ترمب يعيد العقوبات على طهران... ويبدى انفتاحه على اتفاق جديد

بولتون يحذر من أن غلق مضيق هرمز {سيكون أكبر خطأ}... وأكثر من 100 شركة عالمية التزمت مقاطعة إيران

عامل إيراني يجر عربة في بازار طهران أمس (إ.ب.أ)
عامل إيراني يجر عربة في بازار طهران أمس (إ.ب.أ)
TT

ترمب يعيد العقوبات على طهران... ويبدى انفتاحه على اتفاق جديد

عامل إيراني يجر عربة في بازار طهران أمس (إ.ب.أ)
عامل إيراني يجر عربة في بازار طهران أمس (إ.ب.أ)

وقع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، بدء المرحلة الأولى من العقوبات الأميركية على إيران، بعد 90 يوماً على انسحابه من الاتفاق النووي، معلناً «انفتاحه» على اتفاق جديد مع إيران. وفي حين أوضح مسؤولون خطة الإدارة الأميركية لتطبيق العقوبات، حذر مستشار الأمن القومي الأميركي إيران من إغلاق مضيق هرمز، وقال إنه «سيكون أكبر خطأ ترتكبه إيران».
وقال الرئيس الأميركي، في بيان: «في وقت نواصل فيه ممارسة أكبر قدر من الضغط الاقتصادي على النظام الإيراني، أبقى منفتحاً على اتفاق أكثر شمولاً، يلحظ مجمل أنشطته الضارة، بما فيها برنامجه الباليستي، ودعمه للإرهاب»، وفق ما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية.
وأصبحت المرحلة الأولى من العقوبات الأميركية سارية المفعول منذ أول ساعات فجر اليوم، وهي تستهدف قطاع المعادن والسيارات والتبادلات التجارية، فيما يتم تطبيق كامل العقوبات الأخرى في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني)، وتشمل: صادرات النفط، والتعاملات البترولية، والتعاملات المالية مع البنك المركزي الإيراني.
وعبر مؤتمر صحافي هاتفي مشترك، أمس، أعلن عدد من المسؤولين الأميركيين في وزارة الخارجية والبيت الأبيض تفاصيل العقوبات الأميركية، ولفت مسؤول أميركي إلى أن أكثر من 100 شركة استجابت للتحذيرات الأميركية حول التعاون مع إيران، وعبر مسؤول آخر عن توقعات بأن يكون لها أثر كبير على الاقتصاد الإيراني.
وأضاف المسؤولون أن ترمب مستعد للقاء الزعماء الإيرانيين في أي وقت، في مسعى للتوصل إلى اتفاق جديد، بعدما انسحب ترمب في مايو (أيار) من الاتفاق النووي المبرم بين إيران والقوى العالمية الكبرى عام 2015، حسبما أوردت «رويترز».
وصرح مسؤول أميركي كبير بأن الولايات المتحدة تريد من أكبر عدد ممكن من الدول وقف وارداتها من النفط الإيراني تماماً، وأضاف عندما سئل إن كانت الولايات المتحدة ستقدم أي إعفاءات للدول كي تواصل شراء النفط الإيراني: «سياستنا هي حمل أكبر عدد ممكن من الدول على التوقف تماماً بأسرع ما يمكن، وسنعمل مع كل دولة على أساس حالة بحالة، لكن هدفنا هو تقليص حجم الإيرادات والعملة الصعبة المتجه إلى إيران».
وقال مسؤول أميركي إنه تمت زيارة أكثر من 20 دولة حول العالم، في إطار الجهود الدبلوماسية الأميركية لتضييق الخناق الاقتصادي على إيران، والتعاون مع أميركا في ذلك منعاً لتعرضهم للعقوبات، مشيراً إلى أن الهدف من ذلك هو «إيصال الواردات الإيرانية البترولية إلى الصفر، وتضييق الخناق على النظام الإيراني لتغيير سلوكه الخبيث في المنطقة، وعدم تصدير الثورة ودعم الإرهاب».
وفي الاتجاه نفسه، أضاف مسؤول أميركي آخر أن الهدف من هذه العقوبات هو «الضغط اقتصادياً على النظام الإيراني لتغيير سلوكه في المنطقة، والدفع به لوقف دعم الإرهاب، فلا يوجد شك في أن إيران أكبر دولة داعمة للإرهاب في العالم، وعدم تطوير النظام الصاروخي والنووي المهدد لدول المنطقة والعالم أجمع، حيث إن إيران مسؤولة عن الفوضى والخراب الذي حل بمنطقة الشرق الأوسط خلال 40 عاماً، والمظاهرات الإيرانية الشعبية هي تعبير واضح عن عدم رضاهم عن الحكومة والفساد القائم فيها، وعدم احترامها لحقوق الشعب».
وأشار المسؤولون الأميركيون إلى أن «الاقتصاد الإيراني في انهيار وتدهور خلال السنوات الأخيرة، من قبل إعادة فرض العقوبات، والسبب أن النظام الإيراني لم يستخدم الموارد التجارية والاقتصادية، وحتى الطائرات الإيرانية، في خدمة الشعب، بل في خدمة الإرهاب، ودعم نظام بشار الأسد ضد الشعب السوري»، منوهين إلى الدعم الإيراني أيضاً لـ«حزب الله» في لبنان، والميليشيات المسلحة في العراق واليمن، لذلك اتخذت واشنطن على عاتقها معاقبة النظام الإيراني، والخروج من الاتفاق النووي.
ويأتي استئناف العقوبات ضمن استراتيجية أوسع، يستهدف من خلالها ترمب منع وصول القيادة الإيرانية إلى الموارد. وذكر المسؤولون أنها تستهدف تعديل سلوك إيران، لا «تغيير نظام» الرئيس حسن روحاني.
وقال المسؤولون إن تعامل الحكومة الإيرانية مع الاحتجاجات الاجتماعية والعمالية الحالية يبعث على القلق، وأضاف مسؤول: «نشعر بقلق شديد من ورود تقارير عن استخدام النظام الإيراني العنف ضد المدنيين العزل».
وأفاد المسؤولون بأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ما زال ملتزماً بعرضه في الحوار مع النظام الإيراني، وإيجاد حلول للسلوك الإيراني في العالم، بيد أن النظام الإيراني هو الرافض لفكرة الحوار، والالتزام بالعهود الدولية، مشيرين إلى وجود تنسيق مشترك بين إدارات الحكومة الأميركية، التي تضم وزارة الخارجية والعدل والخزانة والأمن القومي والبيت الأبيض، في تنفيذ العقوبات على إيران، وتنفيذها بالكامل في الرابع من نوفمبر المقبل.
وبعد انتهاء المؤتمر الصحافي، حذر مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون من أن «غلق مضيق هرمز سيكون أكبر خطأ ترتكبه إيران، لكنه يعتقد أن إيران تطلق تهديدات (جوفاء)».
وأضاف بولتون: «إذا أرادت إيران تفادي معاودة فرض العقوبات الأميركية عليها، فينبغي أن تقبل عرض الرئيس دونالد ترمب للتفاوض».
وعندما سئل خلال مقابلة مع شبكة «فوكس» الإخبارية عما قد يفعله قادة إيران، أجاب: «يستطيعون قبول عرض الرئيس للتفاوض معهم، والتخلي عن برامجهم للصواريخ الباليستية والأسلحة النووية، بشكل كامل، ويمكن التحقق منه فعلياً، وليس بموجب الشروط المجحفة للاتفاق النووي الإيراني التي لم تكن مرضية»، وتابع: «إذا كانت إيران جادة بالفعل، فستجلس على الطاولة. سنعرف إن كانوا (جادين) أم لا».
وقبل ساعات من إعلان بدء العقوبات، وفي طريقه للعودة إلى الولايات المتحدة الأميركية من إندونيسيا أمس، قال: «إن الولايات المتحدة ستطبق العقوبات الاقتصادية على إيران وفقاً للقرار الذي اتخذه ترمب، وهي تقف في ذلك مع الشعب الإيراني غير السعيد مع حكومته (...) نريد أن يكون للشعب الإيراني صوت قوي في من ستكون قيادته».
وأضاف: «نحن متفائلون جداً بالمضي قدماً بالعقوبات، وعلى النظام الإيراني التصرف كدولة عادية، وهو ما يتطلب تغييراً هائلاً من جانب النظام الإيراني، ونعتقد أن معظم البلدان الأخرى بحاجة إلى أن تتصرف إيران بشكل طبيعي، بدلاً من اتخاذ نهج الاغتيالات التي تجري في أوروبا، والقائمة الطويلة من النشاط الخبيث في جميع أنحاء المنطقة، ومما يبدو أن الإيرانيين حتى الآن ليس لديهم رغبة في التغيير والتصرف بطريقة أكثر طبيعية، والرئيس مصمم على قراراته».



القيادة العسكرية الإيرانية تندّد بـ«ألفاظ وقحة» لترمب

ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

القيادة العسكرية الإيرانية تندّد بـ«ألفاظ وقحة» لترمب

ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)

رأت القيادة العسكرية المركزية الإيرانية، الثلاثاء، أن «الألفاظ الوقحة» التي يطلقها دونالد ترمب بشأن الحرب في الشرق الأوسط «لن يكون لها أي تأثير» على الجنود الإيرانيين، وذلك بعد تلويح الرئيس الأميركي بنسف البنى التحتية لإيران.

الدخان يتصاعد عقب انفجار في طهران (رويترز)

ونقل التلفزيون الرسمي عن إبراهيم ذو الفقاري، المتحدث باسم «مقر خاتم الأنبياء»، وهو غرفة العمليات المركزية للقوات المسلّحة الإيرانية، قوله إن «الألفاظ الوقحة» و«التهديدات الواهية» التي يطلقها «الرئيس الأميركي الواهم (...) لن يكون لها أي تأثير على استمرار العمليات الهجومية الساحقة» التي تشنّها القوات الإيرانية «ضد الأعداء الأميركيين والصهاينة».


حراك إقليمي لـ«اتفاق جزئي» قُبيل ساعات حاسمة في حرب إيران

اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)
اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)
TT

حراك إقليمي لـ«اتفاق جزئي» قُبيل ساعات حاسمة في حرب إيران

اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)
اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحركات إقليمية مكثفة للتهدئة، وسط تهديدات أميركية وإيرانية متبادلة، مع اقتراب انتهاء مهلة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساء الثلاثاء، وما تحمله من مسار تصعيد غير مسبوق.

تلك الجهود التي تسعى لاتفاق جزئي لوقف إطلاق النار في إيران لمدة 45 يوماً، حسب تسريبات أميركية، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنها تأتي في إطار «دبلوماسية الضغط التي تُمارَس تحت سقف تهديدات غير مسبوقة، على أمل أن تحرز تقدماً بتمديد مهلة ترمب أو وقف مؤقت، في ظل ما تتمتع به الوساطة الثلاثية من ثقل إقليمي ورغبة دولية لوقف هذه الحرب المستعرة منذ 28 فبراير (شباط) الماضي».

الدخان يتصاعد عقب انفجار في طهران (رويترز)

وتُجري الولايات المتحدة وإيران عبر الوسطاء، مصر وتركيا وباكستان، مناقشات حول بنود وقف إطلاق نار محتمل لمدة 45 يوماً، قد يفضي إلى إنهاء الحرب بشكل دائم، وفقاً لأربعة مصادر أميركية وإسرائيلية وإقليمية مطلعة على المحادثات تحدثت لموقع «أكسيوس» الأميركي، الاثنين، واصفة المشاورات بأنها «فرصة أخيرة».

وأكدت «رويترز»، الاثنين، أن إيران والولايات المتحدة تلقتا مقترحاً لإنهاء الأعمال العدائية.

وفي تقدير مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير محمد حجازي، فإن الوساطة التي تقودها مصر وتركيا وباكستان «تكشف ملامح لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها حسابات الردع مع ضغوط التهدئة، في محاولة لخلق مساحة زمنية لإعادة ترتيب موازين التفاوض، ومنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز الإطار الإقليمي».

وهو يرى أن الوساطة الثلاثية لها أهمية خاصة نظراً لطبيعة الأطراف المنخرطة فيها؛ فـ«مصر تمثل ثقلاً تقليدياً في إدارة الأزمات الإقليمية، وتركيا تمتلك قنوات اتصال مركبة مع مختلف الفاعلين، في حين تضطلع باكستان بدور بالغ الحساسية في التواصل مع طهران، بما يعكس هندسة دبلوماسية متعددة المسارات... لكن عدم وجود الحد الأدنى من التوافق الاستراتيجي بين أطراف الصراع، يجعلها أقرب إلى إدارة أزمة منها إلى تسويتها».

ويرى رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية والخبير بالشأن الإيراني، محمد محسن أبو النور، أن المبادرة تعكس تحوّلاً مهماً في نمط إدارة الأزمة؛ إذ تسعى قوى دولية وإقليمية إلى احتواء التصعيد عبر صيغة متعددة الأطراف وليس من خلال قنوات ثنائية تقليدية، لافتاً إلى أن المبادرة لا تستهدف فقط وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار، بل تسعى إلى تأسيس ترتيبات أوسع لضبط التوتر في واحد من أهم شرايين الطاقة العالمية.

ووسط ترقب نتائج المسار التفاوضي، استعرض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اتصال هاتفي تلقاه يوم الاثنين من رئيس وزراء إسبانيا، بيدرو سانشيز، جهود مصر الرامية لوقف الحرب، مشدداً على ضرورة تضافر الجهود الدولية والإقليمية تحقيقاً لهذا الهدف، وفق بيان للرئاسة المصرية.

وشدد السيسي على «إدانة مصر القاطعة للاعتداءات على الدول العربية الشقيقة، ورفض أي مساس بسيادتها واستقرارها ومقدرات شعوبها»، مجدداً تأكيد «موقف مصر الثابت في دعم تلك الدول العربية الشقيقة».

واعتبر عضو مجلس النواب المصري، مصطفى بكري، في منشور عبر منصة «إكس»، الاثنين، الجهود المصرية مع تركيا وباكستان «محاولات اللحظة الأخيرة لإنقاذ المنطقة من طوفان الحرب المدمرة»، لافتاً إلى أن «الساعات المقبلة حاسمة».

ويرى أبو النور أن دور مصر في مثل هذه المبادرات «يظل مرشحاً لأن يكون دوراً حاسماً، وخاصة أنها تمتلك خبرة تراكمية طويلة في إدارة قنوات الاتصال بين أطراف متنازعة، إلى جانب شبكة علاقات متوازنة مع كل من الولايات المتحدة ودول الخليج، مع احتفاظها بقنوات تواصل مباشرة مع إيران».

الدخان يتصاعد بعد هجمات استهدفت منطقة معشور للبتروكيماويات في محافظة الأهواز (رويترز)

ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا)، الاثنين، عن المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي قوله: «ندعو إلى إنهاء الحرب ومنع تكرارها»، رافضاً وقف إطلاق النار المؤقت.

وأضاف أن أي محادثات دبلوماسية «تتعارض تماماً مع الإنذارات والتهديدات بارتكاب جرائم حرب»، في إشارة إلى تهديد ترمب بقصف البنية التحتية الإيرانية الرئيسية مساء الثلاثاء إذا لم تفتح طهران مضيق هرمز.

وقال ترمب في منشور على منصة «تروث سوشيال» إن الثلاثاء سيكون «يوم محطات الطاقة ويوم الجسور»، مضيفاً أنه «لن يكون هناك ما يشبهه»، في إشارة إلى ضربات واسعة محتملة تستهدف البنية التحتية الإيرانية.

كما تحدث ترمب عن وجود مسار تفاوضي مفتوح، قائلاً في مقابلة مع «فوكس نيوز» إن هناك «فرصة جيدة» للتوصل إلى اتفاق، مع استمرار الاتصالات غير المباشرة.

ووسط تلك الاختلافات، يرى السفير حجازي أن الحديث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق جزئي مسألة مرتبطة ليس فقط بالإرادة السياسية، وإنما تدفع نحو منح الدبلوماسية فرصة أخيرة، وخاصة أنه لا يمكن قراءة الوساطة الثلاثية إلا في إطار «دبلوماسية الضغط القسري»؛ إذ تُستخدم التهديدات العسكرية لدفع الأطراف نحو التفاوض، دون أن يعني ذلك بالضرورة توافر شروط التسوية.

وتشير المعطيات حتى الآن، حسب حجازي، إلى أن المنطقة لا تزال أقرب إلى إدارة تصعيد مضبوط منها إلى الدخول في مسار تهدئة مستدامة، ما لم يحدث تحول نوعي في مواقف الأطراف خلال الساعات القليلة المقبلة.

ويرى أبو النور أن هناك «تردداً إيرانياً محسوباً»، ربما بهدف اختبار جدية الضمانات المقدمة، أو تحسين شروط التفاوض، مقابل حذر تكتيكي أميركي، خصوصاً في ظل عدم وضوح ما إذا كانت المبادرة ستُترجم إلى مكاسب استراتيجية، أم أنها مجرد هدنة مؤقتة تمنح إيران مساحة لإعادة ترتيب أوراقها.

ويمكن القول، بحسب أبو النور، إن نجاح المبادرة مرهون بقدرة الوسطاء على تقديم ضمانات أمنية وسياسية مقنعة للطرفين، «وإلا فسيظل الطرفان مستمرين في إدارة الصراع ضمن حدود التصعيد الحالية، بدلاً من الانتقال إلى مسار تسوية حقيقية في هذه المرحلة».


نتنياهو يريد استمرار الحرب... ولن يعارض إذا أوقفها ترمب

ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو يريد استمرار الحرب... ولن يعارض إذا أوقفها ترمب

ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

على الرغم من أن القيادة الإسرائيلية تأخذ بجدية احتمال وقف الحرب، وتؤكد أنها ستلتزم بذلك، بل بدأت تستعد لإعادة الحياة الطبيعية، وتنوي إعادة فتح المدارس يوم الأحد المقبل، وإعادة مباريات كرة القدم السبت، فإنها ما زالت تعتقد أن إيران لا تنوي في هذه المرحلة وقف الحرب. لذلك فإنها تستعد لتصعيد كبير، مع انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لطهران. وتتحسب من تصعيد إيراني كبير في يوم الأربعين لاغتيال المرشد علي خامنئي.

لكنّ الإسرائيليين لا يستبعدون أن يتخذ ترمب اتجاهاً معاكساً أيضاً ويوقف الحرب، باتفاق أو بلا اتفاق. وفي هذه الحالة سيطلبون «تعويضاً» لموافقتهم على إنهاء الحرب، وذلك بالاستمرار في الحرب بلبنان، و«تحسين الاتفاق حول قطاع غزة»، والموافقة أيضاً على مشاريع استيطانية في الضفة الغربية باتجاه الضم؛ أي أنه يريد يطلب استبعاد لبنان وغزة والضفة من أي اتفاق محتمل مع إيران.

عدم الاستسلام لتهديد ترمب

قالت هيئة البثّ الإسرائيلية العامّة (كان 11)، عن دبلوماسي أجنبي تتمتع بلاده بعلاقات وثيقة مع إيران، إن «الإيرانيين لن يستسلموا لإنذار ترمب المهين». وانضمت صحيفتا «هآرتس» و«يديعوت أحرونوت» إلى هذا التقدير، وتقولان إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يستعد للحصول على ضوء أخضر من الرئيس الأميركي، لشن هجمات على أهداف الطاقة والبنية التحتية المدنية في إيران، في حال فشل المفاوضات.

ويشدد الإسرائيليون على أن المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة ستفشل حتماً، وذلك لأن الطرفين يتعنتان، وأن الحد الأقصى الذي تبدي طهران الاستعداد لقبوله من خطة الـ15 نقطة، لا يبلغ الحد الأدنى الذي تضعه واشنطن. وعليه، فإن إسرائيل تستعد للتدهور المقبل الذي ستكون فيه تل أبيب مطالبةً بتنفيذ «العمليات القذرة».

وسبق للمستشار الألماني فريدريش ميرتس، أن تفوه بنفس هذا التعبير خلال حرب يونيو (حزيران) 2025، وتقبلته إسرائيل بوصفه إطراءً. لذلك، فإن استخدامه اليوم لا يلقى اعتراضاً؛ بل بالعكس، فإسرائيل هي التي نفذت الاغتيالات لكبار قادة النظام في طهران، لأن الولايات المتحدة ليست معنية بعمليات كهذه، بسبب الجدل الذي يدور حولها في المجتمع الدولي، وكذلك ليست معنية بتدمير بنى تحتية تُسبب العناء للشعب الإيراني، وتترك لإسرائيل القيام بها.

«ملازمة غزة»

أطفال يبحثون عن مواد قابلة للتدوير في ساحة نفايات بمخيم البريج للاجئين الفلسطينيين بغزة (أ.ف.ب)

وما تخططه إسرائيل لإيران في هذا المجال هو «ملازمة غزة»، أو ما كان يُعرف قبل هذه الحرب بـ«ملازمة الضاحية»؛ أي التدمير الشامل لدرجة السحق، مثلما حصل في العمليات السابقة بالضاحية الجنوبية لبيروت.

وبحسب رون بن يشاي، محرر الشؤون الاستراتيجية في «واي نت»، فإن الجيش الإسرائيلي والقيادة المركزية الأميركية قد اتفقا على أن تقوم إسرائيل بغارات تستهدف إلحاق ضرر تدريجي بالبنية التحتية الوطنية الإيرانية. هذا الضرر، الذي سيزداد حدةً وعمقاً، سيؤدي بالنظام إلى حالةٍ لا يستطيع فيها توفير الاحتياجات الأساسية لمواطنيه؛ كالكهرباء والنقل والتجارة، مما يُهدد بقاءه بشكلٍ كبير.

ويقول بن يشاي إن المشكلة التي تكمن في هذا المسار أنه يستغرق وقتاً، وأنه «يُتيح لهذا النظام والمواطنين الإيرانيين التأقلم معه وإيجاد حلولٍ ارتجالية، بينما يستمر في الوقت نفسه في تفاقم أزمة النفط والغاز وتعطيل الحياة في إسرائيل واستنزاف القوات الأميركية»، لذا، يضيف بن يشاي أن هناك حاجة إلى مسار عمل آخر يُفترض أن يُؤتي ثماره في وقت قصير.

«مبدأ الضاحية»

تصاعُد الدخان من موقع يُزعم أنه تابع لـ«حزب الله» في الضاحية الجنوبية لبيروت (د.ب.أ)

ويتمثل أحد مسارات العمل التي يُمكن أن تُنهي القتال بسرعة أكبر وبشروط مقبولة لدى واشنطن وتل أبيب، في تطبيق ما يُعرف في إسرائيل بـ«مبدأ الضاحية». ويتضمن هذا المبدأ الإجلاء الضخم لمئات الآلاف من السكان المدنيين - ويفضل أن يكونوا موالين للنظام - من أحياء ومناطق العاصمة المعادية عبر إنذارات مُسبقة تُبث عبر جميع وسائل الإعلام.

وبعد إجلاء المدنيين، يُدمر الحي أو المنطقة تدميراً كاملاً بالقصف الجوي. وقد نجح هذا المبدأ في ضاحية بيروت خلال حرب لبنان الثانية، ما دفع «حزب الله» إلى الموافقة على وقف إطلاق النار، ونجح مرة أخرى بنسخة مُحسّنة في ضاحية بيروت عام 2024 خلال عملية «سهام الشمال».

هذا على الأقل ما يقدره من يعتمدون على تقييمات استخباراتية مهنية دقيقة. ويقول الخبراء الذين أعتمد عليهم، ومعظمهم من العسكريين، إنه طالما لم يتضح بعد ما إذا كان النظام الحالي سيستمر، وإلى متى، وطالما لم تُعرف شروط التسوية التي ستُحدد في نهاية الحرب، فسيكون من المستحيل تقدير عدد الأشهر أو السنوات التي ستُفقد فيها إيران قدرتها على تشكيل تهديد وجودي لمحيطها.