استنفار للجيش التونسي بعد تعرضه لأكبر هجوم منذ استقلال البلاد

وزارة الدفاع: المعتدون تونسيون وجزائريون متدربون بشكل جيد على الجبال

استنفار للجيش التونسي بعد تعرضه لأكبر هجوم منذ استقلال البلاد
TT

استنفار للجيش التونسي بعد تعرضه لأكبر هجوم منذ استقلال البلاد

استنفار للجيش التونسي بعد تعرضه لأكبر هجوم منذ استقلال البلاد


أعلنت تونس أمس حالة حداد وطني لمدة ثلاثة أيام، مع تنكيس الأعلام في المؤسسات العمومية، إثر الهجوم الإرهابي الذي نفذته، الليلة قبل الماضية، كتيبة عقبة بن نافع الإرهابية، ضد قوات الجيش التونسي في جبال الشعانبي (وسط غربي البلاد)، وأسفر عن مقتل 14 عسكريا في حصيلة أولية، وإصابة 23 آخرين، من بينهم ثلاث حالات خطيرة، إلى جانب فقدان أحد العسكريين، في أكثر الهجمات دموية في تاريخ المواجهات مع المجموعات الإرهابية. وكان من بين العسكريين الذين قتلوا في هذا الهجوم ضابط برتبة رائد، وآخر برتبة ملازم أول.
ودخلت تونس حالة استنفار قصوى، بعد الهجوم الدموي الذي شنه إرهابيون عند موعد الإفطار، أول من أمس، باستعمال أسلحة نوعية، مثل قاذفات «آر بي جي»، وأسلحة رشاشة، وقنابل يدوية، حسب المتحدث الرسمي لوزارة الدفاع، فيما أصيب قسم كبير من التونسيين بالذهول والمفاجأة، جراء فشل الأجهزة الأمنية في تعقب الإرهابيين، ونجاحهم في توجيه ضربة موجعة إلى إحدى أهم المؤسسات التونسية، بعد نحو سنة من ذبح ثمانية عسكريين في المنطقة ذاتها. وتوعد نضال الورفلي، المتحدث باسم الحكومة، بتتبع كل من احتفل باغتيال العسكريين التونسيين في جبال الشعانبي، بعد تواتر أنباء تفيد بإقامة حفلات وولائم أقامها أنصار كتيبة عقبة ابن نافع الإرهابية، احتفالا بسقوط العسكريين بين قتلى وجرحى.
ومباشرة بعد وقوع الهجوم، شكل مهدي جمعة، رئيس الحكومة، خلية أزمة مكونة من وزارة الداخلية، ووزارة العدل، ووزارة الصحة، وقيادات عسكرية لمتابعة آثار العملية الإرهابية، ووضع خطة بديلة لمكافحة آفة الإرهاب.
وبدأت وزارة الدفاع التونسية، منذ أمس، في نقل جثامين بعض العسكريين على متن سيارات عسكرية إلى عائلاتهم من أجل التعجيل بدفنهم، وأدانت الأحزاب السياسية العملية الإرهابية، ودعت إلى مسيرات شعبية تدين الإرهاب وتدعو إلى محاربة كل الأطراف الداعمة له، إذ دعت حركة النهضة، ذات المرجعية الإسلامية، إلى مسيرات حاشدة بعد صلاة الجمعة (اليوم) في كل المدن التونسية، فيما حمل حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي مسؤولية العملية الإرهابية إلى المجلس التأسيسي (البرلمان) واتهمه بالتباطؤ في التصديق على قانون الإرهاب.
وشهد المستشفى الجهوي بالقصرين تدفق عائلات العسكريين الذي كانوا هدفا للإرهابيين، وحاول بعضهم اقتحام الممر المؤدي إلى قاعة حفظ الأموات من أجل التنكيل بجثة الإرهابي الوحيد الذي سقط قتيلا في المواجهات مع قوات الجيش، إلا أن الوحدات الأمنية والعسكرية نجحت في تهريب الجثة على متن سيارة عسكرية مصفحة.
ونظم سكان مدينة القصرين مسيرة سلمية تعبيرا عن رفضهم للإرهاب، ودعوا الحكومة إلى اتخاذ إجراءات حازمة للقضاء على المجموعات الإرهابية المتحصنة في جبال الشعانبي. وقال الجنرال محمد الصالح الحامدي، رئيس أركان جيش البر التونسي، في مؤتمر صحافي عقده أمس بمقر قصر الحكومة، إن تونس ستنتصر على الإرهاب، وأضاف «الإرهابيون لن يتغلبوا علينا، سيؤلموننا لكنهم لن ينتصروا في النهاية على الدولة». ودعا الحامدي كل الفئات الاجتماعية إلى المشاركة في مكافحة الإرهاب، باعتبارها معركة الجميع، على حد تعبيره. وقال الحامدي إن تونس مستعدة لحرب طويلة الأمد. وأضاف أن المؤسسة العسكرية مستعدة نفسيا لتقبل خسائر أخرى، وصنف الحرب الحالية ضد الإرهابيين بأنها «حرب أعصاب».
وبشأن تفاصيل العملية الإرهابية، قال الحامدي إن الشهداء والجرحى كانوا موزعين على نقطتين عسكريتين، وهم مدربون جيدا، ولديهم خبرة في القتال. وأضاف أن الإرهابيين نجحوا في مخططهم خاصة أن هجومهم كان عند موعد الإفطار الذي يشهد إقبال التونسيين على منازلهم لتناول وجبة الإفطار، كما توقع هجمات إرهابية أخرى خلال الفترة المقبلة. وقال «يجب أن نستعد نفسيا لخسائر أخرى لكننا سننتصر عليهم».
وقدم العميد سهيل الشمنقي، قائد العمليات العسكرية في جيش البر، معطيات إضافية عن الهجوم الإرهابي، وقال إن الإرهابيين استعملوا ذخيرة مختلفة الأنواع في العملية، كلفت 14 قتيلا، خمسة منهم قتلوا بالرصاص، فيما لقي تسعة آخرون حتفهم حرقا داخل الخيمة، إضافة إلى 18 جريحا، ثلاثة منهم تعرضوا لإصابات خطيرة، وجرى نقلهم إلى المستشفى العسكري، فيما أخلي سبيل خمسة جرحى آخرين. وأكد فقدان عسكري تونسي أثناء الهجوم، فيما قتل إرهابي وحيد يحمل الجنسية التونسية. وأضاف أن هناك جنسيات أخرى شاركت في العملية الإرهابية.
وأشار الشمنقي إلى أن تونس تخوض حربا مفتوحة ضد الإرهاب، وقال إن «هذه العملية لن تثني المؤسسة العسكرية لحظة واحدة عن مواصلة تعقب الإرهابيين. كما أن المجهود الأمني بدأ منذ أبريل (نيسان) 2013، وهو متواصل ولن يتراجع».
وبشأن اللجوء إلى قذائف الـ«آر بي جي» لأول مرة في الهجمات الإرهابية، قال محمد الصالح الحدري، العقيد العسكري المتقاعد، لـ«الشرق الأوسط»، إن القذائف المستعملة روسية الصنع، وهي على الأرجح مهربة من ليبيا المجاورة، وتستخدم كأسلحة مضادة للدبابات وطائرات الهيلكوبتر وحاملات الجنود وبإمكانها اختراق الفولاذ. واستغرب الحدري استعمال هذا السلاح ضد الأفراد، وقال إن اللجوء إلى هذا النوع من الأسلحة يؤكد أن المجموعة الإرهابية أرادت تسجيل أكبر عدد من القتلى في صفوف العسكريين. ودعا الحدري إلى اعتماد استراتيجية جديدة في مكافحة الإرهاب بالابتعاد عن الطرق التقليدية في مجابهة المخاطر الإرهابية، وقال إنه على الحكومة التونسية اللجوء إلى نفس أسلوب الجماعات الإرهابية، وذلك باعتماد فرق مختصة، وأفراد مهمتهم ملاحقة الإرهابيين في أماكن تحصنهم والقضاء عليهم، على حد قوله.
وفي مؤتمر صحافي عقده كل من غازي الجريبي وزير الدفاع الوطني، ولطفي بن جدو وزير الداخلية، مساء أمس، أكدا على مواصلة محاربة الإرهاب إلى حين القضاء عليه من جذوره. وأشار الجريبي إلى فتح تحقيق داخلي حول العملية الإرهابية وتحديد المسؤوليات، وقال إن العملية الإرهابية خطيرة و«تدعونا إلى تغيير نمط تعاملنا مع المجموعات الإرهابية مستقبلا».
وبشأن العسكري المفقود خلال الهجوم الإرهابي، قال الجريبي إن المؤسسة العسكرية لا تتوفر على أي معطيات واضحة، وأضاف أن اليقظة والإبلاغ عن كل التحركات المريبة هو الطريق الأنجح لمكافحة الإرهابيين، مؤكدا أن أعداد الإرهابيين قد تكون «أكثر مما تصورناه».
من جهته، قال بن جدو إن تونس أحبطت ست عمليات إرهابية خلال أقل من ثلاثة أسابيع، ورأى أن الهدف من هذه العمليات إدخال البلاد في الفوضى، ومن ثم تأجيل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة، وإفشال المسار الانتقال الديمقراطي في تونس. وأشار بن جدو إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات المستعجلة، على غرار تأمين السجون ونقاط جمع وتوزيع المياه، وإعادة تدريب أعوان الغابات للمساعدة على مكافحة الإرهابيين في المناطق الغابوية.
من جهته, قال الملحق الإعلامي، بوزارة الدفاع التونسية، رشيد بوحولة، إن «الجيش في حالة استنفار أكثر من أي وقت مضى».
وحول ما جرى تداوله بشأن خطأ استراتيجي للجيش، في الهجوم الإرهابي الذي قتل فيه 14 من عناصره، وأصيب أكثر من 20، وأن الإفطار كان جماعيا وهذا غير مفترض في عمل الجيش، أكد بوحولة لـ«الشرق الأوسط» أن «الإفطار لم يكن جماعيا بل كانت مناوبة، وأن الإرهابيين، وكما يعمدون دائما لجأوا لعنصر المباغتة»، مؤكدا أنهم يستعملون هذا الأسلوب سواء في تحديد التوقيت أو في اختيار المكان، مشيرا إلى أن هذا لا ينقص من قيمة أداء الجيش، بل إنه حتى «أقوى البلدان الغربية جرى استهدافها من طرف الإرهابيين. ومساحة الشعانبي 100 كلم مربع وليس من اليسير أو الهين السيطرة عليه شبرا شبرا، وأنه حتى نقاط المراقبة يمكن استهدافها وخصوصا أن الإرهابيين مدربون»، وأضاف: «هم متدربون على الجبال جيدا وعلى الكهوف، وهم من التونسيين والجزائريين، وهذا ما يفسر اختيارهم للشعانبي الذي هو امتداد للجبال الجزائرية».
وحول التعاون بين تونس والجزائر لمكافحة الإرهاب في المناطق الحدودية أكد الملحق الإعلامي لوزارة الدفاع أنه «على مدار السنوات كان هناك تعاون خاصة في مكافحة الإرهاب وعلى الحدود واتفاقية مشتركة بموجبها يقع تبادل المعلومات الأمنية».
وشدد على أن «القوات المسلحة وبغض النظر عن هذه الأحداث دائما على أهبة الاستعداد لحماية البلاد..كلها عزم وإصرار على مكافحة الإرهاب، والجيش التونسي في حالة استنفار أكثر من أي وقت مضى لتأمين وتوفير عوامل الانتقال الديمقراطي، والمشاركة بالمساعدة بفترة الانتخابات».
وحول صلاحيات الجيش بالتدخل مباشرة للرد على مثل هذه الأحداث قال بوحولة إن «الجيش يساهم في حفظ النظام العام بطلب من الحكومة أو وزارة الداخلية، متميز بحياده وهذا مصدر قوته، ووقت المحن أثبت الجيش التونسي قدرته على إعادة الأمور إلى نصابها والمحافظة على مؤسسات الدولة».
من جانبه, قال زعيم حركة النهضة التونسية (الحزب الحاكم) راشد الغنوشي، متحدثا عن منفذي العملية الإرهابية في جبل الشعانبي: «هؤلاء المجرمون هم خوارج العصر ولكنهم كأسلافهم لن يستطيعوا أن يصلوا إلى مبتغاهم لأن الشعب التونسي موحد ضد الإرهاب والتطرف، موحد باتجاه استكمال مسيرته نحو الديمقراطية. قلوبنا ودعواتنا لعائلات الشهداء الذين نرجو لهم الصبر والسلوان ونقول لهم إن كل التونسيين معهم في مصابهم». ودعا الغنوشي الدولة والمجتمع في تصريحات خص بها «الشرق الأوسط» لتسخير «كل الإمكانيات للوقوف مع عائلات الشهداء والجرحى. ندعو جميع قوى الشعب التونسي أن تتوحد في وجه سرطان التطرف والإرهاب، وكلنا ثقة أن المستقبل لقوى الخير والسلم والاعتدال لأن الله لا يحب المعتدين».



«يوم الولاية»... ثقب حوثي موسمي لاستنزاف اليمنيين

الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
TT

«يوم الولاية»... ثقب حوثي موسمي لاستنزاف اليمنيين

الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)

فرضت الجماعة الحوثية أعباء مالية جديدة على السكان والتجار في مناطق سيطرتها، تحت مبررات مرتبطة بالتحضير لإحياء ما تسميها «ذكرى يوم الولاية»، في وقت تعيش فيه غالبية الأسر اليمنية أوضاعاً معيشية صعبة نتيجة الانهيار الاقتصادي المستمر وتداعيات الحرب الممتدة منذ سنوات.

وأكدت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة صعّدت خلال الأيام الماضية حملات التحصيل المالي في العاصمة المختطفة صنعاء وعدد من المناطق الخاضعة لسيطرتها، مستهدفةً التجار وأصحاب الشركات والمنشآت الاقتصادية، إلى جانب إلزام مؤسسات حكومية بالمساهمة في تمويل الأنشطة والفعاليات المرتبطة بالمناسبة ذات الطابع العقائدي.

وحسب المصادر، تُنفذ هذه الحملات عبر ضغوط مباشرة وغير مباشرة، تتراوح بين التهديد بفرض عقوبات إدارية أو مالية وبين التعرض لمضايقات متكررة من المشرفين الحوثيين، مما يدفع كثيرين إلى الامتثال خشية التعرض لإجراءات تعسفية قد تؤثر في أعمالهم أو مصادر دخلهم.

وأفاد شهود بانتشار فرق ميدانية تابعة للجماعة في عدد من الشوارع والأسواق والأحياء السكنية في صنعاء وضواحيها، حيث تتولى جمع ما تصفها الجماعة بـ«المساهمات» أو «التبرعات» لدعم فعاليات «يوم الولاية»، بينما يؤكد السكان أن تلك الأموال تُفرض عليهم بصورة إلزامية.

وتحدث تجار وسكان عن فرض مبالغ مالية متفاوتة حسب حجم النشاط التجاري أو طبيعة الجهة المستهدفة، فضلاً عن إلزام بعض أصحاب المحال التجارية بالمشاركة في الفعاليات والأنشطة التعبوية المصاحبة للمناسبة، بما في ذلك تعليق الشعارات واللافتات وتقديم دعم لوجستي أو مالي للحشود المنظمة.

ويرى مراقبون أن هذه الممارسات أصبحت جزءاً من سياسة متكررة تعتمدها الجماعة لتمويل أنشطتها العقائدية والإعلامية، مستفيدةً من ضعف الرقابة وغياب المؤسسات الرسمية القادرة على حماية القطاع الخاص أو الحد من عمليات الجباية التي تتكرر مع كل مناسبة دينية أو سياسية تتبناها الجماعة.

ويشير هؤلاء إلى أن المناسبات الحوثية تحولت خلال الأعوام الأخيرة إلى مواسم موسمية لفرض الإتاوات واستنزاف ما تبقى من السيولة المالية لدى المواطنين والتجار، في ظل تراجع النشاط الاقتصادي وانكماش الأسواق وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

ازدياد الأعباء المعيشية

أعرب عدد من التجار اليمنيين عن استيائهم من تكرار فرض المساهمات المالية عليهم لمصلحة قادة الجماعة الحوثية، مؤكدين أن قدرتهم على الاستمرار في أعمالهم باتت مهدَّدة نتيجة تداخل عوامل عديدة، من بينها الركود الاقتصادي وارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع القوة الشرائية للمواطنين.

وقال أحد أصحاب المحال التجارية في صنعاء، فضّل استخدام اسم مستعار لأسباب أمنية، إن الجماعة تعود في كل مناسبة لفرض رسوم أو مساهمات جديدة، موضحاً أن الحركة التجارية تشهد تراجعاً كبيراً، في حين تزداد الالتزامات المالية المفروضة على التجار بشكل مستمر.

وأضاف أن رفض الدفع لم يعد خياراً متاحاً للكثيرين، نظراً لما قد يترتب عليه من زيارات متكررة للمشرفين الحوثيين أو مضايقات قد تعطِّل النشاط التجاري وتؤثر في سير العمل.

ولا تقتصر الشكاوى على التجار، إذ يقول موظفون في القطاع الحكومي إنهم يتعرضون أيضاً لضغوط للمساهمة في تمويل بعض الفعاليات، رغم استمرار أزمة الرواتب التي تعاني منها شريحة واسعة من الموظفين منذ سنوات.

في السياق ذاته، تؤكد أسر يمنية أن ازدياد الجبايات يفاقم معاناتها اليومية في ظل الارتفاع المستمر لأسعار المواد الغذائية والدوائية والخدمات الأساسية، الأمر الذي يجعل توفير الاحتياجات الضرورية أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

تكلفة اقتصادية مرتفعة

تُعد مناسبة ما يسمى «يوم الولاية» من أبرز المناسبات التي تحرص الجماعة الحوثية على إحيائها سنوياً، حيث تنظم خلالها فعاليات جماهيرية واسعة وحملات دعائية وإعلامية مكثفة، تتطلب إنفاقاً مالياً كبيراً.

ويؤكد منتقدون للجماعة أن جزءاً كبيراً من هذه النفقات يجري توفيره عبر جبايات تُفرض على المواطنين والقطاع الخاص تحت مسميات مختلفة، في وقت تشهد فيه مناطق سيطرة الحوثيين تراجعاً حاداً في النشاط الاقتصادي وضعفاً في فرص العمل ومصادر الدخل.

ويُحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار هذه السياسات يؤدي إلى تعميق حالة الركود الاقتصادي، وإضعاف قدرة القطاع الخاص على الاستمرار، فضلاً عن انعكاساتها السلبية على الأسعار وفرص التوظيف ومستويات المعيشة.

ويرى هؤلاء أن أي تعافٍ اقتصادي محتمل سيظل محدوداً ما دامت الأنشطة التجارية والاستثمارية تواجه بيئة غير مستقرة تتسم بفرض القيود والإتاوات والتدخلات المتكررة في عمل الأسواق.

ويزعم الحوثيون أن «يوم الولاية» هو اليوم الذي عهد فيه الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) قبل وفاته بالولاية لعلي بن أبي طالب ولمن ينتسبون إلى ذريته من بعده، والذي يوافق الثامن عشر من شهر ذي الحجة كل عام، وهو ما يعني -حسب عقيدتهم- الأحقية الدينية والسياسية لزعيم الجماعة عبد الملك الحوثي في الحكم والسلطة استناداً إلى مزاعم انتسابه إلى ذرية علي بن أبي طالب.

الطوارئ الغذائية

بالتوازي مع هذه التطورات، أطلقت منظمات دولية تحذيرات جديدة بشأن مستقبل الأمن الغذائي في اليمن، متوقعةً استمرار الأوضاع الحرجة في عدد من المحافظات الواقعة تحت سيطرة الجماعة الحوثية خلال الأشهر المقبلة.

وأفادت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة بأن مستويات الطوارئ الغذائية، المصنفة ضمن المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، مرشحة للاستمرار حتى نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل في محافظات الحديدة وحجة وتعز الواقعة تحت سيطرة الجماعة، بينما تسود حالة الأزمة الغذائية في معظم المناطق الأخرى الخاضعة لها.

وأرجع التقرير استمرار الأزمة إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، من أبرزها تدهور بيئة الأعمال، وفرض قيود على الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية، وتراجع فرص كسب الدخل، إلى جانب استمرار تداعيات الصراع وتدهور الأوضاع الاقتصادية العامة.

وتوقعت الشبكة أن يؤدي استمرار هذه الظروف إلى مزيد من التراجع في القدرة الشرائية للأسر اليمنية واتساع فجوات الاستهلاك الغذائي، مما سيدفع أعداداً أكبر من السكان إلى تبني آليات تكيف قاسية وغير مستدامة لتأمين احتياجاتهم الأساسية، الأمر الذي يُنذر بإطالة أمد الأزمة الإنسانية في واحدة من أكثر دول العالم معاناة من انعدام الأمن الغذائي.


تقلّبات المناخ تُفاقم هشاشة الزراعة والغذاء في اليمن

ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
TT

تقلّبات المناخ تُفاقم هشاشة الزراعة والغذاء في اليمن

ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)

على الرغم من أن التوقعات المناخية تشير إلى احتمال تسجيل اليمن خلال الأسابيع المقبلة معدلات أمطار أعلى من المعتاد، فإن المخاوف من التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية على القطاع الزراعي تزايدت مع الغياب شبه الكامل للأمطار في ذروة الموسم المطري مطلع الشهر الحالي.

وتوقعت تقارير مناخية وزراعية دولية أن تشهد أجزاء واسعة من اليمن خلال يونيو (حزيران) الحالي هطول أمطار أعلى من المعدلات الطبيعية، بالتزامن مع استمرار موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة في عدد من المناطق؛ وهو ما يثير مخاوف من انعكاسات متباينة على القطاع الزراعي والثروة الحيوانية، في ظل أزمة إنسانية متنامية ناجمة عن تراجع تمويل خطة الاستجابة الإنسانية التي تقودها الأمم المتحدة.

ومع تأكيد منظمات الإغاثة أن أكثر من 18 مليون يمني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال العام الحالي، أوضحت التقديرات المناخية أن يونيو يمثل عادة بداية موسم الرياح الموسمية الجنوبية الغربية، حيث تشهد المرتفعات الغربية والسهول الساحلية أمطاراً متفرقة تتراوح بين الخفيفة والمتوسطة، في حين تبقى المناطق الصحراوية في الشرق والوسط أكثر جفافاً.

وأشار تقرير مناخي حديث إلى أن الأيام العشرة الأولى من الشهر الحالي شهدت غياباً شبه كامل للأمطار أو هطولات محدودة للغاية في معظم المحافظات اليمنية؛ الأمر الذي أوجد ظروفاً غير مواتية لزراعة المحاصيل البعلية وتعافي المراعي الطبيعية.

نحو 73 % من اليمنيين يعتمدون على الزراعة (الأمم المتحدة)

وفي المقابل، سجلت أجزاء من محافظة إب أمطاراً غزيرة تراوحت بين 40 و60 مليمتراً؛ وهو ما أسهم بصورة مؤقتة في تحسين توفر المياه وتعزيز تغذية بعض المصادر المائية المحلية.

ورغم المخاوف المرتبطة باستمرار الجفاف في مناطق واسعة، أبرز التقرير الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) توقعات المعهد الدولي لأبحاث المناخ والمجتمع التي تشير إلى احتمال هطول أمطار فوق المعدلات الطبيعية في أجزاء كبيرة من البلاد خلال الفترة المقبلة؛ وهو ما قد ينعكس إيجاباً على الإنتاج الزراعي وتغذية المياه الجوفية إذا استمرت الأمطار بوتيرة منتظمة.

ضغط موجات الحر

في المقابل، حذَّر التقرير الأممي من استمرار الارتفاع الحاد في درجات الحرارة، لا سيما في المناطق الصحراوية الداخلية بمحافظتي حضرموت والمهرة، حيث قد تتجاوز درجات الحرارة 42 درجة مئوية، في حين يُتوقع أن تسجل المناطق الساحلية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن درجات حرارة تتراوح بين 35 و40 درجة مئوية.

وأوضح أن موجات الحر المتواصلة قد تؤدي إلى تسارع فقدان رطوبة التربة نتيجة زيادة معدلات التبخر والنتح؛ ما يقلل من الاستفادة الفعلية من مياه الأمطار ويؤثر سلباً في الزراعة البعلية والمراعي الطبيعية وإنتاج الثروة الحيوانية.

كما رجح التقرير أن تتسبب الظروف الجافة في تعطيل أو تأخير عمليات الزراعة في عدد من المناطق الزراعية الرئيسية، إضافة إلى الحد من نمو المحاصيل وخفض الإنتاجية الزراعية.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرفع الطلب على مياه الري، ويؤدي إلى استنزاف أسرع لرطوبة التربة؛ ما يزيد تكاليف الإنتاج على المزارعين ويضاعف التحديات الاقتصادية التي يواجهها القطاع الزراعي.

تأخر هطول الأمطار يثير مخاوف قطاع الزراعة في اليمن (الأمم المتحدة)

وتوقع معدّو التقرير أن يبقى تعافي المراعي محدوداً خلال الفترة المقبلة؛ الأمر الذي سيؤدي إلى تراجع توفر المراعي الطبيعية وزيادة الضغوط على سبل عيش الرعاة في مناطق واسعة من البلاد.

كما حذَّروا من أن الثروة الحيوانية قد تواجه مستويات أعلى من الإجهاد الحراري ونقصاً في مصادر المياه؛ وهو ما قد ينعكس على صحة الحيوانات وإنتاجيتها، خصوصاً في المناطق الأكثر تعرضاً للجفاف وارتفاع درجات الحرارة.

ودعا التقرير إلى تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتكثيف الإرشادات الزراعية والمناخية للمزارعين والرعاة، ودعم استخدام تقنيات الري الحديثة والطاقة الشمسية، إلى جانب التوسع في زراعة الأصناف المقاومة للجفاف وتحسين إدارة الموارد المائية.

وشدَّد على أهمية تخزين المدخلات الزراعية الأساسية والإمدادات البيطرية وأعلاف الطوارئ مسبقاً في المناطق عالية المخاطر؛ لضمان سرعة الاستجابة في حال تفاقمت الظروف المناخية أو تدهورت الأوضاع الإنسانية.

فجوات التمويل

على صعيد متصل، أكد برنامج الأغذية العالمي وجود فجوات تمويلية كبيرة تعيق قدرته على تلبية الاحتياجات الإنسانية المتزايدة وتوسيع نطاق الاستجابة الطارئة في محافظة مأرب، التي تستضيف أكبر تجمع للنازحين في اليمن.

التوسع في بناء الحواجز المائية باليمن للاستفادة منها خلال موسم الجفاف (الأمم المتحدة)

وقال القائم بأعمال رئيس مكتب البرنامج في مأرب، هابي غود جون، خلال لقائه وكيل المحافظة عبد ربه مفتاح، إن نقص التمويل بات يشكل عائقاً رئيسياً أمام استمرارية البرامج الإنسانية وتوسيع قوائم المستفيدين، خصوصاً بين النازحين داخلياً.

ودعا المسؤول الأممي المجتمع الدولي إلى حشد موارد إضافية لدعم العمليات الإنسانية وضمان استمرار تقديم المساعدات الغذائية والخدمات الأساسية للفئات الأكثر احتياجاً، محذّراً من أن اتساع الفجوة التمويلية قد يفاقم من معاناة ملايين اليمنيين في ظل التحديات المناخية والاقتصادية المتزايدة.


الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.