«حماس» تسعى للحصول على إجماع بشأن اتفاق متدرج للتهدئة

العروض تنص على وقف نار مقابل إلغاء التقييدات... واحتمال إطار موسع

شاحنة على مقربة من الحاجز الأمني في معبر كرم أبو سالم (رويترز)
شاحنة على مقربة من الحاجز الأمني في معبر كرم أبو سالم (رويترز)
TT

«حماس» تسعى للحصول على إجماع بشأن اتفاق متدرج للتهدئة

شاحنة على مقربة من الحاجز الأمني في معبر كرم أبو سالم (رويترز)
شاحنة على مقربة من الحاجز الأمني في معبر كرم أبو سالم (رويترز)

قالت مصادر فلسطينية مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، إن قيادة حركة حماس التي دخلت إلى قطاع غزة، تسعى إلى الحصول على إجماع حول اتفاق متدرج.
وأضافت المصادر: «المطلوب الآن ليس شيئا كبيرا، إنما تثبيت وقف إطلاق النار مقابل تراجع إسرائيل عن التقييدات الأخيرة ضد القطاع».
وتابعت المصادر: «الوفد الذي دخل من الخارج يؤمن بضرورة تثبيت وقف إطلاق النار، باعتبار أن أي حرب جديدة ستكون مدمرة، ولأن تثبيته سيكون مقدمة لاتفاق ثان محتمل، يشمل هدنة طويلة، يتخللها تبادل أسرى وإقامة مشروعات اقتصادية كبيرة في القطاع».
وتنفيذ سلسلة مشاريع من خلال البوابة المصرية، وجزء منها من خلال إسرائيل.
ويدور الحديث عن تسوية تشمل، في البداية، رفع القيود عن معبر «كرم أبو سالم» (معبر البضائع الرئيسي لقطاع غزة)، وتوسيع مساحة الصيد في البحر المتوسط قبالة شواطئ القطاع، مقابل إنهاء أي هجمات على الحدود، ووقف الطائرات الورقية والبالونات الحارقة.
وطرحت «حماس» هذه الأفكار أمس على الفصائل الفلسطينية، لكي يتحول اتفاق الحركة مع إسرائيل إلى اتفاق عام.
وشاركت جميع الفصائل الفلسطينية في الاجتماع، بما في ذلك حركة فتح، التي انضمت لأول مرة بعد نحو شهرين من مقاطعتها مثل هذه الاجتماعات لأسباب سياسية.
وأطلع حسام بدران، عضو المكتب السياسي لحماس ومسؤول ملف العلاقات الوطنية فيها، الفصائل في اجتماع مغلق على ما قُدم من مقترحات للحركة بشأن الهدنة وحل الأزمة الإنسانية بغزة.
وقال بدران، إنه لن يتم اتخاذ أي خطوات بشأن أي ترتيب سياسي أو ميداني أو تحسين الوضع في قطاع غزة، بمعزل عن التوافق الوطني الفلسطيني، مشددا على أن قرار الحرب والسلم والتهدئة ورفع الحصار هو قرار وطني.
وأضاف: «إن أمر قطاع غزة لا يخص حركة حماس وحدها، ولا يمكن أن نقبل بدولة في غزة أو من دونها».
وتابع: «نحن في حماس نتداول ما يحدث هنا وهناك، لكن حين تطبيق أي أمر، يكون بالتوافق بين الجميع»، مشيرا إلى أن المداولات داخل حماس لم تنتهِ، وأنها ستستكمل بعد الاجتماع مع الفصائل.
ولفت إلى أن القضية الفلسطينية تمر بمرحلة بالغة الخطورة والحساسية، مشيرا إلى محاولات تمرير «صفقة القرن» التي يراد منها تصفية القضية، وأن حركته لا ترغب في دولة بغزة.
وشدد بدران على أن الهدف الاستراتيجي لحركته، الذي تشاركه مع الفصائل، هو إنهاء الحصار بشكل كامل.
وشاركت «فتح» في الاجتماع على الرغم من معارضتها مساعي «حماس».
وحظيت «حماس» بهجوم رسمي فلسطيني بسبب مباحثات وقف النار. فحذر عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أحمد مجدلاني، حركة حماس من خطورة الاتفاق مع إسرائيل.
وقال مجدلاني: «إن أي اتفاق مع الجانب الإسرائيلي، يجب أن يكون وطنيا وليس اتفاقا بين حركة حماس وإسرائيل، فـ(حماس) ليست لها أي صفة تمثيلية لتعقد اتفاقيات مع إسرائيل»، مضيفاً: «إن صفة (حماس) التمثيلية أنها تنظيم سياسي استولى على قطاع غزة بانقلاب عسكري».
وأعرب مجدلاني عن أمله ألا تصب صفقة الهدنة طويلة المدى في مستنقع صفقة القرن، محذرا من خطورة «اللعب في المصير الوطني المشترك».
وترافق هجوم مجدلاني مع هجوم أشد لحركة فتح، اتهمت فيه «حماس» بالعبث في القضية الفلسطينية، بالانخراط في صفقة القرن والعمل على فصل غزة.
وقالت حركة فتح في بيان: «إننا ندقّ ناقوس الخطر ونحذّر شعبنا وقواه الوطنية، من خطورة ما يحاك ضده من مؤامرات تمثل (صفقة القرن) رأس الحربة فيها، وهي الصفقة التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية نهائياً، وتقزيم المطالب الفلسطينية وحصرها في قضايا إنسانية، وإقامة كيان هزيل في غزة مع تجاهل تام للحقوق السياسية كافة التي يناضل شعبنا من أجلها وقدم في سبيلها قوافل الشهداء والجرحى والأسرى، وفي مقدمة هذه الحقوق، حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشريف».
وأضافت «فتح»: «إن انخراط قيادة حماس في مفاوضات مخزية مع حكومة الاحتلال، إنما هو التطبيق الفعلي لأهم بنود (صفقة القرن)، وهو تنفيذ لأخطر أهدافها المتمثل بفصل غزة عن بقية الوطن وتشكيل دويلة فيها تكون مقبرة لمشروعنا الوطني!».
وتابعت: «إن خطورة ما يجري تكمن في أن هذه المفاوضات تتم بمعزل عن القيادة الفلسطينية الشرعية، وهي بذلك تأتي استمرارا لخطة شارون بالانسحاب من غزة دون أي تنسيق مع القيادة الفلسطينية، وهي استمرار لنهج الانقلاب الذي تساوق مع خطة شارون، وكرّس أهدافها بشق الصف الوطني وتمزيق الوحدة الجغرافية للوطن».
وقالت حركة فتح: «إننا نعلن وبشكل قاطع، أن شعبنا وقيادته الشرعية يرفضان هذا العبث بالقضية الوطنية رفضا قاطعاً، ولن يلتزما بأي نتائج أو ترتيبات تصدر عن هذه المفاوضات المشبوهة، بعيدا عن إرادة شعبنا وخارج إجماعه الوطني. ونؤكد أن الأجدى من هذا العبث هو الإسراع بإنجاز الوحدة الوطنية، وطي صفحة الانقلاب الأسود، وعودة غزة إلى الشرعية الوطنية كي يتفرّغ شعبنا لمقاومة الاحتلال والاستيطان، وكي نتمكن من إفشال (صفقة القرن) بما تشكله من خطر داهم يتهدد شعبنا وقضيتنا ووطننا».
وردت «حماس» مستهجنة ما وصفته بـ«سلوك (فتح) السلبي»، وقالت في بيان، في الوقت الذي «تسعى فيه حركة حماس لإنهاء معاناة أهلنا في القطاع، وتبذل قيادتها المركزية في سبيل تحقيق ذلك جهودا جبارة مع الكل الوطني الفلسطيني، ومع الأشقاء المصريين والمسؤولين الأمميين، بهدف رفع الحصار الظالم عن قطاع غزة، وإنهاء العقوبات المفروضة على أهله وسكانه، وتحقيق الوحدة والمصالحة؛ لينعم شعبنا بالأمن والأمان بلا حصار وبلا عدوان وبلا أزمات؛ تستهجن حركة حماس السلوك السلبي لحركة فتح وهجومها الإعلامي غير المسؤول والمتواصل، الذي يهدف إلى قطع الطريق أمام إنجاح أي جهود وطنية ومصرية وإقليمية وأممية لتحقيق الوحدة وإنهاء معاناة أهلنا في القطاع، وإبقاء غزة تحت القصف والأزمات والحصار».
في الجانب الإسرائيلي، بدأ «الكابنيت» (المجلس الأمني المصغر في الحكومة الإسرائيلية)، مساء أمس الأحد، جلسة للبحث في مشروع التسوية مع «حماس» في قطاع غزة، وسط خلافات علنية بين وزرائه، وبين حملةٍ أدارتها عائلتا الجنديين الإسرائيليين المحتجزين لدى «حماس»، اللتان تطالبان الحكومة بألا تذهب إلى أي تسوية من دون إعادة ولديهما.
وقد عقدت عائلتا الجنديين، هدار غولدين وأورون شاؤول، اللذين تقول الحكومة الإسرائيلية إنهما قُتلا خلال الحرب على القطاع عام 2014، مؤتمرا صحافيا أمس، قبيل التئام «الكابنيت»، وهاجمتا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، على إهمال قضية ابنيهما ووجهتا له اتهاما بتقوية «حماس» بدلا من تهديده بالتصفية إذا لم يطلق سراحهما. وأثّر هذا الموقف على عدد من الوزراء، الذين صرحوا بأنهم لن يوافقوا على صفقة مع «حماس» من دون أن تتضمن بندا يقضي بإطلاق سراح جثتي الجنديين، وكذلك المواطنان هشام السيد (وهو عربي من النقب) وأبريرا منغستو (وهو من أصل إثيوبي) اللذان دخلا القطاع طواعية بعد الحرب.
واستبق مسؤول إسرائيلي رسمي مداولات «الكابينيت»، وقال إنه «ليست مطروحة أي تسوية واسعة من دون حل قضية مواطنينا وجثتي جنديينا المحتجزين في القطاع».
وأضاف، أن الاتصالات حول اتفاق بخصوص القطاع «تتركز على هدف واحد، وهو وقف إطلاق النار. ووقف إطلاق نار مطلق سيجعل إسرائيل تعيد فتح معبر كيرم شالوم (كرم أبو سالم)، واستئناف إصدار التصاريح التي كانت متبعة بشأن منطقة الصيد».
وكتب وزير الاستخبارات والمواصلات، عضو الكابينيت، يسرائيل كاتس، في حسابه في «تويتر»، مهددا بأن «الوضع في غزة يقترب من الحسم، إما التسوية أو الحرب». وقال: «سأطرح اليوم (خطة الجزيرة – الانفصال)، لقطع أي علاقة مدنية بين إسرائيل وغزة، وسأؤيد أي خطة تشمل توفير بنية تحتية مصرية في البحر والبر لصالح غزة، تحت إشراف دولي. وفي الأمد القصير، ينبغي اشتراط أي مساعدة لغزة بمسار واضح لإعادة الشهداء والأسرى»، في إشارة إلى الجنديين والمواطنين.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.