استنفار للجيش التونسي بعد تعرضه لأكبر هجوم منذ استقلال البلاد

وزارة الدفاع: المعتدون تونسيون وجزائريون متدربون بشكل جيد على الجبال

استنفار للجيش التونسي بعد تعرضه لأكبر هجوم منذ استقلال البلاد
TT

استنفار للجيش التونسي بعد تعرضه لأكبر هجوم منذ استقلال البلاد

استنفار للجيش التونسي بعد تعرضه لأكبر هجوم منذ استقلال البلاد


أعلنت تونس أمس حالة حداد وطني لمدة ثلاثة أيام، مع تنكيس الأعلام في المؤسسات العمومية، إثر الهجوم الإرهابي الذي نفذته، الليلة قبل الماضية، كتيبة عقبة بن نافع الإرهابية، ضد قوات الجيش التونسي في جبال الشعانبي (وسط غربي البلاد)، وأسفر عن مقتل 14 عسكريا في حصيلة أولية، وإصابة 23 آخرين، من بينهم ثلاث حالات خطيرة، إلى جانب فقدان أحد العسكريين، في أكثر الهجمات دموية في تاريخ المواجهات مع المجموعات الإرهابية. وكان من بين العسكريين الذين قتلوا في هذا الهجوم ضابط برتبة رائد، وآخر برتبة ملازم أول.
ودخلت تونس حالة استنفار قصوى، بعد الهجوم الدموي الذي شنه إرهابيون عند موعد الإفطار، أول من أمس، باستعمال أسلحة نوعية، مثل قاذفات «آر بي جي»، وأسلحة رشاشة، وقنابل يدوية، حسب المتحدث الرسمي لوزارة الدفاع، فيما أصيب قسم كبير من التونسيين بالذهول والمفاجأة، جراء فشل الأجهزة الأمنية في تعقب الإرهابيين، ونجاحهم في توجيه ضربة موجعة إلى إحدى أهم المؤسسات التونسية، بعد نحو سنة من ذبح ثمانية عسكريين في المنطقة ذاتها. وتوعد نضال الورفلي، المتحدث باسم الحكومة، بتتبع كل من احتفل باغتيال العسكريين التونسيين في جبال الشعانبي، بعد تواتر أنباء تفيد بإقامة حفلات وولائم أقامها أنصار كتيبة عقبة ابن نافع الإرهابية، احتفالا بسقوط العسكريين بين قتلى وجرحى.
ومباشرة بعد وقوع الهجوم، شكل مهدي جمعة، رئيس الحكومة، خلية أزمة مكونة من وزارة الداخلية، ووزارة العدل، ووزارة الصحة، وقيادات عسكرية لمتابعة آثار العملية الإرهابية، ووضع خطة بديلة لمكافحة آفة الإرهاب.
وبدأت وزارة الدفاع التونسية، منذ أمس، في نقل جثامين بعض العسكريين على متن سيارات عسكرية إلى عائلاتهم من أجل التعجيل بدفنهم، وأدانت الأحزاب السياسية العملية الإرهابية، ودعت إلى مسيرات شعبية تدين الإرهاب وتدعو إلى محاربة كل الأطراف الداعمة له، إذ دعت حركة النهضة، ذات المرجعية الإسلامية، إلى مسيرات حاشدة بعد صلاة الجمعة (اليوم) في كل المدن التونسية، فيما حمل حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي مسؤولية العملية الإرهابية إلى المجلس التأسيسي (البرلمان) واتهمه بالتباطؤ في التصديق على قانون الإرهاب.
وشهد المستشفى الجهوي بالقصرين تدفق عائلات العسكريين الذي كانوا هدفا للإرهابيين، وحاول بعضهم اقتحام الممر المؤدي إلى قاعة حفظ الأموات من أجل التنكيل بجثة الإرهابي الوحيد الذي سقط قتيلا في المواجهات مع قوات الجيش، إلا أن الوحدات الأمنية والعسكرية نجحت في تهريب الجثة على متن سيارة عسكرية مصفحة.
ونظم سكان مدينة القصرين مسيرة سلمية تعبيرا عن رفضهم للإرهاب، ودعوا الحكومة إلى اتخاذ إجراءات حازمة للقضاء على المجموعات الإرهابية المتحصنة في جبال الشعانبي. وقال الجنرال محمد الصالح الحامدي، رئيس أركان جيش البر التونسي، في مؤتمر صحافي عقده أمس بمقر قصر الحكومة، إن تونس ستنتصر على الإرهاب، وأضاف «الإرهابيون لن يتغلبوا علينا، سيؤلموننا لكنهم لن ينتصروا في النهاية على الدولة». ودعا الحامدي كل الفئات الاجتماعية إلى المشاركة في مكافحة الإرهاب، باعتبارها معركة الجميع، على حد تعبيره. وقال الحامدي إن تونس مستعدة لحرب طويلة الأمد. وأضاف أن المؤسسة العسكرية مستعدة نفسيا لتقبل خسائر أخرى، وصنف الحرب الحالية ضد الإرهابيين بأنها «حرب أعصاب».
وبشأن تفاصيل العملية الإرهابية، قال الحامدي إن الشهداء والجرحى كانوا موزعين على نقطتين عسكريتين، وهم مدربون جيدا، ولديهم خبرة في القتال. وأضاف أن الإرهابيين نجحوا في مخططهم خاصة أن هجومهم كان عند موعد الإفطار الذي يشهد إقبال التونسيين على منازلهم لتناول وجبة الإفطار، كما توقع هجمات إرهابية أخرى خلال الفترة المقبلة. وقال «يجب أن نستعد نفسيا لخسائر أخرى لكننا سننتصر عليهم».
وقدم العميد سهيل الشمنقي، قائد العمليات العسكرية في جيش البر، معطيات إضافية عن الهجوم الإرهابي، وقال إن الإرهابيين استعملوا ذخيرة مختلفة الأنواع في العملية، كلفت 14 قتيلا، خمسة منهم قتلوا بالرصاص، فيما لقي تسعة آخرون حتفهم حرقا داخل الخيمة، إضافة إلى 18 جريحا، ثلاثة منهم تعرضوا لإصابات خطيرة، وجرى نقلهم إلى المستشفى العسكري، فيما أخلي سبيل خمسة جرحى آخرين. وأكد فقدان عسكري تونسي أثناء الهجوم، فيما قتل إرهابي وحيد يحمل الجنسية التونسية. وأضاف أن هناك جنسيات أخرى شاركت في العملية الإرهابية.
وأشار الشمنقي إلى أن تونس تخوض حربا مفتوحة ضد الإرهاب، وقال إن «هذه العملية لن تثني المؤسسة العسكرية لحظة واحدة عن مواصلة تعقب الإرهابيين. كما أن المجهود الأمني بدأ منذ أبريل (نيسان) 2013، وهو متواصل ولن يتراجع».
وبشأن اللجوء إلى قذائف الـ«آر بي جي» لأول مرة في الهجمات الإرهابية، قال محمد الصالح الحدري، العقيد العسكري المتقاعد، لـ«الشرق الأوسط»، إن القذائف المستعملة روسية الصنع، وهي على الأرجح مهربة من ليبيا المجاورة، وتستخدم كأسلحة مضادة للدبابات وطائرات الهيلكوبتر وحاملات الجنود وبإمكانها اختراق الفولاذ. واستغرب الحدري استعمال هذا السلاح ضد الأفراد، وقال إن اللجوء إلى هذا النوع من الأسلحة يؤكد أن المجموعة الإرهابية أرادت تسجيل أكبر عدد من القتلى في صفوف العسكريين. ودعا الحدري إلى اعتماد استراتيجية جديدة في مكافحة الإرهاب بالابتعاد عن الطرق التقليدية في مجابهة المخاطر الإرهابية، وقال إنه على الحكومة التونسية اللجوء إلى نفس أسلوب الجماعات الإرهابية، وذلك باعتماد فرق مختصة، وأفراد مهمتهم ملاحقة الإرهابيين في أماكن تحصنهم والقضاء عليهم، على حد قوله.
وفي مؤتمر صحافي عقده كل من غازي الجريبي وزير الدفاع الوطني، ولطفي بن جدو وزير الداخلية، مساء أمس، أكدا على مواصلة محاربة الإرهاب إلى حين القضاء عليه من جذوره. وأشار الجريبي إلى فتح تحقيق داخلي حول العملية الإرهابية وتحديد المسؤوليات، وقال إن العملية الإرهابية خطيرة و«تدعونا إلى تغيير نمط تعاملنا مع المجموعات الإرهابية مستقبلا».
وبشأن العسكري المفقود خلال الهجوم الإرهابي، قال الجريبي إن المؤسسة العسكرية لا تتوفر على أي معطيات واضحة، وأضاف أن اليقظة والإبلاغ عن كل التحركات المريبة هو الطريق الأنجح لمكافحة الإرهابيين، مؤكدا أن أعداد الإرهابيين قد تكون «أكثر مما تصورناه».
من جهته، قال بن جدو إن تونس أحبطت ست عمليات إرهابية خلال أقل من ثلاثة أسابيع، ورأى أن الهدف من هذه العمليات إدخال البلاد في الفوضى، ومن ثم تأجيل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة، وإفشال المسار الانتقال الديمقراطي في تونس. وأشار بن جدو إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات المستعجلة، على غرار تأمين السجون ونقاط جمع وتوزيع المياه، وإعادة تدريب أعوان الغابات للمساعدة على مكافحة الإرهابيين في المناطق الغابوية.
من جهته, قال الملحق الإعلامي، بوزارة الدفاع التونسية، رشيد بوحولة، إن «الجيش في حالة استنفار أكثر من أي وقت مضى».
وحول ما جرى تداوله بشأن خطأ استراتيجي للجيش، في الهجوم الإرهابي الذي قتل فيه 14 من عناصره، وأصيب أكثر من 20، وأن الإفطار كان جماعيا وهذا غير مفترض في عمل الجيش، أكد بوحولة لـ«الشرق الأوسط» أن «الإفطار لم يكن جماعيا بل كانت مناوبة، وأن الإرهابيين، وكما يعمدون دائما لجأوا لعنصر المباغتة»، مؤكدا أنهم يستعملون هذا الأسلوب سواء في تحديد التوقيت أو في اختيار المكان، مشيرا إلى أن هذا لا ينقص من قيمة أداء الجيش، بل إنه حتى «أقوى البلدان الغربية جرى استهدافها من طرف الإرهابيين. ومساحة الشعانبي 100 كلم مربع وليس من اليسير أو الهين السيطرة عليه شبرا شبرا، وأنه حتى نقاط المراقبة يمكن استهدافها وخصوصا أن الإرهابيين مدربون»، وأضاف: «هم متدربون على الجبال جيدا وعلى الكهوف، وهم من التونسيين والجزائريين، وهذا ما يفسر اختيارهم للشعانبي الذي هو امتداد للجبال الجزائرية».
وحول التعاون بين تونس والجزائر لمكافحة الإرهاب في المناطق الحدودية أكد الملحق الإعلامي لوزارة الدفاع أنه «على مدار السنوات كان هناك تعاون خاصة في مكافحة الإرهاب وعلى الحدود واتفاقية مشتركة بموجبها يقع تبادل المعلومات الأمنية».
وشدد على أن «القوات المسلحة وبغض النظر عن هذه الأحداث دائما على أهبة الاستعداد لحماية البلاد..كلها عزم وإصرار على مكافحة الإرهاب، والجيش التونسي في حالة استنفار أكثر من أي وقت مضى لتأمين وتوفير عوامل الانتقال الديمقراطي، والمشاركة بالمساعدة بفترة الانتخابات».
وحول صلاحيات الجيش بالتدخل مباشرة للرد على مثل هذه الأحداث قال بوحولة إن «الجيش يساهم في حفظ النظام العام بطلب من الحكومة أو وزارة الداخلية، متميز بحياده وهذا مصدر قوته، ووقت المحن أثبت الجيش التونسي قدرته على إعادة الأمور إلى نصابها والمحافظة على مؤسسات الدولة».
من جانبه, قال زعيم حركة النهضة التونسية (الحزب الحاكم) راشد الغنوشي، متحدثا عن منفذي العملية الإرهابية في جبل الشعانبي: «هؤلاء المجرمون هم خوارج العصر ولكنهم كأسلافهم لن يستطيعوا أن يصلوا إلى مبتغاهم لأن الشعب التونسي موحد ضد الإرهاب والتطرف، موحد باتجاه استكمال مسيرته نحو الديمقراطية. قلوبنا ودعواتنا لعائلات الشهداء الذين نرجو لهم الصبر والسلوان ونقول لهم إن كل التونسيين معهم في مصابهم». ودعا الغنوشي الدولة والمجتمع في تصريحات خص بها «الشرق الأوسط» لتسخير «كل الإمكانيات للوقوف مع عائلات الشهداء والجرحى. ندعو جميع قوى الشعب التونسي أن تتوحد في وجه سرطان التطرف والإرهاب، وكلنا ثقة أن المستقبل لقوى الخير والسلم والاعتدال لأن الله لا يحب المعتدين».



رسائل حب ومساندة مصرية للسعودية تحظى بتفاعل واسع

العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)
العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)
TT

رسائل حب ومساندة مصرية للسعودية تحظى بتفاعل واسع

العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)
العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)

في مشهد يعكس عمق العلاقات الشعبية بين مصر والمملكة العربية السعودية، شهدت منصات التواصل الاجتماعي في مصر خلال الأيام الماضية موجة من الرسائل والتعليقات على خلفية الاعتداءات الحوثية الأخيرة على المطارات السعودية، عبّر خلالها مصريون عن تضامنهم الكامل مع المملكة، ودعمهم لها قيادةً وشعباً وجيشاً وحكومة، مؤكدين متانة الروابط التاريخية التي تجمع البلدين.

جاء هذا التفاعل متوافقاً مع الموقف الرسمي المصري المعلَن تجاه المملكة، حيث نشر مستخدمون آلاف التدوينات وصوراً تجمع قادة البلدين، عبر عدة «هاشتاغات» داعمة للمملكة على مختلف المنصات، حظيت بتفاعل واسع، جاء أبرزها: «#كلنا_مع_السعودية»، «#مصر_والسعودية_ايد_واحدة»، #لن_ترونا_إلا_معا»، «#مصر_السعودية_أشقاء».

وتركَّز الجانب الأكبر من التعليقات المصرية على إبداء التأييد والتضامن مع المملكة فيما تواجهه من هجمات استهدفت بنيتها التحتية ومواطنيها، مع إدانة للممارسات الحوثية وتصنيفها أعمالاً إرهابية وجرائم تخالف الأعراف الإنسانية والدينية، مع إعلان الدعم الكامل للمملكة في إجراءاتها للدفاع عن نفسها.

كما أبرزت تعليقات أخرى المكانة الوجدانية للمملكة لدى الشعب المصري، مستخدمين لغة صادقة تعكس الشعور بالألم المشترك والمساندة النفسية في أوقات الأزمات، مؤكدين أن ما يجمع البلدين «علاقة دم ومصير واحد وليس تحالفاً مؤقتاً».

وأكد قطاع واسع من رواد المنصات أن العلاقات الثنائية تستند إلى عمق تاريخي وجغرافي لا يتأثر بمحاولات الوقيعة الرقمية بين البلدين، مشددين على أنها «علاقة أقوى من تأثير الذباب الإلكتروني».

كما استعاد مغردون مواقف تاريخية متبادلة بين البلدين في أوقات الأزمات والتحديات، مؤكدين أن التضامن المتبادل يظل إحدى أبرز سمات هذه العلاقة، مستحضرين محطات طويلة من التعاون والتنسيق بين القاهرة والرياض.

وركز آخرون على أن استقرار المملكة مسؤولية تهم كل عربي ومسلم، كونها أرض الحرمين الشريفين، لافتين إلى أن السعودية وطن ثانٍ للمصريين، وتجمع الشعبين روابط اجتماعية وإنسانية وثقافية متجذرة عبر عقود.

الرئيس عبد الفتاح السيسي يستقبل الأمير محمد بن سلمان في القاهرة الشهر الماضي (الرئاسة المصرية)

بينما جاءت أبرز رسائل المحبة والمساندة المصرية للسعودية مع نشر السفارة السعودية بالقاهرة بياناً لمواطنيها بشأن مساعدة المتضررين منهم من إلغاء الرحلات الجوية مع اضطراب حركة الطيران في السعودية، حيث دعت السفارة المواطنين السعوديين الذين تأثرت رحلاتهم الجوية أو تعذر وصولهم إلى وجهاتهم بسبب الإلغاء أو التأخير، إلى التواصل معها لطلب المساعدة، وهو ما أثار ردود فعل واسعة من المصريين.

وأظهرت التفاعلات رفض الشارع المصري التعامل مع المواطن السعودي على أنه «غريب»، مع إطلاق دعوات ترحيب بمن يوجدون على الأراضي المصرية، لافتين إلى أن «بيوتنا مفتوحة... والدار داركم».

وأشار مغردون على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن للمملكة محبّة راسخة في قلوب المصريين، مؤكدين أن «السعودي في مصر بين أهله».

وأشار الإعلامي والبرلماني مصطفى بكري، في تغريدة على «إكس»، إلى تلقيّ سفير خادم الحرمين الشريفين بالقاهرة، صالح بن عيد الحصيني، عقب نشر بيان السفارة، اتصالات وبرقيات عديدة من المصريين يعلنون فيها التضامن مع أشقائهم في المملكة في مواجهة العدوان الحوثي ضد المدنيين.

في المقابل، تفاعل مدونون سعوديون مع تلك الدعوات والتعليقات المصرية، لافتين إلى عدم شكهم في حب المصريين للسعودية وأهلها، بينما أكد آخرون المحبة والأخوّة بين الشعبين.

كما تفاعل الأمير عبد الرحمن بن مساعد، على تعليقات المصريين على بيان السفارة، معلقاً عبر حسابه الرسمي في منصة «إكس»: «ردود المصريين على ما نشرته السفارة السعودية في القاهرة تثلج الصدر، أُشهد الله على حبك يا مصر وحب أهلك».


ضربات جوية وكمائن دامية تنهك حشود الحوثيين في تعز

ضربات الطيران الحربي تتصدى للزحف الحوثي نحو مدينة تعز (إعلام عسكري)
ضربات الطيران الحربي تتصدى للزحف الحوثي نحو مدينة تعز (إعلام عسكري)
TT

ضربات جوية وكمائن دامية تنهك حشود الحوثيين في تعز

ضربات الطيران الحربي تتصدى للزحف الحوثي نحو مدينة تعز (إعلام عسكري)
ضربات الطيران الحربي تتصدى للزحف الحوثي نحو مدينة تعز (إعلام عسكري)

دخلت العملية العسكرية اليمنية «فجر اليمن» يومها الثامن، الاثنين، مع اتساع المواجهات في جبهات محافظة تعز، وتكثيف الضربات الجوية على مواقع الحوثيين وتحركاتهم العسكرية، بالتزامن مع معارك كرّ وفرّ في الريف الجنوبي والغربي للمدينة، حيث تسعى القوات الحكومية إلى استعادة مواقع فقدتها خلال الساعات الماضية، ومنع الجماعة المدعومة من إيران من توسيع اختراقاتها.

وفي موازاة القتال في تعز (جنوب غرب) تواصل القوات الحكومية عملياتها النوعية في جبهات مأرب والجوف، وسط إعلان الجيش تنفيذ آلاف الاستهدافات الجوية والمدفعية والمسيّرة منذ بدء التحركات الهجومية، ومقتل وإصابة أعداد كبيرة من الحوثيين، وفق بيانات عسكرية يمنية.

وعلى الساحل الغربي، تسعى القوات الحكومية إلى تثبيت مكاسبها في ذوباب ومحيط باب المندب، مع استمرار المواجهات حول مواقع وتحصينات لا تزال الجماعة تتحصن فيها، مستفيدةً من الألغام والتضاريس.

وأعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 1732 عملية استهداف دقيقة ومباشرة ضد مواقع عسكرية حوثية، باستخدام الطيران الحربي والمسيّر والمدفعية والراجمات، بالتزامن مع تقدم الوحدات المقاتلة على محاور العملية، خلال 24 ساعة.

القوات الحكومية اليمنية تثبت مكاسب الساحل في ثامن أيام بدء عملية «فجر اليمن» (أ.ب)

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن العمليات شملت تحصينات ومراكز قيادة وسيطرة ونقاط مراقبة واستطلاع ومرابض مدفعية ومناطق حشد وتعزيز، إضافة إلى مخازن أسلحة وذخائر وآليات ووسائط إمداد وأهداف عسكرية في العمق.

وأضاف النزيلي أن الاستهدافات أسفرت عن تحييد أكثر من 900 عنصر من الحوثيين، وتدمير أو إعطاب أكثر من 287 آلية ومعدة ووسيلة عسكرية، فضلاً عن إسكات مصادر نيران وإرباك منظومة القيادة والسيطرة وتعطيل حركة التعزيزات والإمداد. وأكد استمرار اختراق المواقع الدفاعية للجماعة وتوسيع نطاق التقدم وفق الخطة العملياتية.

تأتي هذه الحصيلة المعلنة في وقت تتوزع فيه المواجهات على جبهات متعددة، من أرياف تعز إلى جنوب مأرب وغربها، بينما تتركز المعارك الأكثر حساسية على خطوط الاقتراب من المدينة والطرق التي تربط مركز المحافظة بمديرياتها الريفية.

معارك استنزاف في تعز

شهدت تعز، خلال الساعات الماضية، ضربات جوية ومواجهات عنيفة على امتداد محاور القتال، شملت غرب المدينة وشمالها وشرقها، إلى جانب المسراخ والأقروض والضباب. وأعلن محور تعز تنفيذ غارات جوية استهدفت مواقع وآليات وتعزيزات حوثية في مناطق ميلات والمزارع وأطراف الصياحي غرباً، وشارع الستين شمالاً، وتلال سوفتيل والسلال شرقاً.

ضربات جوية مكثفة تستهدف زحف الحوثيين حول مدينة تعز (إعلام محلي)

كما أفادت تقارير عسكرية بأن الطيران الحربي استهدف تجمعات ومواقع للجماعة في الحوبان وتبة سوفتيل والمقرمي والجعشة، فضلاً عن مواقع أخرى شمال المدينة وغربها. وقالت مصادر عسكرية إن الضربات أوقعت خسائر بشرية ودمرت عدداً من الآليات.

وفي ريف تعز الجنوبي، احتدمت المواجهات في مديرية المسراخ، خصوصاً في منطقتي طالوق وسائلة طالوق، عقب محاولات تسلل حوثية من اتجاه نجد قسيم. وأفادت مصادر ميدانية بأن القوات الحكومية والمقاومة نفذت كمائن ضد المهاجمين، أوقعت قتلى وجرحى في صفوفهم وأجبرت بعضهم على الانسحاب.

وتزامنت هذه الاشتباكات مع معارك في منطقة الأقروض، حيث أعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع كانت الجماعة قد سيطرت عليها خلال الساعات السابقة، إلى جانب استعادة تلَّتَي مهيوب ثابت ووثيب، ومدرسة الفرقان في قرية الذنيب، وفق المعلومات العسكرية الواردة من الجبهة.

الحكومة اليمنية تعهدت باستمرار العمليات العسكرية حتى إنهاء التهديد الحوثي (إعلام محلي)

وتكتسب هذه المناطق أهمية ميدانية بسبب اتصالها بشبكة الطرق التي تربط مدينة تعز بريفها الجنوبي، فيما يزيد تقدم الحوثيين في منطقة نجد قسيم من حساسية المعركة، نظراً إلى موقعها على طريق رئيسي يخدم عدداً من مديريات المحافظة.

وفي جبهة الضباب، أفادت المعلومات الميدانية بأن القوات الحكومية ثبّتت مواقعها في جبل هان، مع استمرار الاشتباكات في أطراف المنطقة وتنفيذ كمائن ضد مجموعات حوثية.

وتكشف هذه التطورات عن اتساع رقعة المواجهات في محيط تعز، حيث تتداخل الضربات الجوية مع الاشتباكات المباشرة والكمائن، في وقت تحاول فيه القوات الحكومية احتواء الاختراقات واستعادة المواقع التي شهدت تغيراً في خطوط التماس.

الساحل ومأرب والجوف

على امتداد الساحل الغربي، تواصل قوات ألوية العمالقة و«درع الوطن» تثبيت مواقعها في ذوباب ومحيط باب المندب، وسط مواجهات مع مجموعات حوثية لا تزال تتحصن في جيوب ومواقع صغيرة خلف الألغام والتلال المطلة على المضيق، وفق المعلومات الميدانية الواردة من المنطقة.

كانت القوات الحكومية قد أعلنت في الأيام الماضية تحقيق مكاسب في محاور الساحل، بالتوازي مع تأمين مواقع مرتفعة في كهبوب وتوسيع الضغط على تجمعات الحوثيين. غير أن استمرار الاشتباكات في بعض الجيوب يفرض على القوات مواصلة عمليات التمشيط وتثبيت المواقع، في ظل مخاطر الألغام والتحصينات التي تعوق الحركة.

الحوثيون يتكبدون خسائر بشرية كبيرة جراء الضربات البرية والجوية في تعز (إعلام عسكري)

وفي محافظة مأرب، استهدفت القوات الحكومية مواقع وآليات حوثية في الجبهتين الجنوبية والجنوبية الغربية، باستخدام المدفعية والطيران المسيّر، فيما شن الطيران الحربي غارات على ثكنات ومخازن تابعة للجماعة.

ونقلت وسائل إعلام عسكرية يمنية عن مصادر في عمليات المنطقة العسكرية الثالثة أن الضربات أدت إلى تدمير وإعطاب آليات قتالية، واستهداف مربض مدفعية حوثي، مما أسفر عن تدمير المدفع ومقتل طاقمه. كما تحدثت المصادر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجماعة، في حين أعلنت القوات الحكومية مقتل ثلاثة من أفرادها وإصابة آخرين خلال المواجهات.

وفي الجوف، تواصلت العمليات الجوية والمدفعية وهجمات الطائرات المسيّرة على مواقع وتحصينات ومراكز قيادة ومخازن أسلحة حوثية، وفق البيانات العسكرية الحكومية.


الحكومة اليمنية تحشد دعماً دولياً وإقليمياً لإنهاء التهديد الحوثي

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تحشد دعماً دولياً وإقليمياً لإنهاء التهديد الحوثي

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)

وسَّعت الحكومة اليمنية تحركها السياسي والدبلوماسي بالتوازي مع العمليات العسكرية التي تخوضها القوات الحكومية ضمن عملية «فجر اليمن»، مستهدفة حشد مواقف عربية وإسلامية ودولية لمواجهة الحوثيين، بالتزامن مع إقرار مشروع قانون لتصنيف الجماعة «منظمة إرهابية» وتجريم أنشطتها وتمويلها، في خطوة تعكس انتقال المواجهة من جبهات القتال إلى مسارات سياسية وقانونية أوسع.

وجاءت هذه التحركات مع تأكيد الحكومة أن استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي المدعوم من إيران، يمثلان هدفاً مركزياً للمرحلة الحالية، وسط تصاعد المخاوف من تداعيات الهجمات التي تستهدف المنشآت المدنية والمطارات، وتهدد أمن الملاحة الجوية والبحرية في المنطقة.

وفي تحرك دبلوماسي متزامن، أجرت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين اليمنية، أفراح الزوبة، اتصالات مع القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى اليمن نيل هوب، والأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي إسماعيل ولد الشيخ أحمد، لبحث التطورات العسكرية والإنسانية، وتداعياتها على الأمن الإقليمي والممرات البحرية الدولية.

وجاءت الاتصالات الثلاثة لتضع أمن اليمن والمنطقة في صدارة المشاورات، مع تركيز الحكومة على ما تصفه بالتهديدات الحوثية المرتبطة بالأجندة الإيرانية، والدعوة إلى تنسيق دولي وعربي وإسلامي يتجاوز الإدانات إلى إجراءات عملية.

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة (سبأ)

وأكدت أفراح الزوبة، خلال اتصالها بالمسؤول الأميركي، أن أي تسوية سياسية مستدامة يجب أن تستند إلى المرجعيات الوطنية والإقليمية والدولية، وأن تضمن حصرية السلاح واحتكار الدولة قرارَي الحرب والسلام، بما يمنع إخضاع مستقبل اليمن لإرادة جماعة مسلحة.

تنفيذ القرارات الدولية

ودعت وزيرة الخارجية اليمنية إلى تنفيذ قرارات مجلس الأمن المتعلقة باليمن، وفي مقدمها القرار 2216، وتعزيز التدابير الرامية إلى وقف تدفق الأسلحة والتمويل والخبرات العسكرية الإيرانية إلى الحوثيين، ومنع استخدام الأراضي اليمنية منطلقاً لتهديد دول المنطقة والممرات البحرية.

كما شددت على ضرورة حماية الملاحة الدولية وتأمين خطوطها الحيوية؛ خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مشيرة إلى ما وصفته بالانتصارات التي حققها الجيش والقوات المساندة له في دحر الحوثيين من المنطقة.

الحوثيون يدفعون بحشودهم المسلحة لتشديد الحصار على مدينة تعز (أ.ف.ب)

من جانبه، جدد القائم بالأعمال الأميركي موقف بلاده الداعم لوحدة اليمن وأمنه واستقراره، ومساندتها الحكومة اليمنية، وأدان الممارسات الحوثية بحق المدنيين، مؤكداً أهمية استمرار التنسيق لحماية الملاحة الدولية وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

وفي اتصالاتها مع جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، دفعت الوزيرة أفراح الزوبة باتجاه توحيد المواقف العربية والإسلامية إزاء الهجمات التي تستهدف اليمن والسعودية والمنشآت الحيوية، معتبرة أن تداعياتها تتجاوز حدود دولة واحدة، وتمس الأمن الإقليمي ومصالح شعوب المنطقة.

ودعت إلى تفعيل آليات العمل العربي المشترك، وتعزيز التواصل مع المؤسسات الدولية، في حين أكد فهمي أن التحديات الراهنة تهدد الأمن القومي العربي، وأبدى استعداده لمواصلة التشاور بشأن التحركات المطلوبة. كما أكد الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي أهمية استمرار التنسيق مع اليمن إزاء التطورات الراهنة.

«حكومة معركة»

على المسار الداخلي، اتخذ مجلس الوزراء اليمني، برئاسة رئيس الحكومة شائع محسن الزنداني، خطوات قال إنها تستهدف رفع جاهزية مؤسسات الدولة، وتوفير متطلبات استمرار العمليات العسكرية وحماية السكان والمنشآت.

وأشاد المجلس بتقدُّم «ألوية العمالقة» الجنوبية وقوات «درع الوطن» والمقاومة الشعبية، بإسناد من «تحالف دعم الشرعية»؛ مشيراً إلى تحرير ذوباب ومواقع استراتيجية في محيط باب المندب، وقطع الطريق بين ذوباب والمخا. واعتبر أن هذه التطورات تمثل تحولاً استراتيجياً في أحد أهم الممرات المائية في العالم، من شأنه تقليص قدرة الحوثيين على استخدام تهديد الملاحة الدولية ورقة ضغط.

وقال الزنداني إن ضربات «فجر اليمن» والخسائر التي تكبدها الحوثيون في باب المندب، دفعت الجماعة إلى نقل المعركة نحو المدنيين والمنشآت المدنية. وشدد على أن الحكومة لا تتعامل مع المرحلة بوصفها حالة دفاعية مؤقتة؛ بل بوصفها معركة لاستعادة سلطة الدولة.

حشد من الحوثيين في صنعاء حيث العاصمة اليمنية المختطفة (أ.ف.ب)

ووجَّه رئيس الوزراء أجهزة السلطة التنفيذية بالخروج من منطق رد الفعل إلى العمل الاستباقي، ورفع الجاهزية، وتوفير احتياجات القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية والأمن والمقاومة الشعبية، إلى جانب ضمان استمرار الخدمات وحماية السكان.

ووافق المجلس على مشروع قانون بشأن تصنيف جماعة الحوثي «منظمة إرهابية» وتجريم أنشطتها وتمويلها، ووجّه باستكمال الإجراءات الدستورية والقانونية اللازمة للمصادقة عليه.

كما استمع المجلس إلى إحاطة من وزير الدفاع بشأن المستجدات الميدانية والاحتياجات اللازمة لمواصلة العمليات، مؤكداً دعمه للعملية وتسخير إمكانات الدولة لإسنادها، ومشدداً على استمرارها حتى استكمال أهدافها وتحرير ما تبقى من الأراضي، وصولاً إلى صنعاء.