«صديق العمر» («دريم 2» وقنوات أخرى) من كتابة ممدوح الليثي ومحمد ناير، وإخراج عثمان أبو لبن وبطولة جمال سليمان وباسم سمرة، يتمحور حول العلاقة الشائكة بين الرئيس المصري جمال عبد الناصر ونائبه المشير عبد الحكيم عامر.
وبعد أن شاهدنا في الحلقة الأولى كيف ارتبط الاثنان بحلف صداقة وطيد عندما طلب منهما الشيخ وضع يديهما على القرآن الكريم، والحلف بأن يبقيا أصدقاء إلى الأبد، تدخل تلك الحلقة من زاوية وضع المشير في الإقامة الإجبارية في فيلته، وثورته على هذا الوضع.
في الحلقة السابعة، لا يزال هذا الوضع قائما، وعبد الناصر يزوره في البيت لتهدئته، مما يعتبره المشير تعسفا، وليتباحث معه الوضع السوري المقلق، ووصول عبد الحميد السراج إلى لعب دور يعتبره المشير أكبر منه، في حين أولاه الرئيس عبد الناصر دعمه وثقته.
هذا التباين في المواقف بين الرئيس والمشير حملته أكثر من حلقة من الحلقات التي عرضت حتى الآن. والمسلسل لا يحاول أن يتـخذ رأيا أو يكون موقفا، بل إن يعرض لما يعرضه على أساس أنه حدث بالفعل، وعلى هذا النحو.
هنا تكمن المشكلة لا السياسية التي لا دخل لهذا الناقد بها، بل الفنية.
المسلسلات والأفلام القائمة على أحداث حقيقية أو سير شخصية، عليها أن تبدي باكرا الدافع الذي من أجله يجري استعادة الماضي وسرد الحدث أو تلك الحقبة الشخصية. أنجح الأعمال التي من هذا النوع هي تلك التي أبدت رأيا، إما في الشخص أو الأشخاص، أو في الحدث ذاته، أو في البعد السياسي وتاريخ الحقبة وظروفها. أكثرها مدعاة للمرور عابرا، هي التي لا تعكس ذلك الدافع أو وجوده، فتمر على ذكر الأحداث كما وردت. حتى وإن وردت على النحو الذي نراه، فإن العمق مسلوب، والبعد ذاته محدود الأهمية.
على أن هذا الحكم هنا جزئي، فالحلقات لا تزال في مقدمتها، وقد يتبلور الأمر على نحو أفضل مما نعتقد. وحتى القول إن الحلقات المذكورة لا تعكس دافعا، ليس خاليا من احتمال الرد عليه، فلربما كان الدافع هو سرد الأحداث التاريخية في تلك الفترة العصيبة، التي تلت الوحدة المصرية - السورية، وانتهت بالانقلاب السوري عليها. على أن هذا النوع من الأسباب يضع المسلسل في أتون المنوال الواحد.
تستطيع أن تخلط أيا من الحلقات بعضها ببعض على طاولة المونتاج، وستجد أن المشاهد متشابهة لدرجة الخلط؛ فهي داخل منزل المشير أو في مكتب الرئيس، وأحيانا خارجهما. الدراما المتوخاة تتأثر بالأجواء التي يضطر إليها المسلسل، إما تبعا للسيناريو، أو تبعا للميزانية، أو لصعوبات فنية (تصميم، ديكور.. إلخ) وتمنح هنا المسلسل وضعا استطراديا لا ينقذه كثيرا الانتقال بين السنوات، تارة إلى الأمام وتارة إلى الوراء.
من ناحية أخرى، أثيرت قضية رفض عبد الحكيم جمال عبد الناصر للأداء الذي قدمه الممثل جمال سليمان، في شخصية الرئيس الراحل، ذاكرا أن الممثل «فشل في تجسيد شخصية والدي، فهذه لم تكن طريقة وقفته أو لهجته أو نبرة صوته أو حتى حضوره..». في حين ذكرت د. هدى عبد الناصر أن الممثل لم يتقن اللهجة المصرية. الأمر غريب إلى حد لأن جمال سليمان أتقن، حسب نقاد مصريين عديدين، اللهجة الصعيدية التي أداها في «قطار الصعيد»، ولم يشكُ أحد من لهجته في «طالع الفضـة» و«حدائق الشيطان»، وهي من بين أعماله المصرية المتعددة.
الحضور والسلوك أمر مفهوم. لا أحد في أي فيلم أو مسلسل يمكن أن يلبس طقم الشخصية الحقيقية بكاملها. تمثيل باسم سمرة مثلا رائع، لكن هل هي حركات وحضور المشير فعلا؟ هل تمثيل درة لشخصية برلنتي عبد الحميد هو نسخة طبق الأصل؟ هناك تقارب شديد في الحركات بين صبري فواز ومحمد حسنين هيكل، لكن حتى هذا لا يعني أن الأول جسد الثاني بالسنتيمتر.
للمسلسل مشاكله المشار إليها، لكن التلاؤم بين الممثل والشخصية الحقيقية ليس واحدا منها، طالما أن التشابهات موجودة وغالبة. ما كان يحتاجه المسلسل، في حلقاته حتى الآن، هو المزيد من الحياة خارج المنوال الذي نطالع به الأحداث. تأليف درامي أوسع من دون تزييف الأحداث الواردة هنا بالاعتماد على معلومات ووثائق وحقائق. الحال أن حلقاته المتوفرة لا تعدو سيلا من اللقاءات والاجتماعات وتبادل الحديث بين شخصيات لعبت دورها في تلك الفترة. إخراج «اللبناني» عثمان أبو لبن ليس مسؤولا، كون عليه أن يتعامل والمادة المكتوبة والميزانية المتوفرة بين يديه.
9:41 دقيقه
شاشات: «صديق العمر»: البحث عن الدافع
https://aawsat.com/home/article/131666
شاشات: «صديق العمر»: البحث عن الدافع
شاشات: «صديق العمر»: البحث عن الدافع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

