أوباما يحمل داخله «الجرح الإمبريالي» ويجسد تناقضات المجتمع الأميركي

كاتب خطاباته الأول بين رودز يكشف عن شخصية رئيسه السابق

«العالم كما هو» مغامرة باراك أوباما: نظرة من الداخل - تأليف: بين رودز - الناشر: بودلي هيد - 480 صفحة
«العالم كما هو» مغامرة باراك أوباما: نظرة من الداخل - تأليف: بين رودز - الناشر: بودلي هيد - 480 صفحة
TT

أوباما يحمل داخله «الجرح الإمبريالي» ويجسد تناقضات المجتمع الأميركي

«العالم كما هو» مغامرة باراك أوباما: نظرة من الداخل - تأليف: بين رودز - الناشر: بودلي هيد - 480 صفحة
«العالم كما هو» مغامرة باراك أوباما: نظرة من الداخل - تأليف: بين رودز - الناشر: بودلي هيد - 480 صفحة

يبدأ كتاب بين رودز، الذي يعتبر أشبه بسيرة ذاتية، بعبارة مقتبسة من رواية «العجوز والبحر» لإرنست همنغواي تقول إن «أحداً لا يكون وحيداً قط في البحر». ويتناول رودز عبر 480 صفحة مسيرة شاب دارت في معظمها حول البحر. أما هذا الشاب فهو باراك حسين أوباما، الذي كان رئيس رودز طيلة عقد تقريباً، في البداية عندما كان سيناتوراً صغيراً من إلينوي، وبعد ذلك رئيساً للولايات المتحدة.
في حملة أوباما الرئاسية الأولى تولى رودز مجموعة أدوار متنوعة، لكن بعد ذلك صعد نجمه وأصبح كاتب الخطابات الرئاسية الأول ثم نائب مستشار الأمن الوطني، وهو منصب منحه فرصة نادرة للتعرف على خفايا البيت الأبيض. وقد مكنه ذلك من طرح نفسه مراقباً للمشهد العام الباهت الذي كان أوباما الشخصية الرئيسية به.
ورغم ميله لتمجيد الذات، وهي نزعة سائدة في أوساط كثير من الأميركيين الذين يتولون مناصب عامة، يبدو السرد الذي يقدمه رودز مثيراً للاهتمام.
لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً كي يدرك رودز شخصية أوباما الحقيقية التي تمثل نتاجاً لتناقضات أميركية، وباعتباره شخصاً يعي جيداً كيف يمكنه البقاء، بل والازدهار في ظل نظام سياسي غالباً ما تبدو في إطاره وجهة النظر أهم من الواقع. فليس المهم من أنت وما الذي تؤمن به، على افتراض أنك تؤمن بأي شيء من الأساس، وإنما الأهمية الحقيقية هي للصورة التي يراك الناس عليها، وكيف يمكنك تسويق أفكارك.
يكتب رودز قائلاً: «بدت لغة أوباما صادقة» و«بدت سياساته أخلاقية». وتتركز الأهمية الكبرى هنا في كلمة «بدت».
ويتذكر رودز محادثة جرت بينه وبين أحد كبار مستشاري أوباما، الذي كان يشعر بالقلق إزاء جهل المرشح بالسياسة الخارجية، ووصف الحاشية الشابة المحيطة به بأنها لا تقل عنه جهلاً. واشتكى المستشار لرودز متحسراً: «ليس هناك من يعي أي شيء عن السياسة الخارجية».
ومع هذا لم يشعر رودز بالقلق. وكتب أنه: «رغبت في وجود بطل» في وقت كانت الولايات المتحدة بحاجة إلى قائد، واعتقد الناخبون الأميركيون أنهم ينتخبون رئيساً.
ولأنه لم يكن لدى أوباما ما يقدمه سوى سحره المصطنع، حاول رودز استغلال «التعقيد» الذي تنطوي عليه حياته كعامل للتمويه على خوائه الفكري. ويذكرنا رودز بأن أوباما ولد في هاواي التي كانت في وقت مضى مستعمرة أميركية، وبالتالي يحمل بداخله جراح الإمبريالية، وأن والده كان مسلماً من قبيلة «لو» في كينيا التي عانت على يد الاستعمار البريطاني. وبعد نيل كينيا استقلالها تعرضت القبيلة للإذلال على يد قبيلة كيكويوس الأكبر حجماً. بجانب ذلك كان زوج والدة أوباما مسلماً من إندونيسيا وهي بلد عانت من الإمبريالية الهولندية، وقضى فيها أوباما فترة صباه وشبابه الأولى. وتبعاً لما ذكره رودز فإن الهويات المتنوعة التي حملها أوباما منحته «رؤية مختلفة للعالم».
وربما تتساءل: مختلفة عن ماذا؟ وهنا يجيب رودز: «لم تعكس وجهات نظره بالضرورة تلك الخاصة بالحكومة الأميركية».
بمعنى آخر فإن الرجل الذي وقع عليه الاختيار لتمثيل الحكومة الأميركية لم يشارك هذه الحكومة وجهات نظرها. وإنما كان رجلاً يتبع مساراً خاصاً به وأشبه بروح حرة بمقدورها فعل ما يحلو لها. إلا أننا اكتشفنا أنه لم يتمكن من فعل ما يحلو له على أرض الواقع بسبب الحكومة الأميركية، خصوصاً مجلسي النواب والشيوخ.
إذن ماذا فعل؟ يقول رودز: «لجأ إلى الخطابات لإعادة توجيه السياسة الخارجية الأميركية». وقد عبرت هيلاري كلينتون التي كانت غريمة لأوباما لفترة من الوقت ثم أصبحت لاحقاً وزيرة خارجيته عن هذا الأمر بوضوح أكبر بقولها: «في أي وقت تقع أزمة يخرج علينا أوباما بخطاب». وقد تولى رودز كتابة معظم هذه الخطابات دون أن تتوافر لديه معلومات عن القضايا التي يتناولها، وإنما كان يكتفي معظم الوقت بالبحث عبر «غوغل».
في وقت مبكر من رئاسته أخبر أوباما رودز أن «المشكلات تتركز في العالم العربي»، وقرر أن يفعل شيئاً حيال هذا الأمر. وكان هذا «الشيء» زيارته الكبرى للقاهرة لإلقاء خطاب هدف إلى إغداق الثناء على المسلمين، ومطالبتهم بإقرار أجندة الشرق الأوسط الكبير التي تولى الرئيس جورج دبليو بوش تنفيذها بعد «تحرير العراق». وكان الاختلاف أن بوش دعا للديمقراطية على نهج جيفرسون، بينما آمن أوباما، الذي لم يشارك الأميركيين مشاعر التحامل الخاصة بهم، بأن الغرب الفاسد ليس نموذجاً، وأن المسلمين عليهم بناء نموذج خاص بهم.
وأثناء خطابه الذي ألقاه من القاهرة، ندد أوباما بالنموذج الغربي على النحو التالي: «في الغرب هناك عنف بلا عقل وجنسية فجة وغياب لاحترام الحياة وتمجيد للمادية». الأسوأ من ذلك أن أوباما أشار إلى الغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص باعتبارهما مدانين بمحاولة إملاء مشيئتهما على الآخرين والتدخل في شؤونهم، وهو ادعاء كرره من جديد أثناء محاولته التودد إلى آية الله علي خامنئي «المرشد الأعلى» للجمهورية الإسلامية.
في وقت لاحق أخبر رودز أنه «إذا أقرت الديمقراطية في مصر سيفوز (الإخوان المسلمون)». والآن نعلم أنه كان مخطئاً في هذا الأمر. ونعلم الآن أن هذا التوقع لم يكن دقيقاً. أثناء أول انتخابات رئاسية بعد مبارك حصل محمد مرسي مرشح «الإخوان المسلمين» على أقل من 10 في المائة من أصوات الناخبين المصريين. وفاز مرسي في الجولة الثانية عبر اجتذاب غالبية أصوات المعارضين على خلفية دعم قوي من واشنطن.
ولعب أوباما دوراً محورياً في إجبار الرئيس حسني مبارك على التنحي عن الرئاسة، الأمر الذي أشعل أزمة داخل مصر. ويكشف رودز كيف أن أوباما بعث بمبعوث خاص، وهو الدبلوماسي فرانك ويزنر، إلى القاهرة، لإقناع مبارك بالاستعداد لفترة انتقالية تستمر لأمد غير محدد بدلاً من محاولة سحق المظاهرات. واعتقاداً منه أنه يقود الآن استراتيجية مدعومة من الولايات المتحدة أذعن مبارك للمطالب الأميركية حتى فات الأوان على إحداث أي تحول في سياسته لاحتواء الحشود. في الوقت ذلك اتصل أوباما هاتفياً بمبارك وطلب منه صراحة التنحي عن الرئاسة.
المثير أن رودز يخبرنا أن المبعوث ويزنر لم يكن على علم بالتحركات التي يتخذها الرئيس. ولم يكن هذا مفاجئاً باعتبار أن ويزنر كان يمثل «الحكومة الأميركية» التي نظر إليها أوباما باعتبارها قوة سلبية على الصعيد السياسي العالمي.
وعندما وردت أنباء رحيل مبارك، قال أوباما: «أشعر بارتياح. أنا لم أكن أعرفه». وبعد ذلك أضاف: «لو كان الملك الأردني عبد الله لا أدري إن كنت سأفعل الأمر ذاته».
من ناحية أخرى فإن تعاطف أوباما مع «الإخوان المسلمين» وخلفيته المسلمة لم يجعلاه بالضرورة متعاطفاً مع الإسلام والمسلمين بكل عام، وإنما نبع التعاطف من اعتقاده بأنهم مناهضون للولايات المتحدة.
وذكر رودز قصة كان يسردها أوباما مراراً، وهي أنه ذات مرة كان في باكستان عندما كان صغيراً في السن برفقة صديقة له، وأن هذه الصديقة ركبت معه مصعداً وهي ترتدي ملابس جميلة دون حجاب. وفي أحد الطوابق دخل أحد الشباب الباكستانيين المصعد وعندما رأى الفتاة ترتدي ملابس غير محتشمة بدأ جسده في التعرق بشدة، لدرجة أنه اضطر لترك المصعد. وفي رأي أوباما، فإن الرجال المسلمين مهووسون بالجنس.
ويدعي رودز أن «حزب الله» والفلسطينيين، خصوصاً أنصار «حماس»، أحبوا أوباما، لكنه أشار إلى أن أوباما «لم يفعل أي شيء ملموس من أجل الفلسطينيين». في الواقع عيَّن أوباما السيناتور الديمقراطي السابق جورج ميتشل مبعوثاً خاصاً له للشرق الأوسط، ووجه إليه تعليمات بالمعاونة في إقامة دولة فلسطينية في غضون عام. ومع هذا سرعان ما نسي أوباما الأمر برمته، ولم يعط ميتشل قط الفرصة لتقديم تقرير بخصوص ما يجري. ومن غير المثير للدهشة أن ميتشل لم يرد ذكره في كتاب رودز.
وأوضح رودز أن هناك أمرين استحوذا على الأهمية الكبرى بالنسبة لأوباما. أولاً: أي ميزة يمكنه الادعاء بتحقيقها من وراء أي شيء. ورغم انتمائه إلى عرق مزدوج بين الأبيض والداكن، فإنه قرر خلال فترة ما من الثلاثينات في عمره تقديم نفسه باعتباره رجلاً من أصول سمراء تماماً لضمان الحصول على أصوات الأميركيين أبناء الأصول الأفريقية ككتلة. ولم يدرك أوباما أنه ضحية الاهتمام المفرط بالمظهر، وأن مسألة الانتماء إلى البيض أو السود لا تتعلق بلون البشرة فقط. فمن الممكن أن يكون المرء داكن البشرة في مظهره، لكنه «أبيض» في ثقافته وذوقه وأسلوب استخدامه للغة الجسد بل وفي تحاملاته. ويمكن أن تكون بشرتك داكنة، بينما شخصيتك أكثر تجسيداً لميول البيض عن البيض أنفسهم. إن اختصار رجل أو امرأة في لون البشرة أمر يتنافى مع العقل والمنطق.
ثانياً: رغب أوباما في الظهور في صورة بطل «الضحايا»، هدف حاول تحقيقه عبر سلسلة من الإيماءات الرمزية، بما في ذلك جولته الغريبة عبر مدن لاوس وفيتنام واليابان التي قصفتها الولايات المتحدة خلال حروب مختلفة. وفي كل محطة كان يلقي كلمة يعتذر خلالها عما اقترفته الولايات المتحدة؛ الأمر الذي أثار دهشة أبناء المدن لأنهم يدركون أن الحروب لا تجري من طرف واحد، وأن بلدانهم هي الأخرى لم تكن الضحية البريئة مثلما تظاهر أوباما.
أيضاً اعتقد أوباما أن إيران ضحية الاستئساد الأميركي؛ الأمر الذي أقنعه بأن يضرب بالقانون الأميركي والدولي عرض الحائط عبر المضي قدماً في «الاتفاق النووي» الذي لا بد أنه تحول إلى نموذج كلاسيكي للخداع الدبلوماسي.
أيضاً انطلقت محاولات أوباما للتودد إلى رجل فنزويلا القوي هوغو شافيز وزعيم كوبا راؤول كاسترو من مشاعر «التعاطف مع ضحايا» الإمبريالية الأميركية نفسها.
ومع هذا لم ينس أوباما قط الحاجة لضمان الحصول على الأصوات اللازمة. قبل الانتخابات التي خاضها للحصول على فترة رئاسية ثانية أجرى زيارة رسمية إلى المملكة المتحدة واستقبلته الملكة. ووفق ما ذكره رودز فإن أوباما اعتقد أن الملكة شخصية «نموذجية وسوف تيسر بصورة هائلة علاقتنا مع البيض».
وأقام أوباما في قصر بكنغهام، واكتشف أفراد الأمن الأميركي أن الفئران تجول في الجناح المخصص لأوباما وزوجته ميشيل. وعلق رودز ساخراً على هذا بقوله: «ربما هذه إمبراطورية محتضرة!»
ورد أوباما: «لا تخبر السيدة الأولى فحسب!».
وحسب التصوير الذي قدمه رودز يبدو أوباما شخصاً أميركياً كارهاً لنفسه. وفي إحدى المرات قارن أوباما بين الولايات المتحدة والزعيم المغولي جنكيز خان الذي غزا جزءاً كبيراً من العالم بسبب عنفه المفرط.
وعلق أوباما على هذا الأمر بقوله: «لم يكن لديهم القنابل التي نملكها لكنهم كانوا بارعين في استخدام الخيول».
ولمح رودز إلى أنه يتفهم كراهية أوباما لأميركا باعتباره هو شخصياً يهودياً كارهاً لهويته.
قرب نهاية فترة رئاسة أوباما، سأل رودز وعدد من الحاشية المقربة منه الرئيس حول تعريف «عقيدة أوباما»، وهو مصطلح اخترعه أنصار أوباما. وبعد تكرار السؤال جاءت الإجابة أنها «لا تقترف الأخطاء الغبية!» لكن هل يعني ذلك أنه اقترف أخطاء ذكية؟
ويقول رودز أيضاً إن أوباما أخبره أن «وظيفتنا أن نسرد قصة جيدة حول من نكون».
حسناً، في كل الأحوال هذا ما فعله رودز الذي يبدو واضحا ًأنه يملك ملكة الكتابة، خصوصاً الأعمال الروائية، فقد طرح عبر كتابه قصة جيدة بالفعل، تذكرنا جميعاً كيف أن الديمقراطية عرضة للأخطار.


مقالات ذات صلة

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

ثقافة وفنون «أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».