المصارف ومواقع التجارة تتعقب الزوار الإلكترونيين

تقنيات مكافحة الاحتيال ترصد طباعتهم ونقراتهم ومسحاتهم

المصارف ومواقع التجارة تتعقب الزوار الإلكترونيين
TT

المصارف ومواقع التجارة تتعقب الزوار الإلكترونيين

المصارف ومواقع التجارة تتعقب الزوار الإلكترونيين

عندما تتصفحون موقعاً إلكترونياً وترون أن سهم الفأرة يختفي لبضع ثوان، فقد يكون الأمر ناتجاً من خلل في الكومبيوتر، أو ربما يكون ذلك الاختفاء ناجماً عن اختبار متعمد للتحقق من هويتكم.
- رصد ومتابعة
الطريقة التي تضغطون وتمسحون وتطبعون فيها على شاشة هاتفكم أو لوحة مفاتيح جهازكم قد تكون فريدة ولا شبيه لها تماماً، كما بصمة إصبعكم أو ملامح وجهكم. لذا يعمد عدد متزايد من المصارف والتجار اليوم إلى تعقب حركات زوارهم أثناء استخدامهم المواقع الإلكترونية والتطبيقات؛ بهدف مكافحة عملية الاحتيال.
يستخدم البعض هذه التقنية لتفادي الاعتداءات الآلية والتحويلات المريبة فقط، في حين يذهب آخرون أبعد من ذلك، عبر جمع عشرات ملايين الملفات الشخصية التي من شأنها أن تحدد هوية الزبائن من خلال الطريقة التي يلمسون ويحملون وينقرون فيها على أجهزتهم.
لا يعرف الأشخاص الذين يتعرضون للمراقبة أي شيء عن عملية جمع البيانات. إذ تستطيع الشركات عبر استخدام أجهزة استشعار موجودة في هواتفكم أو رموز على المواقع الإلكترونية، أن تجمع آلاف نقاط البيانات التي تعرف بالـ«القياسات البيولوجية السلوكية» للمساعدة في التأكد مما إذا كان المستخدم الرقمي هو حقاً الشخص الذي يدعيه.
يعتبر المسؤولون الأمنيون أن هذه التقنية هي وسيلة فاعلة للحماية، وبخاصة أن عمليات اختراق واسعة للبيانات تحصل كل يوم؛ إذ يحصل اللصوص الإلكترونيون على مليارات كلمات المرور وغيرها من المعلومات الشخصية الحساسة، التي يمكن استخدامها للسرقة من حسابات الزبائن المصرفية وفتح حسابات أخرى لأغراض احتيالية.
وقال أليسدير فولكنر، أحد مؤسسي شركة «ثريت ميتريكس» التي تطور برامج لضبط عمليات الاحتيال لكبار الشركات التجارية والمالية «الهوية هي العملة الرقمية الأساسية، وهي تستخدم سلاحاً على نطاق صناعي»، لافتاً إلى أن الكثير من زبائن شركته يستخدمون اليوم أو يختبرون أدوات القياسات البيولوجية السلوكية.
يرى المدافعون عن الخصوصية، أن هذه الأدوات مريبة بعض الشيء؛ لأن قلة من الشركات فقط تكشف لزبائنها عن توقيت وكيفية تعقب نقراتهم ومسحاتهم.
وقالت جينيفر لينتش، محامية في منظمة «إلكترونيك فرونتيير فاونديشن» في حديث لوسائل الإعلام الأميركية «إن الخلاصة التي توصلنا إليها عن عالم التكنولوجيا في عملنا، هو أنه كلما جمعت الشركات بيانات أكثر، ستبحث عن استخدامات أكثر لها. إن المسافة الفاصلة بين استخدام هذه البيانات لضبط عمليات الاحتيال وبين معرفة معلومات شديدة الخصوصية عنكم ضئيلة جداً».
- تدقيق مصرفي
بدأ المصرف الملكي في اسكوتلندا، وواحد من المصارف القليلة التي ستفصح عن جمعها للبيانات المتعلقة بالقياسات البيولوجية السلوكية، في اختبار هذه التقنية على حسابات مصرفية خاصة بزبائنه الأثرياء منذ عامين، وهو اليوم يعمل على توسيع النظام ليشمل 18.7 مليون حساب لديه، بحسب ما أفاد كيفين هانلي، مدير الابتكار في المصرف.
عندما يسجل الزبائن دخولهم في حسابات المصرف الملكي الاسكوتلندي، يبدأ البرنامج في تسجيل أكثر من 2000 حركة تفاعلية مختلفة. إذ يعمل على قياس الزاوية التي يحمل بها المستخدمون هواتفهم، والأصابع التي يستخدمونها للنقر والمسح، والضغط الذي يمارسونه عليها وسرعة مسحهم على شاشاتها. أما على الكومبيوتر، فيسجل البرنامج إيقاع ضرباتهم على لوحة المفاتيح والطريقة التي يحركون بها الفأرة.
يستخدم المصرف الاسكوتلندي برنامجاً صممته شركة «بيو كات» في نيويورك، مهمته العمل على إنشاء ملف شخصي حول حركات كل فرد، لتتم لاحقاً مقارنته بحركات الزبون في كل مرة يعود فيها إلى الحساب المصرفي. وتقول شركة «بيو كاتش»، إن النظام يستطيع رصد المحتالين بدقة تصل إلى 99 في المائة.
قبل بضعة أشهر، التقط البرنامج إشارات غير مألوفة صادرة عن حساب أحد عملاء المصرف الأغنياء. بعد تسجيل الدخول، استخدم الزائر عجلة التحريك في الفأرة، وهي حركة لم يقم بها صاحب الحساب من قبل. بعدها، طبع الزائر على شريط الأزرار الرقمية الموجود في أعلى لوحة المفاتيح، وليس على اللوحة الجانبية المخصصة للأرقام التي اعتاد صاحب الحساب استخدامها. عندها، قرعت أجراس الإنذار في نظام المصرف فمنع أي مبالغ مالية من مغادرة حساب الزبون. وبحسب هانلي، تبين لاحقاً بعد التحقيق في الحادثة، أن الحساب كان فعلاً يتعرض للقرصنة.
وشرح «كان أحدهم يحاول تحديد مستفيد جديد، وتحويل مبلغ من سبعة أرقام. استطعنا التدخل في الوقت الصحيح ومنع ما كان سيحصل». سجلت هذه القضية حالة استثنائية؛ لأن سلوك المستخدم ليس ثابتاً، فالناس يتصرفون بشكل مختلف عندما يشعرون بالتعب أو في حالات الإصابة أو التشتت أو العجلة. كما أن الطريقة التي يطبع فيها الناس في المكتب تختلف عن طريقة طباعتهم وهم جالسون على الكنبة في المنزل.
- مراقبة السلوك
يجول برنامج المراقبة السلوكية عبر آلاف العناصر لاحتساب تكهن غير أكيد حول ما إذا كانت الهوية التي يدعيها المستخدم صحيحة. وقد ساهم تطوران كبيران في زيادة استخدام هذا البرنامج: توافر طاقة كومبيوترية زهيدة وأجهزة الاستشعار المتطورة التي تستخدم اليوم في صناعة الهواتف الذكية. ورأى هانلي أن سرية النظام تلعب دوراً كبيراً في جاذبيته. إذ تتطلب القياسات البيولوجية التقليدية كبصمة الإصبع أو حدقة العين أدوات مسح خاصة للمصادقة. لكن الخصائص السلوكية يمكن ضبطها في الخلفية دون الحاجة إلى قيام العملاء بأي خطوة للاشتراك.
تحاول «بيو كاتش» من وقت إلى آخر استنباط انفعالات معينة. إذ تستطيع تسريع عجلة الاختيار التي تستخدمونها لإدخال بيانات كتواريخ ومواعيد على هاتفكم، أو جعل سهم الهاتف يختفي لجزء من الثانية.
وقالت فرنسيس زيلاني، مديرة قسم الاستراتيجية والتسويق في «بيو كاتش»، «يتفاعل الجميع بشكل مختلف مع هذه الأمور. يحرك بعض الناس الفأرة من جنب إلى جنب، في حين يحركها آخرون إلى أعلى وأسفل، ويلجأ البعض إلى النقر على لوحة المفاتيح». ولأن ردة الفعل الخاصة بالمستخدم فريدة جداً، من الصعب على أي محتال أن يقلدها. كما أن تقنية المراقبة هذه لا تفرض على العملاء الحواجز الظاهرة والمزعجة التي ترافق الاختبارات الأمنية عادة؛ لأنهم ببساطة لا يعرفون بوجودها. أنتم لا تحتاجون هنا إلى الضغط بإبهامكم على قارئ البصمة في هاتفكم أو إلى طباعة أي رمز للمصادقة.
وقال نيل كوستيغان، الرئيس التنفيذي في «بيهافيو سيك»، ومركزها في بالو التو، كاليفورنيا، طورت برنامجاً يستخدمه مصرف «نورديك»، «لسنا مضطرين إلى وضع الناس في غرفة ودفعهم إلى الطباعة في ظل شروط مخبرية متطورة. كل ما علينا فعله هو مراقبتهم دون جلبة أثناء قيامهم بنشاطاتهم الاعتيادية في حساباتهم». في عالم الأعمال، يسمون هذه العملية تجربة «دون احتكاك»، أما المراقبون المعنيون بالخصوصية، فيعتبرونها خطيرة. تستطيع الأنظمة البيولوجية أحياناً أن ترصد بعض الحالات الطبية أيضاً. ففي حال ظهرت على أحد الزبائن رعشة في يده ما بعد أن كانت يداه سليمتين في السابق، قد يدفع هذا الأمر الشركة التي تتولى تأمين سيارته إلى القلق؛ الأمر الذي قد يسبب مشكلة حقيقية في حال كان المصرف الذي يتعامل معه الزبون، والذي رصد الرعشة عبر برنامجه الأمني، هو الجهة المسؤولة عن التأمين. في معظم الدول، لا توجد قوانين تحكم وتنظم جمع واستخدام البيانات البيومترية السلوكية.
حتى أن القوانين الأوروبية الجديدة المعنية بالخصوصية تستثني الإجراءات المعنية بالأمن والحماية من الاحتيال. يضع قانون جديد للخصوصية الرقمية في كاليفورنيا القياسات البيولوجية السلوكية على لائحة تقنيات التعقب التي يجب على الشركات أن تصرح بها في حال كانت تجمع البيانات، لكنه لن يدخل حيز التنفيذ قبل عام 2020.
تملك شركة «بيو كاتش» ملفات شخصية لنحو 70 مليون شخص وتراقب ستة مليارات عملية تحويل في الشهر، حسب زيلاني، الرئيس التنفيذي للاستراتيجية في الشركة. وبدأت شركة «أميركان إكسبرس»، أحد المستثمرين في «بيو كاتش» أخيراً باستخدام هذه التقنية في طلبات قبول الحسابات الجديدة.
بدورها، أدخلت عشرات الجهات التقنية، من الشركات الناشئة الصغيرة إلى الشركات العملاقة كـ«آي بي إم». بيومتريات سلوكية إلى برامجها الأمنية التي تبيعها لشركات تجارة التجزئة والمصارف.


مقالات ذات صلة

«أبل» تغيّر القيادة... تيرنوس يخلف كوك في مرحلة اختبار جديدة

تكنولوجيا «أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)

«أبل» تغيّر القيادة... تيرنوس يخلف كوك في مرحلة اختبار جديدة

«أبل» تنقل القيادة إلى جون تيرنوس مع احتفاظ تيم كوك بدور رئيس المجلس وسط ضغوط الذكاء الاصطناعي، واختبار المرحلة المقبلة.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
تكنولوجيا يمكن معاينة الاجتماعات وجدول المواعيد بكل سهولة في السيارات الذكية الجديدة

المكتب المتنقل... التقنية تحوّل سيارتك إلى مركز إنتاجية ذكي

لم يعد مفهوم العمل عن بُعد محصوراً في زوايا المنزل أو المقاهي الهادئة، بل انطلق ليعيد صياغة المقصورة الداخلية للسيارة كمساحة احترافية متكاملة.

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا أفضل 10 أدوات لتحرير الصور بالذكاء الاصطناعي

أفضل 10 أدوات لتحرير الصور بالذكاء الاصطناعي

في الماضي، كانت الصور الضبابية والإضاءة الرديئة والعناصر العشوائية في الخلفية، تعني أمراً واحداً أي صوراً سيئة. أما اليوم،

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا تقدّم تعلّماً تفاعلياً للغات قائماً على المواقف اليومية بالذكاء الاصطناعي (مختبرات غوغل)

بعد عام على إطلاقها… كيف تعمل تجربة «غوغل» لتعلّم اللغات؟

بعد نحو عام على طرحها، تواصل شركة «غوغل» اختبار تجربة تعليم اللغات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تحت اسم «Little Language Lessons»، ضمن منصتها «مختبرات غوغل».

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا «أدوبي» تطلق «القص السريع» لاختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو (رويترز)

«القص السريع» من «أدوبي»: اختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو

في سياق تسارع الابتكار داخل أدوات إنتاج المحتوى، تواصل «أدوبي» توسيع قدرات منصتها للذكاء الاصطناعي «فايرفلاي»، عبر تقديم ميزة جديدة تحمل اسم القص السريع (Quick…

عبد العزيز الرشيد (الرياض)

بسبب شحنات إسرائيلية... شكوى في فرنسا تتهم «فيديكس» بـ«التواطؤ في الإبادة»

شاحنة تابعة لشركة الخدمات اللوجيستية الأميركية العملاقة «فيديكس» (رويترز)
شاحنة تابعة لشركة الخدمات اللوجيستية الأميركية العملاقة «فيديكس» (رويترز)
TT

بسبب شحنات إسرائيلية... شكوى في فرنسا تتهم «فيديكس» بـ«التواطؤ في الإبادة»

شاحنة تابعة لشركة الخدمات اللوجيستية الأميركية العملاقة «فيديكس» (رويترز)
شاحنة تابعة لشركة الخدمات اللوجيستية الأميركية العملاقة «فيديكس» (رويترز)

قُدّمت شكوى قانونية في فرنسا ضد شركة الخدمات اللوجيستية الأميركية العملاقة «فيديكس»، بتهمة «التواطؤ في جريمة الإبادة الجماعية»، على خلفية ادعاءات بأنها نقلت مكوّنات طائرات إسرائيلية يُزعم أنها شاركت في قصف غزة، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأفاد «الاتحاد الفرنسي اليهودي من أجل السلام»، بأنه تقدّم بشكوى ضد فرع «فيديكس» الفرنسي بتهمة «نقل وتسليم مكوّنات أساسية لطائرات قتالية من الولايات المتحدة إلى إسرائيل عبر فرنسا».

وأضاف في الوثيقة المقدّمة إلى مدّعي مكافحة الإرهاب التي اطلعت عليها «وكالة الصحافة الفرنسية»، أن هذه القطع استُخدمت «لصيانة وإصلاح مقاتلات (إف-35) التي يستخدمها سلاح الجو الإسرائيلي» في قطاع غزة.

وقالت «فيديكس» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لا نقوم بأي عمليات توصيل دولية للأسلحة أو الذخيرة».

وذكر الاتحاد أن القضية تستند إلى تقرير صدر مؤخراً عن مجموعة «أورجانس بالستين» (حالة الطوارئ في فلسطين)، الذي وثّق 117 شحنة قال إنها مرّت من باريس عبر فرع «فيديكس» الفرنسي بين أبريل (نيسان) وأكتوبر (تشرين الأول) خلال العام الماضي.

وتوجّهت 22 من هذه الشحنات فورا إلى إسرائيل، بما في ذلك على متن ثلاث طائرات «فيديكس» مسجّلة في فرنسا، بحسب الشكوى التي يقول رافعوها إنه «كان يتعيّن على (فيديكس) معرفة محتواها».

وعبر الحدود في بلجيكا، أكّد مدّعون فيدراليون أنهم فتحوا تحقيقاً بشأن إحدى الشحنات التي مرّت عبر مطار لييغ في 20 يونيو (حزيران) 2025.

وقالت إسرائيل إنها ستضع حداً لجميع واردات الأسلحة من فرنسا بعد خلافات دبلوماسية بشأن اعتراف باريس في سبتمبر (أيلول) بدولة فلسطين.

ودعا توماس نايلا الذي نسّق الشكوى ضد «فيديكس» إلى «حظر شامل» على تسليم مكوّنات عسكرية من الجانب الفرنسي.

ورغم وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر، تبادل الجيش الإسرائيلي و«حماس» الاتهامات بخرق هدنة غزة التي جاءت بعد حرب استمرت عامين أشعلها هجوم نفذته الحركة الفلسطينية ضد الدولة العبرية في السابع من أكتوبر 2023.

واتّهمت جماعات حقوقية ومنظمات غير حكومية، بينها «العفو الدولية» و«هيومن رايتس ووتش»، إسرائيل بارتكاب إبادة ضد الفلسطينيين في غزة، وهو مصطلح ترفضه الحكومة الإسرائيلية بشكل قاطع.


ابتكار صيني قد يُمهّد لتحليق المسيّرات دون انقطاع

حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024
حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024
TT

ابتكار صيني قد يُمهّد لتحليق المسيّرات دون انقطاع

حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024
حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024

في ظل التسارع المتواصل في مجالات الطيران والتقنيات اللاسلكية، يسعى العلماء حول العالم إلى تجاوز أحد أبرز التحديات التي تواجه الطائرات المسيّرة، وهو محدودية زمن التحليق الناتجة عن قيود البطاريات. وفي هذا السياق، برزت خطوة بحثية واعدة من الصين قد تُحدث تحولاً نوعياً في طريقة تشغيل هذه الطائرات، عبر تمكينها من البقاء في الجو لفترات أطول، وربما إلى أجل غير مسمى، دون الحاجة إلى الهبوط لإعادة الشحن.

فقد طوّر علماء صينيون منصةً متخصصة لنقل الطاقة لاسلكياً إلى الطائرات المسيّرة أثناء تحليقها، باستخدام الموجات الدقيقة، في تصميم تجريبي قد يفتح آفاقاً جديدة أمام تشغيل هذا النوع من الطائرات بكفاءة أعلى واستمرارية أطول، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

ويتوقع باحثون من جامعة شيان الصينية أن يجري تطوير هذه المنصة مستقبلاً لتتحول إلى مركبة أرضية قادرة على إطلاق الطائرات المسيّرة وتزويدها بالطاقة أثناء الطيران، بما يسهم في زيادة مداها التشغيلي بشكل ملحوظ.

وأظهرت الاختبارات التي أجراها العلماء أن النظام المثبّت على مركبة أرضية تمكّن من إبقاء طائرات مسيّرة ذات أجنحة ثابتة في الجو لأكثر من ثلاث ساعات، وعلى ارتفاع يصل إلى 15 متراً، وهو ما يُعد مؤشراً أولياً على فعالية الفكرة رغم حداثتها.

ويعتمد نظام نقل الطاقة على باعث للموجات الدقيقة يقوم ببث الطاقة نحو مصفوفة من الهوائيات المثبّتة أسفل الطائرة المسيّرة، وذلك أثناء حركة كل من الطائرة ونظام الشحن على حد سواء، ما يعكس تعقيداً تقنياً يتطلب تنسيقاً دقيقاً بين الطرفين.

ومع ذلك، أشار الباحثون في دراسة نُشرت في مجلة «علوم وتكنولوجيا الطيران» إلى أن الحفاظ على محاذاة دقيقة بين باعث الموجات الدقيقة والطائرة المسيّرة يمثل تحدياً كبيراً، إذ يتطلب الأمر تناغماً عالي الدقة بين أنظمة تحديد المواقع العالمية (GPS) وأنظمة التحكم في الطيران الموجودة على متن الطائرة.

ولفت العلماء إلى أن هذه التقنية لا تزال في مراحلها المبكرة، حيث لم تستقبل الطائرة المسيّرة سوى نسبة تتراوح بين 3 و5 في المائة من إجمالي الطاقة المُرسلة، في حين يُهدر الجزء الأكبر من طاقة الموجات الدقيقة. كما أن الطاقة المستقبَلة تتعرض لتذبذبات نتيجة تأثير الرياح وأخطاء تحديد الموقع.

وفي سياق أوسع، شهدت السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً في مفهوم تحويل الطاقة الكهرومغناطيسية، سواء المحيطة أو الموجّهة، إلى طاقة كهربائية قابلة للاستخدام المباشر، حيث انتقل هذا المفهوم من كونه نموذجاً بحثياً أولياً إلى تقنية تقترب من مرحلة التوحيد القياسي.

وفي العام الماضي، سجّلت وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة في أميركا إنجازاً لافتاً في هذا المجال، إذ نجحت في نقل طاقة بقدرة 800 واط باستخدام شعاع ليزر لمسافة بلغت 8.6 كيلومتر، ولمدة تزيد على 30 ثانية.


«أبل» تغيّر القيادة... تيرنوس يخلف كوك في مرحلة اختبار جديدة

«أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)
«أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)
TT

«أبل» تغيّر القيادة... تيرنوس يخلف كوك في مرحلة اختبار جديدة

«أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)
«أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)

تدخل «أبل» واحدة من أكثر مراحل الانتقال القيادي أهمية في تاريخها الحديث، لكن دلالة هذه الخطوة تتجاوز مجرد تبديل في المناصب. فقد أعلنت الشركة أن تيم كوك سيتولى منصب الرئيس التنفيذي لمجلس الإدارة ابتداءً من الأول من سبتمبر (أيلول) 2026، فيما سيتولى جون تيرنوس، الذي يشغل حالياً منصب النائب الأول لرئيس هندسة الأجهزة، منصب الرئيس التنفيذي للشركة. وسيبقى كوك في منصبه حتى نهاية الصيف للإشراف على عملية التسليم، فيما قالت «أبل» إن القرار يأتي ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد أقرها مجلس الإدارة بالإجماع.

بالنسبة إلى «أبل»، يطوي هذا الإعلان صفحة، ويفتح أخرى في توقيت حساس. فقد قاد كوك الشركة منذ عام 2011، وأشرف خلال هذه الفترة على نمو قيمتها السوقية من نحو 350 مليار دولار إلى 4 تريليونات دولار، فيما ارتفعت الإيرادات السنوية من 108 مليارات دولار في السنة المالية 2011 إلى أكثر من 416 مليار دولار في السنة المالية 2025، وفق أرقام الشركة. وخلال ولايته، وسّعت «أبل» أعمالها في الخدمات، وعززت حضورها في قطاع التجزئة عالمياً، وتقدمت أكثر في الأجهزة القابلة للارتداء، كما أنجزت انتقالها إلى الشرائح المصممة داخلياً.

التحدي الأساسي أمام الرئيس التنفيذي الجديد يتمثل في تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قيمة عملية داخل منتجات الشركة (أبل)

تحدي المرحلة المقبلة

لكن المرحلة المقبلة التي تنتظر تيرنوس تختلف عن تلك التي ورثها كوك. فقد أشارت «رويترز» إلى أن «أبل» تُجري هذا التغيير في وقت أعاد فيه الذكاء الاصطناعي رسم المشهد التنافسي، وأثار تساؤلات جديدة لدى المستثمرين بشأن ما إذا كانت الشركة قد تحركت بالسرعة الكافية.

صحيح أن «أبل» كانت من أوائل من رسّخوا التفاعل الاستهلاكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي عبر «سيري»، لكنها لم تقدم حتى الآن نجاحاً حاسماً في عصر الذكاء الاصطناعي، سواء على مستوى الأجهزة، أو البرمجيات، بحجم ما تسعى إليه شركات منافسة، وأخرى ناشئة. كما لفتت «رويترز» إلى اتفاق الشركة في يناير (كانون الثاني) مع «غوغل» لاستخدام «جيمناي» لتحسين «سيري»، في إشارة إلى أن «أبل» لا تزال تحسم كيف ستوازن بين قدراتها الداخلية وشراكاتها الخارجية في رسم مستقبلها في هذا المجال.

وهنا تتضح أسباب اختيار «أبل» قائداً قادماً من هندسة الأجهزة، بدلاً من اللجوء إلى شخصية خارجية أو تنفيذية ذات خلفية مالية. فقد انضم تيرنوس إلى فريق تصميم المنتجات في «أبل» عام 2001، وأصبح نائباً لرئيس هندسة الأجهزة في 2013، ثم انضم إلى الفريق التنفيذي في 2021. وخلال هذه المسيرة تولى مسؤوليات مباشرة مرتبطة بتطوير «آيفون»، و«آيباد»، و«ماك»، و«أبل ووتش»، و«إيربودز»، فيما يوصف دوره بأنه كان محورياً في استعادة زخم «ماك»، ورفع حضوره العلني داخل الشركة في السنوات الأخيرة. ويبلغ تيرنوس من العمر 50 عاماً، وهو العمر نفسه تقريباً الذي كان عليه كوك عندما خلف ستيف جوبز عام 2011.

إعادة توزيع المناصب الهندسية داخل «أبل» تعكس استعدادها لمرحلة تتطلب أكثر من قوة الأجهزة وحدها (إ.ب.أ)

الهندسة في الواجهة

يشير هذا الاختيار أيضاً إلى أن «أبل» لا تزال ترى في تنفيذ المنتج بوابتها الأوضح لعبور تحديات المرحلة المقبلة. فالمسألة لا تتعلق فقط بالذكاء الاصطناعي بوصفه توجهاً عاماً، بل بكيفية تحويله إلى قيمة عملية داخل أجهزة الشركة الأساسية من دون الإخلال بالنهج الذي بنت عليه «أبل» هويتها، والقائم على التكامل، والخصوصية، والتحكم الدقيق في التصميم. ويرى مراقبون أن إدماج الذكاء الاصطناعي داخل «آيفون» قد يكون أصعب اختبار يواجهه تيرنوس. وفي الوقت نفسه، سيجد نفسه أمام منافسين يتحركون بقوة في فئات متجاورة، من النظارات الذكية لدى «ميتا»، إلى طموحات «إنفيديا» في الحوسبة الشخصية.

وجاء توقيت إعلان ثانٍ من «أبل» في اليوم نفسه ليؤكد أن الأمر لا يتعلق بخلافة رمزية فقط.

فقد أعلنت الشركة أيضاً تعيين جوني سروجي في منصب كبير مسؤولي الأجهزة، في خطوة تعكس تشديد الهيكل الإداري حول منظمة الهندسة مع انتقال تيرنوس إلى قمة الهرم التنفيذي. ويعطي القراران معاً انطباعاً بأن «أبل» تحاول الحفاظ على الاستمرارية الداخلية، وفي الوقت نفسه تهيئة نفسها لمرحلة تنافسية أشد صعوبة، قد لا تكفي فيها وحدها قوة الأجهزة للحفاظ على التفوق.

لهذا تبدو هذه الخطوة أكبر من مجرد إعادة ترتيب إداري تقليدية. فبعد أن قاد كوك الشركة في مرحلة اتسمت بالاتساع، والانضباط التشغيلي، والنمو المالي، يرث تيرنوس «أبل» وهي لا تزال واحدة من أقوى شركات التكنولوجيا في العالم، لكنها مطالبة الآن بإثبات قدرتها على صياغة دورة الحوسبة المقبلة، لا الاكتفاء بالدفاع عن موقعها داخلها. وما إذا كان الفصل الجديد سيُقرأ لاحقاً بوصفه امتداداً منظماً لمسار الشركة، أم بداية إعادة تموضع أكثر صعوبة، فسيتوقف إلى حد بعيد على قدرة الرئيس التنفيذي الجديد على تحويل قوة الهندسة إلى استراتيجية أكثر وضوحاً في الذكاء الاصطناعي.