بأول، وتعمل بالتنسيق مع الجهات المعنية لضمان سرعة الاستجابة والتعامل مع أي طارئ، والتخفيف من آثار الحالة الجوية على العاصمة عدن.

كما دعا السكان إلى الالتزام بالإرشادات الصادرة عن الجهات المختصة، وتجنب الوجود في مجاري السيول، والحذر في أثناء السير في الطرق الزلقة، والابتعاد عن أعمدة الكهرباء واللوحات الإعلانية والأشجار خلال فترات هطول الأمطار والرياح المصاحبة.

فصل الكهرباء

ضمن الأعمال الاحترازية، أعلنت وزارة الكهرباء والطاقة، فصل التيار الكهربائي عن المناطق والمحطات التي غمرتها مياه الأمطار في مدينة عدن؛ تجنباً لوقوع حالات تماس كهربائي أو كوارث تهدِّد حياة السكان.

وشدَّدت على ضرورة التنسيق مع فرق الصرف الصحي لسحب المياه المتراكمة من الأحياء المتضررة قبل إعادة الخدمة. ودعت السكان إلى أخذ الحيطة والحذر والابتعاد عن الأعمدة والأسلاك والمحولات الكهربائية المبتلة، مع التحذير من استمرار هطول الأمطار.

وكان «مركز التنبؤات الجوية والإنذار المبكر»، التابع للهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، قد حذَّر من أمطار رعدية غزيرة في عدد من المحافظات؛ نتيجة تأثر البلاد بأخدود منخفض جوي.

بسبب ضعف البنية التحتية تتعرض عدن موسمياً لمخاطر السيول (إكس)

وتوقَّع هطول أمطار رعدية متفرقة قد تكون غزيرةً على محافظة عدن، مع امتداد تأثير الحالة ليشمل أجزاء من الصحاري والمرتفعات والهضاب، إضافة إلى المناطق الساحلية في محافظات أبين وشبوة وحضرموت والمهرة.

ونبه المركز إلى استمرار الحالة المطرية مع ازدياد شدتها واتساع نطاقها لتشمل المرتفعات والمنحدرات الغربية، من محافظة صعدة شمالاً حتى الضالع وتعز ولحج جنوباً، مع امتدادها شرقاً إلى مأرب والجوف، وغرباً إلى السواحل المطلة على البحر الأحمر.

وطلب من السكان عدم الوجود في بطون الأودية ومجاري السيول، وتجنب السير في الطرق الطينية الزلقة، والحذر من الانهيارات الصخرية، والابتعاد عن أعمدة الكهرباء واللوحات الإعلانية والأشجار.


عُمان تعمل على ترتيبات لضمان «مرور آمن» في مضيق هرمز

وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي (د.ب.أ)
وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي (د.ب.أ)
TT

عُمان تعمل على ترتيبات لضمان «مرور آمن» في مضيق هرمز

وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي (د.ب.أ)
وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي (د.ب.أ)

كشفت سلطنة عُمان، اليوم الاثنين، بأنها تعمل على وضع ترتيبات لضمان «مرور آمن» في مضيق هرمز، غداة تهديد طهران بإغلاق المضيق بالكامل في حال استهدف الرئيس الأميركي دونالد ترمب منشآت الطاقة في إيران.

وكتب وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي في منشور على منصة «إكس»: «بغض النظر عن رأيك في إيران، فإن هذه الحرب ليست من صنعها. وهي تُسبب بالفعل مشاكل اقتصادية واسعة النطاق، وأخشى أن تتفاقم إذا استمرت الحرب. وتعمل عُمان جاهدة على وضع ترتيبات للمرور الآمن في مضيق هرمز».

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في وقت سابق اليوم، أن الولايات المتحدة وإيران أجرتا، خلال اليومين الماضيين، محادثات وصفها بأنها «جيدة ومثمرة» بشأن التوصل إلى تسوية شاملة للتوترات في الشرق الأوسط.

وقال ترمب، في بيان، إن هذه المناقشات «المعمَّقة والبنّاءة» ستستمر طوال الأسبوع، مشيراً إلى أنه، وبناءً على «طبيعة وأجواء» هذه المحادثات، أصدر توجيهات بتأجيل أي ضربات عسكرية محتملة تستهدف محطات الطاقة والبنية التحتية الإيرانية لمدة خمسة أيام.

وأوضح أن هذا التأجيل يبقى «رهناً بنجاح الاجتماعات والمشاورات الجارية».

ومنح ترمب، أول من أمس، إيران مهلة 48 ساعة لفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية مهدداً بتدمير بنيتها التحتية للطاقة.

وكتب ترمب على منصته «تروث سوشال»: «إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز بالكامل، ومن دون أي تهديد، خلال 48 ساعة من الآن، فإن الولايات المتحدة الأميركية ستضرب وتدمر مختلف محطاتها للطاقة، بدءا بأكبرها!».

وبعد دقائق من تهديد ترمب، أعلن الجيش الإيراني أنه سيستهدف البنى التحتية للطاقة ومحطات تحلية المياه في المنطقة إذا نفّذ الرئيس الأميركي تهديداته بتدمير بنيتها التحتية للطاقة.