محمد بن سلمان يدفع بالعلاقات السعودية ـ الكويتية لمرحلة التكامل

الشيخ صباح استقبله في قصر {بيان} وبحثا ملفات المنطقة

أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح مستقبلاً الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي في قصر «بيان» بالكويت أمس (كونا)
أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح مستقبلاً الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي في قصر «بيان» بالكويت أمس (كونا)
TT

محمد بن سلمان يدفع بالعلاقات السعودية ـ الكويتية لمرحلة التكامل

أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح مستقبلاً الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي في قصر «بيان» بالكويت أمس (كونا)
أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح مستقبلاً الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي في قصر «بيان» بالكويت أمس (كونا)

أجرى الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع السعودي أمس، محادثات مع الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير الكويت، وولي العهد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، في الكويت، التي وصل إليها بعد ظهر أمس.
كما التقى ولي العهد كبار المسؤولين في الكويت، حيث شملت المباحثات الملفات الإقليمية والتطورات الدولية، والعلاقات الثنائية المتميزة بين البلدين والسعي لتطويرها لمزيد من التماسك.
واستقبل أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح بقصر بيان مساء أمس، الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي. وقالت وكالة الأنباء الكويتية إنه «تم خلال اللقاء تبادل الأحاديث الأخوية التي عكست عمق العلاقات التاريخية الطيبة والراسخة بين البلدين والشعبين الشقيقين وسبل تعزيزها وتنميتها في المجالات كافة بما يخدم مصالحهما المشتركة والسعي نحو تضافر الجهود لدعم العمل الخليجي المشترك في إطار ما يجمع دول مجلس التعاون الخليجي من علاقات وطيدة، كما تم التطرق إلى آخر المستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية».
وكان ولي عهد الكويت الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح في مقدمة مستقبلي الأمير محمد بن سلمان لدى وصوله إلى مطار الكويت مساء أمس، كما شارك في الاستقبال رئيس مجلس الأمة مرزوق علي الغانم ورئيس مجلس الوزراء بالإنابة ووزير الخارجية الشيخ صباح الخالد الحمد الصباح وكبار المسؤولين بالدولة.
وكان الديوان الملكي السعودي قال في بيان، إنه «بناءً على توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وانطلاقاً من حرص مقامه الكريم على التواصل وتعزيز روابط الأخوة بين المملكة العربية السعودية ودولة الكويت، واستجابة لدعوة الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت، غادر الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع أمس (الأحد) إلى دولة الكويت الشقيقة في زيارة رسمية».
وأضاف أن ولي العهد السعودي يلتقي خلال الزيارة أمير الكويت وعدداً من المسؤولين «لبحث العلاقات الثنائية وأوجه التعاون بين البلدين الشقيقين، ومناقشة القضايا ذات الاهتمام المشترك».
وتعد الكويت أول دولة خليجية يزورها الأمير محمد بن سلمان منذ توليه ولاية العهد، مما يؤكد المكانة المتنامية التي تحملها المملكة للكويت أسرة حاكمة وحكومة وشعباً، والتقدير الكبير من قبل ولي العهد لأمير الكويت.
وبعد مغادرته الأراضي الكويتية، أرسل الأمير محمد بن سلمان برقية للشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، جاء فيها: {لقد أتاحت لي هذه الزيارة فرصة اللقاء بسموكم، وسمو ولي العهد، ومسؤولي دولة الكويت الشقيقة، وبحث ما من شأنه تعزيز روابط الأخوة القائمة بين البلدين والشعبين الشقيقين، وما يحقق مصالحهما في المجالات كافة، كما أكدت عمق العلاقات التاريخية التي ربطت وتربط بين البلدين الشقيقين في ظل قيادة سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود وسموكم الكريم}.
من جهته ، قال الأمير سلطان بن سعد السفير السعودي لدى الكويت، إن زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد «تأتي في مرحلة دقيقة وحرجة تمر بها المنطقة وما تواجهه من أطماع وتدخلات وتهديدات خارجية».
وفِي تصريح له قال السفير الكويتي في الرياض الشيخ ثامر الصباح، إن زيارة ولي العهد السعودي للكويت «ستؤسس لمرحلة جديدة واعدة في مسار العلاقات الوطيدة التي تجمع البلدين والشعبين»، مجدداً ترحيب الكويت أميراً وحكومة وشعباً بالزيارة الكريمة.
وقال ‏نائب وزير الخارجية الكويتي خالد الجار الله لـ«الشرق الأوسط»، إن الأمير محمد بن سلمان «سيبحث مختلف ملفات المنطقة مع القيادة الكويتية». وأضاف الجار الله أن الأمير محمد بن سلمان، «سيحل في قلوب الكويتيين لنضع معاً وفق رؤانا المشتركة أسس العمل على كل ما من شأنه تحقيق مصالح وطموحات شعبينا الشقيقين، وبما يمكننا من مواجهة التحديات المتصاعدة في المنطقة وصيانة الأمن والاستقرار الذي ننشده في إطار الجهود المشتركة وفق منظومة العمل الخليجي لنحقق لهذه المنظومة المنعة والتماسك والحفاظ على مكاسبها».
وأضاف أن «زيارة ولي العهد السعودي ستصب في مصلحة العلاقات الأخوية بين دولة الكويت والسعودية الشقيقة، وتعد فرصة تاريخية للبلدين لبحث أوجه العلاقات الثنائية المتميزة والسعي لتطويرها في كل المجالات».
وأعرب عن فخر بلاده بما حققته السعودية من إنجازات على جميع المستويات، «فهي تحقق خطوات ثابتة وراسخة على طريق الوصول بالمملكة إلى مستوى متقدم من الازدهار والرخاء والأمن بما يجسد رؤيتها (2030) الشاملة على كل المستويات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية وفي مجال الطاقة».
ووصف الجار الله العلاقات الثنائية بين بلاده والسعودية بـ«المتميزة» و«المتنامية»، مستذكراً في إطار تلك العلاقات الموقف التاريخي والمشرف للمملكة في نصرة الحق الكويتي إبان الغزو العراقي.
وأضاف الجار الله: «إننا ندرك جميعاً المكانة المتميزة والمتقدمة التي تحتلها المملكة على خريطة العالم من خلال دورها في كثير من المحافل الدولية، ولعل أبرزها عضويتها في مجموعة العشرين الاقتصادية التي تتحكم بمستقبل العالم الاقتصادي قاطبة».
وعن أهم الملفات التي ستطرح خلال الزيارة، أشار الجار الله إلى أنها ستتمحور حول القضايا الثنائية وملفات المنطقة ذات الاهتمام المشترك.
وقال الجار الله ‏إن «العلاقات الكويتية - السعودية كبيرة وتشهد تطوراً ملحوظاً، وستحظى هذه العلاقات بنصيب وافر من المباحثات من أجل العمل على تعزيزها».
وكان البلدان وقعا في 18 يوليو (تموز) الماضي، محضر إنشاء مجلس تنسيقي بين البلدين الخليجيين، يعزز علاقاتهما، ويرفع درجة التنسيق بينهما، والمجلس يعد «إطاراً عاماً يندرج تحت مظلته جميع مجالات التعاون والعمل المشترك» بين البلدين.
والسعودية والكويت عضوان في منظمتي الدول المنتجة والمصدرة للبترول (أوبك) والدول العربية المنتجة والمصدرة للبترول (أوابك)، ومن شأن هذه الزيارة تعزيز التنسيق والتشاور بينهما. وتدفع هذه الزيارة بتوافق سياسة البلدين النفطية، الأمر الذي يؤدي إلى نوع من الاستقرار في الأسواق النفطية.
وتعزز الزيارة التنسيق المشترك بين البلدين الخليجيين، خصوصاً في ظل التحديات الإقليمية، والتشاور المستمر حول مختلف القضايا والموضوعات وسبل تدعيم التعاون المشترك في مختلف المجالات.
وكان الديوان الملكي، أعلن أمس، مغادرة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي، متوجهاً للكويت في زيارة رسمية، قال إنها تأتي «بناءً على توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وانطلاقاً من حرصه على التواصل وتعزيز روابط الأخوة بين المملكة العربية السعودية ودولة الكويت، واستجابة لدعوة الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت».
ويلتقي خلال الزيارة أمير دولة الكويت وعدداً من المسؤولين، لبحث العلاقات الثنائية وأوجه التعاون بين البلدين الشقيقين، ومناقشة القضايا ذات الاهتمام المشترك.
وغادر الأمير محمد بن سلمان، خميس مشيط في وقت سابق من أمس، متوجهاً إلى دولة الكويت، وكان في وداعه بمطار قاعدة الملك خالد الجوية، الأمير فيصل بن خالد بن عبد العزيز أمير منطقة عسير، والأمير تركي بن طلال بن عبد العزيز نائب أمير منطقة عسير، والأمير تركي بن فيصل بن عبد المجيد، والفريق أول ركن فياض الرويلي رئيس هيئة الأركان العامة، والأمير الفريق ركن فهد بن تركي بن عبد العزيز قائد القوات المشتركة، واللواء ركن عبد الله القفاري قائد المنطقة الجنوبية، وعدد من كبار المسؤولين.
وكان في استقبال ولي العهد لدى وصوله إلى مطار الكويت، الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح ولي عهد دولة الكويت، ورئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم، والشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح نائب رئيس الحرس الوطني، والشيخ صباح خالد الحمد الصباح رئيس مجلس الوزراء بالنيابة وزير الخارجية، والشيخ علي جراح الصباح وزير شؤون الديوان الأميري، والشيخ خالد جراح الصباح نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، ونائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء أنس خالد الصالح، والشيخ محمد العبد الله المبارك الصباح نائب وزير شؤون الديوان الأميري «رئيس بعثة الشرف»، ووكيل الديوان الأميري مدير مكتب أمير البلاد أحمد فهد الفهيد، والشيخ خالد العبد الله الصباح الناصر الصباح رئيس المراسم والتشريفات الأميرية، والشيخ مبارك فيصل السعود الصباح رئيس ديوان ولي العهد، والشيخ ثامر جابر الأحمد الصباح سفير دولة الكويت لدى المملكة، والأمير سلطان بن سعد بن خالد سفير السعودية لدى الكويت، وأعضاء السفارة وعدد من كبار المسؤولين في دولة الكويت.
ويضم الوفد المرافق لولي العهد السعودي كلاً من الأمير سلطان بن سعد سفير السعودية لدى الكويت، والأمير تركي بن محمد بن فهد المستشار بالديوان الملكي، والأمير بدر بن سلطان أمير منطقة الجوف، والأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف وزير الداخلية، والأمير بدر بن عبد الله الفرحان وزير الثقافة، والأمير عبد الله بن خالد بن سلطان المستشار بالديوان الملكي، والأمير تركي بن هذلول نائب أمير منطقة نجران، والدكتور مساعد العيبان وزير الدولة عضو مجلس الوزراء، والدكتور ماجد القصبي وزير التجارة والاستثمار، وعادل الجبير وزير الخارجية، والمهندس خالد الفالح وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية، والدكتور عواد العواد وزير الإعلام، وخالد الحميدان رئيس الاستخبارات العامة، وفهد العيسى المشرف العام على مكتب وزير الدفاع، وثامر نصيف رئيس الشؤون الخاصة لولي العهد، وبندر الرشيد المستشار في الديوان الملكي سكرتير ولي العهد، وراكان الطبيشي نائب رئيس المراسم الملكية.



«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.


وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا
TT

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

شارك الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، في الاجتماع الوزاري الرباعي، الذي عقد في مدينة أنطاليا بتركيا، بمشاركة نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان.
وجرى خلال الاجتماع مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية، ودعم جهود الوساطة الباكستانية ومساعيها في التوصل لوقف دائم لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، بما يسهم في خفض حدة التصعيد ويجنب المنطقة والعالم التداعيات الأمنية والاقتصادية الخطيرة للحرب.