فيلم «عمرة» السعودي ضمن مهرجان لندن السينمائي هذا الشهر

225 فيلماً من 77 دولة في الدورة الـ62

TT

فيلم «عمرة» السعودي ضمن مهرجان لندن السينمائي هذا الشهر

مع اقتراب موعد إطلاق الدورة الـ62 من مهرجان لندن السينمائي، الذي يرفع ستائره في العاشر من شهر أكتوبر (تشرين الأول) وحتى الحادي والعشرين منه، يواصل هذا المهرجان العريق لعب دوره في تنشيط السينما الحياة السينمائية في عاصمة البلد وضواحيها بثقة واعتزاز.
مضت تلك السنوات التي كان فيها المهرجان محاولة متواضعة لجمع أفلام من المهرجانات الأخرى كافة، وحمل شعار «مهرجان المهرجانات»، وهو شعار كان مهرجان تورونتو الكندي يرفعه كذلك. ومثل المهرجان الكندي تخلى مهرجان لندن عن اعتبار نفسه مجرد مستقبل لأفلام عرضتها قبله المهرجانات المختلفة (برلين، كان، كارلوفي فاري، لوكارنو، فينيسيا الخ...) وأمّ نظام المهرجانات القادرة على جذب الأعمال التي تشهد عروضها العالمية الأولى فيه، التي تقيم حفلات السجادة الحمراء ولديها مسابقات وبرامج موازية ولجنة تحكيم، وكل ما يتطلبه الأمر لكي يتبوأ «لندن» المكانة المطلوبة.

- بداية ونهاية
البعض يفتقد تلك البساطة التي كانت لهذا المهرجان حتى التسعينات. يرى أن كل ما كان مطلوباً ولا يزال من مهرجان لندن هو جمع أفضل ما يمكن جمعه من أفلام عالمية، حتى وإن كان معظمها شهد عروضه الأولى في مهرجانات مختلفة.
آخرون، أكثر عدداً، يرون أن المهرجان لم يكن ليستطيع أن يستمر من دون أن يترك بصمته على خريطة المهرجانات، وأن لندن تستحق مهرجانها الخاص كما حال عواصم ومدن أوروبية وآسيوية وأميركية أخرى.
ضمن هذا الواقع، يشهد المهرجان في دورته الجديدة 225 فيلماً آتية من 77 دولة. بذلك، وعلى الرغم من أنه - بمعايير جادة - ما زال على بعد أشواط من تلك القمم التي تحتلها المهرجانات الثلاثة الأولى عالمياً (كان وبرلين وفينيسيا) وأشواط أخرى عن مهرجان تورونتو الذي بات مقصد كل فيلم ينوي توظيف المناسبة لدخول السوق الأميركية الشمالية، يضع نفسه حثيثاً في الصف الثاني من المهرجانات العالمية لجانب« كارلوفي فاري» التشيكي و«لوكارنو» السويسري و«سان سابستيان» الإسباني و«موسكو» الروسي و«روما» الإيطالي و«طوكيو» الياباني، وبضعة أخرى.
مهرجان «صندانس» يبقى المهرجان المتخصص الأول في الأهمية هذه الأيام، لكن كل هذه المهرجانات المذكورة تتعامل مع السينما تعاملاً جاداً ومجدياً؛ كونها تقام في مدن زاخرة وأمام جماهير غفيرة وبأهداف يتم تأمين شروطها بكل جدارة.
نعم، هناك بساط أحمر لاستقبال الضيوف، لكن الأمر، وعلى عكس أحد المهرجانات العربية التي أقيمت مؤخراً، لا يتحول إلى مهرجان لاستعراض القدرات التمويلية والرغبات السياحية والأزياء النسائية أو الرجالية.
يفتح المهرجان أبوابه بعرض فيلم ستيف ماكوين الجديد «أرامل» الذي يُغير على قواعده السابقة، ويحقق فيلماً تشويقياً بعيداً عن أفلام المعاناة التي اشتهر بها (مثل «عار» و«جوع» و«12 سنة عبداً»). فالموضوع الماثل هنا هو أن أربع نساء فقدن أزواجهن الذين كانوا رجال عصابات بارزين يلتئمن لمواصلة نشاطات أزواجهن. الفيلم لا يخلو من الرجال (ليام نيسون، ولو في دور قصير، جون برنثول، روبرت دوفال وكولين فارل)، لكنه يتمحور حول النساء: ڤيولا ديڤيز وميشيل رودريغيز وسينيثيا إريڤو وإليزابث دبيكي من بين أخريات.
لحفل الختام اختار المهرجان تقديم الثنائي الكوميدي لوريل وهاردي (ما زالا أفضل ثنائي كوميدي من أيامهما المبكرة إلى اليوم) في حلة جديدة. فيلم روائي عن قيامهما في أواخر الأربعينات برحلة إلى بريطانيا لتقديم بعض الاستكشات المسرحية. لكن الفترة كانت بدأت تشهد أفول النجومية التي شهداها في الثلاثينات، والجولة الفنية لم توفر النجاح المأمول، وبعدها حققا فيلماً أخيراً هو «الجزيرة المرجانية ك» (Atoll K).
الحكاية تستند إلى وقائع، لكن المثير فيها قيام الممثلين ستيف كوغن وجون س رايلي بدوري هذين الكوميديين المحبوبين. وجون س رايلي هو كاتب وأحد الممثلين الرئيسيين في فيلم الأخوين جووَل وإيتن كووَن «أنشودة بستر سكرغز»، الذي سيعرض في مهرجان لندن بعدما تم عرضه في فينيسيا العرض العالمي الأول.
كوميدي النبرة في مطلعه حزينها فيما تبقى منه، ويحتوي على ست حكايات تتمحور حول موت الغرب الأميركي وشخوصه وحكاياته.
المخرج ديڤيد ماكنزي، الذي كان آخر ما شاهدناه له وسترن حديث (أي تقع أحداثه في الزمن الحاضر) هو «الجحيم أو الفيضان» (Hell or High Water) يعود بفيلم جديد موضوعه تاريخي وفحواه ثوري وعنوانه «الملك الخارج عن القانون» (The Outlaw King).
يدور حول المعارك التي قادها الثائر الاسكوتلندي روبرت ذ بروس (يقوم به الأميركي كريس باين) في القرن الرابع عشر ضد الجيش البريطاني طلباً لاستقلال اسكوتلندا. مع تصوير باري أكرويد، مدير التصوير لأفلام معروفة مثل «ذ هيرت لوكر» و«يونايتد 93» و«كابتن فيليبس» (وسابقاً أفلام عدة للبريطاني كن لوتش) يبدو أن ماكنزي أمّ عملاً تاريخياً كبيراً وحافلاً. واحداً من تلك الأفلام التاريخية القتالية القليلة المتاحة. والفيلم هو أيضاً الدليل على أن شركة «نتفلكس»، منتجة هذا الفيلم، تذهب إلى حيث لم تعد شركات هوليوود تكترث للذهاب إليه من موضوعات أو أنواع إلا مع لفيف من المؤثرات الخاصة والبطولات الأكبر حجماً من الواقع.

- فيلم سعودي وأعمال عربية أخرى
الأفلام المذكورة آنفاً تعرض خارج المسابقة الرسمية التي تضم في برنامجها عشرة أفلام، نصفها من إخراج نساء، كما لو كان المهرجان يريد البرهنة على اهتمامه الجوهري بالمواهب الأنثوية وراء الكاميرا.
هذه الأفلام الخمسة، هي «سعيد مثل لازارو» لأليس رورووشر (إيطاليا) و«طيور الممر» لكرستينا غاليغو وسيرو غويرا (ألمانيا، كولومبيا) و«جوي» لسودابه مرتضاي (النمسا) و«مدمّـر» لكارين كوساما (الولايات المتحدة) و«موت تأخر عن سن الشباب» (أو حرفياً: Too Late to Die Young) لدومينغا سوتومايور (تشيلي، برازيل وأرجنتينا).
الموضوعات تختلف بالطبع، لكن اثنين منها يعودان بإحداثهما إلى زمن ليس بالبعيد، هما «موت متأخر عن سن الشباب» و«طيور الممر». الأول عن أحداث تقع في تسعينات القرن الماضي خلال حكم الفاشية في تشيلي، والآخر في الستينات محاولاً العثور على البذرة الأولى لعصابات الكارتل الكولومبية.
باقي الأفلام العشرة المتسابقة هي الفيلم البريطاني «سنة جديدة سعيدة، كولين بيرستَد» لبن ويتلي (بريطاني) و«في المشغل» لبيتر ستريكلاند (بريطانيا) و«العجوز والمسدس» لديڤيد لاوري (الولايات المتحدة)، ثم «ظل» لزانغ ييمو و«غروب» للازلو نيميش (المجر، فرنسا). هذان الفيلمان الأخيران من عروض مهرجان فينيسيا المنتهي في الشهر الماضي.
هناك ثلاث مسابقات إضافية واحدة للعمل الأول، والثانية لأفضل فيلم غير روائي، والثالثة للفيلم القصير.
على الجانبين، هناك 11 قسماً آخر تحتوي على أفلام متعددة، كل منها تحت اسم يعكس حالة أو نوعاً أو وضعاً. هذا المنوال سار عليه المهرجان في أعوامه السابقة. فتحت عنوان «ضحك» تتجمع خمس عشرة محاولة كوميدية، يتقدّمها الفيلم الفاشل لتيري جيليام «الرجل الذي قتل دون كيشوت» (عرض أولاً في «كان» وبعض النقاد الفرنسيين سمّاه «المخرج الذي قتل دون كيشوت»).
لكن أحد أهم مفاجآت البرنامج والمهرجان بكامله عودة المخرج السعودي محمود صباغ إلى السينما بفيلم كوميدي آخر هو الثاني له من بعد «بركة يقابل بركة» الذي تم عرضه في مهرجان برلين قبل عامين.
الفيلم الجديد عنوانه «عمرة والزواج الثاني» من بطولة شيماء الطيب في دور عمرة التي تكابد الوضع العائلي بعدما هجرها زوجها للزواج من امرأة أصغر سناً؛ كون عمرة «أخفقت» (في عرفه وعرف والدته) في أن تنجب له ولداً ذكراً. على عمرة أن تجد حلاً يضمن إعالة بناتها الثلاث وأمها المريضة وكل ذلك في إطار يجيد المخرج، كما برهن في فيلمه الأول، وضعه في إطار كوميدي يطرح الموضوع الاجتماعي ويطلق نقده عليه.
ثلاثة أفلام عربية أخرى نجدها في قسم «نقاش». هذا القسم يحتوى على 23 فيلماً من تلك التي تطرح قضايا اجتماعية أو سياسية. يتقدم هذه المجموعة فيلم نادين لبكي «كفرناحوم» (من أعمال «كان» أيضاً) وهو فيلم خرج من مخاض إنتاجي صعب بذلت فيه المخرجة جهداً كبيراً لجمع تمويله من جهات لبنانية وأجنبية مختلفة. كما سبق لنا أن تناولناه، يتحدث عن صبي في العاشرة يترك بيت أهله المتعثر بالفقر والجهل ويأوى إلى كوخ تعيش فيه امرأة أفريقية تعمل خادمة ولديها طفل رضيع. حين تختفي تؤول مسؤولية العناية بالطفل إلى الصبي. موضوع جيد ومثير للاهتمام، ومعالجة فنية محسوبة، لكن الحكاية تخرج عن طور الواقع أكثر مما يجب، وتخلق مناسبات يضعف فيها المنطق أمام صيرورة الحدث.
الفيلم التونسي «ولدي» لمحمد بن عطية هو ثاني الأفلام العربية المشتركة في هذا القسم حول الصبي الشاب الذي بدأ يعاني العزلة وألم رأس مستمراً، ووالديه اللذين لا يملكان حلاً للمعضلة. وعلى الرغم مما تعانيه ليبيا من حروب ومشكلات أمنية واجتماعية وثقافية، زرعت المخرجة الجديدة نزيهة عربي بذرة ترعرعت وأنبتت فيلماً ليبياً (نادراً كون الأفلام الليبية الطويلة منذ بدء التاريخ تعد على أصابع اليد الواحدة) عنوانه «حقول الحرية». موضوعه يواكب عنوانه فهو يدور عن سعي عدد من النساء لتأليف فريق كرة قدم والمصاعب الجمّـة في هذا الشأن. المصاعب كانت من نصيب المخرجة خلال العمل وقبله لأن تمويل هذا المشروع تم عبر خريطة جغرافية تمتد من كندا إلى لبنان وقطر وليبيا مروراً ببريطانيا والنمسا.
وهناك فيلم إسرائيلي للفلسطينية المقيمة إيريس زكي عنوانه «بلا مستقر» يدور حول مقابلات مع عدد من الإسرائيليين يعيشون فوق المستوطنات التي أقيمت عنوة في الضفة الغربية. تجدر الإشارة إلى أن مهرجان حيفا واجه غضبة وزيرة الثقافة الإسرائيلية ميري رجف حيال ما يختاره من أفلام وجدتها المخرجة منحازة سياسياً مع أوضاع الفلسطينيين وضد اليمين الإسرائيلي؛ ما دفعها لكي تطلب من وزير التمويل موشي كالون إيقاف الدعم المادي المقدّم للمهرجان.
بالعودة إلى المسابقات الرسمية، تستوقفنا الأفلام التسجيلية والوثائقية العشرة المشتركة في هذا القسم ومن بينها فيلم مصري - ألماني بعنوان «استمر حالماً» (Dream Away) لمروان عمارة وجوهانا دومكي.
يتناول المخرج عمارة الوضع الذي تعيشه الحياة السياحية في شرم الشيخ حالياً. في الماضي كانت المدينة وجوارها مقصداً للسياح الأجانب. في السنوات الأخيرة، ونظراً للعمليات الإرهابية التي شهدتها مصر، قل عدد السياح وعانى الموظفون من خفض أجورهم. يعمد الفيلم للإحاطة بالوضع عبر الانتقال ما بين أحد الفنادق الكبرى ومواقع أخرى، كما عبر إجراء مقابلات مع أصحاب مهن مختلفة يتكفّـلون بشرح التفاصيل.
في الوقت، ذاته تعود المخرجة الأرجنتينية لولا أرياس إلى حرب شبه منسية اليوم هي حرب جزر فوكلاند لتقدم بعض خلفياتها، وكيف أن آثار تلك الحرب ما زالت مستمرة. الفيلم بعنوان «مسرح حرب» وهو من إنتاج أرجنتيني ألماني وإسباني لهذا الفيلم الأول لمخرجته.
والناحية العنصرية متوفرة عبر «ما الذي ستفعله عندما يشتعل العالم» (What You Gonna Do When the World is on Fire‪?‬) هنا يتقدم المخرج الإيطالي روبرتو منريفيني لطرح أحداث عنصرية عاشتها ولاية لويزيانا قبل عامين عندما قام رجال البوليس بفتح النار على رجل أفرو - أميركي عمره 37 سنة من دون سبب ظاهر.


مقالات ذات صلة

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

سينما مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج.

محمد رُضا (لندن)
سينما  هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)

شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

هناك تناقض بين ما يسرده الفيلم وبين العنوان التسويقي الذي اختاره وهو (Only Rebels Win) («لمن يجرؤ»).

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق أحمد مالك يروج لفيلمه «إيجي بست» (حسابه على موقع «فيسبوك»)

«منافسة خجولة» في موسم عيد الفطر السينمائي بمصر

يشهد موسم عيد الفطر السينمائي في مصر منافسة خجولة؛ إذ ينافس فيه 4 أفلام جديدة فقط.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

قالت المخرجة الماليزية - الأميركية بوه سي تنغ إن الدافع وراء فيلمها «أميركان دكتور» (American Doctor) كان استجابة شخصية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)

سوسن قاعود: النجاة من الحرب ليست نهاية القصة

يرصد فيلم «غزة غراد» تجربة الناجين من الحرب بعد مغادرتهم غزة، كاشفاً التحولات النفسية والإنسانية العميقة التي يعيشونها بين الفقد، وبناء حياة جديدة في المنفى.

أحمد عدلي (القاهرة )

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».