قمة هلسنكي لم تتوسع في القضايا الساخنة

قراءة في فحوى محادثات ترمب ـ بوتين

قمة هلسنكي لم تتوسع في القضايا الساخنة
TT

قمة هلسنكي لم تتوسع في القضايا الساخنة

قمة هلسنكي لم تتوسع في القضايا الساخنة

استحقت القمة التي جمعت الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب في العاصمة الفنلندية هلسنكي، أخيراً، وصف «الحدث الأبرز في الموسم السياسي» الذي أطلقه سفير روسيا لدى واشنطن أناتولي أنطونوف. فهي ستدخل في تاريخ العلاقات الروسية – الأميركية كواحدة من القمم الأكثر إثارة للجدل، مع أنها «لم تكن تقليدية» وفقاً لتعليق أكثر من متابع روسي؛ إذ إنها عُقدت من دون جدول أعمال واضح، وترك الحوار فيها ليسير وفقاً لمزاج الرئيسين ورغبتهما الشخصية. وكذلك، لم يصدر في ختامها وثيقة مشتركة، على الرغم من أن العمل على إعدادها استغرق بعض الوقت - من الجانب الروسي على الأقل - كما اتضح لاحقاً، لكن لم يوضح الطرفان سبب تجاهلها. أما العنصر الأهم، فهو أن القمة لم تخرج بقرارات أو اتفاقيات موثقة، وهذا أمر كان متوقعاً بعدما خفض الطرفان سقف التوقعات خلال الأيام التي سبقتها.
هي قمة «تاريخية» بسبب ملابسات انعقادها بعد طول انتظار، وبسبب الأداء اللافت للرئيسين في المؤتمر الصحافي الختامي، الذي أثار زوبعة لم تهدأ في الأوساط الأميركية، ولأنها فتحت نافذة أمل في وضع «خريطة طريق» لتطبيع العلاقات، على الرغم من كل التعقيدات التي تحيط بعلاقة البلدين وتراكم الملفات الخلافية بينهما.

عندما أعلن الكرملين قبل القمة الأميركية - الروسية في هلسنكي مباشرة، أن الجانب الروسي يتطلع لتبادل الآراء في الملفات الخلافية، ومحاولة فهم حقيقة مواقف كل طرف بشكل أفضل؛ بهدف وضع آليات مشتركة للحوار، كان يحدد بدقة السقف الروسي المطلوب من هذا اللقاء.
لذا؛ انصب تركيز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الاستماع بدقة لتقويمات نظيره الرئيس دونالد ترمب لعدد من الملفات العالقة، وسرّبت وسائل إعلام روسية ومقربون من الكرملين بعض التفاصيل التي رافقت مسار المحادثات في الجلسة المغلقة أولاً، ثم في الإطار الأوسع بعد انضمام فريقي الرئيسين إلى المحادثات. ووفقاً للمصادر، فإن الرئيس الأميركي لم يبدِ اهتماماً كبيراً بالتوسع في ملفات ساخنة، مثل سوريا وأوكرانيا، وتناول الأولى بحديث سريع ركز على مواصلة التنسيق الأمني والعسكري وضمان أمن إسرائيل، متجاهلاً الخوض في تفاصيل الرؤية الأميركية للتسوية السياسية الممكنة. وفي ملف أوكرانيا تجاهل ملف القرم تماماً، وتحدث بعبارات عامة عن «إطار مينسك» ومتطلبات تثبيت وقف النار. وتوسع أكثر، في المقابل، في الحديث عن الصين بصفتها «التحدي المشترك» أمام روسيا والولايات المتحدة، وتناول ملف العلاقة مع الاتحاد الأوروبي من زاوية التنافس التجاري.
وفي الملف الإيراني، كان ترمب أكثر وضوحاً وقوة، وتكلم عن «خطر» السياسات الإقليمية الإيرانية، و«التهديد» الذي تشكله قدرات إيران النووية والصاروخية. وفي وقت لاحق برزت إشارات إلى أن الرئيسين بحثا مسألة منع وقوع مواجهة إسرائيلية - إيرانية بشيء من التوسع. في حين غاب ملف التسوية الفلسطينية - الإسرائيلية نهائياً. وأفرد الزعيمان مساحة لمناقشة العلاقة الثنائية وآليات تجاوز المرحلة الصعبة وانعدام الحوار، كما تطرق الحديث بشيء من الإسهاب إلى ملف الأمن الاستراتيجي ومسائل سباق التسلح.
إذا صحت التسريبات أو على الأقل جزء منها، فإن الحوار تجنّب إثارة ملفات خلافية كبرى، مثل التدخل الروسي في انتخابات الولايات المتحدة والاتهامات لنشاط أجهزة الاستخبارات الروسية في بريطانيا وأوروبا، والموقف من التصعيد المتواصل عسكرياً بين روسيا وحلف الأطلسي في المناطق الحدودية، بالإضافة إلى سياسات روسيا في الفضاء السوفياتي السابق، وخصوصاً جورجيا وأوكرانيا. واللافت في هذه التسريبات أنها اقتصرت على مواقف ترمب حيال بعض القضايا، ولم تتناول الآراء التي طرحها بوتين في المقابل.

- نتائج محدودة... لكن مهمة
رغم ذلك، أوحت تصريحات الرئيسين خلال المؤتمر الصحافي المشترك في ختام القمة، بأن الحوار كان أكثر شمولية وعمقاً مما أوحت به التسريبات الإعلامية، مع أنها ثبتت الانطباع بأن المحادثات لم تكن «صعبة ومعقدة» خلافاً لتوقعات بعض الأطراف في السابق. وأظهر الرئيسان ارتياحاً واضحاً لمسار المباحثات، وقال بوتين، إنها انعقدت في أجواء «بنّاءة وإيجابية»، معتبراً أنها مثلت الخطوة الأولى في «إزالة الأنقاض» عن العلاقات بين البلدين. وشدد بوتين أيضاً على ضرورة توحيد روسيا والولايات المتحدة جهودهما الرامية لمواجهة التهديدات المشتركة بالنسبة لهما، مشيراً إلى أن أبرزها «الانعدام الخطير لتوازن آليات الأمن الدولي والاستقرار، والأزمات الإقليمية، وتمدد التهديدات النابعة عن الإرهاب والجرائم العابرة للقارات، وزيادة مشكلات الاقتصاد العالمي، والمخاطر البيئية وغيرها». وقال، إن المحادثات، عكست «رغبتنا المشتركة مع الرئيس ترمب في إصلاح الوضع السلبي في علاقاتنا الثنائية، ورسم الخطوات الأولى لمعالجتها وإعادتهما إلى الدرجة المقبولة من الثقة، والعودة إلى المستوى السابق للتعاون بشأن جميع القضايا التي تمثل اهتماماً مشتركاً». وقد تكون النتيجة الأبرز التوافق على تشكيل «لجنة خبراء» معنية بتطبيع العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة، تضم خبراء في السياسة من روسيا والولايات وعلماء ودبلوماسيين سابقين، و«من شأن تلك اللجنة العمل على إيجاد القواسم المشتركة والتفكير في اقتياد التعاون إلى طريق التقدم الإيجابي المستدام».
أيضاً، أكد بوتين ضرورة أن يضع الطرفان على طاولة البحث رزمة الملفات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي ومسائل تقليص التسلح، موضحاً أن الرؤية الروسية تقوم على جمع مسائل تمديد سريان معاهدة تقليص الأسلحة الاستراتيجية الهجومية، وعملية نشر الدرع الصاروخية الأميركية في أوروبا، والاتفاق حول تقليص الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى، ومسألة نشر السلاح في الفضاء في رزمة واحدة لمعالجتها من خلال حوار مفتوح بين الجانبين. كذلك، شدد الرئيس الروسي على أهمية تعزيز التعاون الأمني الاستخباراتي الثنائي، وذكر أن روسيا اقترحت على الولايات المتحدة إعادة تشكيل فريق عمل مشترك لمكافحة الإرهاب؛ بهدف «وضع الاتصالات بين جهازي الاستخبارات على أساس منظم».
في المقابل، حديث ترمب ما كان بعيداً في جوهره عن إشارات بوتين إلى آليات مشتركة للعمل، مع أنه اختار أن يبدأ حديثه في المؤتمر الصحافي بشن هجوم على «وسائل الإعلام والديمقراطيين» الذين «يريدون تدمير فرص الحوار المهم لقضايا العالم»، وتعهد بفعل ما يرى أنه «يصب في مصلحة الولايات المتحدة والعالم رغم الانتقادات». وقال ترمب، إنه بحث مع بوتين مجموعة من القضايا الملحة المختلفة، ذات الأهمية بالنسبة لكلا البلدين، و«أجرينا حواراً منفتحاً ومثمراً». وشدد على أن «الحوار البنّاء بين الولايات المتحدة وروسيا يعطي فرصة لتمهيد الطريق نحو السلام والاستقرار في العالم»، وأردف موضحاً «الخلافات بين بلدينا معروفة، وناقشتها بشكل مفصل مع الرئيس بوتين».
هذا، ويرى خبراء روس أن تأكيد الرئيسين على الحوار والاقتراحات التي قدّمت حول إنشاء لجان ومجموعات عمل مشتركة - رغم أنها تواجه تعقيدات في الولايات المتحدة - تشكل نتيجة مهمة للقمة. لكن، مقابل الارتياح الواسع الذي برز لدى المعلقين الروس لنتائج القمة الأولى بين الرئيسين، والتأكيد على حاجة الطرفين إلى التقدم على أكثر من محور لتثبيت الأجواء الإيجابية، ومواجهة الاعتراضات القوية أميركياً وأوروبياً وأطلسياً، شككت مصادر روسية في قدرة الرئيسين على القيام بتنفيذ سريع لاتفاقاتهما بشأن فتح أوسع حوار ممكن بين الطرفين على المستويات الدبلوماسية، والعسكرية، والأمنية، وأوساط رجال المال والأعمال.

- هاجس التدخل الروسي
من جانب آخر، لم تخرج ردود الفعل لدى النخب الأميركية على نتائج القمة عن التوقعات التي سبقتها. إذ كان الشعور المسيطر لدى النخب الروسية بأن خصوم ترمب سيعملون على عرقلة كل محاولاته للتقدم تجاه روسيا. ولا تخفي أوساط روسية أن أداء ترمب وتعليقاته اللاذعة ضد خصومه في المؤتمر الصحافي المشترك مع بوتين لعبت دوراً في مفاقمة الموقف وتأجيج حال الاستياء، ولا سيما أنه تجنب الإشارة إلى أي ملف خلافي مع بوتين، ودافع عن فكرة «عدم تدخل» روسيا في مسار انتخابات 2016. وأدى التراجع السريع لترمب عن بعض أقواله بعد عودته إلى واشنطن إلى تقليص سقف توقعات الكرملين، على الأقل خلال المرحلة القصيرة المقبلة، مع أن أوساط الكرملين ما زالت تعوّل على قدرة الرئيس الأميركي على تجاوز السجالات الحالية والشروع بتثبيت مواقفه. ولقد جاء حديث أناتولي أنطونوف، السفير الروسي لدى واشنطن، عن أنه سيكون من الصعب على ترمب، تنفيذ الاتفاقيات التي توصل إليها مع نظيره الروسي بسبب «المقاومة الشديدة التي سيجدها من قبل المؤسسة السياسية ووسائل الإعلام الأميركية» ليؤكد أن روسيا ليست متعجلة لتثبيت النتائج النهائية للقمة.
وقال السفير للصحافيين «علينا عند تقييم الآفاق، أن نكون دقيقين وحذرين للغاية، وأكرر كلمة للغاية». وتابع، إنه بسبب «المزاج القوي» لدى بعض الأوساط ضد سياسات ترمب حيال روسيا بات يخشى قول أي شيء إيجابي عن الرئيس الأميركي.
عكست هذه العبارات بدقة الآلية التي تسعى موسكو لتنفيذها في مواجهة الحملة القوية ضد نتائج القمة. ومع أن بوتين خرج خلال لقاء مع الدبلوماسيين الروس بعد القمة عن المألوف، ووجّه عبارات نارية ضد النخب الديمقراطية في الولايات المتحدة، واتهمها بـ«ترويج الأكاذيب والتضحية بمصالح ملايين الأميركيين لحسابات سياسية ضيقة»، فإن موسكو ما زالت تتوقع تراجعاً تدريجياً في عاصفة الانتقادات، وترى أن ترمب بصفته رأس السلطة التنفيذية سيكون قادراً على مواجهة هجوم الكونغرس وبعض وسائل الإعلام، والشروع بتنفيذ جزء على الأقل من التفاهمات توصل إليها مع بوتين. وفعلاً، من وجهة النظر الروسية، حملت الإشارات التي أعقبت القمة ما يؤكد صحة هذا الرهان، وبينها إعلان وزارة الدفاع الأميركية استعداد الوزير جيمس ماتيس للقاء نظيره الروسي سيرغي شويغو، وهو سيكون الأول منذ سنوات على هذا المستوى. بالإضافة إلى إعلان البيت الأبيض أنه يدرس إمكانية السماح لمحققين روس باستجواب مواطنين أميركيين على الأراضي الأميركية، تشتبه موسكو في أنهم على علاقة بنشاطات غير مشروعة في روسيا، وفقاً لما قالته المتحدثة باسم الإدارة الأميركية سارة ساندرز، التي أضافت إنه «نوقش هذا الموضوع خلال قمة بوتين ترمب، لكن لم تُقدم أي تعهدات أو التزامات من جانب الولايات المتحدة. ويعمل الرئيس مع فريقه في هذا المجال». ويذكر أن بوتين كان اقترح السماح لمحققين أميركيين بالتحقيق مع شخصيات روسية متهمة بالتدخل في الانتخابات الأميركية مقابل السماح للمحققين الروس بإجراء تحقيق مماثل مع شخصيات أميركية وجهت ضدها موسكو اتهامات.

- {الأطلسي} والاتحاد الأوروبي
التعليقات الأولى الصادرة عن أطراف أوروبية، بينها شخصيات حكومية في بولندا وغيرها من البلدان التي تنتقد التقارب مع موسكو، عكست استياءً شديداً بسبب إحجام ترمب عن طرح موقف علني واضح ضد السياسيات الروسية في أوروبا، وتحركات القوات الروسية على الحدود مع عدد من هذه البلدان. وجاءت تصريحات ترمب عن أن قمته مع بوتين «كانت أنجح من قمة دول حلف شمال الأطلسي (ناتو)» لتصب الزيت على النار في هذا الاتجاه. إذ سرعان ما برزت تصريحات نارية حول «تقويض التضامن الأورو - أطلسي» وتجاهل ترمب مخاوف جدية بالنسبة إلى الأمن الأوروبي والأطلسي.
وهنا، ذكرت أوساط روسية، أن أزمة العلاقة مع «ناتو» والتوتر في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي لم يكن من المنتظر أن تجد حلاً مباشراً خلال القمة الروسية - الأميركية، وهذا مع إقرار بأن ما أعلنه ترمب وبوتين بعد محادثاتهما لم يتطرق إلى عمق الأزمة الروسية – الأطلسية، باستثناء إشارات عابرة إلى مناقشة ملف الأمن الاستراتيجي. وهذا أمر يثير قلق بعض البلدان الأوروبية التي تخشى من تراجع واشنطن عن نشر قوات وأنظمة صاروخية في بلدان مثل بولندا ورومانيا من دون الحصول على ضمانات كافية من الكرملين الذي يقوم بتعزيز الدفاعات الصاروخية في غرب روسيا. وتوقعت أوساط روسية أن تظل هذه المشكلة من التعقيدات الأساسية أمام العلاقة الروسية – الأطلسية. ثم إن المرور سريعاً على ملف أوكرانيا وإغفال موضوع ضم القرم يثير بدوره مخاوف إضافية من أن التوتر في عدد من الجمهوريات السوفياتية السابقة، - وخصوصاً أوكرانيا وجورجيا ومولدافيا - وتوتر العلاقة بسبب ذلك بين موسكو وبروكسل، سيلحظ في معدلات نمو بدلاً من التراجع. وكان لافتاً أن بوتين صرح بعد القمة مباشرة بأنه «غير مقبول قيام (ناتو) بضم جورجيا» متعهداً بأن بلاده ستتخذ «تدابير للدفاع عن مصالحها وأمنها في حال تم تنفيذ هذه الخطوة» التي كان «ناتو» تعهد بها في قمته الأخيرة.

- إيران... ملف خلافي
وحول الملف النووي الإيراني، أقر الرئيسان بأن الخلاف ما زال قائماً، ولم تبرز خلال القمة إشارات إلى آليات يمكن أن يقوم بها الطرفان لتقريب وجهات النظر في هذا الشأن. ومقابل تأكيد بوتين وجهة نظر بلاده بخطأ انسحاب واشنطن من الصفقة النووية مع طهران بحجة أن «هذه الصفقة وضعت إيران تحت أفضل رقابة دولية لأنشطتها النووية باعتراف المنظمات الدولية» ربط ترمب الملف النووي مع سياسات إيران الإقليمية، وأشار إلى «حملة نشر العنف من جانب طهران في المنطقة».
وحافظت مواقف الطرفين على تباعد واسع، رغم التفاهم المحدود - كما ظهر لاحقاً - على منع وقوع مواجهة بين إيران وإسرائيل. ووفقاً لتأكيد مدير المجلس الروسي للشؤون الدولية أندريه كورتونوف، فإن الرئيسين بوتين وترمب اتفقا خلال قمتهما في هلسنكي على «منع وقوع أي صدام مباشر بين إيران وإسرائيل في سوريا». واعتبر أن هذه واحدة من النتائج العملية للقمة، مشيراً إلى اتفاق «غير معلن» تم التوصل إليه، ويقضي «على الأرجح بإعلان منطقة عازلة في هضبة الجولان، والاستعاضة عن القوات الموالية لإيران بوحدات تابعة للحكومة في دمشق». وإذا صح هذا التفاهم فهو يتعلق بجانب واحد من جوانب الخلاف بين موسكو وواشنطن على آليات إدارة العلاقة مع طهران وهو المتعلق بالوضع في سوريا. بيد أن التباين الواسع حول السياسات الإقليمية لطهران ومصير الاتفاق النووي، والخلاف الكبير حول البرامج الصاروخية الإيرانية... كلها عناصر لا يبدو أنها وجدت فرصة لنقاش موسع خلال القمة، أو على الأقل لم تنعكس في تصريحات الطرفين لاحقاً.

- القمم الروسية ـ الأميركية السابقة
منذ أسدل الستار على «الحرب الباردة» في آخر القمم السوفياتية - الأميركية التي جمعت الرئيسين جورج بوش الأب وميخائيل غورباتشوف في مالطة، وأسفرت عن فتح صفحة جديدة في العلاقات بين الطرفين بعد انهيار «جدار برلين»، عقد رؤساء روسيا «الوريثة الرسمية» للمعاهدات والاتفاقيات التي عقدها الاتحاد المنحل، ستة لقاءات قمة، إضافة إلى عدد آخر من اللقاءات التي جمعت الطرفين في مناسبات وفعاليات دولية.
واللافت، أن كل القمم الروسية - الأميركية منذ اللقاء الرسمي الأول الذي جمع في عام 1993 الرئيسين جورج بوش الأب مع الرئيس الروسي (آنذاك) بوريس يلتسين ركزت على ملف خفض التسلح الذي كاد يكون العنصر الأبرز الذي سيطر على علاقات البلدين لفترة طويلة. فهو كان على رأس دائرة الاهتمام خلال القمة التي جمعت الرئيس بيل كلينتون مع يلتسين في 1997 في هلسنكي. وسيطر الملف على الحوار في لقاء بوتين عام 2001 في سلوفينيا مع جورج بوش الابن، وكان بوتين تسلم مقاليد السلطة قبل ذلك بسنة واحدة، إضافة إلى ملف خلافي تعلق بنيات الأطلسي التوسع شرقاً، وأحرز الرئيسان في تلك القمة تقدماً طفيفاً؛ إذ حصلت موسكو على التزام شفهي بعدم تقدم الحلف قرب الأراضي الروسية.
لكن هذه المسائل عادت لتشغل الحيز الأكبر من الاهتمام في قمتين لاحقتين جمعتا بوتين وبوش الابن، الأولى في 2002 في موسكو والأخرى في 2005 في براتيسلافا عاصمة سلوفاكيا. وفي 2010 حقق البلدان تقدماً نوعياً بإبرام معاهدة «ستارت3» خلال قمة جمعت الرئيسين باراك أوباما وديمتري مدفيديف في العاصمة التشيكية براغ. وتميزت علاقات أوباما بالتوتر مع بوتين الذي عاد إلى السلطة في 2012، وفشلت القمة الوحيدة التي جمعتهما في 2013 على هامش قمة «مجموعة الثمانية الكبار» في تقريب مواقف الطرفين حيال الملفات المطروحة. ومنذ ذلك الوقت تدهورت العلاقات بين البلدين، خصوصاً، بعد اندلاع الأزمة الأوكرانية في العام التالي، ووصلت - وفقاً لتصريحات الطرفين - إلى «أسوأ مراحلها في التاريخ».


مقالات ذات صلة

إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»

حصاد الأسبوع إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»

إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»

يفرض الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»، واقعاً جديداً في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ومن المحتمل أن تمتد تأثيراته إلى كل منطقة الشرق الأوسط. وذهبت تحليلات

محمد أمين ياسين (نيروبي (كينيا))
حصاد الأسبوع جاي روبرت (جي بي) بريتزكر

جاي بي بريتزكر... حاكم إلينوي ووريث قصة «الحلم الأميركي»

قبل الانتخابات النصفية الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، يبدو الحزب الديمقراطي وكأنه يخوض معركتين في آنٍ واحد: الأولى ضد خصم جمهوري أعاد تعريف السياسة

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع رام إيمانويل (أ.ب)

أبرز الشخصيات الديمقراطية المحتملة لسباق الرئاسة 2028

إلى جانب جاي بي بريتزكر، تتداول الأوساط الديمقراطية مجموعة أسماء مرشحة لـ«البيت الأبيض» تمثل مدارس واتجاهات مختلفة داخل الحزب، ما يعكس حيوية مشوبة بالارتباك.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع أحد الطائرات الحربية تجسد مقاربة واشنطن الجديدة (آ ب)

واشنطن تفرض أولوياتها الاستراتيجية في أميركا اللاتينية

جدّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ اليوم الأول بعد عودته إلى البيت الأبيض، مطالع العام الماضي، «اهتمام» الولايات المتحدة بجوارها الأميركي اللاتيني بشكل غير

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع جيمس مونرو (غيتي)

«عقيدة مونرو»... وفق معايير «الحقبة الترمبية»

> يطلق مصطلح «شرعة مونرو» على السياسة الخارجية الأميركية التي تعارض تدخل الدول الأوروبية في شؤون بلدان النصف الغربي من الكرة الأرضية، أي الولايات المتحدة،


إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»

إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»
TT

إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»

إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»

يفرض الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»، واقعاً جديداً في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ومن المحتمل أن تمتد تأثيراته إلى كل منطقة الشرق الأوسط. وذهبت تحليلات إلى أن إسرائيل تخبئ أهدافاً خفيّة من هذه الخطوة، تتمثل في التموضع استراتيجياً وأمنياً في سواحل أرض الصومال والقرن الأفريقي ومدخل البحر الأحمر، مما يتيح لها مواجهة تهديدات جماعة «الحوثي» الموالية لإيران في اليمن داخل أراضيها، ويحقق لها البعد الحيوي الجيوبولتيكي للصومال أطماعاً قديمة تضع الإقليم على أعتاب مرحلة جديدة من صراع القوة والنفوذ.

في أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بشكل مفاجئ، اعتراف إسرائيل رسمياً بـ«أرض الصومال» -الكيان الانفصالي غير المعترف به دولياً- دولة مستقلة. وعلى الفور سارعت السلطات الصومالية في العاصمة مقديشو، ومعها كل من المملكة العربية السعودية ومصر والاتحاد الأفريقي والكثير الدول العربية والأفريقية إلى إدانة هذا الاعتراف.

مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ذكر، حينذاك، أن توقيع الاتفاق مع «أرض الصومال» جاء للاعتراف المتبادل. وأردف أن تل أبيب تعتزم توسيع علاقاتها فوراً، من خلال تأسيس علاقات دبلوماسية كاملة بما يتضمّن فتح سفارات وتعيين سفراء.

وبعد نحو 10 أيام من هذا الاعتراف، زار وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر «أرض الصومال». وكما هو متوقع، ندّدت جمهورية الصومال بهذه الزيارة، ودعت دول الجوار الأفريقي إلى احترام سيادة الصومال ووحدة أرضيها. وكذلك إلى إعلان وقوفها خلف الدولة والشرعية ودعم «الصومال الموحد» في مواجهة مشروع التقسيم، وما قد يترتب عليه من فوضى تمزّق هذا البلد الأفريقي العربي، وتتعداه لتهدد الأمن والاستقرار في كل دول المنطقة.

حضور إسرائيلي قديم

جدير بالذكر أنه على الرغم من أن لإسرائيل حضوراً قديماً في منطقة «القرن الأفريقي»، وتربطها علاقات دبلوماسية مع كل من دول كينيا وإثيوبيا ومصر وأوغندا وجنوب السودان، ينظر خبراء ومتخصصون في شؤون السياسة الأفريقية والعربية، إلى هذه الخطوة على أنها محاولة من إسرائيل لتوسيع نطاق نفوذها في «أرض الصومال». وتعد أوساط إقليمية معنية هذا التطوّر أكبر تهديد أمني وعسكري واقتصادي محتمل، لا سيما أنه قد يغدو قريباً ورقة ضغط وابتزاز فعالة وخطيرة في مواجهة عديد من الدول العربية والأفريقية في «القرن الأفريقي» ومنطقة الشرق الأوسط.

أهمية استراتيجية لإسرائيل

يشدد الصحافي والباحث السياسي عبد المنعم أبو إدريس، على القول إن هذا الاعتراف يعزّز وجود إسرائيل الدبلوماسي في أفريقيا، وعلى وجه الخصوص في «القرن الأفريقي». ويضيف: «تبرز هنا أهمية الموقع الجغرافي الاستراتيجي لأرض الصومال، فهي تقع في واجهة ممرّين مهمّين، هما المحيط الهندي والبوابة الجنوبية للبحر الأحمر عند مدخل مضيق باب المندب».

ويقول إدريس، وهو مؤلف كتاب بعنوان «مدخل إلى القرن الأفريقي... القبيلة والسياسة»، إن لدى إسرائيل اهتماماً قديماً بالمنطقة ومضيق باب المندب تحديداً. ولقد سعت منذ وقت مبكر لاستئجار جزيرة دهلك الإريترية، وتتردّد أيضاً أحاديث عن وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية في الجزيرة.

ويتابع أبو إدريس سرده قائلاً: «الوجود الإسرائيلي راهناً في منطقة أرض الصومال -التي كانت تُعرف في الماضي الاستعماري بـ«الصومال البريطاني»- يقرّبها من اليمن، وتهديدات جماعة الحوثيين المدعومة من إيران التي تشن هجمات متكرّرة على السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر».

ثم يوضح أنه إبّان الحرب على قطاع غزة، أطلقت جماعة الحوثي المدعومة من إيران عشرات الصواريخ والمسّيرات، باتجاه إسرائيل، دعماً لحركة «حماس»، وأعلنت مسؤوليتها عن عدد من الهجمات. ووفقاً لتقديرات أبو إدريس، فإن إسرائيل من خلال حضورها في هذا الموقع الجغرافي المهم، ستستطيع أن تلعب أدواراً مهمة في مساندة أطراف في الإقليم لديها معها علاقات وطيدة، بما يرجّح كفتها.

كل شيء متصل

من جهته، يقول الدكتور عمر حمد الحاوي، أستاذ العلوم السياسية المقيم في فرنسا، إنه «لا يمكن قراءة الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال دولةً مستقلةً، بمعزل عن الحرب التي دارت في قطاع غزة وإيران، وسعيها بقوة للقضاء على حلفاء إيران، خصوصاً ذراعها (حزب الله) وجماعة الحوثيين في اليمن. إذ إنها -أي إسرائيل- ترى فيها بؤراً مهدِّدة لأمنها القومي». وللعلم، لأكثر من ثلاثة عقود امتنع المجتمع الدولي عن الاعتراف بـ«أرض الصومال» دولةً مستقلةً عن مقديشو، لكن تربطها علاقة قوية مع إثيوبيا التي خرجت منها «الحركة الوطنية الصومالية» بقيادة عبد الرحمن طور، أيام نظام الرئيس السابق منغستو هيلا مريام، وهي أول دولة تفتح بعد سنوات قليلة قنصلية هناك.

في لقاء مع «الشرق الأوسط» اتفق الدكتور الحاوي، مع ما ذهب إليه أبو إدريس، بأن الخطوة الإسرائيلية ترتبط باستراتيجية قديمة، كانت تخطط لها بحكم وجودها في منطقة «القرن الأفريقي» منذ بدايات الستينات، وأكد إن إسرائيل «درجت على استغلال الصراعات الداخلية، لتعظيم نفوذها أكثر في دول أفريقيا. ثم أردف: «لقد ظلت أرض الصومال تصارع لفترة طويلة للحصول على الاعتراف بها كياناً مستقلاً. وبالتالي، فإن أي اعتراف مهما كان حجم تأثيره يُعد مكسباً لها، ومقابل ذلك تعاني إسرائيل نفسها من عزلة في المنطقة».

ويستطرد الحاوي: «لذلك سعت للاعتراف باستقلال أرض الصومال، التي يمكِّنها موقعها من الوصول إلى مضايق مائية ذات أهمية استراتيجية، ومدخلاً إلى دول في منطقة الشرق الأوسط بعضها معادٍ لها». وهنا يشير خبراء آخرون إلى أن من أبرز دوافع إسرائيل وراء تقوية علاقتها بدول في القرن الأفريقي، زعمها الشعور «بالخطر والتهديد الأمني المستمر لوجودها»، ولذلك تبحث عن دول تطبّع معها العلاقات.

في هذا الصدد، يوضح الحاوي «هذا البعد الحيوي جداً، والحقيقة أنه يحقّق موقع الصومال الجيوسياسي لإسرائيل أطماعها في إيجاد موطئ قدم على البحر الأحمر، ويدنيها من خريطة الصراع في اليمن وإيران». ثم يقول: «إن أهم نيَّات إسرائيل هي تأسيس قواعد عسكرية في سواحل أرض الصومال... وهي عبر وجودها العسكري والأمني هناك ترى أنها ستستطيع حماية مصالحها في المنطقة، والقضاء على الجبهات المتحالفة أو المدعومة من إيران في لبنان وسوريا وغزة، وتدعم المقاومة في فلسطين». وحقاً، يُجمع المحللون على أن الوجود العسكري الإسرائيلي في «القرن الأفريقي» ومدخل البحر الأحمر، يُشكل خطورة متعاظمة، من استخدام القواعد البحرية في المهام العسكرية المختلفة، ويرون أن الخطر الأكبر يبرز، بالذات، في استغلالها محطّات متطوّرة تقنياً لأغراض استخباراتية تجسّسية على دول المنطقة.

خيارات صفرية

من ناحية ثانية، لا يرى الدكتور الحاوي أن وجود إسرائيل في «أرض الصومال» والبحر الأحمر، مجرد تهديد عسكري وأمني، بل يرى أنه يمتد إلى الاقتصاد وأمن الملاحة والتجارة في أهم المضايق العالمية... ويوضح: «هذا الوجود يبعث بمخاوف من أن يمتد ذلك لخنق وحصار المنطقة».

في السياق عينه، يستبعد الحاوي وجود القدرة عند دول المنطقة على وقف التوسّع الإسرائيلي واحتوائه. وبناءً عليه، يقترح أن «الخيار المتاح أمامها -أي دول المنطقة العربية- هو الاعتراف بـ(أرض الصومال)، وتبادل السفارات معها كدولة مستقلة، كأقوى ورقة ضغط يمكن أن تدفعها للحد من نفوذ إسرائيل على أراضيها». غير أن الحاوي يستدرك ليقول إن هذا الخيار «قد يفتح، في المقابل، أبواباً واسعة أمام طموحات بعض الأقاليم التي ترغب في الانفصال عن دولها الأم».

«مشروع تآمري»... في حرب المياه

بالتوازي، يعتقد البروفسور حسن مكي، المتخصص في شؤون القرن الأفريقي، أن «دخول إسرائيل يزيد الوضع الإقليمي تعقيداً، وقد يقطع الطريق أمام أي ترتيبات لعودة أرض الصومال، سواءً كان ذلك في إطار نظام كونفدرالي للوحدة مع جمهورية الصومال، مسنودةً بالتعاون الوثيق بين إسرائيل وإثيوبيا».

ومن ثم، يلفت مكي في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «أرض الصومال» لم تكن تحت سيادة الصومال -الصومال الإيطالي سابقاً- قبل عام 1961، بل كانت تحت الاستعمار البريطاني، ونالت استقلالها قبل فترة وجيزة من الصومال الذي كان تحت الحكم الإيطالي. ثم ذكّر بأن «إثيوبيا فتحت لها قنصلية في هرجيسة، عاصمة أرض الصومال وكبرى مدنها. وكان هذا أول تمثيل دبلوماسي أجنبي في (أرض الصومال)، وهدفه بالنسبة إلى أثيوبيا -المعزولة عن البحار- الاستفادة من ميناء بربرة ذي الأهمية الاستراتيجية على المحيط والبحر الأحمر».

مكي أشار، من جانب آخر، إلى أن «اعتراف إسرائيل بـ(أرض الصومال) يهدف أيضاً إلى تقليص الوجود المصري الكبير، وإمكانية انتزاع اعتراف من الدول الأفريقية بـ(أرض الصومال) دولةً مستقلة، تمهيداً لحرب المياه المقبلة... بالتزامن مع عزم إثيوبيا على بناء مزيد من السدود والخزانات على الأنهار والخيران التي تغذّي نهر النيل، والقادمة من الهضبة الإثيوبية».

وألمح البروفسور مكّي، وهو خبير متخصص، إلى وجود «مشروع تآمري» جارٍ التخطيط له، وهو يهدف إلى حصار المنطقة وتطويقها، وأن بعض أطرافه أفريقية وعربية. إذا قال: «هذا المشروع يبدأ من (أرض الصومال) لشغل الجيش المصري بحرب المياه». وأردف لـ«الشرق الأوسط»، أن «الاعتراف الإسرائيلي ستكون له تأثيرات على صراع المواني والجيوسياسة، على البحر الأحمر... وبالتالي، لا بد من القول: دعونا ننتظر منذ الآن لمعرفة هوية الدولة (العربية) الثانية التي ستعترف علناً بـ(أرض الصومال)».

«أرض الصومال»... في سطور

الجدير بالإشارة أنه يرأس «أرض الصومال» اليوم، عبد الرحمن محمد عبد الله، المعروف باسم «عرو»، وكان قد انتُخب للمنصب في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مرشحاً عن حزب «وطني». وفي موضوع المطلب الاستقلالي، في 2001 أجرى في «أرض الصومال» استفتاءً على مشروع دستور للانفصال عن الصومال، صوّت فيه 97.1 في المائة لصالح الاستقلال. أما بشأن الانتخابات النيابية، فتجرى انتخابات تعدّدية بانتظام في البلاد منذ عام 2003.

«عرو» هو سادس رئيس لـ«أرض الصومال» منذ انفصال الإقليم عن جمهورية الصومال في مايو (أيار) 1991، ومن أبرز التحديات التي طرحها خلال الحملة الانتخابية: البحث عن الاعتراف الدولي لتحديد شكل العلاقة مع الصومال. والنظر في مذكرة التفاهم التي أبرمها النظام السابق مع إثيوبيا... التي أثارت الكثير من الجدل في منطقة القرن الأفريقي. ومعالجة بعض التوترات في مناطق محدودة بإقليم «سول». هذا بالإضافة إلى تعهده بانضمام «أرض الصومال» إلى كلٍّ من الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، ومنظمة الكومنولث، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد).

هذا، وفي مطلع 2024، كان موسى بيحي عبدي، الرئيس السابق لـ«أرض الصومال»، قد وقّع مذكّرة تفاهم مع إثيوبيا، حصلت بموجبه الأخيرة على مَنفذ بحري يتضمّن ميناء تجارياً وقاعدة عسكرية في بربرة، لمدة 50 سنة.

جغرافياً تقع «أرض الصومال» في الجزء الشمالي من الصومال، تحديداً في البر الرئيسي لشمال شرقي أفريقيا (المعروف بـ«القرن الأفريقي») على شاطئ خليج عدن. وتحدّها إثيوبيا من الغرب، وجيبوتي (الصومال الفرنسي، ثم أرض العفر والعيسى سابقاً) من الشمال الغربي، وخليج عدن من الشمال حتى الحدود البحرية مع اليمن. وعقب سقوط العاصمة مقديشو في عام 1991، أعلن الجزء الشمالي المُسمى حالياً «أرض الصومال» (صومالي لاند)، استقلاله عن البلاد.

يبلغ عدد سكان «أرض الصومال» اليوم نحو 6 ملايين نسمة، وكبرى مدنها العاصمة هرجيسة، تليها بورعو وبربرة، التي هي الميناء الرئيسي على خليج عدن. أوساط إقليمية تعد علاقات إسرائيل و«أرض الصومال» أكبر تهديد أمني وعسكري واقتصادي


جاي بي بريتزكر... حاكم إلينوي ووريث قصة «الحلم الأميركي»

جاي روبرت (جي بي) بريتزكر
جاي روبرت (جي بي) بريتزكر
TT

جاي بي بريتزكر... حاكم إلينوي ووريث قصة «الحلم الأميركي»

جاي روبرت (جي بي) بريتزكر
جاي روبرت (جي بي) بريتزكر

قبل الانتخابات النصفية الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، يبدو الحزب الديمقراطي وكأنه يخوض معركتين في آنٍ واحد: الأولى ضد خصم جمهوري أعاد تعريف السياسة الأميركية على إيقاع شعار «أميركا أولاً»، والثانية ضد ارتباكه الداخلي المزمن في الإجابة عن سؤال الناخب البسيط: ما الذي ستفعله لنا غداً؟ في هذا الفراغ بين القلق الانتخابي وأزمة الرسالة، يتقدم اسم حاكم ولاية إلينوي، جاي بي بريتزكر، بوصفه واحداً من أكثر «البدائل التنفيذية» جاهزية، أو على الأقل أكثرها اختباراً. وهذا، ليس لأنه الأكثر شعبوية أو الأكثر جاذبية أمام الكاميرا، بل لأنه يمثل نموذجاً نادراً داخل الحزب: رجل ثريّ لم يأتِ ليعتذر عن ثروته، وحاكمٌ يحاول أن يحول «ولاية صعبة» إلى منصّة وطنية، وسياسيٌّ يتقن المواجهة مع دونالد ترمب من دون أن يصبح نسخةً منه.

يُختصر جاي روبرت (جي بي) بريتزكر غالباً في كلمة واحدة: «ملياردير». إلا أنه، في سرديته الشخصية، أقرب إلى ابن سلالة أميركية تقليدية صعدت من الهجرة إلى القمة الاقتصادية ثم إلى العمل العام.

وُلد بريتزكر يوم 19 يناير (كانون الثاني) 1965 في بالو ألتو بولاية كاليفورنيا، ونشأ في أثيرتون، داخل عائلة بريتزكر ذات الجذور اليهودية الأوكرانية التي ارتبط اسمها تاريخياً بشيكاغو والأعمال والفنادق والعمل الخيري.

تاريخ العائلة اليهودية الثرية نفسه جزء من «الحلم الأميركي»: هجرة من كييف أواخر القرن التاسع عشر إلى شيكاغو. ثم بناء ثروة عبر المحاماة والاستثمار والعقار، وصولاً إلى تأسيس سلسلة فنادق «حياة» (هايات) التي بدأت عام 1957 عندما اشترى عمه جاي بريتزكر فندقاً قرب مطار لوس أنجليس، لتتحول لاحقاً إلى واحدة من أشهر العلامات في الضيافة العالمية. وفي بيت كهذا، يصبح الاسم رأس مالٍ قبل أن تكون الثروة مالاً.

إلا أن نشأة جاي بي حملت أيضاً وجهاً أكثر قسوة مما توحي به الأرقام. فوالده دونالد بريتزكر (كان رئيس «حياة») توفي بنوبة قلبية، وهو في التاسعة والثلاثين عام 1972، ثم توفيت والدته في حادث عام 1982، وهو ما دفعه – وفق سيرته – إلى الانتقال للعيش مع عمته، سيندي بريتزكر، في سن الثانية عشرة.

هذه التفاصيل لا تُذكر عادة في السياسة الأميركية إلا بوصفها مادةً عاطفية، لكنها تساعد على فهم جانب من شخصية الرجل التي تقوم على انضباط شخصي وحذر إعلامي، وميل إلى تحويل السيرة الخاصة إلى «خلفية»، لا إلى «قصة بطولة».

تعليم قانوني وتكوين سياسي مبكر

درس بريتزكر المحاماة، لكنه قبل المسيرة الجامعية، أكمل دراسته المتوسطة والثانوية في أكاديمية ميلتون، إحدى أعرق وأرقى المدارس الخاصة في الولايات المتحدة، ومن ثم تخرّج في اثنتين من أرقى الجامعات الأميركية وأغناها، إذ حصل على البكالوريوس من جامعة ديوك، ثم إجازة الحقوق من جامعة نورثويسترن.

هذا التكوين القانوني في بلدٍ تحكمه النصوص والمؤسسات بقدر ما تحكمه المشاعر، سيظهر لاحقاً في طريقة إدارته الصدام مع السلطة الفيدرالية، وفي لغته حين يتحدث عن صلاحيات الولايات وحدود البيت الأبيض.

قبل ترشّح بريتزكر وفوزه في انتخابات حاكم ولاية إلينوي، تحرّك طويلاً داخل عالم السياسة من الصفوف الخلفية... دعمٌ مالي للحزب الديمقراطي، وعملٌ تنظيمي، ومحاولات مبكرة للترشّح (منها محاولة لسباق الكونغرس أواخر التسعينات). ثم لعب أدواراً في مؤسسات ولاية إلينوي.

في الوقت نفسه، صنع لنفسه هوية رجل أعمال «يُؤَسِّس» و«يموِّل» و«يدير»، لا يكتفي بأنه مجرد وريثٍ يتنقل بين مجالس الإدارة.

وبالفعل، انخرط في الاستثمار ورأس المال المخاطر، وأسهم في مبادرات مرتبطة بريادة الأعمال في شيكاغو. وساهم في تأسيس العديد من شركات رأس المال الاستثماري، بما في ذلك مجموعة «بريتزكر كابيتال» الخاصة، حيث يشغل منصب الشريك الإداري.

كذلك شارك في تأسيس شركة «شيكاغو فينتشرز»، وموّل شركتي «تيك ستارز شيكاغو» و«بيلت إن شيكاغو» الناشئتين. ووفقاً لمجلة «فوربس»، بلغ صافي ثروته التقديرية 3.9 مليار دولار أميركي اعتباراً من أغسطس (آب) 2025، في حين صنفت العائلة من بين أغنى العائلات في أميركا. وبصفته اليوم حاكم ولاية، فإنه يمتلك ثروة أكبر من ثروة أي حاكم آخر على مدار التاريخ الأميركي. ويُعد ثاني أغنى سياسي يشغل منصباً في الولايات المتحدة، بعد عمدة نيويورك السابق مايكل بلومبيرغ.

الاختبار الأكبر لأي ديمقراطي في 2028 سيكون: كيف تُواجه

«أميركا أولاً» من دون أن تبدو ضد «أميركا» أو ضد «الأولوية للناس»؟

«الولاية المختبر»...وصعوبة الحكم

حين فاز جاي بي بريتزكر بحاكمية إلينوي (2018)، ثم تولّى منصبه عام 2019، كان يعرف أن الولاية ليست «منصة جاهزة» للنجومية الوطنية. فإلينوي خليط متناقض: مدينة شيكاغو الكبرى بمشاكل العنف والسلاح، والضواحي الليبرالية، والأرياف المحافظة التي تُحسن قراءة خطاب الجمهوريين.

في مثل هذا المكان، يصبح النجاح التنفيذي أكثر قيمة من الخطابة.

على مستوى السياسات، سعى بريتزكر إلى تقديم نفسه كديمقراطي «عملي». وحقاً رفع الحد الأدنى للأجور عبر قانون قاد إلى 15 دولاراً بحلول 2025، وطرح نفسه حليفاً للنقابات عبر تشريعات تعزز حقوق التفاوض الجماعي. وهذه العناوين لخّصت «مدرسته» السياسو – اقتصادية... أي «اقتصادٌ يميل إلى حماية العمال، ولكن من دون قطعٍ كامل مع منطق السوق».

ومن ناحية ثانية، بريتزكر لا يدير ولاية في فراغ.

ولايته كغيرها، كانت مسرحاً لاختبار جائحة «كوفيد-19»، ثم اختبار الانقسام الثقافي الأميركي، ثم اختبار «عودة ترمب» إلى البيت الأبيض، وما تبعها من شدٍّ في علاقة واشنطن بالولايات الديمقراطية. وهنا بالذات، بدأ الرجل يتحوّل من حاكم محلي إلى لاعب مؤثر في مشهد وطني.

حضور وطني

بلغ حضور بريتزكر الوطني ذروته في صيف 2025، حين تصاعدت تهديدات الرئيس دونالد ترمب بإرسال «الحرس الوطني» إلى شيكاغو بذريعة مكافحة الجريمة، في ما اعتبره الديمقراطيون محاولة لاستعراض القوة وتسييس الأمن.

يوم 25 أغسطس (آب) 2025، أعلن بريتزكر صراحة أنه سيحاول منع أي نشر للقوات، واصفاً الخطوة بأنها تعدٍّ غير دستوري على صلاحيات الولاية. وبعد أيام، صعّد ترمب لهجته معلناً «نحن داخلون» إلى شيكاغو، في واحدة من أكثر لحظات التوتر بين البيت الأبيض وولاية ديمقراطية منذ سنوات.

المثير للاهتمام أن بريتزكر لم يواجه ترمب بلغة اليسار الثقافية، بل بلغة القانون والسيادة... متسائلاً: مَن يملك سلطة استدعاء الحرس؟ ومتى تتحوّل «مكافحة الجريمة» إلى ذريعة لتطويع خصوم سياسيين؟

موقفه هذا حصل على غطاء حزبي أوسع عبر بيانات «رابطة حكّام الحزب الديمقراطي» التي رأت في نشر القوات من دون طلب الحاكم «إساءة استخدام للسلطة» واعتداءً على سيادة الولايات.

بل إن المعركة أخذت بُعداً قضائياً عندما أشارت تقارير إلى قرار قضائي في خريف 2025 يقيّد (يوقف مؤقتاً) نشر قوات في محيط شيكاغو، في إشارة إلى حساسية التوازن بين الأمن والفيدرالية.

في الوقت نفسه، حرص بريتزكر على ضرب السردية الجمهورية من داخلها، قائلاً نعم، هناك جريمة، لكن شيكاغو ليست «مدينة خارجة عن السيطرة». وبالفعل، بيّن تقرير لـ«أسوشييتد برس» انخفاض العنف هناك في النصف الأول من 2025 مقارنة بالعام السابق، مع بقاء تحدياتٍ قائمة في بعض المناطق.

كانت هذه النقطة مهمة سياسياً: فبريتزكر أراد نقل النقاش من «قوات ودبابات» إلى «قدرة الدولة المحلية على الإصلاح».

أزمة الديمقراطيين

مع هذا النجاح، لا يراهن الديمقراطيون على الأشخاص وحدهم. فالأزمة أعمق من سؤال «مَن يترشح؟». فالحزب يواجه 3 تحديات متداخلة:

- تآكل الثقة لدى شرائح من الطبقة العاملة والناخبين غير الجامعيين، حيث يرى كثيرون أن الديمقراطيين يتحدثون عن قيمٍ كبرى أكثر مما يقدمون حلولاً يومية قابلة للمس. وثمة تقارير وتحليلات عدة بعد انتخابات 2024 ركّزت على فجوة الثقة في «القدرة على الإنجاز» حتى لدى ناخبين يوافقون على سياسات الحزب من حيث المبدأ.

- الاستقطاب الثقافي الذي نجح الجمهوريون في جرّ الديمقراطيين إليه: التعليم، الكتب، الهوية، الشرطة... وهي ملفات تُدار غالباً بلغة «مع أو ضد»، وتُضعف قدرة الحزب على بناء رسالة اقتصادية جامعة.

- معضلة الأمن والهجرة التي أعادها ترمب إلى صدارة النقاش عبر تكثيف سياسات إنفاذ الهجرة، ما خلق ملفاً مزدوج الحدّ: فرصة للديمقراطيين لمهاجمة «التشدد» إذا أدى إلى تجاوزات، وخطرٌ عليهم إذا بدا الحزب متساهلاً أو منقسماً بين «الإصلاح» و«الإلغاء».

في خلفية ذلك، تقدّم قراءات تاريخية للانتخابات النصفية – مثل قراءة «بروكينغز» لمسار 2026 – أن الحزب الحاكم غالباً ما يواجه رياحاً معاكسة في منتصف الولاية، ما يرفع سقف الرهان لدى الديمقراطيين على أن 2026 قد تكون بوابة العودة السياسية إذا أحسنوا صياغة المعركة.

هنا يظهر بريتزكر باعتباره «ترجمة سياسية» لفكرة الخروج من الحرب الثقافية عبر العودة إلى الاقتصاد والحوكمة.

الرجل لا يتخلى عن ملفات تقدمية (الحقوق الفردية، حماية الأقليات...)، لكنه يحاول ألا يجعلها محور الرسالة الانتخابية. وبدلاً من ذلك، يكرر ثلاثية أقرب إلى «قاموس الطبقة الوسطى»، كالقدرة على العيش وتكلفة المعيشة، والتعليم بوصفه مصعداً اجتماعياً، والأمن كوظيفة دولة، لا كمسرح استعراض.

المفارقة أن ثروته، التي قد تكون عبئاً داخل حزب يرفع خطاب العدالة الاجتماعية، يمكن أن تكون أيضاً سلاح دفاعه. فبريتزكر لا يحتاج إلى مموّلين، بل يستطيع تمويل حملة وطنية، ويتقن لغة الأعمال التي يخاطب بها الأميركيين في زمن القلق الاقتصادي.

«أميركا أولاً» والبحث عن رد غير نخبوي

في مطلق الأحوال، الاختبار الأكبر لأي ديمقراطي في 2028 سيكون: كيف تُواجه «أميركا أولاً» من دون أن تبدو ضد «أميركا» أو ضد «الأولوية للناس»؟

حتى الآن، يبدو بريتزكر أقرب إلى تقديم ردٍّ يقوم على إعادة تعريف «الأولوية» بأن أميركا القوية لا تغلق الباب وتلوّح بالقوة داخل المدن، بل التي تستثمر في العمال، وتحمي المؤسسات، وتخفف قلق العائلات من الصحة والتعليم والتكلفة.

نجاح هذا الردّ ليس مضموناً، لأن ترمب لا يطرح شعاراً فقط، بل يطرح هوية سياسية كاملة: غضب، وعدو واضح، ووعد سريع.

بريتزكر لم يعلن بعد نية الترشح، ويحرص على إظهار نفسه «حاكماً أولاً». لكن منطق السياسة الأميركية يقول إن «التحضير» يبدأ قبل الإعلان بسنوات... عبر شبكة علاقات، وحضور وطني، وتموضع داخل معارك الحزب الكبرى. ومع كل مواجهة جديدة مع ترمب حول شيكاغو أو صلاحيات الولايات، تتسع مساحة الرجل داخل النقاش الديمقراطي.

في المحصلة، بريتزكر ليس جواباً نهائياً على أزمة الديمقراطيين، لكنه نموذجٌ لجوابٍ محتمل عنوانه: إدارة صارمة، ولغة قانونية في مواجهة «القوة الفيدرالية»، وبرنامجٌ يحاول أن يُقنع الناخب المتردد بأن البديل ليس «خطاباً أجمل»، بل «دولة تعمل». وفي زمنٍ انقسام شعبي عميق، قد يكون حاكم إلينوي أحد المرشحين القلائل القادرين على تحويل تجربة الولاية إلى سردية وطنية...


أبرز الشخصيات الديمقراطية المحتملة لسباق الرئاسة 2028

رام إيمانويل (أ.ب)
رام إيمانويل (أ.ب)
TT

أبرز الشخصيات الديمقراطية المحتملة لسباق الرئاسة 2028

رام إيمانويل (أ.ب)
رام إيمانويل (أ.ب)

إلى جانب جاي بي بريتزكر، تتداول الأوساط الديمقراطية مجموعة أسماء مرشحة لـ«البيت الأبيض» تمثل مدارس واتجاهات مختلفة داخل الحزب، ما يعكس حيوية مشوبة بالارتباك.

وبينما يتحسس الحزب الديمقراطي طريقه نحو المستقبل، تبرز شخصيات يعدها البعض «فرقة النخبة» المؤهلة لخوض سباق 2028، محملة بخبرات تنفيذية من ولايات محورية:

غافن نيوسوم (حاكم كاليفورنيا): يظل المنافس الأبرز والوجه الإعلامي الأكثر حضوراً. إنه يتمتع بقدرة فائقة على السجال التلفزيوني وتمثيل كاليفورنيا كنموذج مضاد للسياسات المحافظة. ولكن بجانب انتقادات تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة في ولايته، قد تكون قوته في ولايته أيضاً نقطة ضعفه أمام ناخبين مترددين تجاه «النموذج الكاليفورني».

بيت بوتيجيج - بو دجاج (أ.ب)

رام إيمانويل: رئيس بلدية شيكاغو السابق، ورئيس موظفي البيت الأبيض في عهد باراك أوباما، والسفير الأميركي السابق لدى اليابان (انتهت مهمته في يناير (كانون الثاني) 2025). يرشحه البعض ليس فقط لأنه اسم «ثقيل» داخل المؤسسة الديمقراطية، بل أيضاً لأن هناك مؤشرات إعلامية حديثة تتحدث عن أنه يختبر فعلياً فكرة حملة 2028 عبر جولات وخطاب يركز على «إصلاح التعليم» في محاولة للاقتراب من الناخبين المتأرجحين الذين يحمّلون الحزب جزءاً من مسؤولية الفوضى السياسية والارتباك البرامجي، وتقديم نفسه كصوت «تجديدي» داخل الحزب في مواجهة ما يصفه بعض الديمقراطيين بجناح «المقاومة» الذي يطغى عليه الصدام الرمزي مع ترمب.

جوش شابيرو (حاكم بنسلفانيا): يمثل الجناح المعتدل والذكي سياسياً. قدرته على الفوز في ولاية متأرجحة وحاسمة تجعله مرشحاً مثالياً لاستعادة أصوات الطبقة العاملة في «حزام الصدأ»، وهو يتبع نهجاً يركز على «الإنجازات الملموسة» بعيداً عن الصراعات الآيديولوجية الحادة.

كمالا هاريس (أ.ب)

غريتشن ويتمر (حاكمة ميشيغان): «قائدة حازمة» صقلتها الأزمات، وتحظى بشعبية هائلة في ولاية حاسمة. تجيد مخاطبة الناخبات في الضواحي، وهي كتلة تصويتية يرى الديمقراطيون أنها مفتاح العودة للبيت الأبيض.

ويس مور (حاكم ماريلاند): النجم الصاعد وأول حاكم أسود للولاية. بخلفيته العسكرية وقدراته الخطابية، يُنظر إليه بوصفه «أوباما القادم»، حيث يقدم خطاباً يمزج بين الأمل والوطنية والعدالة الاجتماعية، ما قد يساعد في استنهاض القاعدة التصويتية للشباب والأقليات.

بيت بوتيجيج - بو دجاج - (وزير النقل السابق): بذكائه الحاد وقدرته على اختراق وسائل الإعلام المحافظة، يظل بوتيجيج خياراً قوياً للجناح المثقف في الحزب، رغم التحديات التي تواجهه في كسب تأييد أوسع بين الناخبين الملوّنين.

كمالا هاريس: نائبة الرئيس السابقة، والمرشحة التي خسرت السباق الرئاسي أمام ترمب العام الماضي. تمتلك خبرة وطنية ودولية، غير أن إرث الإدارة السابقة يفرض عليها تحدياً في إعادة تقديم نفسها.

غريتشن ويتمر (أ.ب)

تتفق هذه الشخصيات على ضرورة «تحديث» الخطاب الديمقراطي، لكنها تتباين في الأسلوب، ما يمهد لانتخابات تمهيدية قد تكون الأشرس في تاريخ الحزب. ومع أن اللائحة تبقى مفتوحة على مفاجآت، لكن القاسم المشترك بين معظم الأسماء هو إدراكهم أن سباق 2028 لن يُحسم بالشخصية وحدها.