العالم يخسر كوفي أنان «الوجه الأرستقراطي» للدبلوماسية الدولية

صانع السلام اختلف مع أميركا وصمد في وجه الفضائح والعثرات - كاريزماتي ارتقى سلم المراتب في الأمم المتحدة ليصير أول أمين عام أفريقي




 مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عام 2001 في رام الله (أ.ف.ب)
مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عام 2001 في رام الله (أ.ف.ب)
TT

العالم يخسر كوفي أنان «الوجه الأرستقراطي» للدبلوماسية الدولية




 مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عام 2001 في رام الله (أ.ف.ب)
مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عام 2001 في رام الله (أ.ف.ب)

بغياب الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان، يخسر العالم من كان يعتبر أحد أهم شخصياته السياسية والدبلوماسية والرمز الكاريزماتي الذي ارتقى كل درجات سلم المراتب في المنظمة الدولية ليصير أمينها العام الأفريقي الأول، الذي فاز بجائزة نوبل للسلام وظلّ أيضاً مرجعاً لمن بعده في هذا المنصب وسواهم حتى الأشهر الأخيرة قبل وفاته السبت في سويسرا عن 80 عاماً. وأعلنت المؤسسة التي تحمل اسمه في تغريدة على «تويتر» أن الوفاة حصلت في سويسرا، مضيفة أنه توفي بعد مدة قصيرة من إصابته بالمرض. ولكنها لم تحدد سبب الوفاة. وأضافت أن زوجته الثانية ناني وأبناءه أما وكوجو ونينا كانوا بجواره في أيامه الأخيرة. وأفادت بأنه «أينما كانت هناك معاناة أو حاجة، اتصل وتواصل مع أناس كثيرين بعطف وتعاطف عميقين».
وقال مصدران مقربان من أنان، الذي يحمل جنسية غانا، إنه توفي في مستشفى بيرن بسويسرا في الساعات الأولى من صباح السبت.
وأمضى أنان حياته المهنية بالكامل إدارياً في الأمم المتحدة. وساعده أسلوبه الذي كثيراً ما وصف بأنه «أرستقراطي» وأناقته الهادئة وذكاؤه السياسي في توجيه صعوده ليصير أمينها العام السابع، وهو الأول الذي يُعين لهذا المنصب من داخل المنظمة. وخدم ولايتين من 1 يناير (كانون الثاني) 1997 حتى 31 ديسمبر (كانون الأول) 2006، وتُوِّجت في منتصفها تقريباً عندما جرى منحه هو والأمم المتحدة جائزة نوبل للسلام عام 2001. وبعد انتهاء ولايته في الأمم المتحدة، تقاعد أنان وأقام في قرية سويسرية قريبة من مدينة جنيف. وتروج مؤسسته التي تأسست قبل عشر سنوات للحكم الرشيد والتحول في مجال الزراعة بأفريقيا. ولكنه ظل مناصراً قوياً للقضايا العالمية من خلال مؤسسته.
وخلال توليه المنصب، كان أنان على رأس بعض أسوأ الإخفاقات والفضائح في المنظمة الدولية، في واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في العالم منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945. وأرغمته التحديات من البداية على تمضية معظم وقته في الكفاح من أجل استعادة سمعته الملطخة. وتمكن إلى حد كبير من صون رفعته الأخلاقية من الشوائب، بفضل الكاريزما التي اتسم بها وبفعل التفاوض مع معظم القوى في العالم. وعندما غادر الأمم المتحدة، ترك منظمة دولية أكثر انخراطاً في حفظ السلام ومحاربة الفقر، ووضع إطار عمل لاستجابة الأمم المتحدة في القرن الحادي والعشرين للفظائع الجماعية ولتأكيدها على حقوق الإنسان والتنمية. ونعاه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في بيان قائلاً إن أنان «كان قوة موجهة للخير»، فضلاً عن أنه كان يجسد منظمة الأمم المتحدة، التي ترقى بين صفوف الموظفين فيها ليقودها إلى الألفية الجديدة بعزم وإباء لا مثيل لهما.
وأضاف أنه يفخر بأن أنان كان صديقاً ومرشداً له، وبأنه اختاره ليكون مفوضاً سامياً لشؤون اللاجئين تحت قيادته. وقال: «ظلّ أنان شخصاً ألجأ إليه دائماً لطلب المشورة والحكمة، وأعلم أنني لم أكن وحدي في ذلك» لأنه «أتاح للناس في كل مكان مجالاً للحوار ولحل المشكلات ومساراً لإيجاد عالم أفضل»، معتبراً أنه «في هذه الأوقات الصعبة، لم يتوقف أنان عن العمل لتجسيد قيم ميثاق الأمم المتحدة»، مؤكداً أن «إرثه سيظل مصدر إلهام لنا جميعاً». وقال أيضاً إنه «في نواحٍ كثيرة كان كوفي أنان هو الأمم المتحدة. ترقى في السلم الوظيفي حتى قاد المنظمة إلى ألفية جديدة بكرامة وتصميم منقطعَي النظير».
وقدم غوتيريش تعازيه لزوجة كوفي أنان، ناني، ولذويه ولكل من يشعر بالحزن لوفاة «ابن أفريقيا الأبي الذي صار بطلاً عالمياً للسلام من أجل البشرية جمعاء». وكتب غوتيريش في تغريدة على «تويتر» أن «كوفي أنان كان قوة موجهة للخير، أشارك العالم الحداد على وفاته. في هذه الأوقات المضطربة والعصيبة، سيظل إرثه، باعتباره بطلاً عالمياً للسلام، مصدر إلهام حقيقياً لنا جميعاً».
وحتى عندما صار خارج المنصب، لم يغادر أنان قط مدار الأمم المتحدة. عاد إليها في أدوار خاصة، بما في ذلك المبعوث الخاص المشترك للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى سوريا عام 2012. واستقال بعد إخفاق قوى عالمية في الوفاء بالتزاماتها، قائلاً: «خسرت قواتي وأنا في الطريق إلى دمشق».
وتولى أنان المنصب الأرفع على قمة الأمم المتحدة بعد ست سنوات من انهيار الاتحاد السوفياتي وترأس خلال عقد، اتحد العالم فيه ضد الإرهاب بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) ثم انقسم بشدة على الحرب بقيادة الولايات المتحدة ضد العراق. واختبرته العلاقة مع الولايات المتحدة كزعيم دبلوماسي عالمي.
عارض بحزم الغزو الأميركي للعراق عام 2003. وقال في مقابلة مع مجلة «تايم» في فبراير (شباط) 2013 بمناسبة نشر مذكراته «عمليات التدخل: الحياة في الحرب والسلام»: «أعتقد أن اللحظة الأحلك لدي كانت حرب العراق، والحقيقة أننا لم نستطع إيقافها». وفي المقابلة المسجلة على شريط فيديو، التي نشرها موقع مؤسسة «كوفي أنان» على الإنترنت، أضاف: «عملتُ بجدّ - كنت أتصل عبر الهاتف لأتحدث مع الزعماء في أنحاء العالم. لم تحظَ الولايات المتحدة بالدعم في مجلس الأمن». وزاد: «لذلك قرروا الذهاب من دون المجلس. لكنني أعتقد أن المجلس كان على حق في عدم الموافقة على الحرب». وسأل: «هل يمكن أن تتخيلوا إذا كانت الأمم المتحدة أيدت الحرب في العراق، كيف ستكون سمعتنا؟ على رغم ذلك آنذاك، قال الرئيس (جورج دبليو) بوش إن الأمم المتحدة تتجه إلى أن تكون عديمة الصلة، لأننا لم ندعم الحرب. الآن نحن نعرف بشكل أفضل».
رغم مهاراته الدبلوماسية الحذقة، لم يخش أنان إطلاقاً التحدُّث بصراحة. لم يحصل على تأييد شعبي كافٍ بسبب ذلك، لا سيما في حال إدارة بوش، حيث أمضى معسكر أنان الكثير من الوقت في التشاحن معها. ومضى الكثير من فترة ولايته الثانية على خلاف مع الولايات المتحدة، المساهم الأكبر في الأمم المتحدة، بينما كان يحاول الاعتماد عليها لدفع ما يقرب من ملياري دولار من المتأخرات.
وتعرض أنان للانتقاد عندما كان رئيساً لعمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام بسبب إخفاق المنظمة الدولية في وقف الإبادة الجماعية التي وقعت في رواندا في التسعينات من القرن الماضي. وارتبط اسمه أيضاً بجهود السلام لإعادة توحيد شطري جزيرة قبرص؛ إذ تقدم بمسوَّدة خطة لإعادة توحيد الجزيرة لكن القبارصة اليونانيين رفضوها في استفتاء عام 2004.
وخلال مقابلة مع برنامج «هارد توك» في هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» في أبريل (نيسان) الماضي بمناسبة عيد ميلاده الثمانين، قال أنان: «يمكن تحسين الأمم المتحدة، إنها ليست مثالية (…) أنا متفائل عنيد. ولدت متفائلاً وسأظل متفائلاً».
وعندما كان كبير الموظفين الدوليين، كان من أولوياته برنامج الإصلاح الشامل لتعزيز منظومة الأمم المتحدة وجعل النظام العالمي أكثر فعالية. وكان مدافعاً ثابتاً عن حقوق الإنسان وسيادة القانون والأهداف الإنمائية للألفية وأفريقيا. وحرصاً منه على أن تكون الأمم المتحدة أكثر قرباً للجمهور العام، عزز علاقات المنظمة الدولية بالمجتمع المدني والقطاع الخاص وشركاء آخرين. وبمبادرة منه، عززت قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام بشكل مكَّن المنظمة من التكيف مع الزيادة السريعة في عدد عمليات وأفراد حفظ السلام.
وبناء على دعواته، أنشأت الدول الأعضاء لجنة بناء السلام، ومجلس حقوق الإنسان. كما قام بدور محوري في إنشاء الصندوق الائتماني الدولي لمحاربة الإيدز والسل والملاريا، واعتماد استراتيجية الأمم المتحدة الأولى لمكافحة الإرهاب، وفي قبول الدول الأعضاء مبدأ «مسؤولية الحماية» لضمان حماية الناس من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية.

زعماء العالم ينعون أنان
- الرئيس الغاني نانا أكوفو - أدو:
إن «الدبلوماسي الدولي المتمرس والأمين العام السابق للأمم المتحدة الذي يحظى باحترام شديد السيد كوفي أنان كان أول مَن يشغل هذا المنصب المرموق من دول أفريقيا جنوب الصحراء. حقق صيتاً متميزاً لبلدنا بهذا المنصب وعبر أدائه وسلوكه في الساحة الدولية. أنان كان مفعماً بالإيمان بقدرة المواطن الغاني على رسم مساره نحو التقدم والرخاء».
- الرئيس الغاني السابق جون ماهاما:
أنان «عاش وعمل من أجل السلام العالمي والأمن والتنمية المستدامة في أوقات صعبة للغاية. إنه فخر لغانا ولأفريقيا».
- مجموعة الحكماء التي أنشأها نيلسون مانديلا وتتألف من شخصيات عالمية وكان أنان عضواً فيها:
«لعب أنان دوراً حيوياً في قيادة عمل منظمة الحكماء وكان صوت القوة والحكمة في السر والعلن... فضلاً عن أنه كان مدافعاً ثابتاً عن حقوق الإنسان والتنمية وسيادة القانون. كوفي أنان كان ملتزماً مدى الحياة بقضية السلام وعُرف عنه معارضته القوية للعدوان العسكري، خصوصاً غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة عام 2003».
- ديسموند توتو... عضو مجموعة الحكماء:
«أنان يمثل قارتنا والعالم بحفاوة ونزاهة وامتياز... نشكر الله كثيراً على هذه النعمة».
- تيريزا ماي رئيسة الوزراء البريطانية:
«أنان زعيم رائع ومصلح للأمم المتحدة أسهم بشكل كبير في تحويل العالم الذي تركه إلى مكان أفضل عن العالم الذي وُلد فيه».
- إيمانويل ماكرون رئيس فرنسا:
«فرنسا تثني عليه. لن ننسى قط توجهه الهادئ والحازم للأمور والتزامه القوي».
- فلاديمير بوتين رئيس روسيا:
«سنوات كثيرة من حياة هذا الشخص المميز والسياسي العظيم كرسها لخدمة الأمم المتحدة. ترأس الأمم المتحدة في وقت عصيب، وفعل الكثير لتحقيق غايات وأهداف المنظمة، معززاً دورها المركزي في الشؤون العالمية... إسهاماته الشخصية في بناء إمكانات الأمم المتحدة لحفظ السلام، وكذلك في تسوية عدد من النزاعات الإقليمية، كانت مهمة بشكل خاص». أنا معجب بصدق بحكمته وشجاعته، وقدرته على ذلك اتخاذ قرارات متوازنة حتى في أصعب الأوضاع وأحرجها».
- سيريل رامابوسا رئيس جنوب أفريقيا:
«أنان كان زعيماً رائعاً ودبلوماسياً فريداً... طرح الأجندة الأفريقية داخل الأمم المتحدة ورفع علم السلام في كل أنحاء العالم».
- عبد الله المعلمي المندوب السعودي الدائم لدى الأمم المتحدة:
«نأسى لوفاة كوفي أنان. كان رجلاً كريماً وفضيلاً»، مشيراً إلى معرفته الشخصية به حيث «كان لي شرف الترحيب به في الرياض مع مجموعة الحكماء قبل أسابيع قليلة»، وإلى إدارته نقاشاً حول الشؤون العالمية حيث ظهر أنان باعتباره «مواطناً عالمياً مكرساً للسلام العالمي».
- أنور قرقاش وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية:
«رحل عن الدنيا بعد مسيرة سياسية حافلة... إنه قامة دبلوماسية تميز بأدائه في وظيفة شاقة وظروف صعبة».
- زيد رعد الحسين المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان المنتهية ولايته:
«أنان أفضل مثال على الإنسانية ونموذج للكياسة والعطف الإنساني... كلما أشعر بالعزلة والوحدة السياسية أخرج للسير لفترات طويلة مع أنان في جنيف». وأضاف: «أخبرته مرة كيف أن الجميع متبرمون مني، فنظر إلى كما ينظر أب لابنه وقال بثبات: إنك تفعل الصواب، دعهم يتبرموا، ثم علت محياه ابتسامة عريضة».
- غسان سلامة المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى ليبيا:
«فقد العالم اليوم رجلاً نبيلاً أمضى العمر حتى ساعته الأخيرة عاملاً في سبيل السلم والوفاق وحل النزاعات». وأضاف: «كان كوفي أنان دمث الخلق، رقيق الشعور، حذقاً في التوسط، صبوراً في وجه العقبات، حكيماً في التعامل مع المتخاصمين، إنسانياً في رفقة الضعفاء، وصديقاً صدوقاً لأزمنة المصاعب كما لأيام الطمأنينة».
- نيكي هيلي المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة:
أنان «كرس حياته لجعل العالم مسالماً أكثر»، مضيفة أنه «عمل بلا كلل لتوحيدنا ولم يتوقف قط عن المحاربة من أجل كرامة كل شخص».


مقالات ذات صلة

إحاطة تيتيه لـ«مجلس الأمن» تفرق أطراف الأزمة الليبية

شمال افريقيا المنفي مستقبلاً تيتيه بمكتبه في طرابلس في 21 أبريل الحالي (مكتب المنفي)

إحاطة تيتيه لـ«مجلس الأمن» تفرق أطراف الأزمة الليبية

انفتح المشهد السياسي في ليبيا على انقسام حيال الإحاطة التي قدمتها الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن الدولي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان التقى رئيس حكومة «الوحدة» الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» في 17 أبريل الحالي (الرئاسة التركية)

تركيا تؤكد دعمها لليبيا لإنجاح العملية السياسية وتعزيز التعاون العسكري

أكدت تركيا دعمها للعملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة في ليبيا، مع الاستمرار في تقديم الدعم العسكري لحكومة «الوحدة» الوطنية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا المنفي وتيتيه خلال لقاء بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي)

ليبيا: «الرئاسي» و«الدولة» يرفضان «حواراً مصغراً» برعاية أممية

استبق محمد تكالة، رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، إحاطة المبعوثة الأممية هانا تيتيه إلى مجلس الأمن الدولي بتوجيه رسالة وصفها بأنها «شديدة اللهجة».

خالد محمود (القاهرة)
العالم مهاجرون على متن قارب ينتظرون المساعدة من قارب إنقاذ في البحر المتوسط 24 يوليو 2025 (رويترز)

الأمم المتحدة: 8 آلاف مهاجر لقوا حتفهم أو فُقدوا في عام 2025

قالت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، اليوم (الثلاثاء)، إن نحو 8 آلاف شخص لقوا حتفهم أو فُقدوا أثناء محاولتهم الهجرة العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

تعتقد الأمم المتحدة أن استئناف صادرات النفط والغاز في اليمن يُعد أمراً أساسياً لتعافي الاقتصاد ومفتاحاً لتحقيق مكاسب سلام مهمة لليمنيين 

عبد الهادي حبتور

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».