مسكونا بالحنين والذكريات، عاد مارسيل خليفة إلى مسقط رأسه، مساء أول من أمس، ليحيي واحدة من أكثر حفلاته رمزية. جاء ليذكر أنه طُرد يوما من هنا، ومنع من إلقاء نظرة الوداع على والده عند وفاته، وبقيت الغصة عالقة في حلقه. قسوة الحرب الأهلية كانت ثقيلة على مارسيل، ولعل حفلته في مهرجانات جبيل، وهي الأولى له في هذا المكان، قريبا من القلعة التي غنى فيها في سبعينات القرن الماضي، كانت مناسبة للثأر الفني بأبهى تجلياته.
أتى مارسيل خليفة، وكأنه تقصد مواكبة ما يربو على 150 فنانا قادهم بتناغم فرح، وانتشاء المنتصر. الفرقة الفلهارمونية اللبنانية بقيادة هاروت فازليان بعازفيها الـ80، افتتحت الحفل، بتوليفة موسيقية من توزيع مارسيل خليفة، على أنغام حناجر ما يزيد على 60 منشدا من كورالي «جامعة سيدة اللويزة» و«الجامعة الأنطونية». موسيقى خلابة وبهيجة، تبعها فيلم تسجيلي عن طفولة مارسيل خليفة الذي ولد في عمشيت، ليس بعيدا عن مكان الحفل، وعن بدء حياته الموسيقية وفقده لأمه ومن ثم إرغامه على الرحيل بسبب مواقفه اليسارية مع الكفاح المسلح الفلسطيني يومها، ووفاة والده الذي لم يتمكن من وداعه. فيلم تسجيلي بدا طويلا، لجمهور يستعجل الدخول في أجواء قصائد كبار الشعراء الذين وعدوا بهم بصوت مارسيل.
أطل خليفة بعد ذلك، بلباسه الأبيض ووشاحه الأزرق، قائلا إن «أجمل ما في هذا الحفل أنه يجمع كل لبنان، من الجنوب والشمال والبقاع والجبل»، متحدثا عن إحساسه بالقلق: «فأن أقدم شيئا لجبيل أمر صعب، فهنا كانت أول كلمة، وأول قربانة وقبلة، وأول أغنية».. مع قصيدة الحلاج البديعة، الشاعر الصوفي الفذ كانت البداية بأغنية «يا نسيم الريح قولي للرشا، لم يزدني الورد إلا عطشا، إن يشا يمشي على خدي مشا، لي حبيب حبه وسط الحشا».
و«لأطفال غزة، وأطفال كل الوطن العربي الذين يتساقطون على أيدي الأنظمة الفاسدة والقوى المتطرفة» أهدى مارسيل ترتيلة قدمتها السوبرانو الألمانية فليستا فوتش»، التي نهضت من وسط الفرقة الموسيقية منشدة بصوتها الأوبرالي.
الأغنية الثانية لمارسيل خليفة كانت «ريتا» لكن الجمهور سبقه وغنى بلا عزف ولا عود. «حضرة النائب أيضا يغني» قال مارسيل خليفة في إشارة إلى غسان مخيبر الجالس في الصف الأمامي. بين الأغنية والأخرى كان مارسيل خليفة يقدم لنا أحد الفنانين الذين يرافقونه في الأمسية في معزوفة أو أغنية. «تانغو لعيون حبيبتي» هي «مقطوعة وضعتها لفرقة كركلا، لكن يمكننا سماعها بلا رقص، ولكل منا أن يتخيل ما يشاء» قال خليفة ليترك الكلمة لأكورديون جوليان لابرو الواصل للتو من تورونتو. ثم أطلت أميمة الخليل، الجريئة ذات الصوت العذب، لمرتين، مرة مؤدية أغنيتها «أحبك أكثر» دون أي مرافقة موسيقية، وأخرى غيرها لتسمعنا «طفل يكتب فوق جدار، طفل نبتت بين أصابعه النار»، منشدة الحصادين وبيادر القمح والمناجل.
كان على الجمهور أن يصبر طويلا، قبل أن يقرر مارسيل خليفة تقديم أغنيته الثالثة في تلك الأمسية: «منتصب القامة أمشي، مرفوع الهامة أمشي» الأصوات علت من كل مكان على المدرجات. ليس هنا من لا يعرف هذه القصيدة الدرويشية الشهيرة التي رددوها لسنوات وسنوات، بموسيقى مارسيل. مع العود أو من دونه الجمهور يردد طربا: «في كفي قصفة زيتون وعلى كتفي نعشي، وأنا أمشي، وأنا أمشي». كما غنى مارسيل برفقة جمهوره «جواز السفر» و«سلام عليك» و«أحن إلى خبز أمي» و«يا بحرية»، التي استنهضت الحضور ليغنوا وقوفا ملوحين بالسواعد.
ضيف آخر هو الشاب المصري محمد محسن، الذي أدى أغنية «خائف من القمر»، قدمه مارسيل خليفة للجمهور قائلا: «إنه من شباب الثورة التي سُرقت منهم، وهو مؤمن بها، ولا يزال يناضل لاسترجاعها».
وأبدعت الفنانة اللبنانية عبير نعمة وحلقت، وهي تغني قصيدة محمود درويش «غني قليلا»، بأسلوب أوبرالي باهر.
لم تكن الموسيقى عنصرا مصاحبا لصوت مارسيل خليفة أو ضيوفه المغنين في هذا الحفل، بل كانت الأساس والجوهر. على المسرح الذي يبدو لك وكأنه امتداد طبيعي للساحل اللبناني المضاء من بيروت إلى جبيل، ومن المدرج الغائصة أقدامه في البحر، تصبح التوليفات الموسيقية سواء المقطوعات التي تأتي فردية أحيانا أو تلك الجماعية بآلات الفرقة الموسيقية، وكأنما كل هذه العناصر مع الكلمات البديعة للقصائد، شريط بانورامي متناغم، متشابك، يريد أن يصل بالجمهور للتحليق عاليا وبعيدا.
البعض لم تعجبه هذه الصيغة التركيبية، ولو كانت متقنة، لحفل أريد له أن يكون مختلفا ومحترفا في آن. قالت إحدى الحاضرات: «لم يغنِّ مارسيل خليفة سوى بضع أغنيات، لكن الموسيقى كانت رائعة». الوصلات الموسيقية التي قدمها ولدا مارسيل، أي رامي خليفة على البيانو وبشار على الإيقاع، بصحبة الفرقة الفلهارمونية أو منفردة جاءت متناسقة مع لوحة أرادها والدهما مكتملة في أمسية نابضة وفرحة.
مع انتصاف الليل، بدا خليفة راغبا في الاستمرار، قال ممازحا: «سنسهر هنا حتى الصباح».
لم يترك شيئا للصدفة، في هذه الأمسية، أغنيات ثورية تتسق مع نزف غزة، دون كلام خطابي ومباشر، وموسيقى شفافة ذات نفح شرقي غامر، من وحي أجواء جبيل الحالمة، وخاتمة جياشة ومعبرة من شعر خليل حاوي، الذي انتحر مع اجتياح القوات الإسرائيلية العاصمة بيروت عام 1982.
وقف كل الفنانين المشاركين في الحفل من فرقة كورالية ومغنين ومعهم مارسيل خليفة ينشدون «نشيد الجسر»، على وقع موسيقى الفرقة التي ملأت المكان، ويرددون برفقة جمهور غلبه التأثر: «يعبرون الجسر في الصبح خفافا، أضلعهم امتدت لهم جسرا وطيدْ.. من كهوف الشرق، من مستنقع الشرق، إلى شرق جديد».
9:41 دقيقه
مارسيل خليفة يغني منتصرا ومهديا ترتيلة لأطفال غزة في مهرجان بيبلوس
https://aawsat.com/home/article/140896
مارسيل خليفة يغني منتصرا ومهديا ترتيلة لأطفال غزة في مهرجان بيبلوس
عاد إلى مسقط رأسه بعد أن طرد ومنع من وداع والده
أطل خليفة بلباسه الأبيض ووشاحه الأزرق - كان على الجمهور أن يصبر طويلا قبل أن يقرر مارسيل خليفة تقديم أغنيته الثالثة في تلك الأمسية «منتصب القامة أمشي.. مرفوع الهامة أمشي»
- بيروت: سوسن الأبطح
- بيروت: سوسن الأبطح
مارسيل خليفة يغني منتصرا ومهديا ترتيلة لأطفال غزة في مهرجان بيبلوس
أطل خليفة بلباسه الأبيض ووشاحه الأزرق - كان على الجمهور أن يصبر طويلا قبل أن يقرر مارسيل خليفة تقديم أغنيته الثالثة في تلك الأمسية «منتصب القامة أمشي.. مرفوع الهامة أمشي»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

