مذكرات شريف بسيوني الحلقة (7): أوقف {الناتو} قصفه الجوي لطرابلس48 ساعة لتسهيل تحركي فـ {حررت} 27 صحافيا

ما قمت به لم يكن شجاعة فأنا أخاف مثل اي إنسان لكني أحتاط للأمور وأتحسّب لها

بسيوني مع الرئيس الإيطالي جيوفاني ليوني عام 1979 يهديه عددا من كتبه عقب تقليده أعلى وسام إيطالي
بسيوني مع الرئيس الإيطالي جيوفاني ليوني عام 1979 يهديه عددا من كتبه عقب تقليده أعلى وسام إيطالي
TT

مذكرات شريف بسيوني الحلقة (7): أوقف {الناتو} قصفه الجوي لطرابلس48 ساعة لتسهيل تحركي فـ {حررت} 27 صحافيا

بسيوني مع الرئيس الإيطالي جيوفاني ليوني عام 1979 يهديه عددا من كتبه عقب تقليده أعلى وسام إيطالي
بسيوني مع الرئيس الإيطالي جيوفاني ليوني عام 1979 يهديه عددا من كتبه عقب تقليده أعلى وسام إيطالي

عندما اختارت الأمم المتحدة شريف بسيوني رئيسا للجنة مجلس حقوق الانسان لتقصي الحقائق في ليبيا، حظي خيارها بتأييد سياسي كبير. لم يفكر بسيوني في متاعب تنفيذ المهمة وما سيواجه اللجنة التي يرأسها من اشكالات، بل في عدد الموظفين القليل الذين سيتولون هذا التنفيذ. لكن العام كان جاهزا لدعم المهمة، فقد كان كله ضد القذافي، على الرغم من ارتكاب نظامه انتهاكات قليلة، على الأقل، في بداية الثورة التي اندلعت ضده. صحيح انه استخدم الرصاص الحي في قتل متظاهرين ليبيين، إلا انه لم يبلغ مستوى ما جرى في دول عربية أخرى عاشت أحداث مشابهة. فعدد الضحايا في مصر مثلا، فاق كثيرا ما شهدته الفترة الأولى من الاضطرابات في ليبيا. ومع ذلك لم تكن هناك مطالبات بلجنة تقصي حقائق، نظرا لأن الظروف السياسية في مصر كانت مختلفة، وكان العالم مجمعا على اسقاط القذافي، وكانت تلك هي الفرصة المناسبة.
في هذه الحلقة، السابعة يتناول بسيوني تفاصيل عمل اللجنة التي تراسها.
للأسف تواجه لجان التقصي متاعب البيروقراطية السائدة في هيئة الأمم المتحدة، إذ يشترط في أي فرد عضو في هذه اللجان، أن يكون ممن يعملون لدى هيئة الأمم، وأن يكون متطوعا للعمل فيها لمدة 90 يوما، ولا يجوز قبول أي شخص من خارجها، إلا إذا اعتمدت ميزانية خاصة له.
كنت مكتوف اليدين، لأنه لم يكن بوسعي إلا أن أستعين بطاقم من المتطوعين ممن لا يستطيعون العمل أكثر من 90 يوما، يعودون بعدها إلى وظائفهم الأساسية. وأضطر أنا بعدها، لانتداب موظفين جددا بناء على مسابقة، وأضطر للانتظار ما بين ثلاثة أشهر إلى أربعة من دون القيام بأي عمل، في وقت لا تتوفر لي ميزانية إلا ما تبدي المفوضية السامية استعدادها لمنحي إياه.
يسهل العمل بيروقراطيا وماليا، إذا كان هناك هدف سياسي أو مصلحة، أو دفعا من جانب الدول الكبرى حيث الجميع يتحرك. وهذا ما جرى في الحالة الليبية، حيث كان هناك تحرك، بخلاف الحالة السورية، فاللجنة التي كلّفت التحقيق في سوريا، لم تنتقل إلى هناك منذ إنشائها قبل أكثر من عام، ولم تنتقل خارج جنيف.
منحتني هيئة الأمم الحرية، لكنها قالت: «لا تدخل إلى ليبيا». قلت: «كيف أتقصى وأنا خارج ليبيا؟». وهذا ما كنت سمعته في يوغوسلافيا، التي مررت بعدها بالعراق، ثم أفغانستان والبحرين. وقد تعلمت خلال هذه التجارب، كيف أجد وسيلة للوصول والإحاطة بالمشاكل. قلت لهيئة الأمم: «هل أستطيع الذهاب إلى مصر؟» فلم يمانعوا، وكانوا يعتقدون أنني سأذهب إلى القاهرة. ذهبت للقاهرة فعلا مع 25 شخصا من المحققين الذين اخترتهم ودربتهم. ثم انتقلت إلى السلوم، وهي قرب الحدود المصرية - الليبية، فقالوا إنه لا يمكنني الدخول إلى ليبيا. أجبتهم بأني أريد أن أتحدث مع اللاجئين الآتين من ليبيا. ثم أعدت طلبي بأني أريد دخول ليبيا، فأجابتني الأمم المتحدة بأنه لا مصادر لديها عن الحالة الأمنية الداخلية، ولا أستطيع الذهاب إلا إذا كانت لدي سيارات مصفحة. قلت لهم: «ليست متوفرة لدي، فهل تستطيعون توفيرها؟»، فقالوا: «لا»، قلت إذن علي أن أتصرف.
رافقنا خمسة حراس فرنسيين من فيلق «آيترونجير»، يعملون لدى هيئة الأمم، وكانوا مدنيين لكن مسلحين. قلت للأمم المتحدة إن لدينا حراسة، فأجابوا: «لديك الحراسة، إذن تلزمك السيارات»، وكانوا مطمئنين إلى أني لن أتمكن من توفيرها.
انتظرت عند الحدود، وكلما رأيت سيارة تتبع مفوضية اللاجئين، أو اليونيسيف أو غيرها، أوقفتها وسألت: «هل السيارة مصفحة؟» يأتيني الجواب: «نعم»، أتناول الهاتف وأتصل بالمسؤول سواء في القاهرة أو جنيف، وأطالب باستبدال السيارة المصفحة بسيارتي من نوع «لاند روفر» التي تعود للأمم المتحدة. وقد قمت بذلك فعلا على الحدود.
أخذنا خمس سيارات، وتطلب مني الأمر أربعة أيام لكي أدخل ليبيا، بين نهاية مارس (آذار) وبداية أبريل (نيسان). وكان هناك ما يسمى «الزوبعات» في الصحراء، أو «رياح الخماسين» التي راوحت سرعتها بين 40 و50 كيلومترا في الساعة، وكنا نسير عكس اتجاهها.
أما ثاني المصاعب التي واجهتنا، فكانت تتعلق باختيارنا أحد طريقين؛ طريق البحر، أو طريق الصحراء. وعندما دخلنا، لم نكن نعلم أين تقع مناطق القتال، ولا أين سنأكل أو نبيت. كنا خمسة في كل سيارة. بدأنا الرحلة من مدينة إلى أخرى؛ بدأنا ببنغازي وطبرق، ومنها مررنا بمدن أخرى حتى مصراتة. كنا نرى المرضى والجرحى، ونتحدث مع مقاتلين، وكل هذا تضمنه تقريرنا الرسمي.
استراتيجية القذافي
كان من الضروري فهم استراتيجية قوات القذافي التي كانت منقسمة، وكان هو، أي القذافي، يخشى من كونها تحت رئاسات مختلفة. لم يعتمد القذافي على الجيش في غالب الأحيان؛ بل على ما يسمى «الكتائب». وكان يعتمد على كتيبة «خميس» التي سميت على اسم شخص غير خميس ابنه أكثر من غيرها، ولأن ابنه كان قائد هذه الكتيبة، اختلط الأمر على الناس. كان تعداد أفراد الكتيبة يصل إلى ثلاثة آلاف جندي، ولديها سلاح كامل من مدرعات ومدفعية وغيرها. وكانت معظم عملياتها في مصراتة. كانوا يقصفون المدن بالمدفعية قصفا عشوائيا، وفي المستشفيات كنا نجد أغلب الضحايا من المدنيين.
وقد تحدثت إلى شخص قال لي، إنه كان يسكن في حي آمن لم يكن يتعرض إلى أي قصف، وترك ابنته ذات السنوات الست تلعب أمام البيت، لكن الكتيبة المشار إليها، قصفت فجأة الحي الذي لم يضرب من قبل، وتسبب هذا في وفاة ابنته بعد دخولها المستشفى.. مرة أخرى، للأسف كان أغلب ضحايا القصف العشوائي في ليبيا مدنيين.
الأمر الثاني أن القوات التي كان القذافي يعتمد عليها، لم تكن مدربة تدريبا جيدا، وبالتالي كانت تستخدم أسلحة غير ملائمة، فقد وجدنا مثلا، في مكان ما، ست جثث محترقة، نتيجة قصف بقذائف فيها فسفور، إلى درجة أننا رأينا أن آثار الحرق وصلت إلى العظام. ووجدنا بعض الناس وقد قتلوا بقذائف لا تكاد تستخدم إلا ضد الدبابات أو السيارات، وإحدى القذائف التي أطلقت من مدفع صغير شقت رجلا نصفين.
في مكان آخر من طرابلس، اكتشفنا موقعا كان مصنعا، وضعوا فيه سجناء من مدينة طرابلس وأشعلوا النار فيهم. وجدنا أقدامنا تغوص في الرماد ولم نتصور أنه رماد بشري، وحين وجدنا عظاما علمنا بأن ما تغوص فيه أقدامنا هو رماد بشر، وعلمنا بأنه أشعل حريق في المصنع وفيه 140 شخصا، وقد يكونون كلهم مدنيين.
كذلك كان الثوار يسيئون معاملة السجناء ويضربونهم، وفي الوقت نفسه كانوا يستغلونهم ويستخدمونهم رهائن لإجبار أهاليهم على دفع فدية لإخلاء سبيلهم. وطبعا مشكلة تدخل الكتائب التي أتت بعد سقوط النظام، ما تزال آثارها موجودة في وقتنا الحالي.
في أول زيارة لنا، حين دخلنا السلوم، قطعنا 2000 كلم بالسيارة في 10 أيام، وقد أمضينا معظم وقتنا في السيارة في الصحراء وسط العواصف. نتوقف في مناطق غريبة، ولا نعلم متى نجد فندقا أو مكانا ننام فيه، أو مطعما أو أي مكان نأكل فيه. في الوقت نفسه، كنا نتنقل بين المستشفيات والسجون والمناطق العسكرية، ونتحدث مع السياسيين والمدنيين. هكذا كان يومنا. كنا نبدأ في الساعة السابعة والنصف أو الثامنة صباحا، لينتهي يومنا في الساعة الحادية عشرة مساء أو عند انتصاف الليل. ومثلا حين ذهبنا إلى بنغازي، وهي مدينة كبيرة، كان أغلب عملنا عبارة عن لقاءات مع مجموعات، وكل فئة كانت تريد التحدث معنا، سواء مجموعات من النساء، أو من الناس الذين يريدون تقديم شكاوى. وقد لاحظنا وجود لافتات تحمل صور أشخاص مفقودين، وكان التحدث إلى أهاليهم مؤلما جدا لنا. لقد كانت أوقاتا مريرة.
وعندما قررت الانتقال إلى طرابلس، مانعت هيئة الأمم وأبلغتني: «لا تستطيع أن تفعل ذلك، لأن حلف شمال الأطلسي (الناتو) يقصف بالقنابل». اتصلت هاتفيا، بالمستشار القانوني لحلف شمال الأطلسي، وأخبرته برغبتي في التوجه إلى طرابلس. فقال: «لا يمكن، لأن الناتو يقصف جوا باستمرار، ونحن لا نعلم إذا ما انتقلت بطائرة خاصة ماذا يمكن أن يحدث». قلت: «أنا تعاقدت مع شركة خاصة في مالطا وأجرت منهم طائرة للتنقل مع طاقمي، وأريد أن تعطيني الوقت المناسب، وأنا احتاج 48 ساعة، وقد أجرت الطائرة لأسبوع على أساس أن تعطيني 48 ساعة خلال هذا الأسبوع».. أجاب: «الأمر صعب، لكن سنرى ما يمكن فعله».
قلت: «أنا رئيس لجنة مستقلة، وإذا لم تحددوا الوقت الذي يمكن أتنقل فيه فسأذهب بنفسي، وإذا قصفتموني فأنتم تتحملون عواقب عملكم». صعّد المستشار القانوني الموضوع للأمين العام للحلف، راسموسن، الذي قال له: «اطلب منه أن ينتظر إلى أن نبلّغه»، وقال: «اتجهوا إلى مالطا وانتظروا اتصالنا».
وفي إحدى الليالي اتصلوا بنا من «الناتو»، وقالوا: «غدا تذهبون الساعة السابعة إلى طرابلس»، وحددوا الطريق الذي نسير فيه، فتوقف القصف.
اتجهنا إلى مقر رئاسة الوزراء في طرابلس، وكان رئيس الوزراء خارج البلاد. وكان موجودا وزير الخارجية، ووزير العدل والنائب العام، وكانوا متعاونين، فقلت لهم: «لي فضل عليكم، لأن قصف الناتو سيتوقف لمدة 48 ساعة»، فقالوا مازحين: «فلتبق معنا باستمرار إذن». قلت: «أنا على استعداد.. غيروا النظام، وننتهي بسلام وسأبقى معكم»، فضحكوا وقالوا، نحن مدينون لك، وكانوا يعتقدون أن هذه كانت مجاملة مني، فقلت: «حسنا، هل تدفعون ما عليكم من دين؟»، قالوا: «ندفع»، فأخرجت من جيبي ورقة تحمل أسماء 28 صحافيا مسجونين، وطلبت إخلاء سبيلهم، وأنا كنت متحضرا، فقد كانت لدي طالبة تعمل محامية في كولورادو وأحد أقاربها، وهو آيرلندي، ضمن الصحافيين المسجونين، فوضعت اسمه، فبدأت الفكرة، وجمعت بقية الصحافيين الذين كان بينهم أربعة من صحيفة «نيويورك تايمز»، وقدمت القائمة وطلبت إخلاء سبيلهم، فبدأوا في التململ، فقلت: «أنتم اعترفتم بالدين؛ فلتسددوه»، وفعلا خلال أسبوع، أخلوا سبيل 27، لأن واحدا منهم كان قد قتل خطأ على حدود تونس.
وقبل سفري بيوم، سمعت قصة سيدة اغتصبت في طرابلس، وكانت تعمل في مجال حقوق الإنسان، حبسوها بعد اغتصابها داخل شقة في طرابلس لم تستطع مغادرتها. كنت مهتما جدا بها. وتمكنت من الحصول على رقم هاتفها، والوصول إلى شخص يتحدث معها. كنت في المطار على وشك العودة إلى مالطا، اتصلت وتفاوضت على إخراجها، وبعد أن سافرت بيومين، أخرجوها من ليبيا إلى تونس، حيث جلست اياما عدة، ثم ذهبت إلى الولايات المتحدة ومنها إلى أوروبا.
وبالنسبة للثوار، لم يكن من السهل أبدا حصر الانتهاكات التي ارتكبوها، خاصة التجاوزات الميدانية، إذ لم يكن ممكنا التحقق منها، والتجاوزات التي استطعنا التحقق منها فقط في السجون والمعتقلات، حيث كانوا يعدون المعتقل من الأعداء.
لا يمكن أن تعمل لجنة تقصٍّ، كما في حالة سوريا، وهي تأخذ معلوماتها من الإعلام فقط. لكن أنا بصفتي قانونيا ومختصا في القانون الجنائي، أعرف ما معنى المعلومة. وطبعا هذا ما قمت به في يوغوسلافيا والبحرين وغيرهما، وليس هذا لمغامرة أو شجاعة، فأنا أخاف مثل أي إنسان آخر، وأحتاط وأتحسب، وأنا مغامر بمعنى أني أنظر موضوعيا للأمور، وإذا قال لي شخص إن هناك بئرا فيها ثعابين، فلن أضع قدمي فيها، وإذا لم يكن الشخص عنيفا، فيمكنه أن يسير أموره. وأذكر في يوغوسلافيا أن مجموعة من الجنود الصرب هددوني، فقلت: «أين النجاح والبطولة إذا قتلتم رجلا بدينا في منتصف العمر يرتدي نظارات ويدخن (البايب) الخاص به»، فضحكوا مني، وقلت: «يمكنكم قتلي». كانت مغامرة، حيث كنت واثقا من أنه يمكنني النجاة من مآزق يصعب النجاة منها.. في ليبيا لم يعتد علي أحد سواء من طرف القذافي وأتباعه، أو الثوار؛ بل تعاونوا جميعا.

* لجنة مجلس حقوق الإنسان لتقصي الحقائق في ليبيا

* جرى تعيين البروفسور بسيوني رئيسا للجنة مجلس حقوق الإنسان لتقصي الحقائق في ليبيا (CoI)، التي أنشاها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، في جلسة طارئة في 25 فبراير (شباط) 2011. استمرت اللجنة في تأدية عملها خلال الفترة من 2011 إلى 2012، حيث كانت تقوم بإعداد تقرير عن التحقيقات في مزاعم انتهاكات قانون حقوق الإنسان الدولي في الجماهيرية الليبية خلال فترة الصراع. وقد ضمت اللجنة في عضويتها كلا من: الخبير القانوني فيليب كيرش (الكندي بلجيكي الأصل)، والرئيس السابق للمحكمة الجنائية الدولية، وأسمى خضر (الأردن) الناشطة في حقوق الإنسان ووزيرة الثقافة السابقة. وقد استقال البروفسور بسيوني من رئاسة اللجنة في أكتوبر (تشرين الأول) 2011 اعتراضا على قرار مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنيف، بحل اللجنة وإعادة تشكيلها على مدى ثلاثة أشهر، بسبب البيروقراطية الداخلية في الأمم المتحدة. وشعر البروفسور بسيوني أن اللجنة كان بمقدورها تأدية مهمتها خلال تلك الفترة التي توقفت فيها عن العمل. وقد بقي البروفسور بسيوني عضوا في اللجنة خلال فترة عملها، وخلفه فيليب كيرش في رئاسة اللجنة.
قامت اللجنة بمهمتين ميدانيتين وقدمت عنهما تقريرين. جرى إعداد التقرير الأول في فترة رئاسة البروفسور بسيوني للجنة، وجرى عرضه على الجلسة السابعة عشرة لمجلس حقوق الإنسان في 8 يونيو (حزيران) 2011. وقد شهدت تلك الجلسة حضورا غير مسبوق من مندوبي الحكومات وممثلي المنظمات غير الحكومية والمنظمات الدولية الحكومية، الذين امتلأت بهم قاعة الاجتماعات عن آخرها. وبعد عرض التقرير، طلبت 41 دولة إعطاءها فرصة التعليق عليه، عدا ثلاث دول هي: روسيا وفنزويلا وكوبا، وأشادت جميع الدول بالتقرير، وأثنت على البروفسور بسيوني شخصيا.
أما التقرير الثاني، فقد جرى إعداده خلال فترت رئاسة فيليب كيرش، وجرى عرضه على الجلسة التاسعة عشرة لمجلس حقوق الإنسان في 9 مارس (آذار) 2012. عرض التقرير الثاني بالتفصيل 12 نوعا من أشكال انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها نظام القذافي أو الثوار، كما ضم تحليلا عن العملية العسكرية التي قام بها حلف الناتو.
واصل البروفسور بسيوني عمله في تقصي الحقائق عن الوضع في ليبيا بعد انتهاء مهمة اللجنة. وسيصدر البروفسور بسيوني كتبا بعنوان: «ليبيا: من القمع إلى الثورة.. بيان بالصراع العسكري وانتهاكات القانون الدولي». وقد وُُصف الكتاب بأنه متميز ويقدم استعراضا شاملا هو الأول من نوعه للصراع في ليبيا. بالإضافة للمعلومات الجديدة، يعرض الكتاب بالتفصيل لتقريري اللجنة، ويقدم للقارئ المعلومات الأساسية لفهم الصراع الليبي؛ أسبابه ونتائجه، والمصاعب التي تواجه ليبيا أثناء إعادة البناء في أعقاب 40 عاما من القمع وتأثيرات الحرب.
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (6)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (5)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (4)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (3)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (2)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (1)



«لجنة إدارة غزة»... «قضايا عالقة» بانتظار حلول الوسطاء

منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«لجنة إدارة غزة»... «قضايا عالقة» بانتظار حلول الوسطاء

منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تقف «قضايا عالقة» أمام «لجنة إدارة قطاع غزة»، وفق إفادة جديدة من رئيسها علي شعث، غداة حديث مصدَرين لـ«الشرق الأوسط» عن وجود عراقيل أمام اللجنة، أولها حرص «حماس» على الوجود بعناصرها الأمنية رغم رفض ذلك، وثانيها عدم سماح إسرائيل لأعضاء اللجنة بالعبور للقطاع.

تلك القضايا العالقة التي لم يوضِّحها بيان شعث، السبت، الذي دعا الوسطاء للتدخل للحصول على صلاحيات كاملة، ومهام الشرطة، يراها خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» تتمثَّل في قضيَّتين رئيسيَّتين هما الملفان الأمني والمالي. وأكدوا أن «حماس» لن تسلِّم تسليماً كاملاً دون ضمانات سياسية أو نفوذ، وهو ما يستدعي ضغوطاً، لا سيما أميركية؛ لإنهاء ذلك، أو العودة من جديد للحرب.

وأكدت «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» أن البيانات والتصريحات الصادرة من داخل القطاع بشأن الجهوزية لتسليم إدارة جميع المؤسسات والمرافق العامة في قطاع غزة تُمثِّل خطوةً تصبُّ في مصلحة المواطن، وتمهِّد لتمكين اللجنة من الاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في إدارة المرحلة الانتقالية.

المحلل السياسي في الشأن الإسرائيلي بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور سعيد عكاشة، يرى أن القضايا العالقة تتمثَّل في غياب الرغبة من «حماس» في إنهاء التسليم والتسلم على عكس ما تبدي في التصريحات العلنية التي عدّها «مناورة» لإطالة أمد حكمها، فهي ليس من مصلحتها تطبيق أي شيء.

وأضاف: «يبدو أن الصدام سيكون وشيكاً ليس بين الحركة واللجنة؛ لكن مع واشنطن وفي ظل قناعة إسرائيل بأنها قد تخوض حرباً وشيكةً ضد الحركة»، مستبعداً وجود حلول مع حركة آيديولوجية مثل «حماس»، مشيراً إلى أن حديث «حماس» المتكرِّر عن جهوزيتها لتسليم المهام، هو كسب للوقت، وحدوث صدف ومفاجآت تعيد لها مكانتها بوصفها حرباً طويلة بين إيران وإسرائيل.

في حين يرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن الملف الأمني، هو أعقد تلك الملفات للجنة، ولا يوجد على الأرض إلا عناصر حركة «حماس» والسلطة الفلسطينية، وأمامهما خيارات غاية في التعقيد والحساسية كالقضية المالية، فما فائدة تسلم اللجنة إدارة القطاع دون أن تكون لديها القدرة المالية لدفع الرواتب وما شابه.

خيام وملاجئ في مخيم للنازحين قرب ساحة الجندي المجهول بمدينة غزة (أ.ف.ب)

ويعتقد نزال أن هناك حلولاً عديدة، يمكن أن تذهب لها اللجنة منها تفعيل تفاهمات ومقاربة، ووجود القوات الدولية، وأخيراً الدمج، مشيراً إلى أن الدمج هو الخيار الأفضل بعد الفرز الأمني، موضحاً: «لكن حماس قد ترفض تسليماً كاملاً دون ضمانات سياسية أو نفوذ حتى تضمن عدم إخراجها من المشهد السياسي كليةً».

بالمقابل، لم يعلق الوسطاء على مطالب «اللجنة»، غير أن وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، جدَّد خلال لقاء رئيس وزراء فلسطين، محمد مصطفى «دعم مصر للجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة برئاسة الدكتور علي شعث، بوصفها آليةً انتقاليةً مؤقتةً لإدارة الشؤون اليومية للقطاع، وتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان خلال المرحلة الانتقالية، تمهيداً لتمكين السلطة الفلسطينية من الاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في قطاع غزة».

وشدَّد عبد العاطي على «أهمية التنفيذ الكامل لبنود المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي، وعلى رأسها الإسراع بتشكيل ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، وضمان الالتزام بتدفق المساعدات الإنسانية بصورة منتظمة، ومتابعة الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل داخل القطاع، بما يسهم في تثبيت الاستقرار وتهيئة البيئة الملائمة للتعافي المبكر وإعادة الإعمار».

وأكد عكاشة أن موقف مصر واضح، وستكون حريصة للوصول لتفاهمات والدفع بالاتفاق لتنفيذ الأطراف بنوده كاملة، مشيراً إلى أن الضغوط من الوسطاء، لا سيما واشنطن ربما تكون لها نتيجة إيجابية على المسار المتجمد أو العودة للحرب كما تريد إسرائيل.


العليمي يدعو من ميونيخ إلى إعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي

العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
TT

العليمي يدعو من ميونيخ إلى إعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي

العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)

في خضم المشهد اليمني المعقّد على جميع الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية، طرح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية شاملة لإعادة تعريف مقاربة المجتمع الدولي تجاه أمن الممرات المائية والاستقرار الإقليمي، مؤكداً أن التحديات المتصاعدة في البحر الأحمر وباب المندب لم تعد مجرد أزمات أمنية عابرة، بل تحولات جيوسياسية تتطلّب استراتيجية دولية مختلفة تقوم على الردع وبناء الدول، لا الاكتفاء بسياسات الاحتواء المؤقتة.

وخلال جلسة حوارية حول أمن الممرات المائية ضمن أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن الدولي، شدد العليمي على أن تحقيق الأمن المستدام للملاحة الدولية يبدأ من معالجة جذور الأزمة اليمنية، عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية وتعزيز قدرتها على فرض الاستقرار ومكافحة الإرهاب بصورة فعّالة ومستدامة.

وأكد أن التعامل الدولي السابق مع الهجمات في البحر الأحمر اتسم بطابع تكتيكي قصير الأمد، حيث جرى النظر إلى التهديدات بوصفها أحداثاً أمنية مؤقتة، الأمر الذي أدى إلى إطلاق مبادرات عسكرية لحماية الملاحة دون معالجة الأسباب العميقة لعدم الاستقرار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وأشار العليمي إلى أن العمليات الدولية التي أُطلقت لحماية السفن التجارية، رغم أهميتها في الحد من المخاطر المباشرة، أسهمت في عسكرة المنطقة أكثر مما أسهمت في استقرارها؛ لأن المقاربة ركزت على احتواء النتائج بدلاً من تفكيك مصادر التهديد المتمثلة في الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

وحسب الرؤية اليمنية، فإن الأمن البحري لا يمكن تحقيقه عبر الانتشار العسكري وحده، بل عبر بناء دولة قادرة داخل اليمن تمتلك أدوات الردع السياسي والعسكري والاقتصادي، بما يمنع الجماعات المسلحة من تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة تهديد للملاحة العالمية.

وحذّر العليمي من أن توقف الهجمات مؤقتاً لا يعني زوال الخطر، مؤكداً أن الميليشيات الحوثية ستظل تهديداً دائماً للمصالح الإقليمية والدولية ما لم يتم التعامل معها ضمن استراتيجية ردع طويلة المدى.

أهمية باب المندب

وصف رئيس مجلس القيادة اليمني ما يجري في البحر الأحمر وباب المندب بأنه معضلة جيوسياسية مركبة نتجت عن تداخل عوامل عدة، أبرزها تنافس القوى الإقليمية ومحاولات الهيمنة، إلى جانب ضعف قدرات الدولة اليمنية خلال سنوات الحرب، وصعود جماعات ما دون الدولة.

وأشار إلى أن المشهد الأمني لم يعد محصوراً في جماعة واحدة، بل باتت هناك شبكة مترابطة من التنظيمات المتطرفة تشمل الحوثيين وتنظيمي «القاعدة» و«داعش» وحركات متشددة أخرى تنشط على ضفتَي باب المندب، مما يجعل التهديد متعدد المستويات وعابراً للحدود.

جانب من الحضور خلال جلسة حوارية في ميونيخ بمشاركة العليمي (سبأ)

وفي هذا السياق، دعا إلى تبني استراتيجية دولية استباقية لمكافحة الإرهاب، تقوم على تصنيف هذه الجماعات بوصفها تهديداً جيوسياسياً طويل الأمد، وليس مجرد ظواهر أمنية قابلة للاحتواء عبر التهدئة أو الحوافز السياسية.

كما شدد على أهمية تفعيل الهياكل الإقليمية القائمة، وفي مقدمتها مجلس الدول المشاطئة للبحر الأحمر، وقوات المهام المشتركة، ضمن شراكات دولية أوسع تهدف إلى تحقيق توازن أمني مستدام في المنطقة.

استقرار اليمن بوابة الأمن

أكد العليمي أن أمن الملاحة الدولية يبدأ فعلياً من البر اليمني، مشيراً إلى أن أي استراتيجية بحرية ستظل ناقصة ما لم تترافق مع جهود حقيقية لإعادة بناء مؤسسات الدولة اليمنية وتعزيز قدراتها السيادية.

وتطرق إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة اليمنية بدعم من السعودية، والتي أسهمت -حسب تأكيده- في تجنّب سيناريو كارثي كان يمكن أن يؤدي إلى سيطرة قوى مسلحة على السواحل الجنوبية، وفرض واقع تقسيمي يهدد وحدة البلاد ويعرّض الممرات البحرية لمخاطر غير مسبوقة.

وأوضح أن تلك التطورات أثبتت أن الاستثمار في استقرار الدولة الوطنية أقل كلفة بكثير من التعامل مع تداعيات انهيارها، داعياً المجتمع الدولي إلى تعزيز شراكته مع اليمن لضمان استدامة الأمن البحري العالمي.

وأضاف أن الردع المشترك ضد الجماعات المسلحة يجب أن يُصبح جزءاً أساسياً من أي مقاربة دولية مستقبلية، بما يمنع تكرار العمليات الإرهابية العابرة للحدود ويؤسّس لبيئة آمنة للتجارة الدولية.

شراكة يمنية-خليجية

في سياق آخر، جدّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني دعوته إلى تعزيز الشراكة اليمنية-الخليجية عبر إدماج اليمن تدريجياً في منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، باعتبار ذلك خياراً استراتيجياً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي.

وخلال جلسة نظّمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية، أعرب عن تطلّع بلاده إلى تطوير العلاقات الخليجية نحو شراكة استراتيجية شاملة تقوم على التكامل المؤسسي والاندماج الجيو-اقتصادي.

العليمي في ميونيخ خلال جلسة نظّمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية (سبأ)

واقترح العليمي إطلاق ما وصفه بـ«خطة مارشال خليجية» لإعادة إعمار اليمن، مستلهمة من تجربة البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومنسجمة مع رؤى التنمية الخليجية الطموحة، وفي مقدمتها «رؤية السعودية 2030».

وأوضح أن الطريق الأكثر واقعية لاندماج اليمن خليجياً يمر عبر الشراكة الاستراتيجية مع الرياض، بصفتها مركز ثقل إقليمياً وشريكاً رئيسياً في جهود التعافي اليمني وإعادة تشكيل توازنات المنطقة.

وأشار إلى أن تجربة «عاصفة الحزم» عام 2015 أثبتت أن أمن الخليج واليمن مترابطان بصورة عضوية، وأن استقرار منظومة الأمن الخليجي سيظل معرضاً للخطر ما دامت الدولة اليمنية بقيت ضعيفة أو منقسمة.

وأكد العليمي أن الرؤية اليمنية تتطابق إلى حد كبير مع تصورات غالبية دول الخليج بشأن مستقبل النظام الإقليمي، والتي ترتكز على دعم الدول الوطنية ومكافحة الكيانات المسلحة العابرة للدولة، وتعزيز التنمية باعتبارها أداة للاستقرار طويل الأمد.

العليمي اجتمع في ميونيخ مع رئيس الوزراء الكويتي (سبأ)

وأشاد بالدور الخليجي في الوساطة الدبلوماسية وجهود السلام، بدءاً بالمبادرة الخليجية التي جنّبت اليمن حرباً أهلية شاملة، مروراً بالوساطة الكويتية، وصولاً إلى المبادرات السعودية اللاحقة لإيجاد خريطة طريق سياسية لإنهاء الصراع.

وشدد على أن أي عملية سلام مستقبلية لن تكون مكتملة ما لم تتضمن تفكيك الميليشيات المسلحة ووقف التدخلات الخارجية التي تغذّي الصراعات، مؤكداً أن الوساطة في الملف اليمني يجب أن تجمع بين الضغوط السياسية والتنمية الاقتصادية، وهي المقاربة التي أثبتت فاعليتها في خفض التصعيد وتعزيز مؤسسات الدولة.

وطرح العليمي، في ختام مداخلته، رؤية لمستقبل آمن لليمن تقوم على المصالحة الداخلية أولاً، وتصحيح العلاقة مع الجوار الخليجي، والتخلي عن النزعات الطائفية والسلالية والسلاح المنفلت، مشدداً على أن قوة اليمن الحقيقية لا تكمن في السلاح بل في موارده البشرية وتاريخه وقدرته على أن يكون شريكاً إيجابياً في استقرار المنطقة وازدهارها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حزب «المؤتمر» في صنعاء يرضخ لإملاءات حوثية جديدة

قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
TT

حزب «المؤتمر» في صنعاء يرضخ لإملاءات حوثية جديدة

قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

واصل جناح حزب «المؤتمر الشعبي» في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تقديم تنازلات جديدة، في خطوة تعكس حجم الضغوط السياسية والأمنية التي يتعرض لها منذ سنوات، وذلك بعد إقراره فصل اثنين من قياداته المعتقلين كشرط للإفراج عنهما، وهي واقعة عدّها مراقبون دليلاً إضافياً على تآكل استقلالية الحزب وتحوله إلى كيان يعمل ضمن هامش ضيق تحدده الجماعة الانقلابية.

وأقرت اللجنة العامة، التي تمثل المكتب السياسي لجناح الحزب في صنعاء، فصل القياديين ياسين هزاع نائب رئيس الدائرة السياسية، وناجي محيي الدين، استناداً إلى تقرير لجنة الرقابة التنظيمية، من دون الكشف عن طبيعة المخالفات المنسوبة إليهما.

إلا أن مصادر سياسية أكدت أن القرار جاء استكمالاً لاتفاق غير معلن مع الحوثيين يقضي بإقصاء القيادات المتهمة بالتواصل مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أو مع قيادات الحزب في الخارج مقابل الإفراج عنها.

القرار أعاد إلى الواجهة مساراً متكرراً من الإجراءات التي اتخذها قادة جناح الحزب في صنعاء خلال الأشهر الماضية، أبرزها إقالة أحمد علي عبد الله صالح من موقعه نائباً لرئيس الحزب، ثم فصل الأمين العام غازي الأحول، وهي خطوات ربطها مراقبون مباشرة باشتراطات فرضتها الجماعة الحوثية لضمان استمرار نشاط الحزب في مناطق سيطرتها.

فعالية محدودة سابقة أقامها «مؤتمر صنعاء» تحت إشراف الحوثيين (إعلام محلي)

وتشير المعطيات السياسية إلى أن قرارات الفصل الأخيرة لم تكن نتاج خلافات تنظيمية داخلية بقدر ما كانت استجابة لضغوط أمنية مباشرة؛ فبحسب مصادر مطلعة، فرض الحوثيون حصاراً مشدداً على منزل رئيس الجناح صادق أبو راس لعدة أيام، وهددوا بحظر نشاط الحزب بالكامل ما لم يتم إقصاء القيادات التي يُشتبه بتواصلها مع الخارج.

وأفادت المصادر بأن الاشتراطات صدرت على أعلى مستوى داخل قيادة الجماعة، وتضمنت إلزام الحزب بفصل أي قيادي يثير الشكوك حول علاقاته السياسية خارج مناطق سيطرة الحوثيين. وهو ما وضع قيادة الجناح أمام خيارين أحلاهما مرّ، فإما الالتزام بالمطالب وإما مواجهة حل الحزب ومصادرة ما تبقى من نفوذه السياسي والتنظيمي.

ويرى محللون أن هذه المعادلة دفعت قيادة «المؤتمر» في صنعاء إلى تقديم تنازلات متتالية بهدف الحفاظ على وجود رمزي يسمح لها بالبقاء ضمن المشهد السياسي، ولو بقدرة محدودة، خصوصاً في ظل الرقابة المشددة المفروضة على موارده المالية وإعلامه ونشاطاته التنظيمية.

حزب تحت الوصاية

منذ مقتل مؤسس الحزب الرئيس السابق علي عبد الله صالح نهاية عام 2017، دخل جناح «المؤتمر» في صنعاء مرحلة جديدة اتسمت بتراجع استقلاليته السياسية بشكل كبير؛ فبعد أن كان شريكاً سياسياً رئيسياً في تحالف إدارة المناطق الخاضعة للحوثيين، تحول تدريجياً إلى طرف ثانوي يحتفظ بتمثيل شكلي داخل مؤسسات الحكم غير المعترف بها دولياً.

وعلى الرغم من أن التحالف بين الطرفين أفضى في عام 2016 إلى تشكيل ما سُمّي بالمجلس السياسي الأعلى بالمناصفة، فإن الحوثيين احتفظوا فعلياً برئاسة المجلس وبالقرار السياسي والعسكري، كما استحوذوا على معظم المناصب الحكومية عقب مقتل صالح، مع الإبقاء على حضور محدود لقيادات المؤتمر لأغراض سياسية وإعلامية.

الرئيس اليمني الأسبق علي عبد الله صالح الذي قتله الحوثيون أواخر 2017 (إعلام محلي)

وتشير تقارير سياسية إلى أن لجنة خاصة تابعة للجماعة تشرف على ميزانية الحزب وأصوله المالية، إضافة إلى مراقبة برامجه الإعلامية وخطط قنواته التلفزيونية وصحفه ومواقعه الإلكترونية؛ ما جعل نشاطه خاضعاً لرقابة دقيقة تقلص هامش حركته إلى الحد الأدنى.

انتقادات داخلية

أثارت قرارات الفصل الأخيرة موجة انتقادات داخل أوساط قيادات الحزب، حيث رأى مسؤولون في الجناح أن الخطوة تمثل «سابقة غير معهودة» في العمل السياسي؛ إذ يقدم حزب على التخلي عن قياداته وهم في السجون بدلاً من الدفاع عنهم.

وأكدت مصادر حزبية أن اعتقال القياديين جاء ضمن حملة مداهمات نفذتها أجهزة أمن الحوثيين في صنعاء وإب خلال أغسطس (آب) الماضي، واستهدفت عدداً من أعضاء الحزب على خلفية انتمائهم التنظيمي أو الاشتباه بوجود علاقات سياسية خارج إطار الجماعة.

ويرى منتقدون أن اتخاذ قرار الفصل قبل يوم واحد فقط من الإفراج عن القياديين يكشف بوضوح طبيعة الصفقة التي أُبرمت، ويعكس حالة «الرضوخ» التي تعيشها قيادة الجناح تحت ضغط الواقع الأمني والسياسي المفروض عليها.

قيادي في «المؤتمر» في صنعاء فصله الحزب مقابل أن يطلق الحوثيون سراحه (إعلام محلي)

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من التفكك داخل الحزب، مع تزايد شعور قواعده بأن القيادة لم تعد قادرة على حماية أعضائها أو الدفاع عن استقلالية قراراتها، الأمر الذي قد يدفع مزيداً من الكوادر إلى الابتعاد عن النشاط السياسي، أو البحث عن مسارات بديلة خارج مناطق سيطرة الحوثيين.

في المقابل، يرى آخرون أن القيادة الحالية تحاول المناورة للحفاظ على ما تبقى من وجود الحزب؛ إذ يرون أن أي مواجهة مباشرة مع الحوثيين قد تنتهي بحظر كامل للنشاط السياسي ومصادرة الممتلكات، وهو سيناريو سبق أن لوّحت به الجماعة أكثر من مرة.