أول اتصال دبلوماسي بين المملكة المغربية والمملكة المتحدة عام 1213.. أصله وتأثيره

لندن تحتفل في فبراير 2015 بذكرى مرور 800 عام على وضع الـ«ماغنا كارتا» في المكتبة البريطانية

الملك الحسن الثاني والملكة إليزابيث الثانية
الملك الحسن الثاني والملكة إليزابيث الثانية
TT

أول اتصال دبلوماسي بين المملكة المغربية والمملكة المتحدة عام 1213.. أصله وتأثيره

الملك الحسن الثاني والملكة إليزابيث الثانية
الملك الحسن الثاني والملكة إليزابيث الثانية

تظل المملكة المغربية الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتعت - وما زالت - بعلاقات واسعة ومتنوعة مع المملكة المتحدة على نحو يفوق الإمبراطوريتين الفارسية والعثمانية. تتميز هذه العلاقات بتشكيل تحالفات استراتيجية، بالإضافة إلى التبادل التجاري والثقافي الذي أسهم، بطريق مباشر أو غير مباشر، في تشكيل الهوية الخاصة بكل من المملكتين، بالإضافة إلى شعور شعبيهما القوي بالانتماء.
إن المملكتين فخورتان بالحفاظ على علاقات دبلوماسية تعد من أقدم العلاقات في تاريخ العلاقات الدولية. إذ تحل في عام 2013 الذكرى رقم 800 لإقامة هذه العلاقات، التي بدأت في مراكش عندما أعد حاكم دولة الموحدين محمد الناصر استقبالا دبلوماسيا لمبعوثي الملك جون، ملك إنجلترا. وأود هنا تقديم محاولة لشرح الظروف التي أدت إلى أول اتصال دبلوماسي بين حاكمين لم يسبق لهما قط الالتقاء، ورغم ذلك فإن كلا منهما كان يعلم بوجود وأهمية الآخر.
وسأحاول أيضا تحليل التداعيات السياسية والتاريخية التي نتجت عن هذا الاتصال، وتسليط الأضواء على الآثار غير المباشرة الناتجة عنه، وعلى وجه التحديد الـ«ماغنا كارتا»، التي تعرف أيضا بالميثاق العظيم للحريات في إنجلترا، وهي وثيقة فتحت الباب أمام عملية طويلة لترسيخ الديمقراطية وسيادة القانون في بريطانيا العظمى.

أثناء العصور الوسطى، كانت الجزر البريطانية معروفة لدى المغاربة من خلال الوصف الذي قدمه عالم الجغرافيا المغربي عبد الله محمد الإدريسي (الذي ولد في سبتة عام 1100). ورسم في عام 1154 واحدة من أشمل خرائط الكرة الأرضية المعروفة في ذلك الوقت. وفي ذلك الوقت، وصف الإدريسي الجزر البريطانية كالتالي: «أرض غامضة تقع في شمال أوروبا تسمى (إنجلترا)، وهي جزيرة كبيرة تشبه رأس النعامة. ولأهلها جلادة وعزم وحزم، وفصل الشتاء بها دائم».
وذكر الإدريسي أن «شهرة إنجلترا بأرض الضباب والأمطار قديمة وليست وليدة اليوم!».
في عام 1213، أرسل ملك إنجلترا، جون لاكلاند، بعثة إلى ديوان الحاكم الموحدي (الدولة الموحدية المغربية) محمد الناصر، (1199 - 1213)، في مراكش. ترأس البعثة الفارس توماس هاردينغتون والفارس رالف فيتز - نيكولاس، وبصحبتهما رجل الدين الكاثوليكي القس روبرت.
ويعد هذا الاستقبال، الذي خص به الحاكم المسلم لأقوى إمبراطورية في غرب البحر المتوسط، سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ العلاقات الدبلوماسية لإنجلترا مع الدول الأخرى، خاصة مع الدول الإسلامية. وتوضيحا لهذه العبارة، أقيمت العلاقات الدبلوماسية بين إنجلترا وفرنسا في عام 1315؛ أي بعد مرور أكثر من مائة عام على الاتصال الدبلوماسي الذي جرى بين المغرب وإنجلترا عام 1213.
حكم الملك جون، الذي ينتمي إلى العائلة الأنجوية - بلانتاجينية، ما بين عام 1199 وعام 1216، مساحة شاسعة من الأراضي، تضمنت إنجلترا بالإضافة إلى أجزاء من فرنسا وآيرلندا. كانت رعيته تصفه بالطاغية والخليفة غير المستحق لشقيقه الأكثر احتراما ونبلا الملك ريتشارد (قلب الأسد) الذي اشتهر بقيادته الحملة الصليبية الثالثة التي اتجهت إلى القدس.
حتى الوقت الحاضر، يقرأ معلمو المدارس البريطانية على طلابهم القصيدة التالية التي تصف الملك جون بأنه الأكثر افتقادا للشعبية:
«لم يكن الملك جون ملكا صالحا
كانت وسائله تافهة
ولم يكن أحد يحدثه في بعض الأوقات
لمدة أيام وأيام وأيام».
ووفقا لما قاله المؤرخ نورمان دافيز، كان الملك جون «عبقريا في فن اكتساب أعداء لنفسه». بالفعل، كانت شرعيته محل هجوم من طرف العائلات الأرستقراطية الإنجليزية، وكذلك عامة شعبه الذين كرهوه جميعا بسبب طغيانه وانعدام الرحمة والشفقة من قلبه، كما عكست ذلك أسطورة روبن هود. وتعرضت شرعيته الدينية للشك أيضا من لدن البابا إينوسنت الثالث  الذي عزله كنسيا في عام 1209. وعاش الملك جون تحت تهديد مزدوج بغزو مملكته على يد جيوش فيليب أغسطس (أول حاكم يحمل لقب «ملك فرنسا»)، وتمرد داخلي يقوده النبلاء الإنجليز الذين ادعوا تبني ميثاق الـ«ماغنا كارتا» من أجل إقامة أول برلمان منتخب في إنجلترا.
كان الهدف الرئيس من إرسال أول بعثة دبلوماسية إنجليزية إلى المغرب هو الحصول، باسم الملك جون، على اعتراف دولي بشرعيته كملك من خلال الدعم السياسي والعسكري من إمبراطورية دولة الموحدين. وهدف جون من خلال ذلك الحفاظ على عرش إنجلترا من دون أن يكون ملتزما التوقيع على الـ«ماغنا كارتا» وتنفيذه. ورغب الملك جون أيضا في أن يضع نفسه تحت حماية القوات المسلحة المغربية أملا في نشرها في ربوع الجزر البريطانية للدفاع عنه ضد النبلاء وضد أي غزو محتمل من ملك فرنسا الذي يباركه البابا.
وفي مقابل الحماية المغربية، عرض الملك جون على محمد الناصر الموحدي الاتفاق التالي:
إن الملك جون سوف «يسلم إليه (محمد الناصر) نفسه ومملكته طواعية، وإذا شاء فسوف تصبح تابعة له؛ وسوف يتخلى أيضا عن الدين المسيحي الذي عده زائفا، ويعتنق دين النبي محمد (الإسلام)». أي إن الملك جون عرض على الحاكم الموحدي أن يكون ملكا مسلما على إنجلترا «مسلمة» خاضعة لنفوذ دولة الموحدين.
نقل أخبار هذا العرض رجل الدين في لندن القس روبرت (المذكور آنفا) إلى معاصره الراهب البنديكتي ماثيو باريس (1200 - 1259) في دير سانت ألبانز بإنجلترا. ثم كتبه الراهب باريس باللغة اللاتينية، وأضافه إلى سجلاته عن تاريخ العالم التي تحمل اسم «كرونيكا ماجورا».
تجدر الإشارة إلى أن عرض الملك جون تناوله الكثير من المؤلفين مثل بي جي روجرز «تاريخ العلاقات الأنجلو - مغربية حتى عام 1900»، الصادر عن وزارة الخارجية ومكتب الكومنولث، في لندن أوائل عقد السبعينات من القرن الماضي، من صفحة 1 إلى 5، وريتشارد تومسون «مقال تاريخي عن الـ(ماغنا كارتا)»، الصادر في لندن عام 1829. صفحات 10 و483 و484، ومقال غراهام ستيوارت «الملك الذي أراد الشريعة في إنجلترا» المنشور في جريدة «التايمز» اللندنية بتاريخ 16 فبراير (شباط) 200. ومقال جون ديربيشاير «الولايات المتحدة الإسلامية»، المنشور في «ناشيونال ريفيو أونلاين» بتاريخ 12 أكتوبر (تشرين الأول) 2001. وفي الموقع الإلكتروني للسيد روبرت سويل (www.robertsewel.ca).
ومرة أخرى، وفقا لما ذكره الراهب باريس، وما رواه جون ديربيشاير المذكور آنفا، كان الحكم على عرض الملك جون، الذي نطق به محمد الناصر شخصيا، وأبلغه إلى المبعوثين الإنجليز كالتالي: «لم أقرأ أو أسمع قط أن ملكا يمتلك مثل هذه البلاد المزدهرة، الخاضعة والمطيعة له، يقوم عن طواعية بجعل بلده الحر يدفع الجزية لغريب. قرأت وسمعت عن كثيرين يفضلون السعي إلى الحرية ولو على حساب الدماء، وهو عمل جدير بالثناء؛ ولكني الآن أسمع من ملككم البائس الكسول الجبان.. يرجو من رجل حر أن يصبح عبدا فيصبح أكثر البشر بؤسا».
واختتم الناصر، وفقا لديربيشاير، رده بالتساؤل عن سبب سماح الإنجليز لمثل هذا الرجل بأن يحكمهم. وخلص إلى القول: «إن الملك جون غير جدير بالتحالف مع حاكم مسلم مثله». وهكذا، صرف المبعوثين محذرا إياهم من رؤيتهم مرة أخرى بسبب العمل المشين الذي أقدم عليه سيدهم.
وبينما لاقى عرض الملك جون وطلبه المساعدة المغربية رفضا من محمد الناصر، لم ير الحاكم الموحدي في الجزر البريطانية أي قيمة جغرافية استراتيجية إيجابية نظرا للوضع السياسي والعسكري الاستثنائي الصعب الذي كانت تواجهه آنذاك الدولة الموحدية، ذلك أن الموحدين كانوا قد خسروا معركة العقاب (لاس نافاس دي تولوسا) في إسبانيا قبل أشهر قليلة من هذه الواقعة، وذلك في 16 يوليو (تموز) 1212 (الصورتان 8 و9).
كانت هذه الهزيمة الثقيلة نتيجة لحملة صليبية أعلنها البابا إينوسنت الثالث، وقادها تحالف من الملوك الكاثوليك في قشتالة ونافارة وأراغون والبرتغال، بالإضافة إلى تعزيزات عسكرية جاءتهم من مناطق أخرى من أوروبا، أبرزها فرنسا.
وشكلت نتيجة هذه المعركة عاملا فاصلا في تاريخ إسبانيا خلال العصور الوسطى. وكانت الأجراس تقرع إيذانا ببداية نهاية الهيمنة الإسلامية على الأندلس والانسحاب إلى غير رجعة لإمبراطورية الموحدين من شبه الجزيرة الأيبيرية وبقية شمال أفريقيا. ونتيجة لذلك، لم يكن خوض معركة عسكرية مغربية جديدة على الأراضي الإنجليزية خيارا مطروحا أمام الناصر، الذي توفي عام 1213، وربما تكون الهزيمة العسكرية التي لحقت به في معركة العقاب سببا غير مباشر لذلك.
لقد كان للموقف المغربي غير الداعم للملك جون نتائج مهمة غير مباشرة بالنسبة لمستقبل إنجلترا السياسي. إذ وجد الملك جون من دون أي دعم، سواء من داخل مملكته أو من الخارج. لذلك، لم يكن لديه خيار، في العام ذاته (1213)، سوى أن يصلح أخطاءه، ويرضخ لرغبة البابا الذي أعاد ضمه إلى الكنيسة الكاثوليكية في مقابل حصول هذه الأخيرة على تعويض مادي كبير.
وأجبر الملك الإنجليزي، في آخر المطاف، على التوقيع على ميثاق الـ«ماغنا كارتا» في 15 يونيو (حزيران) 1215، بيد أنه تنمر لتوقيعه بعد مرور عشرة أسابيع فقط؛ لسبب أساسي هو أن أحد بنود الميثاق يهدد الملك بمصادرة جميع أراضيه وممتلكاته إذا ما تجاوز سلطاته المنصوص عليها في الميثاق. وناشد الملك جون البابا من أجل مساعدته، مما أدى إلى صدور البيان الباباوي، الذي نشر في نهاية صيف 1215، الذي عد توقيع الـ«ماغنا كارتا» باطلا وغير معترف به. وفي شتاء العام ذاته، اندلعت الحرب الأهلية في جميع أنحاء إنجلترا. وظل الملك جون هدفا لهجوم العائلات الأرستقراطية حتى أكتوبر (تشرين الأول) 1216 عندما توفي إثر إصابته بمرض الدوسنتاريا (الجهاز الهضمي).
وأخيرا، حافظت وفاة الملك جون على مستقبل الـ«ماغنا كارتا»، الذي مر بعملية طويلة من الإصلاحات السياسية والمؤسسية. وهكذا، جرت مراجعة هذا الميثاق في أعوام 1216 و1217 و1225، قبل أن يخرج الميثاق في صورة نهائية عام 1297. وتشكل أول برلمان منتخب في إنجلترا في عام 1265 بقصر ويستمنستر في لندن. وفي عام 1341، أقر البرلمان إجبارية أداء القسم من لدن جميع الموظفين والمديرين العموميين، لجهة طاعة نص وروح الـ«ماغنا كارتا».
وخرج شعب مملكة إنجلترا من هذه المجموعة الأولى من الإصلاحات بشعور عميق بالانتماء والطبيعة المتفردة والانفصال العقلي عن القارة الأوروبية، وخاصة مع الأراضي التي تقع في دولة فرنسا اليوم، والتي كانت متصلة تاريخيا بدولة بلانتاجينت. ولكن هذا الشعور الجديد بالهوية لم يمنع إنجلترا، المعاد تشكيلها، من القيام بمحاولة فاشلة لانتزاع هذه الأراضي من مملكة فرنسا التي عدتها من ممتلكاتها أثناء القرنين الرابع عشر والخامس عشر (حرب المائة عام التي دامت ما بين 1337 و1453).
وخلال هذين القرنين، تمسكت دولة المرينيين المغربية بالأندلس من دون فائدة لتسقط فريسة لما يعرف الآن بحروب الاسترداد. إذ خسر المرينيون الأندلس نهائيا في 30 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1340، عندما هزموا في معركة ريو سالادو (بالقرب من طريفة) ضد قوات مشتركة بقيادة ألفونسو الحادي عشر ملك إسبانيا، وألفونسو الرابع ملك البرتغال.
وكما كان موقف إنجلترا تجاه أراضيها التي خسرتها أمام فرنسا، وتأثير ذلك على هويتها القومية، ساهم فقدان الأندلس في تشكيل شخصية جديدة للأمة المغربية، بدأت منذ ذلك الحين في النظر إلى عميق دواخلها، والعودة إلى القيم الجوهرية لأعماق الدولة. ونتيجة لذلك، اكتسبت البلاد شعورا بوجود شعب متماسك يملك حسا وهوية مغربية قحة، شعب متفرد في طبيعته ومنفصل عن شبه الجزيرة الأيبيرية، وأيضا عن أوروبا. وشكل هذا الانفصال نقطة مهمة في إعادة النظر في شأن المرجعية التاريخية للشعب المغربي، ورفضه في هذا النطاق وحدة روما روحيا ومعنويا. وانطلاقا من هذا الانفصال الذهني والثقافي، أصبح «الآخر» هو «الروم» في الوجدان المغربي. كما أن دولة المغرب عزلت ذاتها اقتصاديا عن أوروبا، مفضلة الاعتماد على الذات وخضوع تجارتها الخارجية لرقابة حكومتها المركزية.
ومن خلال هذه التحولات، ظهر نظام فكر مغربي محدد، نتجت عنه موجة ثقافية عبرت عن ذاتها باللغة العربية المنتصرة النامية من جامعة القرويين في مدينة فاس، بالإضافة إلى شبكة من المدارس المرينية المنشأة آنذاك. كما انتشرت روح الصوفية بين طوائف أصحاب الحرف التقليدية في المدن، بالإضافة إلى المزارعين وسكان البادية. وبدأت الزوايا الحث على الجهاد في البر والبحر. وتبلورت دواليب نظام المخزن، أسلوب الحكم المغربي، مع صعود الحاكم السعدي أحمد المنصور الذهبي الذي رعى تنظيم دولة شريفة ملكية مركزية.
حافظ نظام المخزن على ذاته بمراقبة التجارة الخارجية، مستعينا بالمواهب التجارية والمهارات اللغوية الأجنبية التي تميز بها الوافدون من الأندلس، من أصول مسلمة ويهودية، على حد سواء، ومنح حكومته وشعبه شعورا قويا بالانتماء إلى الدولة.
وتعززت سياسة المنصور الذهبي الخارجية بسلطاته المالية والعسكرية التي اكتسبها حديثا وبمعرفته الكبيرة بالجغرافيا السياسية. وأعرب عن ذلك من خلال جهاز دبلوماسي نشيط ذي طابع حديث يشبه نظراءه الأجانب المعاصرين.
وجد نموذج المخزن جذوره الأساسية داخل المغرب، وكان يستلهم من النموذج المؤسسي العثماني ما يتعلق بمسائل الدفاع والعسكرية. وترجع أصول المخزن أيضا إلى التراث الإسلامي، حيث حاول الالتزام بالمبدأ التالي «لا يوجد عدل من دون أمن، ولا يوجد أمن من دون مال، ولا يوجد مال من دون عدل».
سمحت هذه التحولات الكبيرة للمغرب بالحفاظ على وحدته وهويته واستقلاله، بجمع نقاط القوة السياسية والعسكرية والدينية حول قيادة وتوجيه الحكام «الأشراف» الجدد، الذين تغلبوا على القبلية وتمتعوا بالشرعية الدينية، بالإضافة إلى التفوق السياسي على نظام الإقطاعيات القبلية والإقليمية. كما سمح ذلك للمغرب باكتساب مرونة كبيرة في احتواء تهديدات الغزو والاحتلال من قبل القوى الإمبريالية الأوروبية والعثمانية، وذلك لفترة طويلة للغاية امتدت من عام 1415 إلى 1956.
وهكذا، استطاعت الأمة المغربية التغلب على حروب كبرى وأزمات وصعوبات مما حدد مصيرها؛ الانتصار في معركة الملوك الثلاثة عام 1578؛ غزو السودان ودولة صنغاي الأفريقية في عام 1591؛ احتلال موانئها ومدنها الساحلية من قبل البرتغال وإسبانيا، ولفترات متقطعة من قبل إنجلترا؛ مخاطر وجود الإمبراطورية العثمانية على سواحلها الشرقية؛ الأزمات السياسية الناتجة عن احتلال فرنسا للجزائر عام 1830؛ تمزيق أوصال البلاد والانقسام الاجتماعي والقبلي الذي نتج عن المحميات الفرنسية والإسبانية من عام 1912 إلى عام 1956.
في إنجلترا، اتخذت عملية الإصلاحات الديمقراطية منحنى أكثر حسما في القرن السابع عشر مع إدوارد كوك (1552 - 1634،  13) الذي تولى منصب رئيس المجلس الأعلى للقضاة في عهد دولة ستيوارت. آنذاك، أعاد كوك تفسير الـ«ماغنا كارتا» ليصبح إعلانا يضمن الحقوق الفردية ويكون أصل مبدأ الحكم الذي يتخذه القاضي.
اعتمد كوك في إعادة التفسير على المادتين 39 و40 من نص عام 1225 للـ«ماغنا كارتا». وكان نص هاتين المادتين كالتالي:
المادة 39 «لا يجوز القبض على رجل حر، أو سجنه، أو انتزاع ملكه، أو خروجه من حماية القانون، أو نفيه، أو تعرضه لأي نوع من الإيذاء.. إلا بناء على محاكمة قانونية أمام أقرانه وبمقتضى قانون البلاد».
المادة 40: «لن نبيع العدالة أو حقا من حقوق الإنسان ولن نحرم منها إنسانا ما».
جعلت هاتان المادتان الـ«ماغنا كارتا» أحد أهم النصوص والتشريعات الأساسية في التاريخ الإنساني، وعد الميثاق من أكثر الوثائق تأثيرا. ويحتل الميثاق المكانة ذاتها التي تمثلها ثلاثة نصوص أخرى ذات وضع مشابه؛ وهي تحديدا أسطوانة الإمبراطور الفارسي قورش البابلية (539 ق.م) والتعاليم المنقوشة على أعمدة الإمبراطور أشوكا من السلالة الماورية الهندية في القرن الثالث قبل الميلاد وأخيرا وليس آخرا، «حلف الفضول» الذي جرى في حضور النبي محمد عليه الصلاة والسلام والخليفة أبي بكر الصديق، إذ جرى هذا الحلف بين عشائر من قبيلة قريش في نحو عام 590 الميلادي، ويعد من أول التحالفات في العالم التي تعنى بحماية حقوق الإنسان.
وتعد الـ«ماغنا كارتا» اليوم جزءا لا يتجزأ من الوثائق القانونية المؤسسة للقانون الدستوري الإنجليزي، التي ساهمت بإلهامها طوال فترة امتدت من عام 1628 إلى عام 1949 في التماسات قانونية ومشروعات القوانين والقوانين مثل:
* التماس الحقوق لعام 1628، الذي أكد مبدأ امتلاك البرلمان السلطة الوحيدة والحصرية للتصويت على قوانين فرض الضرائب وإلغاء الأحكام العرفية في فترة السلام، وحق المعتقلين في السؤال عن شرعية اعتقالهم بما يتفق مع قرار المثول أمام القضاء.
* وثيقة الحريات لعام 1689 التي تعرف مبادئ النظام الملكي البرلماني في إنجلترا، وتضع قائمة من الحقوق التي تحترم الشعب بالطريقة التي يجري بها تمثيله في البرلمان. وشكل هذا الإعلان تقدما كبيرا فيما يتعلق بحرية التعبير.
* مرسوم التولية لعام 1701، الذي يضمن تولي المذهب البروتستانتي عرش إنجلترا، ويؤكد الفصل بين السلطات.
* القوانين البرلمانية المكونة من قانونين جرى التصويت عليهما في عامي 1911 و1949 اللذين وضعا قيودا على سلطة مجلس اللوردات في منع إقرار القوانين.
وتبعا لذلك، انعكست روح الـ«ماغنا كارتا» والوثائق والقوانين والتشريعات البرلمانية الأساسية لفترة طويلة، وبقوة، على الحياة السياسية في المملكة المتحدة، حتى إنها أصبحت أحد أهم أعمدة الهوية الوطنية التي أضفت شعورا عميقا بالعدالة وحقوق الإنسان في الجزر البريطانية.  وضع ميثاق الـ«ماغنا كارتا» والوثائق القانونية المرتبطة به أيضا تعريفا للعلاقة بين الشعب والسلطة، بين الحاكم والمحكوم. ونصت على أنه لا أحد فوق القانون، وأن أي شخص بغض النظر عن مركزه يظل خاضعا للمساءلة ويجب أن يتحمل المسؤولية. في سياق ذلك، أعرب الفيلسوف والمفكر الفرنسي فولتير، (1694 - 1778)، عن إعجابه بحرية التعبير التي كانت متوافرة في إنجلترا في عصره، ذلك أنها كانت مكفولة منذ عام 1695. ووصف في كتاباته ملك إنجلترا بأنه «الحكم الأعلى بين السلطات» في البلاد.
إضافة إلى ذلك، أصبحت روح الـ«ماغنا كارتا» أيضا ذات تأثير كبير على القوانين الدستورية التي حكمت معظم الدول الأنغلو - سكسونية إلى جانب الدول الجديدة التي خرجت من معطف الإمبراطورية البريطانية. وترجع أصول الدستور الأميركي إليها أيضا، كما هو الحال مع القوانين الأساسية في دول مثل أستراليا ونيوزيلندا وكندا (فيما عدا إقليم الكيبك)، واتحاد جنوب أفريقيا. وفي عام 1948، كان ميثاق الـ«ماغنا كارتا» مصدر إلهام لواضعي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة.
ووفقا لصحيفة «فايننشيال تايمز» في عددها الصادر في 12 يوليو 2013، ستحتفل المملكة المتحدة في فبراير (شباط) عام 2015 بذكرى مرور 800 عام على وضع الـ«ماغنا كارتا»، في المكتبة البريطانية بلندن. وسوف يجري جمع النسخ الأربع التي ما زالت موجودة، وعرضها لأول مرة في التاريخ على مدار ثلاثة أيام فقط.
وفي لفتة رمزية، سوف يجري اختيار 1215 شخصا عن طريق القرعة ليحظوا بشرف الحضور ومشاهدتها. وبعد كل ذلك، سوف تعاد كل نسخة من النسخ الأربع إلى مكان عرضها الأصلي والدائم، وهي تحديدا كاتدرائيتا مدينتي لينكولن وسالسبري، والمكتبة البريطانية التي تملك اثنتين من النسخ الأربع الأصلية.
بالتزامن مع الذكرى الخمسين على إلقاء مارتن لوثر كنغ خطابه الشهير «يراودني حلم» في واشنطن العاصمة في ذروة كفاحه من أجل الحصول على الحقوق المدنية للأميركيين من أصل أفريقي، أصدر مغني الراب الشهير «دجي زي» أسطوانة جديدة في اليوم الرابع من يوليو عام 2013، الموافق لذكرى إعلان استقلال الولايات المتحدة، تحت عنوان «ماغنا كارتا.. السيف المقدس» ( 16). أراد المغني بهذه الطريقة أن يعرب عن التقدير لهذا الميثاق القديم، الذي فتح الأبواب أمام الحريات الفردية واحترام الكرامة الإنسانية. وأعرب فيه عن أمله أن تستمر روح الميثاق في تحقيق تغيير إيجابي، وتصل إلى حياة السكان الفقراء والمهمشين من الشباب في أحياء أميركا المحرومة التي تنحدر أصول هذا المغني منها، وأصبح رمزا فيها.
وفي لفتة غير مسبوقة وذات رمزية لتأييد رسالة الأمل التي يحملها هذا المغني، يخطط الرؤساء الروحيون لكاتدرائية سالسبري في إنجلترا عرض غلاف أسطوانة «دجي زي» إلى جوار النسخة الأصلية من الـ«ماغنا كارتا»، في أثناء الاحتفالات المقبلة في عام 2015 بمناسبة الذكرى رقم 800. وبهذه المناسبة، يمكن أن تستغل المؤسسة الشقيقة للمكتبة البريطانية في الرباط، المكتبة الوطنية للمملكة المغربية، هذه المناسبة لتستضيف في الرباط حدثا إضافيا بعرض نسخة من الـ«ماغنا كارتا» التي ترجع بعض الأسباب غير المباشرة في وجودها إلى التداعيات السياسية والتاريخية لاتصال مراكش الدبلوماسي الأول في عام 1213 بين المغرب وإنجلترا. ونأمل أن تنظم إلى هذا الحدث سلسلة من المؤتمرات والنشرات التوضيحية التي تخاطب الأطفال وطلاب المدارس الثانوية والجامعات، وتستهدف أيضا عامة الشعب، وبذلك يصبح الجمهور على دراية أكبر بدور المغرب البارز في هذه المرحلة من تاريخ العالم، وهو الدور الذي يجري تجاهله كثيرا في الوقت الحالي.
ربما تكون الرسالة الرئيسة الأخرى التي تحملها هذه الفعاليات الإضافية للشعب المغربي عامة، هي أن الطريق إلى الديمقراطية غالبا ما يكون طويلا وشاقا، كما تمثله التجربة الإنجليزية التي تحدثنا عنها، ولكنه ما زال الطريق الوحيد الذي يجب السير فيه.

* سفير المغرب لدى المملكة المتحدة (1999 - 2009)



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.