سحر مشروب المتّة العشبي الشعبي في شوارع الأرجنتين

سحر مشروب المتّة العشبي الشعبي في شوارع الأرجنتين
TT

سحر مشروب المتّة العشبي الشعبي في شوارع الأرجنتين

سحر مشروب المتّة العشبي الشعبي في شوارع الأرجنتين

لا يحتاج المرء سوى إلى التجول لمدة خمس دقائق في شوارع العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، أو مونتيفيديو، عاصمة الأوروغواي، حتى يلاحظ العاملين المشتركين في البلدين وهما العمارة الأوروبية، وتناول الجميع لمشروب المتّة العشبي المنتشر في كل من الأرجنتين، والأوروغواي، وباراغواي، وحتى في البرازيل. يتجاوز مشروب المتة الجانب الثقافي خاصة في الأوروغواي، حيث يمثل هذا المشروب المرّ جزءًا مهماً من الحياة، وسوف يرى الزائرون سكان الأوروغواي وهم يحملون حافظات المياه الساخنة حتى في ذروة فصل الصيف. لا تخلو أيدي الناس من مشروب المتّة في أي وقت سواء كانوا يتسوقون، أو يشاركون في تجمع سياسي.
يمكن للمرء العثور على أنواع متعددة من المتّة في الأرجنتين، حيث تتباين في درجتها، ونكهتها التي تتضمن الفواكه. يتم استخدام المتّة أيضاً في الطهي خاصة في إعداد أصناف الحلوى. من الأنشطة السياحية الشهيرة زيارة المزارع التاريخية في المناطق التي يأتي منها نبات المتّة. تتم زراعة نبات يسمى «المتة» منذ مئات السنوات على المناطق الحدودية بين الأرجنتين، والبرازيل، وباراغواي، ويتم نقعه ويشربه السكان المحليون. يقول كارلوس كوبولي، نائب مدير التسويق في المعهد القومي لأعشاب المتّة: «استخدم أفراد قبائل الغواراني أوراق الشجرة كمشروب، ومعبود، وعملة يتم تداولها في المعاملات التجارية بين بعضهم البعض. تعد شجرة المتّة بالنسبة إلى قبائل الغواراني الشجرة الأفضل، وهبة من الآلهة». ويضيف كوبولي قائلا: «لقد تعلّم المستوطنون الأوائل الإسبان من الغواراني طريقة استخدام المتّة ومزاياها، ونشروها من منطقتهم وأراضي غابة بارناينس في شمال الأرجنتين، وجنوب البرازيل، وأجزاء من الأوروغواي حتى منطقة نهر لابلاتا (نهر الفضة) بالكامل. كذلك أدخل اليسوعيون لاحقاً المحصول إلى مستوطناتهم، وكانوا السبب وراء انتشار المتّة في دول العالم المتحضر».
مع ذلك لم يقتصر الاستمتاع بهذا المشروب على أميركا الجنوبية، حيث وصل إلى الشرق الأوسط خاصة سوريا، التي كانت أول دولة تستمتع بهذا المشروب يليها لبنان.
بدأ نبات المتّة يغزو الثقافة العربية مع الهجرة من تلك المنطقة إلى الأرجنتين خلال الفترة بين 1850 و1860 بحسب بيانات صادرة عن غرفة التجارة العربية الأرجنتينية التي تذكر أن «المهاجرين قد استوطنوا كافة أراضي الأرجنتين، وبمرور السنوات اعتادوا تناول مشروب المتّة. عندما عاد الكثيرون منهم إلى وطنهم، جلبوا تلك العادة معهم. وقد كانوا يتشاركون هذا المشروب مع أقاربهم وأصدقائهم، وبمرور الوقت أصبح السوريون مستهلكين رئيسيين للمتّة». يوضح كوبولي قائلا: «تاريخياً كانت سوريا ولبنان البلدين اللذين كانا يشتريان النبتة من الأرجنتين، لكن بعد هجرة السوريين مؤخراً في أعقاب الحرب، ظهرت أسواق جديدة مثل الأردن، والكويت، وقطر، وتركيا، والبحرين».
في أميركا الجنوبية حيث تتم زراعة المتّة توجد المزارع الحديثة إلى جانب المزارع القديمة التاريخية. بمجرد قطع أوراق المتة وتجفيفها، يتم تناولها كمنقوع. وهناك عدد من العناصر التي لا غنى عنها للاستمتاع بهذا المشروب، وهي يقطين يتخذ شكل وعاء صغير، وأنبوب من الفضة به مرشح لتنقية المنقوع، وكوب حافظ للحرارة حتى تتمكن من ملئه المرة تلو الأخرى.
سوف يلاحظ أي زائر لتلك المناطق أن السكان المحليين يحملون كل ما يحتاجونه من أجل إعداد مشروب المتة في أي مكان يتواجدون به. من الأنشطة الاجتماعية الشائعة لقاء الأصدقاء في متنزه، وتناول مشروب المتّة الذي يتم تشاركه بين الأصدقاء بحسب التقاليد.
يقول أليخاندرو غروبر، رئيس «متة توريست روت»: «يشرب الأرجنتينيون أكثر من مائة لتر من المتّة سنوياً مما يجعله مشروباً أكثر شعبية من الشاي والقهوة والمشروبات الغازية غير الكحولية».
كيف ينبغي إعداد وشرب المتّة؟
لا يوجد وقت مثالي محدد لشرب المتّة، ويعني هذا أن أي وقت هو الوقت المناسب. يمكن شرب المتّة أحياناً بعد تناول الوجبة أو الحلوى. لا ينبغي أن يغلي الماء الذي يتم استخدامه في إعداد المشروب، ويُنصح بأن تتراوح درجة حرارته بين 70 و80 درجة سليزية. بمجرد إعداد الماء ينبغي أن تتم إضافة أوراق المتّة في وعاء اليقطين إلى أن تصل إلى ربعه. يمكن إضافة ملعقة صغيرة أو ملعقتين من السكر في حال الرغبة حتى لا تكون الرشفات الأولى شديدة المرارة.
تتم تغطية وعاء اليقطين بيد واحدة، وتحريكها لبضع لحظات، ثم تتم إعادتها إلى وضعها الطبيعي لإزالة أي غبار أو مسحوق ناتج عن الأوراق. يتم بعد ذلك إضافة الماء الدافئ إلى الأوراق ثم تركها لبعض الوقت.
يزعم الأرجنتينيون أن عشبة المتّة الخاصة بهم تختلف عن تلك التي يتم تناولها في الأوروغواي، فأوراق المتّة في الأرجنتين أقل مرارة عنها في الأوروغواي، حيث المشروب أقوى. مع ذلك من الممكن أن يكون هناك رابط ثقافي أكثر عمقاً يربط الأرجنتين بالمتّة، منذ مرحلة الزراعة وحتى التعبئة، ويتضمن ذلك معرفة معلومات عن إنتاجها وأصلها وتناولها بحسب ما يوضح كوبولي. يعد هذا المشروب سمة مميزة لدول أميركا الجنوبية، حتى أن الأرجنتين تحتفل باليوم الوطني للمتّة في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) من كل عام.


مقالات ذات صلة

من إنقاص الوزن إلى ضبط سكر الدم... 10 أسباب قد تغيّر نظرتك إلى المعكرونة

صحتك المعكرونة طبق مشبع... ما يعني أنها قد تساعد على كبح الشهية لفترة أطول (بيكسلز)

من إنقاص الوزن إلى ضبط سكر الدم... 10 أسباب قد تغيّر نظرتك إلى المعكرونة

لطالما ارتبطت المعكرونة في أذهان كثيرين بالأطعمة الغنية بالكربوهيدرات التي يُنصح بتقليلها، خصوصاً عند محاولة إنقاص الوزن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق يؤكد العديد من السعوديين أن الأكلات الشعبية ما زالت تمثل جزءاً أصيلاً من هوية الأعياد (وزارة السياحة)

السعودية: الأطباق العصرية تنافس الوجبات التقليدية في صباح الأضحى

خلال السنوات الأخيرة، لم تعد موائد الإفطار في الأعياد مقتصرة على الأطباق الشعبية المتوارثة، بل دخلت إليها خيارات حديثة تُقدَّم بأساليب مبتكرة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
يوميات الشرق أطعمة بسيطة توقظ الحنين وتمنح شعوراً بالأمان (بكسلز)

طعام المواساة و«الطبطبة»... مأكولات تمنح الراحة للنفس والجسد

قد يكون ببساطةِ طبق من المعكرونة باللبن أو صحنٍ من الحساء أو ساندويتش بطاطا مقلية مع المايونيز والمخلّل، ذاك الطعامُ الذي يمنحُك شعوراً بالطمأنينة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)

سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)
ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)
TT

سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)
ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)

يتعلّق المرء أحياناً برائحة أو ملمس أو طعمٍ ما، فيجد نفسه يستعيد ذكرياتٍ دفينة تنبشها الذاكرة من طفولةٍ مضت، ويحتلّ الطعام صدارة ما يوقظ هذه الذكريات، سواء عبر نكهته أو رائحته أو شكله. تصبح كل قضمة، أو «كدشة» كما يسمّيها اللبنانيون، بمثابة رحلة خاطفة إلى زمنٍ يحنّ إليه المرء، ويتمنّى لو يعود به إلى الوراء.

ورغم أنّ بعض الأشخاص يربطون أكلةً أو سندويشاً معيّناً بمرحلة حربٍ أو جوع، فإنها تبقى بالنسبة إليهم حاملةً للحظة البهجة التي عاشوها وهم يتناولونها، فتنتصر الذكرى الجميلة على قسوة الظروف.

الجبن الأبيض مع البطيخ (إنستغرام)

ويرى علماء النفس أن علاقة وثيقة تربط بين حاستَي الشمّ والتذوّق والذاكرة، إذ تُعدّ الروائح والنكهات من أكثر المحفّزات على استعادة تفاصيل ظنّ الإنسان أنّها اندثرت. فما إن يتذوّق المرء لقمة اعتادها في طفولته أو يشمّ رائحة خبز خرج للتوّ من الفرن، حتى يجد نفسه يعود إلى بيت العائلة، أو إلى ساحة المدرسة، أو إلى جلسة جمعت أفراد الأسرة حول مائدة بسيطة. وكأنّ الطعام يتحوّل إلى أرشيف حيّ يحتفظ بالمشاعر أكثر مما يحتفظ بالمذاقات.

ولا ترتبط هذه الذكريات دائماً بالأطباق الفاخرة أو الوصفات المعقّدة، بل غالباً ما تكون لأطعمة شديدة البساطة. فسندويش أعدّته الأم على عجل، أو قطعة خبز غُمست بزيت الزيتون والزعتر، أو رغيف خرج ساخناً من فرن القرية، قد يترك في الذاكرة أثراً لا تمحوه السنوات. فالقيمة هنا لا تكمن في المكوّنات، بل في الأشخاص الذين شاركونا تلك اللحظات، وفي الشعور بالأمان والدفء الذي رافقها.

سندويشات تحاكي الطفولة (إنستغرام)

ولكلّ فئة من اللبنانيين محطّاتها الخاصة مع هذه الذكريات. فالمغترب قد تثير فيه رائحة الزعتر شوقاً جارفاً إلى الوطن، بينما يحتفظ أبناء جيل السبعينات، الذين عايشوا سنوات الحرب، بنكهات أكلات بسيطة، كان معظمها عبارة عن سندويشات متواضعة المكوّنات، لكنها تركت أثراً عميقاً في الذاكرة. أما الذين أمضوا طفولتهم في القرى، فيكفي أن تفوح رائحة خبز الصاج حتى يعودوا إلى أيام لا تزال تسكن وجدانهم.

وإذا سألت أحد أبناء جيل السبعينات عن الأكلة التي تختصر مرحلة الحرب اللبنانية، فسيردّ على الأرجح بأنها «عروس الجبنة المبسترة (بيكون) مع البندورة». ففي ظل انقطاع لبنان عن الخارج، وغياب التيار الكهربائي، وتنقّل اللبنانيين من منطقة إلى أخرى بحثاً عن الأمان، تحوّل هذا السندويش إلى رفيق دائم في رحلة النزوح.

ويأتي سندويش البطاطا والبيض المسلوق في طليعة النكهات التي لا تزال تستحضرها الذاكرة اللبنانية. وتقول منى بريدي: «هذا السندويش الذي كانت والدتي تحضّره لي على الغداء أو العشاء لا أزال أتلذّذ به حتى اليوم، وأعدّه جزءاً لا يتجزأ من طفولتي». بينما ترى صديقتها نايلة حلو أنّ أكثر ما تفتقده من حلويات الماضي هو «عروس الطحينة بالسكر». وتوضح لـ«الشرق الأوسط»: «كان هذا السندويش بديلاً عن الحلاوة التي لم تكن متوفرة دائماً، فكنا نلتهمه أنا وإخوتي بشهية، ولا أزال حتى اليوم أعود إليه بين حين وآخر».

أما المغتربون اللبنانيون، فيجمعهم حنين واحد يتمثّل برائحة المناقيش، ولا سيما منقوشة الزعتر. فكثير منهم، ما إن تطأ أقدامهم أرض الوطن، حتى يتوجّهون مباشرة إلى أقرب مخبز لتناول منقوشة ساخنة. بينما يفضّل آخرون أن تحضّر لهم والدتهم «عروس الزعتر وزيت الزيتون» كما كانت تفعل في طفولتهم، فيكون طعمها مزيجاً من الحنين والدفء العائلي.

ومن السندويشات التي ارتبطت بذكريات الطفولة «عروس الجبن الرومي مع المربّى» و«عروس البندورة والنعناع» و«عروس الجبنة البلغارية مع البطيخ» وكلمة عروس في لبنان تُطلق على السندويش. وقد أعاد مطعم «أم شريف ديلي» إحياء هذه الوصفات البسيطة، فخصّص لها حيّزاً في لائحة طعامه، ووصل سعر بعضها إلى نحو 15 دولاراً، رغم مكوّناتها المتواضعة. وبينما انتقد كثيرون هذا الارتفاع في الأسعار، رأى آخرون أنّ استعادة نكهة تختزن ذكريات الطفولة تستحق أن تُدفع في سبيلها كلفة أكبر.

وتطول لائحة «سندويشات الذكريات» لتشمل أصنافاً ارتبطت بمناطق لبنانية معيّنة، حتى باتت جزءاً من هويتها الشعبية. فأبناء مدينة طرابلس يستحضرون بحنين «سندويش المغربية»، الذي شكّل لسنوات وجبةً لا تغيب عن طفولتهم. بينما يحتفظ كثيرون بذكرى «عروس اللبنة والنعناع اليابس»، التي كانت محطةً شبه إلزامية للعائلات في طريقها إلى شتورا، قبل أن تتابع رحلتها نحو البقاع أو زحلة.

وللبحر أيضاً سندويشاته الخاصة. فكثير من اللبنانيين لا يزالون يربطون رحلات الصيف العائلية إلى الشاطئ بـ«سندويش البطاطا المقلية مع الكاتشاب»، الذي كان يُحضَّر في المنزل ويوزَّع على الأولاد بعد ساعات من السباحة واللعب. كما يحضر في الذاكرة «عروس المرتديلا»، أو سندويش «الكشك» في مواسمه، وسندويش الجبنة البيضاء مع البندورة، وهي وجبات لم تكن تحتاج إلى مكوّنات كثيرة بقدر ما كانت تحتاج إلى لمّة العائلة ونزهة بسيطة لتصبح ذكرى لا تُنسى.

ولعلّ ما يجمع هذه السندويشات جميعها أنّها لم تكن مجرّد وجبات تسدّ الجوع، بل تحوّلت مع مرور الزمن إلى جزء من الذاكرة الجماعية للبنانيين. فهي تختزن رائحة البيت، ودفءَ الأم، وضحكات الإخوة، ورحلات المدرسة، والنزهات العائلية. ومع مرور السنين، لم يعد مذاقها مجرّد نكهة، بل صار يستحضر زمناً جميلاً يحنّ إليه كثيرون، ويصفونه بـ«زمن البركة»، حين كانت البساطة كافية لصناعة أجمل الذكريات.


كيف تحوَّلت عربة «آيس كريم» صغيرة إلى وجهة لزوار الإسكندرية

يشتهر المحل بطرازه الكلاسيكي البسيط (الشرق الأوسط)
يشتهر المحل بطرازه الكلاسيكي البسيط (الشرق الأوسط)
TT

كيف تحوَّلت عربة «آيس كريم» صغيرة إلى وجهة لزوار الإسكندرية

يشتهر المحل بطرازه الكلاسيكي البسيط (الشرق الأوسط)
يشتهر المحل بطرازه الكلاسيكي البسيط (الشرق الأوسط)

يكفي أن تقول إنك متجه إلى الإسكندرية، حتى تجد اسم «جيلاتي عزة» يتردد في معظم ترشيحات الطعام والمحال بالمدينة. لا يهم إن كنت تزورها للمرة الأولى أو العاشرة، فالتوقف عند الواجهة المطلة على البحر المتوسط يبدو بالنسبة لكثيرين جزءاً لا يتجزأ من زيارة المدينة، واستحضار ذكريات الماضي، تماماً كما هو الحال مع أشهر معالمها، كقلعة قايتباي أو كوبري ستانلي.

يفاجأ كثير من زوار الإسكندرية الجدد بأن «جيلاتي عزة» ليس له فرع واحد، بل عدة فروع تنتشر على امتداد المدينة، باتت بمثابة وجهة للمصطافين، يتشابه معظمها في الطراز الكلاسيكي القديم، واللافتة الزرقاء التي تحمل الاسم، وقائمة المثلجات التي حافظت على وصفاتها التقليدية عبر العقود في مواجهة «الحداثة».

جيلاتي بنكهتي الفراولة والشوكولاته (الشرق الأوسط)

ويروي محمد إبراهيم الذي يعمل في أحد الفروع لـ«الشرق الأوسط»: «قبل أن تصبح (عزة) سلسلة محلات، كانت في الأصل عربة صغيرة لبيع الجيلاتي في عشرينيات القرن الماضي، وحملت اسم الابنة الكبرى لصاحبها الذي بدأ الوصفة التقليدية للجيلاتي. ومع مرور السنوات، ذاع صيتها واتسعت شهرتها، وتزايدت الفروع، لكن الوصفة الأساسية بقيت كما هي».

إلى جانب المثلجات التقليدية، أضافت السنوات أصنافاً جديدة إلى قائمة «عزة»، من «البيستاشيو» إلى «الكريب» و«الوافل»، لكن سرعان ما يحسم كثيرون حيرتهم بالسؤال عن «الجيلاتي» بنكهته الأصلية، التي ارتبط بها اسم «عزة» قبل أن تتغير أذواق الزبائن وتفرض موضات الطعام الحديثة حضورها على القائمة.

جيلاتي بنكهات متنوعة (الشرق الأوسط)

يخيّرك العامل بين أكثر من حجم للعبوة، بينما يتسع أصغرها لـ«بولة» واحدة من الجيلاتي، بنحو ثلاثين جنيهاً (الدولار يساوي 50.50 جنيه). وعلى خلاف الواجهات الزجاجية المعتادة في محال المثلجات، لا يظهر «الجيلاتي» للزبائن من الوهلة الأولى، إذ يرفع العامل غطاءً معدنياً يغطي الثلاجة، فتتكشف صفوف متجاورة من الألوان، بلا حواجز تفصل بينها.

يشير إلى النكهات واحدة تلو الأخرى: «شوكولاته، فراولة، مانجو، برتقال، ليمون، مستكة، فانيليا»، قبل أن يقترح، لمن لا يستطيع الحسم، اختيار «ميكس» يجمع نكهتين في كوب واحد.

وما إن يقع اختيار الزائر على النكهة التي يريدها للجيلاتي، حتى يسأله العامل: «في بسكوتة ولا كوب؟». وبينما يفضل البعض الكوب الورقي، يختار آخرون البسكويت التقليدي الذي ما زال يُقدّم بشكله القديم، بلونه الذهبي الفاتح وقوامه الهش، من دون أن تكسوه طبقات الشوكولاته أو الفستق أو غيرها من الإضافات التي أصبحت سمة لمحال المثلجات الحديثة، وكأن البسكوتة هي الأخرى تقاوم إغراءات التجديد.

الفرع الرئيسي في منطقة بحري بالإسكندرية (الشرق الأوسط)

ويبدو تناول كوب من الجيلاتي على إحدى الطاولات البلاستيكية المتراصة أمام فرع «عزة» في منطقة «بحري» جزءاً أصيلاً من تجربة الطعام نفسها؛ فالمكان يطل على البحر والمراكب الراسية، بما يجعل حرارة الصيف أكثر احتمالاً. ويختلف جيلاتي «عزة» عن الآيس كريم التقليدي بقوامه الأكثر تماسكاً، فلا يغلب عليه الطابع الكريمي، بل يحتفظ بقوام يمنحه قدراً من «المطّ» مع كل ملعقة، علاوة على نكهات الفاكهة المركزة.

ويعزو علي جاد، أحد العاملين بفرع بحري، هذا القوام المميز إلى الوصفة التقليدية التي حافظ عليها جيلاتي «عزة» عبر عقود، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «تعتمد الوصفة التقليدية على إضافة نسب من المستكة والسحلب إلى جانب مكونات أخرى خاصة بالمحل، وهي التي تمنح الجيلاتي قوامه المتماسك ونكهته المميزة».

من أشهر عناوين الآيس كريم في الإسكندرية (الشرق الأوسط)

ويضيف: «رغم إضافة أصناف جديدة إلى قائمة المنتجات، فإن الجيلاتي الذي اشتهر به (عزة) لا يزال يُحضَّر بالطريقة نفسها التي اعتاد عليها زبائنه منذ سنوات طويلة».

لم تقتصر شهرة الوصفة التقليدية على أبناء الإسكندرية أو زوارها، بل امتدت إلى شخصيات عامة ومسؤولين ورؤساء حرصوا على إدراج المحل ضمن محطاتهم في المدينة من بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي قام بزيارته في مايو (أيار) الماضي، ضمن جولة في منطقة «بحري»، وهو ما منح المحل حضوراً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي.

ولم يتوقف الأمر عند خبر الزيارة، بل انتشرت لاحقاً صور مولدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر ماكرون وهو يحمل كوباً من «جيلاتي عزة».

جيلاتي بأحجام مختلفة (الشرق الأوسط)

ولا تقتصر تجربة «عزة» على الجيلاتي وحده، فمن بين الأصناف التي تملأ اللوحة المعلقة على الجدار تحضر أم علي، والمهلبية، والقشطوطة، والكسكسي الحلو، إلى جانب الآيس فريسكا، والكريب، والوافل الذي يقدم بإضافات متنوعة، من الشوكولاته والكراميل إلى اللوتس والفستق. وتبدو بعض هذه الأصناف مضافة إلى قائمة «عزة» خلال السنوات الأخيرة، بينما لا تزال الحلويات التقليدية تحتفظ بمكانها في الواجهة، وكأن «المنيو» نفسه يوازن بين ذائقة الإسكندرية القديمة وأذواق الجيل الجديد.

ويحظى الأرز باللبن بحضور خاص في القائمة، إذ لا يقتصر على صورته التقليدية، بل يتيح للزبائن إضافة الجيلاتي، أو القشطة، أو المكسرات، أو العسل، في مزج يجمع بين الحلوى الشرقية والمثلجات، ليصبح واحداً من أكثر الأصناف طلباً داخل المحل.

والمفارقة أن فرع «عزة» الشهير في منطقة «بحري» يجاوره اليوم عددٌ من محال الحلويات التي ذاع صيتها في القاهرة، وتعتمد على وصفات متخمة بالكريمة والصلصات السميكة والبسكويت المطحون والإضافات المتنوعة. ورغم ذلك، لا تبدو الطوابير أمامه أقل ازدحاماً، وربما لأن زبائنه لا يأتون بحثاً عن «الصيحات»، بل عن الجيلاتي الذي احتفظ بمذاقه التقليدي طوال ما يقرب من قرن، بتوقيع «عزة».


«تاكو آل باستور»... حين أصبحت الشاورما مكسيكية

تاكو ال باستور (غيتي)
تاكو ال باستور (غيتي)
TT

«تاكو آل باستور»... حين أصبحت الشاورما مكسيكية

تاكو ال باستور (غيتي)
تاكو ال باستور (غيتي)

لطالما كان الطعام أكثر من مجرد وسيلة لسدّ الجوع، فهو لغة تتجاوز الحدود، وتحمل في مكوناتها وطرق إعدادها قصص الشعوب وحكايات تواصلها عبر العصور. فمن خلال طرق التجارة والهجرات والرحلات والحروب، انتقلت التوابل والحبوب وطرق الطهي بين البلدان، لتصل أطباق من ثقافة إلى أخرى وتكتسب مع مرور الزمن نكهات جديدة وهوية مختلفة.

ولعلّ ما نأكله اليوم هو نتيجة قرون طويلة من هذا التبادل الثقافي، فمكونات كانت غريبة عن بعض الشعوب أصبحت جزءاً أساسياً من مطابخها، وأطباق انتقلت من موطنها الأصلي تطورت لتأخذ طابعاً محلياً جديداً. وبين المطابخ: العربي، والهندي، والمتوسطي، والآسيوي، والأوروبي، تكشف رحلة الطعام كيف استطاعت الموائد أن تجمع الشعوب، وتحول الاختلاف الثقافي إلى تجربة مشتركة تتذوقها الأجيال جيلاً بعد جيل.

والدليل على ذلك هو طبق «تاكو آل باستور» الذي يعتبر من أشهر الأطباق المكسيكية، واللافت في قصته صلته بالمطبخ اللبناني، والهجرة والتبادل الثقافي.

القصة بدأت مع موجات الهجرة القادمة من بلاد الشام إلى المكسيك في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. ومع انهيار الدولة العثمانية، غادر كثير من أبناء المنطقة، وبينهم لبنانيون وسوريون، موطنهم بحثاً عن حياة جديدة في الأميركتين. واستقر عدد كبير منهم في المكسيك، ولا سيما في مدينة بويبلا، حاملين معهم عاداتهم ولغتهم ومأكولاتهم.

كان من أهم ما انتقل مع هؤلاء المهاجرين أسلوب طهي اللحم على سيخ عمودي دوّار، وهو الأسلوب الذي يشبه الطريقة المستخدمة في الشاورما والدونر في المشرق.

في المكسيك، بدأ هذا الأسلوب يأخذ شكلاً جديداً. فبدلاً من لحم الخروف المستخدم في النسخ الشامية التقليدية، استُخدم في البداية لحم الخنزير، وبدأ اللحم يُتبّل بخليط مكسيكي من الفلفل الحار والتوابل والخل، ثم يُرص في طبقات على سيخ عمودي يعرف باسم «ترومبو».

"ترومبو" المستوحى من الشاورما الشامية (غيتي)

وهنا بدأت عملية التحول: لم تعد الوصفة شاورما كما كانت في بلاد الشام، ولم تكن في الوقت نفسه طبقاً مكسيكياً تقليدياً بالمعنى القديم؛ بل أصبحت شيئاً جديداً نشأ من لقاء ثقافتين.

تُشير روايات تاريخية وغذائية إلى أن البدايات المهمة لهذا الطبق كانت في ولاية بويبلا، حيث استقر مهاجرون من بلاد الشام وبدأوا في تقديم نسخ مكسيكية من اللحم المشوي على السيخ.

ومن هذه البيئة ظهر ما يعرف باسم تاكو أرابيس، الذي يُعد مرحلة مهمة في الطريق نحو «تاكو آل باستور». ومع مرور الوقت، استُبدلت الخبزة أو الخبز المسطح وحل محله التورتيلا المكسيكية.

ثم انتقلت الفكرة إلى مكسيكو سيتي، حيث تطورت أكثر، وأصبح اللحم يُتبّل بالأدوبو المكسيكي، ويُقدّم داخل تورتيلا الذرة الصغيرة. أما الأناناس الذي أصبح اليوم علامة مميزة للطبق، فيوضع عادة فوق السيخ، ويقطع الطاهي منه قطعة صغيرة فوق التاكو إلى جانب اللحم، مع البصل والكزبرة والليمون.

لماذا يسمى «آل باستور»؟

تعني عبارة Al Pastor بالإسبانية «على طريقة الراعي». وهناك تفسيرات مرتبطة بالمرحلة المبكرة التي كان فيها لحم الخروف أو الضأن جزءاً من هذا التقليد، ولا توجد رواية تاريخية واحدة تحسم كل تفاصيل نشأة الطبق، قد يختلف البعض حول السنة التي ظهر فيها التاكو آل باستور في المكسيك، ولكن ما لا يختلف عليه اثنان، هي الصلة بين تقنيات الشواء التي جاء بها مهاجرو بلاد الشام وبين تطور هذا الطبق في المكسيك.

وتشير بعض الروايات إلى أن أبناء المهاجرين اللبنانيين كانوا من الذين ساهموا في إعطاء الطبق هويته المكسيكية خلال منتصف القرن العشرين، وأنه انتشر على نطاق واسع في الستينيات.

ربما تكمن روعة «تاكو آل باستور» في أنه لا ينتمي بالكامل إلى طرف واحد.

تقنية الشواء على السيخ العمودي (الشاورما) تحمل إرثاً شرق أوسطي، بينما التتبيلة والتورتيلا والأناناس والكزبرة والبصل والليمون تنتمي إلى عالم المطبخ المكسيكي.وهكذا تحولت وصفة حملها مهاجرون لبنانيون وسوريون معهم عبر المحيط إلى طبق أصبح اليوم أحد رموز المطبخ المكسيكي، وخصوصاً ثقافة الطعام الشعبي في العاصمة.

أين تأكل أفضل «تاكو آل باستور»؟

في وسط مكسيكو سيتي يمكنك تناوله في «تاكو إل هيكيت» وهو محل يعود إلى عام 1959 ويُعد من المؤسسات التاريخية المرتبطة بالـ«تاكو آل باستور».

أما من يريد تجربة أكثر ارتباطاً بفكرة «الترومبو» والطريقة الشعبية الحديثة، فيمكنه زيارة «إل فيلسيتو»، وهو من الأسماء التي تحظى بشهرة كبيرة بين محبي التاكو في العاصمة.

وهناك أيضاً «إل تيزونسيتو كريادوريس دل تاكو آل باستور» في كونديسا، وهو مطعم ينسب إلى نفسه ابتكار النسخة الحديثة من «تاكو آل باستور» عام 1966، وهي دعوى تاريخية محل نقاش، لكنها جعلت المكان جزءاً من قصة الطبق.

وإذا كان الزائر يريد تجربة مختلفة، فإن «تاكيريا أورينوكو» في روما تقدم نسخة معروفة من التاكو، وإن كانت أكثر حداثة وأقل ارتباطاً بالطابع الشعبي القديم.

أما في لبنان فيمكن تناوله في كل من «لوكاس تاكيريا» الواقع في العاصمة بيروت وهو مطعم متخصص بالتاكو. وإل كاميون وكاتريناس بيروت.

أما في مدينة جبيل فمن الممكن تذوق التاكو التقليدي في مطعم إل مولينو والذي يعود تاريخ افتتاحه لعام 1992.

وهناك أيضاً مطعم في الجميزة يحمل اسم «إل باستور» ومتخصص هو أيضاً في تقديم الطبق.

والمفارقة الجميلة أن اللبناني يستطيع اليوم أن يأكل في بيروت طبقاً مكسيكياً تطورت فكرته جزئياً من تقنية الشاورما التي حملها مهاجرون من بلاد الشام إلى المكسيك. أي أن الطبق، بعد رحلة استمرت أكثر من قرن، عاد إلى المنطقة التي خرج منها أحد جذوره.