سمسار أسلحة سوري نسّق صفقات بين كوريا الشمالية والحوثيين وأطراف ليبية وسودانية

«الشرق الأوسط» تنفرد بنشر تفاصيل مثيرة من التقرير السري لخبراء العقوبات الأممية

كيم جونغ أون يزور مصنعا كوريا أول من أمس (رويترز)
كيم جونغ أون يزور مصنعا كوريا أول من أمس (رويترز)
TT

سمسار أسلحة سوري نسّق صفقات بين كوريا الشمالية والحوثيين وأطراف ليبية وسودانية

كيم جونغ أون يزور مصنعا كوريا أول من أمس (رويترز)
كيم جونغ أون يزور مصنعا كوريا أول من أمس (رويترز)

أوصى خبراء لجنة العقوبات الدولية على كوريا الشمالية بموجب قرارات مجلس الأمن بإضافة الكثير من سفن الشحن والأفراد والشركات على لوائح العقوبات، بسبب تعاملاتها المتواصلة مع بيونغ يانغ. وكشفوا تفاصيل مثيرة، في تقرير حصلت «الشرق الأوسط» على مقتطفات حصريّة منه، عن مراسلات بين مسؤولين كوريين شماليين ومسؤولين في بلدان عربية، بينهم الرئيس السابق للمجلس الأعلى للدفاع نائب رئيس الوزراء الليبي خليفة الغويل، وعن عمليات سمسرة قام بها تاجر الأسلحة السوري حسين العلي، الذي لعب دوراً محورياً في المراسلات والاجتماعات لمسؤولين كوريين شماليين مع القيادي في جماعة الحوثي اللواء زكريا يحيى الشامي والسفير الحوثي في دمشق نايف أحمد القانص، بغية التوصل إلى «بروتوكول تعاون بين اليمن وكوريا الشمالية» يتضمن شراء معدات عسكرية، تتضمن رشاشات الكلاشنيكوف وبنادق «بي كي سي» وقاذفات «آر بي جي» وصواريخ «فاغوت» و«إيغلا» وأنظمة دفاع جوي وصواريخ باليستية.
وكانت وسائل الإعلام نشرت بعض المعلومات استناداً إلى صفحة الموجز التنفيذي للتقرير الذي يتألف من 62 صفحة والكثير من الملحقات. بيد أن «الشرق الأوسط» حصلت بصورة حصرية على مقتطفات رئيسية منه، ولا سيما في الفقرات المتعلقة بكل من ليبيا والسودان وسوريا واليمن، فضلاً عن توصيات الخبراء لمجلس الأمن. وكشف التقرير استمرار كوريا الشمالية في برامجها النووية والصاروخية في خرق لعقوبات الأمم المتحدة.

- مراسلات واجتماعات مع ليبيا
أفاد التقرير، الذي لا يزال سريّاً، بأن فريق الخبراء «واصل تحقيقاته في محاولات كثيرة للتعاون العسكري بين كوريا الشمالية والسلطات الليبية المختلفة، وكذلك في كيانات ورعايا أجانب مدرجين على لوائح العقوبات ممن يعملون لمصلحتهم في ليبيا»، ناقلاً عن دولة عضو في الأمم المتحدة أن نائب وزير التجهيزات العسكرية الكوري الشمالي أو تشول سو وجه رسالة بتاريخ 23 مارس (آذار) 2015 إلى رئيس المجلس الأعلى للدفاع نائب رئيس الوزراء الليبي آنذاك خليفة الغويل، لاحظ فيها أن كوريا الشمالية «في الوقت الراهن في طور إعداد اتفاق بيع - شراء لأنظمة دفاعية مطلوبة، والذخيرة اللازمة للحفاظ على استقرار ليبيا». وسمى مؤسسة «غرين باين أسوسيايشن» التجارية الكورية الشمالية.
كما ذكر دور «المكتب الاستشاري للتسويق» (كونسالتينغ بيرو فور ماركيتينغ) العائد لتاجر الأسلحة السوري حسين العلي، الذي يعمل لمصلحة جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية (الاسم الرسمي لكوريا الشمالية) في ليبيا والسودان واليمن.
وأضاف الخبراء أنه في 5 أبريل (نيسان) 2015، ردّ خليفة الغويل على رسالة أو شول سو، داعياً فرقاً تقنية ليبية لزيارة كوريا الشمالية. وأظهرت وثيقة من وزارة الدفاع الليبية في 20 مايو (أيار) 2015 أن وكالة قانونية فوضت حسين العلي «للتفاوض والمراسلة وتبادل المعلومات وتلقي الوثائق والمقترحات الفنية والمالية نيابة عنا في كوريا الشمالية». وأفاد تقرير الفريق بأنه «يشتبه في وجود صلة بين النشاطات المخططة عام 2015 والاجتماعات التي عقدها لاحقاً السفير الكوري الشمالي في ليبيا مع وزارة الدفاع الليبية، للانخراط في تعاون عسكري في مارس 2017».

- خطط لنقل تكنولوجيا صواريخ إلى السودان
كذلك، واصل الفريق تحقيقاته في مشاريع تعاون عسكري بين كوريا الشمالية والسودان، وحصل على معلومات تتضمن رسالة مؤرخة في 28 سبتمبر (أيلول) 2016 بين مهرّب الأسلحة السوري حسين العلي وشركة «تشونريونغ تكنولوجي كوربورايشن»، تحدد نقل تكنولوجيا لصواريخ «فاغوت» المضادة للدبابات مستقبلا، وأنظمة دفاع جوي تحمل على الكتف (MANPADS) لـ«التصنيع العسكري في السودان».
ﻭتبلغ الفريق أيضاً أﻥ ﺷﺮﻛﺔ «سودان ماستر تكنولوجي إنجينيرينغ كومباني» المرتبطة بشركة الصناعات العسكرية في السودان كان لديها اتصالات عام 2009 ﻣﻊ رجل الأعمال الأسترالي تشوي تشان هان، المعروف أيضاً باسم سولومون تشوي، الذي يعمل نيابة ﻋﻦ كوريا الشمالية وقبض ﻋﻠﻴﻪ في أستراليا في 16 ديسمبر (كانون الأول) 2017 بسبب «السمسرة لبيع مكونات صواريخ وفحم حجري». ولم يستجب السودان بعد لطلب الفريق الحصول على معلومات ووثائق من الحكومة ومن شركات شبه حكومية، يفاد بأنها قامت بأعمال مع حسين العلي وتشوي تشان هان.
كذلك: «لم يرد السودان بعد على طلب الفريق الحصول على معلومات عن ممثلي كوميد (كبرى شركات صناعة الأسلحة في كوريا الشمالية) في السودان كيم سونغ تشول وسون جونغ هيوك، بما في ذلك الحصول على نسخ من العقود وفواتير السفر والمعلومات عن شركات سودانية ذات صلة، وعن رجال أعمال ومسؤولين عسكريين وحكوميين ذوي صلة لفترة 2009 - 2018».

- تعاون بلا هوادة مع سوريا
واصل الفريق تحقيقاته في النشاطات المحظورة بين كوريا الشمالية وسوريا، ومنها استمرار سفر فنيين من كوريا الشمالية إلى سوريا ومنها، ووجود مواطنين كوريين شماليين يعملون نيابة عن الكيانات الخاضعة للعقوبات في سوريا بالإضافة إلى سماسرة أسلحة سوريين يحاولون بيع معدات عسكرية كورية شمالية في الكثير من الدول الشرق الأوسطية والأفريقية. وأكد أنه تبلغ عام 2018 عن زيارات إضافية إلى سوريا في 2016 - 2017 لفنيين من كوريا الشمالية مرتبطين بنشاطات محظورة، كانوا يعملون لصالح مصانع دفاعية سورية (معمل الدفاع).
وبين هؤلاء: «ثلاثة مواطنين كوريين شماليين غادروا سوريا في ربيع عام 2017»، وهم يونغ كيونغ سونغ وكيم جونغ جيل وكيم ثاي هيون.
وأضاف أن ثلاثة خبراء كوريين شماليين آخرين هم كيم يونغ تشول، ورو جونغ ميونغ، وري سونغ وصلوا إلى سوريا في 3 مايو 2017 واستقبلهم العقيد سامر حيدر، العضو في دائرة الدفاع الجوي التابعة للقوات المسلحة السورية.
وأوضح أن «الأفراد الثلاثة حصلوا على تأشيرات مدتها ثلاثة أشهر صادرة عن السفارة السورية في بيونغ يانغ»، مضيفاً أن «أسماءهم وأرقام جوازاتهم تختلف عن مجموعات الفنيين الكوريين الشماليين الذين انخرطوا في نشاطات صواريخ باليستية وغيرها من النشاطات المحظورة وكانت سافرت سابقاً إلى سوريا وعادت منها في فبراير (شباط) 2011، وأغسطس (آب) 2016، ونوفمبر (تشرين الثاني) 2016 ومارس 2017 مما أظهر بالتالي أن التعاون العسكري المحظور لكوريا الشمالية مع سوريا مستمر بلا هوادة».
وكشف المحققون أن «مواطنين سوريين انخرطوا في سمسرة أسلحة نيابة عن كوريا الشمالية، إذ إنهم حاولوا القيام بعمليات بيع لمجموعة من الدول الشرق الأوسطية والأفريقية، عارضين أسلحة تقليدية وفي بعض الحالات صواريخ باليستية، لجماعات مسلحة في اليمن وليبيا». وأضاف أن حسين العلي «منخرط في تعاون عسكري محظور نيابة عن كوريا الشمالية، من خلال قيامه بمحاولات بيع أسلحة في ليبيا والسودان واليمن».
ولم يتلق الخبراء أي رد على طلبهم من العلي معرفة تفاصيل حول «علاقته مع وزارة المعدات العسكرية الكورية الشمالية وسايينغ بيل وغيرها من الكيانات الكورية الشمالية والمواطنين الكوريين الشماليين الخاضعين للعقوبات». علما بأن الفريق تبلغ أن ريو جين، المعين كممثل لشركة كوميد العسكرية الكورية الشمالية في سوريا، غادر هذا البلد، من دون أن يعرف ما إذا كانت هذه المغادرة حصلت بسبب طرده وفقاً للفقرة 13 ﺃﻭ ﺍﻟﻔﻘﺮﺓ 14 ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺮﺍﺭ 2270. وأن عدداً من الأفراد الخاضعين للعقوبات وغيرهم من المواطنين الكوريين الشماليين العاملين لدى كيانات خاضعة للعقوبات، بما في ذلك تشو جين ميونغ لا يزالون مقيمين في سوريا».

- صواريخ باليستية للحوثيين
أفاد الفريق بأنه حقق في الجهود التي تبذلها وزارة المعدات العسكرية الكورية الشمالية و«كوميد» لتوفير مجموعة واسعة من الأسلحة التقليدية والصواريخ الباليستية لجماعة الحوثي في اليمن، من خلال السمسار السوري حسين العلي. وأوضح أنه «حصل على رسالة دعوة مؤرخة في 13 يوليو (تموز) 2016 موجهة من القيادي الحوثي اللواء زكريا يحيى الشامي لوزارة المعدات العسكرية الكورية الشمالية وشركة توسونغ ترايدينغ، وهي شركة فرعية تابعة لكوميد، للاجتماع في دمشق من أجل مناقشة مسألة نقل التكنولوجيا وقضايا أخرى ذات اهتمام مشترك». وأضاف أنه جرى التفاوض على «بروتوكول تعاون بين اليمن وكوريا الشمالية» من قبل «السفير الحوثي في دمشق نايف أحمد القانص وسمسار الأسلحة السوري حسين العلي». وهذا تضمن «مجموعة واسعة من المعدات العسكرية»، بما في ذلك رشاشات «الكلاشنيكوف» وبنادق «بي كي سي» الآلية، وقاذفات «آر بي جي - 7»، و«آر بي جي - 29»، وصواريخ «فاغوت» و«إيغلا» ودبابات وأنظمة دفاع جوي وصواريخ باليستية. «ولم يرد اللواء زكريا يحيى اﻟﺸﺎﻣﻲ وﻧﺎيف أﺣﻤﺪ القانص وﺣﺴﻴﻦ اﻟﻌﻠﻲ ﻋﻠﻰ ﻃﻠﺐ اﻟﻔﺮﻳﻖ لمعرفة معلومات عن دورهم في هذه المفاوضات، ومحاولات السمسرة والتزويد بهذه الأسلحة من جمهورية الشمالية أو نيابة عنها».

- مشاريع مشتركة مع روسيا
إلى ذلك، بيّنت تحقيقات الفريق أن هناك انتهاكات للحظر المفروض على المشاريع المشتركة والكيانات التعاونية بموجب الفقرة 18 من القرار 2375، بعد ظهور معلومات عن شركة في السجل التجاري الروسي الرسمي تدرج المالك كمواطن كوري شمالي والمدير كمواطن روسي، فضلاً عن أن عنوان هذه الشركة هو نفسه عنوان القنصلية العامة الكورية الشمالية في مدينة فلاديفوستوك الروسية.
وقال الفريق إن تحقيقاته توصلت إلى أن شركة «كوريا العامة للإنشاءات الخارجية» (جينكو أو كوجين)، التي لها صلات بكل من «مانسوداي» وهان هون إيل (آر جي بي) في زامبيا، هي المالك المشترك (مع مواطن روسي) لشركة بناء مشتركة في ساخالين أوبلاست في روسيا.
ووفقاً لسجلات روسية رسمية، فإنها دخلت أخيراً وفازت بمناقصة لعقود تزويد لوكالات تابعة للدولة الروسية في يونيو (حزيران) 2018 وهناك مشروع مشترك آخر يملكه مواطنان كوريان شماليان ويديره مواطن روسي في كراسنويارسك مسجل تحت الاسم الروسي لشركة «جينكو».
وأضاف التقرير أن غالبية المشاريع المشتركة في روسيا يملكها كلياً أو بصورة مشتركة أفراد كوريون شماليون (في أوراق العمل أيضاً مع مالكين مشتركين و-أو مديرين من روسيا)، فإن الشركات الكورية الشمالية التالية (بالإضافة إلى جينكو) تملك مشاريع مشتركة على الأراضي الروسية، في انتهاك للفقرة 18 من القرار 2375 «كوريا كومغانغ جنرال كوربورايشن» ووزارة الغابات الكورية الشمالية والأكاديمية الكورية الشمالية للعلوم الطبية وشركة «بوغانغ فارماسوتيكال» للصيدلة وشركة «الثامن من مارس» التجارية الكورية و«كوريا أبروكغانغ» و«كوريا بايكما ترايدينغ كوربورايشن».
وأوصى الفريق كل الدول «لضمان إنهاء استخدام ممتلكات كوريا الشمالية لأي أغراض محظورة بموجب الفقرة 18 من القرار 2321. وإلغاء كل التسجيلات أو الإيجارات ذات الصلة، وحل كل المشاريع المشتركة أو الكيانات التعاونية التي تضم مواطنين أو كيانات من كوريا الشمالية وفقا للفقرة 18 من القرار 2375».

- توصيات فريق الخبراء
وأوصى الفريق لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن بأن تدرج على لائحة العقوبات السفن «ميونغ ريو 1»، و«سونغ وون»، و«جين يانغ»، و«شانغ يوان باو» بسبب قيامها بعمليات نقل غير مشروعة لمنتجات نفطية. وأوصى أيضاً بأن يوضع على لائحة العقوبات هان هون إيل (إدوارد هان)، ويونغ كوك ييب، ويزيد مرزوق من «إم كي بي ماليزيا» و«إم كي بي زامبيا». كما يدعو الفريق الدول الأعضاء المعنية إلى تجميد كل ممتلكات وأصول «إم كي بي»، بالإضافة إلى شركة «بان سيستمز» مصحوبة بأسماء كل شركاتها الواجهة بما فيها «غلوكوم» و«إنترناشونال غولدن سيرفيسيز» و«إنترناشونال غلوبال سيستيمز» كأسماء مستعارة، لانخراطها في تمويل وبيع الأسلحة والعتاد ذات الصلة.
وكرر الفريق توصيته بأن يوضع على لائحة العقوبات الأفراد: ري آيك (لي آيك)، وانغ تشي غيو، ري هو نام، وكذلك بأن يوضع على لائحة العقوبات هان هون إيل (إدوارد هان) ويونغ كوك ييب (إم كي بي ماليزيا) ويزيد مرزوق (إم كي بي زامبيا)، بالإضافة إلى أن سيستمز مصحوبة بأسماء كل شركاتها الواجهة بما في ذلك «غلوكوم» و«إنترناشونال غولدن سيرفيسز» و«إنترناشونال غلوبال سيستم».
وأكد الفريق أنه ينبغي للدول الأعضاء النظر في شرط تنظيمي لشركات المتاجرة بالمنتجات النفطية وتكريرها وإنتاجها، كي تضم إجراءات تحقق من الاستخدام النهائي لها وبند «وقف تشغيل نظام التحديد الأوتوماتيكي» ﻓﻲ عقودها. وطالب الخبراء الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بأن تصدر توجيهات، حيث يحدد مصرف واحد ليكون المصرف الوحيد الذي يمكن أن يمسك حسابات سفارة كوريا الشمالية ودبلوماسييها مع تقديم النصح لكل المصارف الأخرى بعدم فتح حسابات لأي دبلوماسيين كوريين شماليين أو لأفراد أسرهم.
وأوصى الدول الأعضاء بأن تنصح مؤسساتها المالية بعدم فتح حسابات لدبلوماسيي كوريا الشمالية غير المعتمدين لديها، وبتقاسم اﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺎت حول النشاطات اﻟﻤﺎﻟﻴﺔ للدبلوماسيين الكوريين الشماليين مع دول أعضاء أخرى حيث تظهر السجلات أن هناك نشاطاً مالياً لتجنب التحايل عابر الحدود على العقوبات.


مقالات ذات صلة

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

خاص محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

التدخلات السعودية في محافظة شبوة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية والأمنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

تعتقد الأمم المتحدة أن استئناف صادرات النفط والغاز في اليمن يُعد أمراً أساسياً لتعافي الاقتصاد ومفتاحاً لتحقيق مكاسب سلام مهمة لليمنيين 

عبد الهادي حبتور
العالم العربي شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

ارتفعت أسعار المياه المعدنية في صنعاء في ظل عجز قطاع واسع من السكان عن استهلاكها، بالتوازي مع قطع الحوثيين شبكات المياه عن الأحياء للمطالبة بمديونيات مزعومة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.


العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.