ترمب يفتح جولة جديدة من حرب الجمارك ويحذر الصين من مغبة الانتقام

بكين ترد وتشكو لـ«التجارة العالمية»... وتقلص فرص المفاوضات

ترمب - شي جينبينغ
ترمب - شي جينبينغ
TT

ترمب يفتح جولة جديدة من حرب الجمارك ويحذر الصين من مغبة الانتقام

ترمب - شي جينبينغ
ترمب - شي جينبينغ

نفذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب التهديد الذي يلوح به منذ أسابيع، وفرض رسوماً جمركية جديدة نسبتها 10 في المائة على واردات صينية بقيمة 200 مليار دولار، لمعاقبة الصين التي أكدت فرض رسوم على ما قيمته 60 مليار دولار من البضائع الأميركية، متعهدة بأنها ستتخذ «تدابير مضادة» في حال مزيد من التصعيد، فيما أشارت مصادر في بكين إلى أن الصين لن ترسل على الأرجح وفداً تجارياً إلى واشنطن بعد أن تم إعلان الرسوم الأميركية.
ويتهم ترمب الصين بأنها لا تصحح ممارساتها التجارية التي يعتبرها «غير نزيهة». وقال في بيان وزّعه البيت الأبيض مساء الاثنين، إن «الرسوم الجمركية ستدخل حيّز التنفيذ في 24 سبتمبر (أيلول) الجاري، وتبلغ 10 في المائة حتى نهاية العام»، موضحاً أنه «اعتباراً من الأول من يناير (كانون الثاني) المقبل، ستُرفع هذه الرسوم الجمركية إلى 25 في المائة».
وأضاف: «إذا اتخذت الصين إجراءات انتقامية ضد مزارعينا أو صناعات أخرى، فعندها سنقوم في الحال بتفعيل المرحلة الثالثة، أي فرض رسوم جمركية على ما قيمته 267 مليار دولار من الواردات الإضافية». وفي حال فرضت هذه الرسوم، فستكون الإجراءات الحمائية الأميركية قد شملت كل الواردات الصينية.

وفي بكين، قالت وزارة التجارة الصينية في بيان أمس: «من أجل ضمان حقوقها ومصالحها الشرعية في نظام التبادل الحر العالمي، ليس أمام الصين سوى خيار اتخاذ تدابير مضادة مماثلة»، موضحة أنها قدمت شكوى إلى منظمة التجارة العالمية، بخصوص الرسوم الجمركية التي تعتزم الولايات المتحدة فرضها.
وأعلنت الصين أمس فرض رسوم جمركية جديدة على ما قيمته 60 مليار دولار من السلع الأميركية المستوردة سنوياً، وذلك رداً على العقوبات الإضافية التي أعلنتها واشنطن. وقالت الحكومة الصينية: «إذا أصرت الولايات المتحدة على زيادة الرسوم الجمركية، فإن الصين سترد بالمثل».
وفي أول رد فعل، اتهم ترمب الصين «بمحاولة التأثير» على الانتخابات الأميركية عبر عقوبات تجارية، وذلك بعد إعلان بكين عن «ردود» على الرسوم الجمركية الجديدة التي أعلنتها واشنطن الاثنين، في تصعيد جديد للحرب التجارية.
وكتب ترمب في تغريدة: «لقد قالت الصين علناً إنها تحاول التأثير على انتخاباتنا وتغييرها عبر مهاجمة مزارعينا ومربي الماشية لدينا وعمال صناعاتنا؛ لأنهم موالون لي».
وقال مسؤولون أميركيون في مؤتمر صحافي هاتفي، إن إدارة ترمب التي اختتمت مطلع سبتمبر مشاوراتها العامة، قررت إعفاء بعض المنتجات التي تستهلك بشكل واسع من الرسوم البالغة عشرة في المائة، مثل الساعة المرتبطة بالإنترنت، ومنتجات نسيجية وزراعية، والمقاعد المرتفعة، ومقاعد السيارات المخصصة للأطفال، وخوذ حماية سائقي الدراجات.
وصرح ترمب: «منذ أشهر، ندعو الصين إلى تغيير هذه الممارسات غير النزيهة، ومعاملة الشركات الأميركية معاملة عادلة ومتبادلة... ولكن، حتى الآن، لا تزال الصين غير راغبة في تغيير ممارساتها».
وكان الرئيس الأميركي قد هدد صباح الاثنين بفرض «تعريفات» جمركية على الدول التي ترفض ممارسة تجارة عادلة مع الولايات المتحدة. وقال إن الرسوم الجديدة «ستدخل مبالغ كبيرة إلى خزائن الولايات المتحدة». ويرى ترمب أن «الرسوم الجمركية تجعل الولايات المتحدة في موقع تفاوضي قوي جداً، مع مليارات الدولارات ووظائف تتدفّق إلى بلادنا».
لكن مستشاره الاقتصادي لاري كودلو، قال إن الولايات المتحدة منفتحة على الحوار «في أي وقت»، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية. من جهة أخرى، قال المسؤولون الأميركيون إن الهدف من ذلك ليس الحد من نمو الاقتصاد الصيني.
ويطالب ترمب الصين بخفض العجز التجاري الأميركي، بما يصل إلى مائتي مليار دولار عبر فتح أسواقها بشكل أوسع للبضائع الأميركية.
ويمكن أن يبدو فرض رسم نسبته 10 في المائة أولاً - بدلاً من 25 في المائة، طلب ترمب من إدارته دراستها - مبادرة انفتاح نسبية، بعدما طلب وزير الخزانة الأميركية ستيفن منوتشين من نظرائه الصينيين استئناف المفاوضات.
واستبقت بكين قرار ترمب بتحذيره من أن أي ضريبة سيفرضها على صادراتها إلى بلاده، ستواجه بضريبة تفرضها هي على بضائع تستوردها من الولايات المتحدة.
وقال غينغ شوانغ المتحدث باسم الخارجية الصينية: «في حال أقرّت الولايات المتحدة إجراءات جديدة بشأن الرسوم الجمركية، فلن يكون أمام الصين سوى اتّخاذ إجراءات مماثلة للدفاع عن حقوقها ومصالحها المشروعة». ودعا غينغ الولايات المتحدة إلى التفاوض «بحسن نية».
وقال ترمب إن «هذه الممارسات (الصينية) تشكّل بكل وضوح تهديداً خطراً لصحّة اقتصاد الولايات المتحدة وازدهاره على المدى الطويل». وأضاف: «نأمل في أن تتم تسوية هذا الوضع التجاري في نهاية المطاف لي وللرئيس شي جينبينغ، الذي أكن له احتراماً كبيراً».
ولا يؤثر هذا النزاع كثيراً على أول اقتصاد في العالم على ما يبدو، يعمل بكامل طاقته، وإن كانت بعض المناطق وبعض القطاعات تشعر بآثار الإجراءات الانتقامية لشركاء الولايات المتحدة.
وقال مسؤول كبير في الإدارة الأميركية، إن تحصيل الرسوم على قائمة الواردات سيبدأ في 24 سبتمبر، وإن النسبة ستزيد إلى 25 في المائة بحلول نهاية العام، مما يعطي الشركات الأميركية وقتاً لتحويل دفة سلاسل الإمداد التابعة لها إلى بلدان أخرى، بحسب «رويترز».
ويأتي التصعيد بعدما لم تسفر محادثات بين أكبر اقتصادين في العالم لحل خلافاتهما التجارية عن نتائج. ودعا وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين مسؤولين صينيين بارزين الأسبوع الماضي لجولة جديدة من المحادثات؛ لكن لم يتحدد موعد لأي شيء حتى الآن.
وقالت صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست» الصينية أمس، نقلاً عن مصدر حكومي في بكين لم تسمه، إن الصين لن ترسل على الأرجح وفداً تجارياً إلى واشنطن. وأفاد التقرير بأن الصين تراجع ما كانت تخطط له في السابق من إرسال وفد برئاسة ليو هي، نائب رئيس الوزراء، إلى الولايات المتحدة الأسبوع المقبل، لإجراء جولة جديدة من المباحثات.
وأبلغ المصدر الصحيفة أن بكين لم تتخذ بعد قراراً نهائياً؛ لكن إظهار «ما يكفي من حسن النيات» شرط مسبق للمباحثات المزمعة.
ونقلت وكالة «بلومبيرغ» للأنباء عن مصدر مطلع قوله، إن ليو هي سيعقد اجتماعاً في بكين صباح الثلاثاء، لبحث رد بكين على القرار الأميركي. وقال مسؤول كبير في سوق السندات الصينية أمس، إن «تصرفات واشنطن التجارية ضد الصين لن تجدي نفعاً؛ لأن الصين لديها كثير من أدوات السياسة المالية والنقدية للتعامل مع تأثيراتها».
من جانبها، رأت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، أمس الثلاثاء، أن ترمب يبدو عازماً على شن حرب تجارية كاملة مع الصين، مستشهدة بقرار البيت الأبيض فرض جمارك إضافية قيمتها مائتا مليار دولار على بضائع صينية.
وأوضحت الصحيفة في تقرير لها، أن هذه الخطوة تأتي في أعقاب الفشل الواضح للمحادثات الأخيرة بين المسؤولين الأميركيين والصينيين، وقالت إن «الهجوم الجديد من جانب واشنطن سوف يُلقي بظلاله - أو ربما يقوض بالكامل - على الدعوة الأخيرة من جانب وزير الخزانة ستيفن منوتشين إلى بكين لإحياء المفاوضات».
وأشارت الصحيفة إلى أن ترمب أبدى في وقت سابق رغبة لقتال تجاري، وذلك في سلسلة من التغريدات، وأشاد بمناوراته الحمائية، التي زعم أنها عززت الاقتصاد الأميركي بشكل كبير.
وفي هذا السياق، قال مسؤولون في البيت الأبيض، إن ترمب سيضيف مزيداً إلى قائمة الجمارك الجديدة على الصين في حال ردت بكين، كما هو متوقع. وتعليقاً على ذلك، قالت الصحيفة إنه على المدى القصير، يمكن أن تُلحق مثل هذه الإجراءات العقابية، التي تستهدف الصين، أضراراً كبيرة بالشعب الأميركي نفسه. وأضافت أن «ترمب طلب من مساعديه تحديد الجمارك بنسبة 10 في المائة، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار على المستهلكين الأميركيين؛ حيث يتم دفع هذه الجمارك من قبل الشركات الأميركية التي تستورد المنتجات، لذلك فإن هذه الشركات غالباً ما تنقل فارق التكاليف إلى المستهلكين الأميركيين في شكل أسعار أعلى».
وتابعت الصحيفة أن «الجمارك الجديدة تعد جزءاً من جهد أكبر يبذله ترمب لمواجهة الصين. فبعد أن فرضت إدارته رسوم استيراد على السلع الصينية في وقت سابق من هذا الصيف، ردت الصين بتدابير انتقامية، قال مسؤولوها إنها كانت بادرة ضبط النفس. والآن، بدلاً من تهدئة التوترات، اختار ترمب التصعيد؛ بل ورأى أن شن حرب تجارية محتملة بمثابة استراتيجية سياسية رابحة في الداخل، وذلك في وقت يأتي قبل إجراء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
وقال دين غارفيلد، رئيس مجلس صناعة تكنولوجيا المعلومات، الذي يمثل شركات التكنولوجيا الرئيسية: «قرار الرئيس ترمب فرض رسوم إضافية بقيمة 200 مليار دولار طائش، وسيلحق ضرراً مستديماً بمجتمعات في مختلف أنحاء البلاد».
وحث مشرعون من الحزب الجمهوري الأميركي إدارة ترمب على مواصلة المفاوضات مع الصين لحل الخلافات التجارية، فيما أشادوا بموقف ترمب الصارم من ممارسات الصين في مجالي حقوق الملكية الفكرية والتجارة.
وقال محللون من «سيتي بنك» في مذكرة، إن أثر الرسوم الجديدة سيظهر تدريجياً في بيانات الصين للربع الأخير من العام، وإن الأثر الكامل لرسوم إجمالية نسبتها 25 في المائة من المتوقع الشعور به العام المقبل، حيث سينخفض معدل النمو 0.83 نقطة مئوية.
لكن نائب رئيس الهيئة المنظمة للأوراق المالية في الصين، فانغ شينغ هاي، قال خلال مؤتمر في مدينة تيانجين الساحلية، إنه حتى إذا فرض ترمب رسوماً على جميع الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة، فسيكون الأثر السلبي على الاقتصاد الصيني نحو 0.7 في المائة. ولم يوضح ما إذا كان يشير إلى الأثر على حجم الناتج المحلي الإجمالي أم نموه.
من جهة أخرى، قال وزير التجارة الصيني في تصريحات لممثلي شركات أجنبية، يوم الاثنين، إن النهج الفردي الذي تسير عليه الولايات المتحدة والحماية التجارية، من شأنهما التأثير على مصالح البلدين وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي.
وأبلغ الوزير الصيني تشونغ شان ست شركات عالمية، أنه «لا رابح في أي حرب تجارية»، وأن التعاون هو الخيار الوحيد الصحيح، وذلك وفقاً لبيان نشرته وزارة التجارة على موقعها الإلكتروني أمس.
وبدوره، قال ماتس هاربورن، رئيس غرفة التجارة الأوروبية في الصين، أمس، إن الرسوم الأميركية ضد الصين تعتبر «جنوناً اقتصادياً»، ولن تكون فعالة في إقناع الحكومة الصينية بالتعجيل بإصلاحات السوق.
وقالت غرفة التجارة الأوروبية في الصين، إن تصاعد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين يضر بالشركات الأوروبية، ويؤدي إلى اضطراب عمل شبكة إمداداتها العالمية.
وبحسب المسح الذي أجرته الغرفة، قالت 54 في المائة من الشركات الأوروبية التي شملها المسح، إنها تنظر بشكل سلبي إلى الرسوم الأميركية على السلع الصينية، في حين قالت 43 في المائة من الشركات إنها تنظر بالطريقة نفسها إلى الرسوم الصينية على السلع الأميركية.
وذكر التقرير الصادر عن الغرفة أن الرسوم المتبادلة بين أكبر اقتصادين في العالم تؤدي إلى تباطؤ وتيرة نمو الاقتصاد العالمي، وتقلص عدد الوظائف، وتؤخر تحديث المنتجات. وقالت 17 في المائة من الشركات إنها أجلت زيادة استثماراتها أو توسعاتها بسبب التوترات التجارية.
وقال هاربورن، إن «تأثيرات الحرب التجارية الأميركية الصينية على الشركات الأوروبية في الصين كبيرة وسلبية بصورة كاسحة». موضحاً أن الشركات الأوروبية تشترك مع الولايات المتحدة في المخاوف من الممارسات التجارية والاستثمارية للصين: «لكن المضي قدماً على طريق تصعيد الرسوم خطير للغاية».


مقالات ذات صلة

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

خاص من مراسم استقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الحديقة الجنوبية بالبيت الأبيض نوفمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

كرّست الشراكة السعودية الأميركية في 2025 موقع الرياض كوسيط دولي موثوق انعكس أيضاً في حزمة اتفاقيات شملت الدفاع الاستراتيجي والذكاء الاصطناعي والطاقة وغيرها.

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق «فيلا الحجر» أول مؤسّسة ثقافية سعودية - فرنسية مشتركة (حساب الأمير بدر على «إكس»)

«فيلا الحِجر» بالعلا... استثمار في الإبداع

وصف وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو «فيلا الحِجر» الإبداعية في العلا بأنها «مثل زهرة تتشكَّل من رمال الصحراء للمبدعين».

عبد الهادي حبتور (العلا)
يوميات الشرق ستندرج «فيلا الحجر» ضمن البيئة الثقافية للمملكة والمنطقة (الهيئة الملكية للعلا)

«فيلا الحجر»... جسر ثقافي بين السعودية وفرنسا يُزهر من رمال العلا

المشروع يُجسّد متانة العلاقات الفرنسية - السعودية، خصوصاً في مجالات السلام وتعزيز الحوار والثقافة على مستوى العالم.

عبد الهادي حبتور (العلا)
العالم العربي باتريك ميزوناف السفير الفرنسي لدى السعودية (الشرق الأوسط) p-circle

سفير فرنسا لدى السعودية لـ«الشرق الأوسط»: العمل المشترك وراء إنجاح مؤتمر نيويورك

شدد مسؤول فرنسي على ضرورة العمل لإنهاء المذبحة وإنقاذ الرهائن وحماية المدنيين في غزة، محذراً من أن أي ضمّ للضفة الغربية يشكل خطاً أحمر.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
يوميات الشرق جانب من مراسم توقيع البرنامج التنفيذي في باريس الجمعة (واس)

تعاون سعودي - فرنسي في مجال الموسيقى

وقَّعت هيئة الموسيقى السعودية مع «فيلهارموني باريس»، برنامجاً تنفيذياً لترسيخ التعاون في عدة مجالات، بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي

«الشرق الأوسط» (باريس)

الاتحاد الأوروبي يحث على خفض أهداف تخزين الغاز

أكبر مقر في أوروبا لتخزين الغاز بمدينة ريدين الألمانية (رويترز)
أكبر مقر في أوروبا لتخزين الغاز بمدينة ريدين الألمانية (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي يحث على خفض أهداف تخزين الغاز

أكبر مقر في أوروبا لتخزين الغاز بمدينة ريدين الألمانية (رويترز)
أكبر مقر في أوروبا لتخزين الغاز بمدينة ريدين الألمانية (رويترز)

ذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» السبت، أن الاتحاد الأوروبي حث الدول الأعضاء على خفض أهداف تخزين الغاز الطبيعي، والبدء في إعادة ملء المخزونات الاحتياطية تدريجياً للحد من الطلب، بعد أن أدت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران إلى ارتفاع حاد لأسعار الطاقة.

وأضافت الصحيفة نقلاً عن رسالة، أن مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي دان يورجنسن، أصدر تعليمات للدول الأعضاء بخفض هدف تعبئة منشآت تخزين الغاز إلى 80 في المائة من السعة، أي أقل بـ10 نقاط مئوية من الأهداف الرسمية للاتحاد الأوروبي، «في أقرب وقت ممكن من موسم التعبئة لتوفير اليقين والطمأنينة للمشاركين في السوق».

وارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بنسبة تصل إلى 35 في المائة يوم الخميس، مع استهداف الضربات الإيرانية والإسرائيلية بعضاً من أهم البنى التحتية للغاز في الشرق الأوسط، مما تسبب في أضرار من المرجح أن يستغرق إصلاحها سنوات.

ونقلت «فاينانشال تايمز» عن يورجنسن قوله في الرسالة، إن إمدادات الطاقة في الاتحاد الأوروبي «لا تزال محمية نسبياً»، داعياً إلى «رد جماعي» حيال الصراع، وحذر من أن «التطورات الأخيرة تشير إلى أن عودة إنتاج (غاز البترول المسال) إلى مستويات ما قبل الأزمة قد تستغرق وقتاً أطول».

ويسمح تخزين الغاز لأوروبا بتلبية الطلب على التدفئة والطاقة في فصل الشتاء، مما يعزز أمن الطاقة هناك.

وقال مسؤول في الاتحاد الأوروبي للصحيفة: «علينا أن نجعل الأهداف أكثر مرونة».

وأصدرت المفوضية الأوروبية تعليمات للحكومات يوم الأربعاء، بأن تتحلى بالمرونة في تطبيق قواعد الاتحاد الأوروبي بشأن واردات الغاز، في خطوة تهدف إلى ضمان ألا يؤدي القانون الذي يفرض التخلص التدريجي من الطاقة الروسية إلى تعطيل الشحنات اللازمة لاستقرار الإمدادات خلال الأزمة الإيرانية دون قصد.


«مأزق هرمز»... هل صار نفط إيران «ضرورة اقتصادية» لواشنطن؟

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
TT

«مأزق هرمز»... هل صار نفط إيران «ضرورة اقتصادية» لواشنطن؟

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)

تخوض إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، سباقاً محموماً مع الزمن لتأمين كل برميل نفط متاح في الأسواق العالمية، في محاولة لاحتواء أزمة طاقة متفاقمة وضعت الاقتصاد العالمي في «حالة طوارئ». فبعد 3 أسابيع من اندلاع المواجهة العسكرية مع إيران، وجدت واشنطن نفسها أمام خيارات مريرة؛ دفعها أحدها إلى رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني العالق في البحار، في خطوة وصفها محللون بأنها «فعل يأس» يعكس استنزاف الأدوات السياسية والاقتصادية للقوة العظمى.

ففي خطوة أثارت ذهول المراقبين، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصاً يسمح ببيع 140 مليون برميل من النفط الإيراني المحمّل على السفن. وبرر وزير الخزانة، سكوت بيسنت، القرار، يوم الجمعة، بأنه وسيلة لـ«استخدام البراميل الإيرانية ضد طهران نفسها» لخفض الأسعار، بينما عدّ السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، الخطوة «مؤقتة للغاية»، بهدف «إفشال الاستراتيجية الإيرانية الرامية إلى رفع أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية».

وأضاف والتز: «لذا، سنسمح بتصدير البراميل بشكل مؤقت إلى بعض حلفائنا مثل الهند واليابان وغيرهما، حتى لا تنجح هذه الاستراتيجية الإيرانية؛ أي النظام الإيراني».

هو الإعفاء الثالث الذي تمنحه وزارة الخزانة الأميركية مؤقتاً من العقوبات المفروضة على النفط من دول «معادية» في غضون ما يزيد قليلاً على أسبوعين، ويأتي في إطار مساعي الإدارة المتعثرة لكبح جماح أسعار الطاقة التي تجاوزت 100 دولار للبرميل، مسجلةً أعلى مستوياتها منذ عام 2022.

وكانت الإدارة قد بدأت سلسلة التنازلات هذه بتخفيف العقوبات المفروضة على النفط الروسي الموجود في البحر. كما وسعت نطاق الإعفاءات من العقوبات المفروضة على فنزويلا (في فترات سابقة) لدعم الإمدادات العالمية.

وتُعادل كمية 140 مليون برميل المتوفرة في البحر ما يقارب استهلاك النفط العالمي ليوم ونصف يوم تقريباً، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية.

وزير الخزانة الأميركي متحدثاً للصحافيين في باريس بعد يومين من المحادثات مع وفد صيني (رويترز)

سياسة «الأبواب المغلقة»

ونقلت الشبكة عن مصادر مطلعة، أن الولايات المتحدة استنفدت بالفعل جميع أدواتها السياسية المعتادة لتخفيف صدمة العرض التي تعصف بالاقتصاد العالمي؛ فبعد 3 أسابيع من الحرب، باتت الخيارات المتبقية تتراوح بين «غير فعالة» و«غير مقبولة بتاتاً».

ويقول المسؤول السابق في وزارة الطاقة بعهد ترمب، نيليش نيروركار: «هذا أكبر اضطراب يمكن تصوره في أسواق النفط. النقص هائل لدرجة أن الإجراءات المتاحة تبدو ضئيلة أمام كمية النفط التي لا تصل إلى السوق».

هذا الاعتراف يتقاطع مع ما ذكره المسؤول السابق في الأمن القومي، لاندون ديرينتز، الذي قال إن «الوضوح هنا هو غياب البدائل... لا أحد يملك فكرة عبقرية أخرى».

ناقلة نفط خام في ميناء فوس سور مير التجاري والصناعي جنوب فرنسا (أ.ف.ب)

«أسطول الظل»

وبينما قال بيسنت إن إتاحة هذا المخزون سيوفر إمدادات سريعة، طرح الاقتصادي جيم بيانكو رؤية مغايرة تماماً؛ إذ أوضح أن هذه البراميل ليست «مخزونات إضافية»، بل هي جزء من المعروض العالمي الفعلي الذي ينقله «أسطول الظل» بانتظام إلى الصين بخصومات كبيرة.

وكتب بيانكو في حسابه على منصة «إكس»، أن قرار واشنطن لن يضيف برميلاً واحداً جديداً للسوق؛ بل سيسمح لإيران ببيع نفطها لوجهات إضافية مثل اليابان وكوريا الجنوبية، مما يرفع سعر البرميل الإيراني نتيجة المنافسة وتوقف الخصومات.

وبحسب بيانكو، فإن النتيجة النهائية هي: «لن تنخفض الأسعار عالمياً؛ بل سيزداد ثراء الخزينة الإيرانية عبر منحها القدرة على البيع بأسعار السوق الرسمية المرتفعة».

خيارات محدودة

يُبرز رفع القيود المفروضة على النفط الإيراني محدودية الأدوات التي تمتلكها الإدارة الأميركية لكبح جماح أسعار النفط؛ فقد سمحت بالفعل بالإفراج عن كميات هائلة من النفط من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأميركي، ورفعت العقوبات عن النفط الروسي الموجود في البحر، وألغت مؤقتاً العمل بقانون جونز الذي يحظر شحنات النفط بين المواني الأميركية على متن سفن ترفع أعلاماً أجنبية. ورغم هذه الإجراءات، استمرت أسعار النفط في الارتفاع؛ إذ تُشلّ الهجمات الإيرانية حركة ناقلات النفط في الخليج العربي، وتُلحق أضراراً جسيمة بمنشآت إنتاجية حيوية في الشرق الأوسط.

مصفاة بيغ سبرينغ في تكساس (أ.ف.ب)

سيولة نقدية

ما يثير ريبة المحللين والمراقبين ليس مجرد فشل هذه الخطوة في خفض الأسعار، بل الثمن الباهظ الذي ستدفعه الولايات المتحدة «أمنياً» مقابل هذا الإعفاء؛ فمن خلال السماح ببيع 140 مليون برميل بأسعار السوق الرسمية (التي تتجاوز 110 دولارات)، تمنح إدارة ترمب النظام الإيراني «قبلة حياة» مالية وتدفقات نقدية بمليارات الدولارات في ذروة الصراع.

ويؤكد المدير الإداري لشركة «أوبسيديان ريسك أدفايزرز» المتخصصة في المخاطر التنظيمية والجرائم المالية، بريت إريكسون، أن هذا الإجراء يوفر للنظام الإيراني سيولة نقدية فورية ومهمة، في وقت يسعى فيه بنشاط إلى استهداف الجنود الأميركيين في ساحة المعركة. ويضيف إريكسون: «إننا أمام مشهد سريالي؛ فبينما تقصف الطائرات الأميركية والبريطانية المواقع الإيرانية، تفتح وزارة الخزانة الأبواب لتدفق السيولة إلى طهران لتمويل صواريخها وطائراتها المسيرة». وأضاف: «هذا ليس تصرف إدارة تملك مخرجاً استراتيجياً؛ بل هو تصرف إدارة استنفدت كل أوراقها ولم يبقَ أمامها سوى ما أسميه اليأس الاقتصادي».

ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن بريت إريكسون، قوله إن هذه الخطوة تعد دليلاً على أن الإدارة «لا تملك مخرجاً واضحاً»، واصفاً الأمر بـ«اليأس». ورأى أن جهود الإدارة للسيطرة على الأسعار لن يكون لها تأثير ملموس حتى يُفتح المضيق أمام السفن، وأن «تخفيف العقوبات يثير مخاوف بشأن الاستنزاف السريع لأدوات واشنطن الاقتصادية» لكبح أسعار النفط. وأضاف: «إذا وصلنا إلى مرحلة تخفيف العقوبات على الدولة التي نخوض معها حرباً، فإننا في الواقع نفقد خياراتنا».

شبكة معقدة من أنابيب ومعدات النفط الخام مع رفرفة علمي الولايات المتحدة وتكساس في الخلفية (رويترز)

في المقابل، أشاد مارك دوبويتز، الرئيس التنفيذي لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مؤسسة بحثية غير ربحية تُعدّ متشددة تجاه إيران، بهذا القرار. وقال: «لقد عملنا على فرض عقوبات على صناعة النفط الإيرانية لسنوات. هذه خطوة ذكية... للمساعدة في كسب المعركة ضد النظام».

وبينما يرى الصقور في واشنطن أن الخطوة تكتيك ذكي لكسر استراتيجية طهران، يظل السؤال القائم: هل تنجح مقامرة ترمب بـ«البراميل الإيرانية» في حماية المستهلك الأميركي وصناديق الاقتراع؟ أم أنها مجرد «قبلة حياة» مالية لخصم تخوض معه واشنطن حرباً مفتوحة؟


بعد سنوات من «الاستفراد»... الصين تواجه زحاماً آسيوياً على مائدة النفط الإيراني

ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)
ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)
TT

بعد سنوات من «الاستفراد»... الصين تواجه زحاماً آسيوياً على مائدة النفط الإيراني

ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)
ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)

لطالما انفردت بكين، أكبر مستورد للخام في العالم، بالحصة الكبرى من النفط الإيراني، مستفيدةً من «خصومات العقوبات» التي وفَّرت لمليارات الدولارات. غير أن هذا الاستفراد بات اليوم تحت مجهر الاختبار؛ فمع صدور الإعفاء الأميركي لمدد محددة، تجد الصين نفسها مضطرة لخوض منافسة شرسة مع قوى آسيوية أخرى كاليابان وكوريا الجنوبية، وهو ما يهدد بتبخر «امتياز الخصم» وتحول البرميل الإيراني من صيد صيني ثمين إلى سلعة تتنازعها الأسواق العالمية بأعلى الأثمان.

واستغلت بكين، التي كانت أيضاً أكبر مستورد للنفط من فنزويلا وأحد كبار مستوردي النفط من روسيا، مشترياتها من الدول الثلاث التي تواجه عقوبات غربية مختلفة لتوفير مليارات الدولارات من فاتورة وارداتها في السنوات الأخيرة.

لقد أظهرت بيانات شركة التحليلات «كبلر» لعام 2025 أن الصين تشتري أكثر من 80 في المائة من النفط الإيراني المُصدّر. وقد كان مشتري النفط الإيراني محدودين بسبب العقوبات الأميركية التي تهدف إلى قطع التمويل عن البرنامج النووي الإيراني. بحسب شركة «كبلر»، اشترت الصين ما معدله 1.38 مليون برميل يومياً من النفط الإيراني العام الماضي. ويمثل هذا نحو 13.4 في المائة من إجمالي وارداتها البحرية من النفط، والتي بلغت 10.27 مليون برميل يومياً.

مشترو النفط الإيراني في الصين

تُعدّ مصافي التكرير الصينية المستقلة، المعروفة باسم «مصافي الشاي»، والتي تتركز بشكل رئيسي في مقاطعة شاندونغ، المشترين الرئيسيين للنفط الخام الإيراني، وذلك بفضل سعره المخفّض مقارنةً بالبراميل غير الخاضعة للعقوبات. وتستحوذ «مصافي الشاي» على ما يقارب ربع طاقة التكرير الصينية، وتعمل بهوامش ربح ضيقة، وأحياناً سلبية، وقد تأثرت مؤخراً بضعف الطلب المحلي على المنتجات المكررة.

وأفاد تجار وخبراء بأن شركات النفط الحكومية الصينية الكبرى امتنعت عن شراء النفط الإيراني منذ عامي 2018، 2019.

سعر النفط الإيراني

قال تجار إن سعر خام النفط الإيراني الخفيف انخفض بنحو 8 إلى 10 دولارات للبرميل عن سعر خام برنت في بورصة إنتركونتيننتال عند التسليم إلى الصين منذ ديسمبر (كانون الأول)، بعد أن كان أقل بنحو 6 دولارات في سبتمبر (أيلول). وهذا يعني أن مصافي التكرير الصينية توفر ما بين 8 و10 دولارات للبرميل إذا اشترت خام النفط الإيراني الخفيف بدلاً من خام عُمان غير الخاضع للعقوبات، وفقاً لحسابات أحد التجار ووكالة «رويترز».

في فبراير (شباط)، اتسع الفارق بين سعر خام النفط الإيراني الخفيف وسعر خام عُمان إلى أكثر من 10 دولارات للبرميل. ومنذ الضربات الأميركية الإسرائيلية الأولى على إيران في 28 فبراير، شهدت تجارة النفط الإيراني شحاً كبيراً. وكانت الصفقات القليلة التي أُبرمت بخصم 9 دولارات للبرميل. وقد تقلصت الخصومات قليلاً بسبب عدم اليقين بشأن الإمدادات مع تصاعد الصراع.

وقدّرت شركة «إنرجي أسبيكتس» في 19 مارس (آذار) وجود ما بين 130 و140 مليون برميل من النفط الإيراني الملوث بالمياه، أي ما يعادل أقل من 14 يوماً من خسائر الإنتاج الحالية في الشرق الأوسط.

تشير بيانات شركة «كبلر» إلى أن مخزون النفط الإيراني في المياه بلغ 171.6 مليون برميل.

تأثير العقوبات الأميركية

أعادت واشنطن فرض عقوبات على طهران عام 2018، وفرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عدة جولات جديدة من العقوبات على تجارة النفط الإيراني منذ توليها السلطة العام الماضي. وشملت عقوبات ترمب فرض عقوبات على ثلاث شركات صينية لتصنيع أباريق الشاي، مما أدى إلى تقليص مشتريات العديد من الشركات المستقلة متوسطة الحجم التي تخشى إدراجها على قائمة العقوبات، وفقاً لـ«رويترز».

من جهتها، ترفض بكين العقوبات الأحادية وتدافع عن مشروعية تجارتها مع إيران. وعادةً ما يصنف التجار النفط الإيراني الذي تستورده الصين على أنه مستورد من دول أخرى، مثل ماليزيا، وهي مركز رئيسي للشحن العابر، وإندونيسيا. لم تُظهر بيانات الجمارك الصينية أي شحنات نفطية من إيران منذ يوليو (تموز) 2022.