طالبان تعلن وفاة مؤسس جماعة حقاني الأفغانية المتشددة

مقتل 16 عسكرياً... والقوات الأميركية تعترف بمقتل جندي وجرح آخر

جلال الدين حقاني وزير الحدود في عهد طالبان يشير على خريطة إلى مواقع داخل أفغانستان خلال زيارة إلى إسلام آباد عام 2001... ويرى في الصورة نجله نصر الدين (رويترز)
جلال الدين حقاني وزير الحدود في عهد طالبان يشير على خريطة إلى مواقع داخل أفغانستان خلال زيارة إلى إسلام آباد عام 2001... ويرى في الصورة نجله نصر الدين (رويترز)
TT

طالبان تعلن وفاة مؤسس جماعة حقاني الأفغانية المتشددة

جلال الدين حقاني وزير الحدود في عهد طالبان يشير على خريطة إلى مواقع داخل أفغانستان خلال زيارة إلى إسلام آباد عام 2001... ويرى في الصورة نجله نصر الدين (رويترز)
جلال الدين حقاني وزير الحدود في عهد طالبان يشير على خريطة إلى مواقع داخل أفغانستان خلال زيارة إلى إسلام آباد عام 2001... ويرى في الصورة نجله نصر الدين (رويترز)

نعت قيادة حركة طالبان في أفغانستان جلال الدين حقاني، أحد قادة الجهاد الأفغاني ضد الاحتلال الروسي ومن قبله ضد الحكومة الشيوعية في أفغانستان، وجاء في بيان النعي الرسمي أن حقاني كان يعاني من مرض خلال السنوات القليلة الماضية وتوفي نتيجة ذلك.
وكان جلال الدين حقاني وهو أحد القادة المعروفين في أفغانستان تخرج من جامعة العلوم الحقانية في بلدة أكورة ختك قرب بيشاور، ومنها أخذ لقب «حقاني»، وقاد مجموعات ضد حكم الرئيس الأفغاني الأسبق السردار محمد داود في بداية السبعينات من القرن الماضي مع الشيخ مولوي أرسلان رحماني، ثم انضم إلى «الحزب الإسلامي» - جناح الشيخ يونس خالص حينما بدأت الأحزاب المتشددة في الظهور بعد الانقلاب الشيوعي في أفغانستان عام 1978.
وكان حقاني الذي تركز عمله في البداية في ولايتي بكتيا وبكتيكا استقطب اهتمام المقاتلين العرب في أفغانستان حيث انضمت له ابتداء أولى المجموعات من المقاتلين العرب الذين كان من بينهم محمد عاطف أبو حفص المصري القائد العسكري السابق لتنظيم القاعدة ثم انضمت إليهم مجموعات كبيرة من المقاتلين العرب الوافدين إلى أفغانستان، وربطته علاقات قوية مع أسامة بن لادن والشيخ عبد الله عزام، وأبي حفص المصري، حيث خاض حقاني والمقاتلون العرب معركة جاور الشهيرة التي تمكن فيها مقاتلو حقاني والمقاتلون العرب من هزيمة حملة سوفياتية ضخمة على بلدة جاور القريبة من الحدود مع المناطق القبلية الباكستانية، مما زاد في رصيده الشعبي في صفوف الأفغان عام 1987. ورغم انضمام حقاني إلى حزب الشيخ يونس خالص «الحزب الإسلامي لأفغانستان» فإن الشيخ حقاني بقي شبه مستقل بشكل كبير عن الأحزاب الأفغانية في بيشاور فترة الجهاد ضد الغزو السوفياتي لأفغانستان.
وبعد دخول أحزاب المجاهدين الأفغان العاصمة كابل في نيسان أبريل (نيسان) 1992 بعد سقوط حكومة الرئيس الأفغاني الأسبق الدكتور نجيب الله، أعطي حقاني منصبا وزاريا هو وزارة الأوقاف والشؤون الاجتماعية في أفغانستان. وقد نأى حقاني بنفسه ومقاتليه عن المشاركة في الصراع على السلطة بين قوات مسعود رباني - وقوات حكمتيار ودوستم بعد دخول أحزاب المجاهدين الأفغان لكابل، وعمل مع يونس خالص على محاولة الإصلاح بين الأحزاب الجهادية، ولما لم تستجب له قيادات هذه الأحزاب اعتزل الحرب ولم يشارك فيها. وفي عام 1996 ومع تقدم قوات حركة طالبان باتجاه العاصمة كابل أعلن حقاني انضمامه إلى حركة طالبان وبيعته للملا محمد عمر مؤسس حركة طالبان، كما أنه عمل على التقريب بين أسامة بن لادن والملا محمد عمر، وقد اصطحب يونس خالص زعيم «الحزب الإسلامي» الذي ينتمي إليه حقاني أسامة بن لادن من جلال آباد إلى مدينة قندهار مقر قيادة طالبان. وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) تولى حقاني منصب وزير الحدود في حكومة طالبان نظرا لعلاقته القوية بالمناطق القبلية الباكستانية، وهو الذي رتب مع هذه القبائل استضافة الآلاف من عائلات المقاتلين العرب ومقاتلي طالبان وعائلاتهم بعد سيطرة القوات الأميركية على أفغانستان.
ورفض حقاني بعد أسبوعين من بداية الحرب الأميركية على أفغانستان محاولات باكستانية ومن دول عربية الانقلاب على الملا محمد عمر وإعلان قيادة جديدة لحركة طالبان تعمل على وقف إطلاق النار مع القوات الأميركية، كما رفض محاولات بعض من أعضاء مجلس شورى طالبان عام 2004، حيث طلبت منه هذه القيادات أن تخلع بيعتها للملا محمد عمر ومبايعة حقاني، إلا أنه قال لهم حسب مصدر حضر تلك الجلسة: «أنتم تريدون السلطة والجاه، ولم يرتكب الملا عمر ما يوجب خلع البيعة منه». بعد عدة سنوات من العمليات التي خطط لها حقاني ضد القوات الأميركية استهدفته غارة أميركية في أحد المنازل التي كان يقيم فيها في منطقة قريبة من الحدود الباكستانية فأصيب بشظية في ظهره تسببت له بإصابة في العمود الفقري نتج عنه شلل تام له، وتولى ابنه سراج الدين حقاني قيادة عمليات شرق أفغانستان التي وصلت عملياتها إلى العاصمة كابل ومناطق أخرى بعيدة مثل مزار شريف.
وقد وصف مدير المخابرات الأفغانية الأسبق رحمت الله نبيل وفاة حقاني بأنها لن تؤثر على عمل ما يسمى بشبكة حقاني، وقال نبيل في تغريدة له على تويتر إن وجود عدد من قيادات الشبكة مثل سراج الدين حقاني (نجل الشيخ جلال الدين) وخليل حقاني - شقيق الشيخ جلال الدين، وحمزة ويحيى وعزيز حقاني - أبناء الشيخ جلال الدين وعدد من القيادات الأخرى المدربة سيكونون خلفا في العمل العسكري. وادعى رحمة الله نبيل أن جلال الدين حقاني توفي من زمن طويل ولكن لم يتم الإعلان عن وفاته إلا الآن وهو متعلق بزيارة وزيرا الخارجية والدفاع الأميركيين لإسلام آباد، ولن يكون لغياب جلال الدين حقاني أي تأثير لأن الاستخبارات الباكستانية دربت نجله سراج الدين ليكون أكثر دموية منه، حسب قول مدير المخابرات الأفغانية الأسبق.
في غضون ذلك، واصلت حركة طالبان الأفغانية المناوئة لحكومة الرئيس أشرف غني شن هجماتها على القوات الأفغانية والأميركية في مناطق عدة من أفغانستان، فقد أعلن مسؤول أفغاني رسمي طلب عدم ذكر اسمه مقتل ستة عشر عسكريا حكوميا ورجل شرطة فيما أصيب خمسة عشر جنديا آخر في هجوم شنته حركة طالبان على مراكز عسكرية حكومية في منطقتي زرمت وجاني خيل في ولاية بكتيا شرق أفغانستان. ونقلت محطة «تي في 1» الأفغانية الخاصة عن المسؤول قوله إن قوات طالبان شنت الهجوم ليلة أول من أمس، حيث استمر الهجوم من الليل إلى فجر أمس، فيما تقول مصادر حكومية أخرى إن 28 من مسلحي طالبان لقوا مصرعهم في الهجوم وأصيب كذلك تسعة من مقاتلي الحركة. وكانت حركة طالبان أعلنت عن سلسلة من الهجمات شنها مقاتلوها على القوات الحكومية في عدد من المناطق، فيما باتت تسيطر الحركة على كافة الطرق المؤدية إلى مدينة ميمنة مركز ولاية فارياب شمال أفغانستان تمهيدا لتشديد الحصار عليها قبل مهاجمتها ومحاولة السيطرة عليها. وحمل الموقع الرسمي للحركة عدة بيانات عن الاشتباكات في ولايات زابول ونيمروز وقندهار وعدد من الولايات الأخرى قالت طالبان إنها تمكنت خلالها من تدمير عدد من الآليات العسكرية الحكومية وقتل وأسر عدد من جنود الحكومة.
وكانت المصادر العسكرية الأميركية أكدت مقتل جندي أميركي وجرح جندي آخر شرق أفغانستان بيد مجندين محليين على ما يبدو حسب بيانات لقوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان. ولم يوضح بيان قوات الأطلسي المكان الذي تم فيه قتل الجندي الأميركي غير القول إنه وقع في ولاية ننجرهار شرق أفغانستان في «هجوم من الداخل على ما يبدو» وهي عبارة تستخدمها قوات حلف الأطلسي في حال مهاجمة جنود حكوميين أفغان جنود قوات الناتو أو المدربين الأميركان الذين يدربون القوات الأفغانية. قال القائد الجديد لقوات حلف الأطلسي في أفغانستان الجنرال سكوت ميلر: «إن تضحية جندينا الذي تطوع للمهمة في أفغانستان لحماية بلده خسارة مأساوية لنا ولكل من لن يعرفوه أبدا». وحسب البيانات الرسمية لقوات الأطلسي في أفغانستان فإن الجندي القتيل هو السادس منذ بداية العام الحالي، وأن أحد عشر جنديا آخر قتلوا خلال العام الماضي، وتنتشر قوة من نحو أربعة عشر ألف جندي أميركي في أفغانستان تقول الولايات المتحدة إن مهمتهم التدريب وتقديم المشورة للقوات الحكومية الأفغانية، والإشراف على أدائها فيما تسميه واشنطن الحرب على الإرهاب. لكن حركة طالبان الأفغانية التي تقاتل لإجبار القوات الأجنبية على الانسحاب من أفغانستان قالت في بيانات صادرة عنها إنه في معركة غزني الشهر الماضي وما صاحبها من كمائن في ولاية ميدان وردك غرب كابل وولاية لوجر جنوب العاصمة تمكن مقاتلو الحركة من قتل عشرات الجنود الأميركان الذين نقلوا من ميدان المواجهة عبر مروحيات عسكرية أميركية.


مقالات ذات صلة

«إف بي آي» يحقق في إطلاق نار بجامعة في فرجينيا بوصفه «عملاً إرهابياً»

الولايات المتحدة​ الشرطة خارج جامعة أولد دومينيون في ولاية فرجينيا (أ.ب)

«إف بي آي» يحقق في إطلاق نار بجامعة في فرجينيا بوصفه «عملاً إرهابياً»

أعلن مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي أن إطلاق النار الذي وقع، الخميس، في جامعة أولد دومينيون يجري التحقيق فيه بوصفه «عملاً إرهابياً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا نواب خلال بحث مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)

الجزائر تستعين بتجارب أفريقية ناجحة للخروج من «المنطقة الرمادية»

يوجد وفد جزائري من قطاع المالية، وخبراء في مجال التصدي للجرائم المالية، في السنغال حالياً للاستلهام من تجربة هذا البلد في مغادرة «المنطقة الرمادية»...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا قائد «لواء البراء بن مالك» المصباح طلحة (وسط) يقف على يمين مساعد القائد العام للجيش السوداني ياسر العطا (متداولة)

ترحيب بين قوى سودانية بتصنيف «الإخوان» جماعة إرهابية

لقي تصنيف الإدارة الأميركية جماعة «الإخوان» في السودان «كياناً إرهابياً عالمياً» ترحيباً بين قوى سياسية ومدنية في البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شؤون إقليمية مستوطنون مسلحون في بلدة حوارة في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

بن غفير يقرر تسليح 300 ألف يهودي في القدس

بن غفير يمنح 300 ألف يهودي في القدس حق الحصول على سلاح إضافة إلى آخرين، ما يعني تسليح كل اليهود في المدينة في خطوة أخرى نحو تشجيع إرهاب المستوطنين المنظم.

كفاح زبون (رام الله)
الولايات المتحدة​ قائد «كتائب البراء بن مالك» الإسلامية المصباح طلحة (وسط) يقف على يمين مساعد القائد العام للجيش السوداني ياسر العطا (متداولة)

واشنطن تصنف «الإخوان المسلمين» في السودان منظمة إرهابية

أدرجت الخارجية الأميركية جماعة «الإخوان المسلمين» بالسودان على قائمة المنظمات الإرهابية العالمية المصنفة بشكل خاص وتعتزم تصنيفها منظمة إرهابية أجنبية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.