البيت الأبيض يهدد بتشديد العقوبات على أنقرة

تركيا تتمسك برفض الإفراج عن القس برانسون

أعلام الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وتركيا في الحي المالي في إسطنبول أمس (أ.ف.ب)
أعلام الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وتركيا في الحي المالي في إسطنبول أمس (أ.ف.ب)
TT

البيت الأبيض يهدد بتشديد العقوبات على أنقرة

أعلام الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وتركيا في الحي المالي في إسطنبول أمس (أ.ف.ب)
أعلام الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وتركيا في الحي المالي في إسطنبول أمس (أ.ف.ب)

حذر مسؤولون كبار في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من فرض مزيد من العقوبات ضد تركيا، ما لم يتم إطلاق سراح القس الأميركي أندرو برانسون. وشددت سارة ساندرز المتحدثة باسم البيت الأبيض على أن الرئيس الأميركي يشعر بالإحباط؛ لأن تركيا لم تفرج عن القس الأميركي، وكذلك عن مواطنين أميركيين آخرين وموظفين في السفارة والقنصليات الدبلوماسية في تركيا، ما زالوا قيد الاحتجاز.
وجاءت التحذيرات والتلميحات بالإحباط وإمكانية فرض مزيد من العقوبات، بعد يوم من الاجتماع الذي عقده السفير التركي بواشنطن سردار كيليتش مع جون بولتون مستشار الأمن القومي الأميركي، والذي لم يخرج بنتائج واضحة؛ لكنه يشير إلى بارقة أمل في تخفيف التوتر بين أنقرة وواشنطن.
وقال مسؤول بالبيت الأبيض طلب عدم الكشف عن هويته، إن النقاشات لم تقدم أي جديد فيما يتعلق بقضية الإفراج عن القس برانسون، مشيرا إلى أن بولتون أوضح للسفير التركي أن إدارة ترمب ستبقى حازمة للغاية في هذا الأمر، وأن الرئيس ترمب ملتزم بإعادة القس برانسون إلى وطنه، وخلال الأيام القادمة يمكنه اتخاذ مزيد من الإجراءات. وأضاف المسؤول أنه من المرجح أن تتخذ الإدارة الأميركية إجراءات أخرى، في شكل عقوبات اقتصادية، قائلا: «سيستمر الضغط ما لم نشهد نتائج».
وأشارت هيثر نويرت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية، إلى أن التقدم الذي تريده واشنطن هو عودة القس برانسون إلى الولايات المتحدة. وأوضحت أن المحادثات متواصلة حول إعادته وإعادة بقية الأميركيين المحتجزين في تركيا.
وبالأمس، رفضت محكمة تركية طلبا جديدا للإفراج عن القس برانسون، وقررت محكمة مدينة إزمير رفض الطلب، مؤكدة أن برانسون سيبقى قيد الإقامة الجبرية، حسبما أفادت وكالة الأناضول الرسمية. وأكد محامي الدفاع التركي عن القس جيم هالفورت لوكالة الصحافة الفرنسية، أن محكمة أخرى في إزمير ستنظر في طلب موكله. ولا تزال محاكمته جارية، ومن المقرر عقد الجلسة التالية في 12 أكتوبر (تشرين الأول).
ويشكك الخبراء والمحللون السياسيون في إمكانية تضييق الخلافات بين واشنطن وأنقرة؛ بل يشيرون إلى زيادة حدة التوتر مع إعلان مسارات للتحدي والعناد في وجه المطالب الأميركية.
وقد أعلنت تركيا رفع الرسوم الجمركية على بعض الواردات الأميركية، بما في ذلك الأرز والسيارات والكحول والفحم ومنتجات التجميل، في إطار مبدأ المعاملة بالمثل. وقد قالت الحكومة التركية إن التعريفات الجمركية على السيارات الأميركية سوف تتضاعف إلى 120 في المائة، بينما ستزيد التعريفات على المشروبات بالمعدل نفسه إلى 140 في المائة. وسوف تصل الرسوم إلى 533 مليون دولار، وهو مبلغ صغير نسبياً يقصد به الانتقام من قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأخير، بمضاعفة التعريفات الجمركية على الصلب والألمنيوم التركي.
وتأتي هذه التعريفة بعد يوم من إعلان الرئيس رجب طيب إردوغان أن تركيا ستقاطع البضائع الإلكترونية الأميركية، بما في ذلك الهواتف «آيفون»؛ على الرغم من أنه لم يتضح كيف سيتم فرض المقاطعة أو تشجيعها. وشهدت الأسواق المالية انخفاضات قياسية لليرة التركية التي انخفضت بنحو 42 في المائة حتى الآن، وزاد من تفاقم الأزمة الاقتصادية، ارتفاع مستويات الديون الخارجية في البلاد، ورفض إردوغان السماح للبنك المركزي برفع أسعار الفائدة لدعم العملة.
ويشكك المستثمرون في سوق الأوراق المالية في أن إطلاق تركيا لسراح القس برانسون يمكن أن يؤدي إلى انتعاش في سوق الأسهم، خاصة سوء الإدارة الاقتصادية التي تتبعها حكومة إردوغان. ويقول المحللون إن العقوبات الأميركية التي فرضتها إدارة ترمب على الحديد والألمنيوم التركي، تعد ضئيلة للغاية لإحداث هذا الانهيار في العملة التركية، فيما يتشكك المحللون السياسيون في إمكانية إصلاح العلاقات المشتعلة بين البلدين على المدى القريب.
ويقول ستيفن كوك، الخبير السياسي بمجلس العلاقات الخارجية بواشنطن، إن الخلافات بين واشنطن وأنقرة تتجاوز مسألة إطلاق سراح القس الأميركي بكثير. فقد أعربت واشنطن عن قلقها من خطط أنقرة شراء أنظمة دفاع جوية متقدمة من طراز «S – 400» من روسيا؛ لأن تركيا تشتري طائرات «F – 35» عالية التقنية من المخزون العسكري الأميركي، وتعتمد على روسيا في الصيانة وقطع الغيار، بما يمكن موسكو من جمع معلومات قيمة حول كشف أي عيوب للطائرة وإمكانية مواجهتها.
كما تلاعب الأتراك بشكل كبير فيما يتعلق بالحرب الأميركية ضد تنظيم داعش والملف السوري، وفيما يتعلق بدعم واشنطن للأكراد، واستهداف تركيا لحلفاء واشنطن داخل سوريا. كما قامت أنقرة بتقويض خطط وسياسات الولايات المتحدة لمواجهة إيران، وأعلن إردوغان رفضه الامتثال للعقوبات الأميركية المفروضة على إيران، والاستمرار في استيراد النفط الإيراني ومساعدة إيران على تجنب العقوبات.
ويؤكد كوك أن قضية القس الأميركي أصبحت نقطة اشتعال؛ لأن أنقرة وافقت على إطلاق سراحه ثم تراجعت عن القيام بهذه الخطوة، كما أنها تحتجز ما بين 15 إلى 20 أميركيا، بما في ذلك عالم من وكالة «ناسا» وموظفون أتراك مزدوجو الجنسية، يعملون في السفارة الأميركية وتستخدمهم أنقرة كورقة مساومة وضغط، لإجبار الولايات المتحدة على تسليم المعارض التركي فتح الله غولن الذي تتهمه حكومة إردوغان بتدبير الانقلاب الفاشل عام 2016. وتقول ستيفاني سيغال، الباحثة في الاقتصاد السياسي بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن إدارة الرئيس ترمب اتبعت سياسة فرض العقوبات الاقتصادية ضد عدد من الدول، بما في ذلك الصين وروسيا، وهددت بالانسحاب من اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية، وفرضت رسوما جمركية على واردات السيارات الأوروبية؛ لكن الإجراءات التي اتخذتها ضد تركيا ومضاعفة التعريفة الجمركية ضد سلعتين فقط قد أدت إلى انهيار واضح في الاقتصاد التركي، نتيجة لنقاط ضعف أساسية يعاني منها الاقتصاد التركي.
وأشارت إلى أن الولايات المتحدة تريد زيادة الضغوط على تركيا لكبح علاقاتها الاقتصادية مع إيران، بما يعني مخاطر أكبر للاقتصاد التركي. وأوضحت سيغال أن الضعف الاقتصادي التركي وفقا لصندوق النقد الدولي، نتيجة سياسات اقتصادية تركية مضطربة أدت إلى عجز في الحساب الجاري وعجز مالي كبير وديون خارجية، وانخفاض ثقة المستثمرين، مع ازدياد هروب رأس المال في ظل الأزمة الحالية. وتشير سيغال إلى أن أي دولة تتعرض لهذا الموقف فإنها تتجه إلى صندوق النقد الدولي للحصول على المساعدة، ولكن في ظل الظروف السياسية الحالية من الصعب رؤية كيف يمكن رسم برنامج لتمكين تركيا من سد احتياجاتها التمويلية؛ خاصة أنها لن تتلقى دعما من الولايات المتحدة، سواء في صندوق النقد الدولي أو في أي مكان آخر، طالما استمرت في تحدي مطالب الولايات المتحدة.
ووفقا لعدة مسؤولين أبدوا قلقهم من تأثير الأزمة بين أنقرة وواشنطن على اقتصادات الأسواق الناشئة الأخرى، مثل جنوب أفريقيا وإندونيسيا وكولومبيا التي تتعرض لضغوط نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة، فإن الإدارة الأميركية تبدو أقل اهتماما بتلك التأثيرات.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended