حقوق المرأة تطفو على سطح سينما العرب

ما زالت تريد حلاً بعد كل تلك السنين

لقطة من «أخضر يابس» وحكاية شقيقتين
لقطة من «أخضر يابس» وحكاية شقيقتين
TT

حقوق المرأة تطفو على سطح سينما العرب

لقطة من «أخضر يابس» وحكاية شقيقتين
لقطة من «أخضر يابس» وحكاية شقيقتين

ضمن إطلاق المسميات اللافتة، مثل «سينما القضايا الكبيرة»، ومثل «سينما الواقع»، و«السينما التي تشبهنا» (تعبير لا يعني شيئاً)، يتم تداول مسمّى آخر بنشاط ملحوظ تحت عنوان «سينما المرأة».
وهي تسمية لها وجود فعلي وآخر مزيّف. هذا الثاني يعتمد على نظرية أن سينما المرأة هي تلك التي تحققها، كإخراج وككتابة في الأساس، إناث. هي سينما «جندر» أي تعتمد على جنس المخرج (ذكر أو أنثى) بصرف النظر عن الناتج عنها. ضمن هذا المفهوم، فإن أفلام كاثرين بيغيلو، من «بلو ستيل» و«بوينت بريك» و«أيام غريبة» في التسعينات إلى «خزانة الألم» و«زيرو دارك ثيرتي» و«ديترويت»، هي أفلام نسائية علماً بأن ما تطرحه هذه المخرجة الأميركية (وهناك سواها) ليس نسائياً على الإطلاق.
على كثرة الأفلام التي تحققها مخرجات نشيطات حول العالم وبصورة لافتة، فإن المفهوم الصحيح لماهية «سينما المرأة» هو ذلك المتعلق بالطروحات التي توفرها الأفلام بصرف النظر عن جنس مخرجيها. ألم يطرح سعيد مرزوق قضايا نسائية ملحة في «الخوف» ثم في «أريد حلاً» ذلك الفيلم الذي صرخت فيه فاتن حمامة مطالبة بحقوقها الطبيعية؟ ماذا عن بركات، أو هل خلت أفلام مارون بغدادي ورضا الباهي ومحمد خان من قضايا نسائية أساسية وعلى نحو لا خلاف عليه؟
من هذه الزاوية وحدها، على الأقل، تحفل السينما العربية حالياً بالعديد من الأفلام التي تطرح مسائل نسوية مختلفة لا ترفع يافطات تنادي بحقوق المرأة، بل تفعل ما هو أجدى: تبحث في هذه الحقوق على نحو جاد وعبر طرح مسائل اجتماعية ملحّة تنضوي على وضع المرأة في مجتمعاتنا وثقافاتنا المعمول بها.

- ما بعد الجاذبية
الحال أن نسبة لا تقل عن 40 في المائة من الأفلام العربية المنتجة خلال السنوات الخمس الأخيرة تدور حول نساء وقضايا نسائية. نصف هذه الأفلام تقريباً من الأفلام كتبتها وأخرجتها سينمائيات. النصف الثاني، أو ما جاوره، من إخراج رجال يطرحون القضايا ذاتها بلمسات قد تختلف قليلاً في درجة حساسيتها حيال الشخصيات والموضوعات المطروحة، لكنها تلتقي والأفلام التي تُقْدم على تحقيقها نساء في أنها موغلة الاهتمام بأوضاع المرأة المختلفة في زمن اليوم.
الكثير من هذه الأفلام تتحدث عن حقوق المرأة ليس من باب الصراخ في وجه المشاهد لحثه على منح المرأة حقوقها، بل عن طريق عرض الحالات التي تبدد الوهم في أن المرأة العربية لديها اليوم حرية القرار في أوجه كثيرة من الحياة الاجتماعية. هي، بالتالي، ليست أفلاماً تطالب مباشرة بل تعرض درامياً أو عبر أفلام غير درامية (تسجيلية أو وثائقية) حالات محددة وواضحة مثيرة حولها ما يكفي للخروج منها بوعي كافٍ ليحثّ المشاهد على تبني ما تم طرحه في هذه الأفلام.
«زهرة الصبار» للمصرية هالة القوصي أحد آخر الأفلام الروائية المصرية في هذا الصدد. ينطلق من تقديم بطلته عايدة (سامية سامي) وهي تمثل إعلاناً إذاعياً. تعود منه إلى البيت الذي تعيش فيه وحيدة ويدلف بنا الفيلم منذ تلك اللحظة إلى المشكلات التي تعايشها أو تحيط بها. جارتها العجوز (منحة البطراوي) لم تدفع إيجار سكنها منذ عدة أشهر. كلتاهما تصبحان خارج الشقة ما ينتج عنه إيواؤهما في منزل شاب، ما حرّك ظنون جيرانه. بين محاولة عايدة التقدم في مجال التمثيل، ومحاولتها الإبقاء على عملها غير الثابت تفتح المخرجة الجديدة دفاتر بطلتها السابقة وتعيد الصلة بين متاعبها ومتاعب والدتها من قبلها بالإضافة إلى متاعب تلك الجارة التي تدخل في طيات السائد من المعايير.
شبيه بهذا الوضع الذي تجد فيها بطلة الفيلم نفسها أمام أسئلة الحاضر المبهم، فيلم محمد حماد «أخضر يابس» الذي يدور حول تلك المرأة التي تكتشف أنها فقدت شبابها ومستقبلها الشخصي بينما كانت تثابر على العمل لإعالة نفسها وشقيقتها الشابة المشغولة عنها.
تستقلّ بطلة الفيلم (هبة علي) الحافلة الكهربائية وتجتاز الجسر فوق الشارع المزدحم وتمشي بعد الدوام في الأزقة والطرق. حمّاد يصوّرها وهي تفعل ذلك على الدوام. وفي كل مرّة، هناك تسجيل لنبض حياة بطلته، ما يجعل الشعور بالتكرار معدوماً. تلك الرتابة هي في الحياة ذاتها، وبطلته ليس لديها ما يدعو للابتسام خصوصاً بعدما وصلت إلى سن ما بعد الجاذبية والأنثوية. هذا ما يتركها في النهاية كتلك السلحفاة التي يقطع المخرج عليها بضع مرات وهي ملقاة على ظهرها لا تَقوَى على استخدام أطرافها. إيمان لن تصلح للإنجاب ولن يرضى بها أحد يريد تكوين أسرة. ويتركنا الفيلم مع هذه النقلة إلى المزيد من حياة متوقعة بلا أمل يطفو أو ضباب يزول.

- ضد الوضع القائم
أحد أبرز الأفلام العربية التي طرحت معضلة البحث عن الحاضر المفلت من بين الأصابع وبالتالي إيجاد الحلول الملائمة لمجمل ما قد تمر به المرأة العربية من حالات وأوضاع، ورد من تونس التي لم تفتأ منذ سنوات بعيدة تقدم أفلاماً نسائية لافتة وناجحة التقديم وبعضها مدروس ومنفَّذ بعناية فائقة.
الفيلم المعني هنا هو «على كف عفريت» الذي شاع بين المهرجانات العربية والعالمية وخرج بحفنة لا بأس بها من الجوائز. في جوهره هو فيلم عن حاجة المرأة إلى مساندة المجتمع لها خلال محنة مهمّة وخروجها من التجربة وقد اكتشفت أن المجتمع ليس في وضع المستجيب. بطلته مريم (مريم الفرجاني) تعرضت للاغتصاب في سيارة شرطة. في الليلة ذاتها آلت على نفسها أن تبحث عن الفاعلَين اللذين قاما بهذه الجريمة وترفع ضدهما دعوى. معها في البحث شاب لا تعرفه جيداً ينبري لمساعدتها لكنه يواجه تعنت السُّلطة واستعدادها لتلفيق تهم تودي به إلى السجن إذا لم يكفّ عن مساعدة الفتاة. إذ ينفصل عنها تبقى وحيدة في معركتها في مركز الشرطة حيث يعمل الرجلان اللذان قاما باغتصابها. يتم الضغط عليها وتهديدها لكنها لن تستجيب، ليس لأنها انتمت إلى سياسة تبنَّتها، بل لشعور منها بأن لديها حقاً يريد البعض طمسه، وإذا لم تنبرِ لنيله فإن الوضع سيبقى على ما هو عليه. تناولت المخرجة كوثر بن هنية الموضوع من حادثة حقيقية أثارت الرأي العام التونسي قبل سنوات قليلة. الموضوع، في صميمه، يلتقي بأحداث ما بعد سنة 2011 في تونس. ولو بحثنا سنجد أكثر من فيلم يتناول أوضاعاً نسائية قبل أو خلال أو بعد تلك الأحداث المعروفة. بينها «غدوة خير» للطفي عاشور.
يتناول هذا الفيلم حكاية امرأتين (الرائعتان أنيسة داود ودرية عاشور) اشتركتا في المظاهرات المعادية للنظام السابق ووجدتا نفسيهما في خطر القبض عليهما. يساعدهما صبي على الهرب. بعد ذلك الفصل ها هما تبحثان عنه وتكتشفان أنه كان قد تعرض للضرب والاعتداء الجنسي قبل قتله. في الوقت الذي يعرض الفيلم حكاية لا تنحصر في موضوع نسائي بحت، فإن المرأة (ممثلةً في بطلتيه) تقود هنا الطرح الاجتماعي وتعكس الخطر الماثل عليها قبل وبعد تلك الثورة.
في هذا الجزء من العالم لا وطن واحداً لمحنة المرأة القابعة تحت سلطة ذكورية واجتماعية والمحاصَرة بالوصايا الجاهزة. لذا ما ينبري له فيلم آتٍ من تونس أو الجزائر يمكن له أن يكون نموذجاً لفيلم يرد من مصر أو العراق أو الأردن أو سواها.

- عروض جديدة
Skyscrapper ★★
• لا يكاد يغيب فيلم من بطولة دواين جونسون حتى يأتي آخر من دون ارتقاء نوعي: ناطحة سحاب تشتعل وفيها عائلته وهو وحده القادر على إنقاذها والآخرين من الخطر، ناهيك بإنقاذ نفسه.‬
Damascus Cover ★★
• بعد «بيروت» جاء وقت «دمشق»: حكاية أخرى حول أبطال يخاطرون بأنفسهم خلال الحرب لإنقاذ زميل مخطوف. هذه المرّة بطل الفيلم من الموساد ويتم كشفه لكنه يفلت هارباً.
Sanju ★
• عن حياة الممثل البوليوودي سانجاي دَت المليئة بالمتاعب (شرب ومخدرات ومساوئ أخرى) ينجزها فيلماً من ثلاث ساعات هالكة ولا يمكن الوثوق كثيراً بها للمخرج راجيكومار هيراني.


مقالات ذات صلة

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق «الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية، والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي...

محمد رُضا (برلين)
سينما «لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف.

محمد رُضا (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز