«فيكتوريا آند ألبرت» يحتضن معرض «جائزة جميل للفنون» ويتوج الفائزين

من السياسة لإدارة المتاحف... مدير المتحف تريسترام هنت في حوار مع «الشرق الأوسط»

مارينا تبسم «مسجد بيت روف» (تصوير: ساندرو دي كارلو دارسا)
مارينا تبسم «مسجد بيت روف» (تصوير: ساندرو دي كارلو دارسا)
TT

«فيكتوريا آند ألبرت» يحتضن معرض «جائزة جميل للفنون» ويتوج الفائزين

مارينا تبسم «مسجد بيت روف» (تصوير: ساندرو دي كارلو دارسا)
مارينا تبسم «مسجد بيت روف» (تصوير: ساندرو دي كارلو دارسا)

احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» بلندن ليلة أول من أمس حفل توزيع جوائز الدورة الخامسة من جائزة جميل للفن الإسلامي، وخلافاً للمتَّبَع منحت جائزة هذه الدورة لشخصين: الفنان العراقي مهدي مطشر والفنانة البنغلاديشية مارينا تبسم. الأعمال الفائزة تُعرَض حالياً مع بقية الأعمال في القائمة القصيرة بالمتحف حتى شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ثم سينتقل العرض للقيام بجولة عالمية حتى تصل لمحطتها الأخيرة في مركز جميل للفنون بدبي.
الفنان مهدي مطشر فاز بالجائزة عن عمله الذي يعتمد لغة التجريد البسيطة المتأصلة في التقاليد الإسلامية للهندسة. في حين حازت مارينا تبسم على نفس الجائزة عن عمل «مسجد بيت روف»، الذي بني في عام 2012 في دكا، بنغلادش.
وخلال حوار مع تريسترام هنت مدير متحف «فيكتوريا آند ألبرت»، أشار إلى أن المداولات بين أعضاء لجنة التحكيم التي يرأسها، واجهت صعوبة في الاختيار ما بين العملين الفائزين، وبالتالي كان القرار بمنح الجائزة مناصفة للمرة الأولى في تاريخ الجائزة. وبشكل ما يرى هنت أن أعمال مطشر وتبسم يكملان بعضهما على الرغم من اختلافهما، فهو قدم تشكيلات من الخط العربي بينما تقدمت تبسم بتصميم معماري، يتناغمان بشكل مدهش. يضيف: «كلما تناقشنا أكثر حول اختيار الفائز بدا لنا أن منحها لفائزين أمر صائب، وهو ما اتضح لنا بمجرد الإعلان عن ذلك، فالفائزان يكملان بعضهما بشكل فريد وغير متوقع، فمطشر يعمل منفرداً، بينما تعمل تبسم في إطار مجتمعي. هو لديه حس الفنان المغترب بينما عملها يحمل داخلة الإحساس بالمجتمع. إضافة إلى أن كلاً منهما يستمد تقاليد العمل من الموجة الحديثة في الفن»، ويستكمل: «هناك روعة بصرية لتصميم تبسم والأهمية التي يمثلها بالنسبة للتصميم المعماري للمساجد، فهي خرجت عن التصميمات المتداولة لمبنى المسجد، وتصميمها متجذر بقوة في التقاليد والحرف المحلية في بلدها بنغلاديش».
أسأله عن رأيه في باقي الأعمال التي وصلت للقائمة القصيرة للجائزة وتعرض ضمن معرض «جائزة جميل» بالمتحف حالياً، يقول: «أعجبني عمل الفنانة هيف كهرمان فهو خليط جميل يجمع بين التأثير الأوروبي والإسلامي، كذلك العمل المقدم من مجموعة نقش (يدمج ما بين النحت وتقاليد التطريز في المشرق العربي)، ولكن عموماً كل الأعمال كانت مميزة، وهو ما جعل الاختيار بينها صعباً للغاية».
لا يجد هنت حرجاً في القول إنه جديد على أجواء المتحف، وهو ما يؤكده في إجابته عن تساؤلي إن كان قد شاهد أعمالاً سابقة للفنانين المشاركين أو كان على معرفة بها، ببساطة محببة يقول: «ليس كلهم، من خلفيتي كمؤرخ وسياسي، فالميدان هنا غير مألوف بالنسبة لي، كنت أتعلم خلال التحكيم وحتى كنت أحاول أن ألفت نظر المحكمين الآخرين الذين لديهم خبرة أعمق وأكبر مني لبعض النقاط، فالكثير من أعضاء اللجنة كانوا متابعين للفنانين وأعمالهم لوقت طويل، وكانت نظرتي للأعمال جديدة ومن الخارج. ما أحضره معي كوافد من خارج الوسط هو المؤسساتية المتحفية التي يمثلها (فيكتوريا آند ألبرت)، التي نعتقد أنها أساسية فيما نعمله».
كان من الطبيعي أن أسأله عن رأيه في جائزة جميل وما حققته خلال دوراتها الخمسة. يجيبني قائلاً: «الجائزة لها شعبية ضخمة ونجد أنفسنا نحاول أن نتعامل مع ذلك التفاعل من الفنانين المتقدمين لها».
ألتقط من حديث هنت خيطاً مهمّاً وأسأله إن كانت هناك معايير للاختيار بين الفنانين المعروفين الذين لهم مكانة على الخريطة الفنية والفنانين الناشئين. يجيب بأن الجائزة خلال تاريخها مُنِحت لفنانين فوق الستين ولآخرين في العشرينات من النساء والرجال، «هناك تنوع كبير في الفائزين ويجب ألا نشعر كلجنة تحكيم بأن هناك ضغطاً اجتماعياً لتحديد النتيجة، جودة العمل هي المعيار وما يجب علينا التأكد منه هو أن تكون الاختيارات متنوعة ومجالها كبيراً».
هنت تسلم العمل مديراً لمتحف «فيكتوريا آند ألبرت» في يناير (كانون الثاني) 2017، وكان وقتها قادما من المجال السياسي حيث كان يشغل منصب وزير التعليم في حكومة الظل بحزب العمال، ولكنه أيضاً حاصل على الدكتوراه في التاريخ من جامعة كمبردج.
بعد عام ونصف العام من تسلمه إدارة المتحف اللندني العريق أجدني أتجه بالحديث لما يعتقد أنه أنجزه خلال الفترة «ماذا كانت توقعاتك وطموحاتك عندما تسلمت العمل هنا وما الذي تحقق منها؟» يجيب: «كان شرفاً كبيراً لي أن أتسلم قيادة هذه المؤسسة، وأتمنى أن أكون قد نجحت خلال عام ونصف العام في دعم الجانب التعليمي في أنشطة المتحف تحديداً في مجالي التصميم والتكنولوجيا، خصوصاً في هذا الوقت الذي تشهد فيه أجزاء كبيرة من بريطانيا تراجعاً في تعليم الفنون والتصميم».
خلال الفترة القصيرة الماضية قدّم المتحف مجموعة من المعارض الضخمة التي نجحت في جذب عدد كبير من الجمهور لأروقة المتحف، كمثال معرض «ويني ذا بو» ومعرض «السفن عابرة المحيطات»، ومعرض «المستقبل يبدأ من هنا»، وأخيراً «معرض (فريدا كالو)». يبتسم هنت عند ذكر كل تلك المعارض ويقول إن أعداد الزوار كانت كبيرة وإيجابية ولكنه يُرجِع فضل النجاح المستمر لعمل فرق المنسقين والخبراء في المتحف.
يبدو اهتمام هنت بالتعليم واضحاً لا سيما أنه شغل منصباً وزارياً سابقاً معنياً بالتعليم، وفي خطته لإدارة «فيكتوريا آند ألبرت» يشير هنت إلى أن الاهتمام سيتجه أيضاً لمتحف «الطفولة» (تشايلدهود) التابع للمتحف العريق قائلاً إنه لم يتلقَّ الاهتمام الكافي، ويضيف: «سترين بعض النتائج في الخريف المقبل لكل ما نعمل عليه حالياً، خصوصاً في الأحياء المحرومة في لندن حيث تواجه المدارس ضغطاً كبيراً لتوفير مناهج إبداعية، وهنا يأتي دور المتاحف في توفير ذلك التعليم الفني لملء الفراغ في المجتمع المحلي، وبالنسبة لمتحف الطفولة فالتحدي أمامنا يتمثل في الاستفادة من مجموعة القطع الفنية الموجودة هناك».
- ما الذي يحمله المستقبل من معارض؟
أحاول معرفة بعض التفاصيل عن برنامج المعرض المقبل في «فيكتوريا آند ألبرت» ولكن هنت يبتسم بغموض، قائلاً: «راقبي هذه المساحة جيداً، فستكون هناك أخبار مهمة آتية في الطريق».
ولكنه يحرص على الإشارة لمعرض المتحف حول «ألعاب الفيديو»، الذي سيفتح أبوابه في الثامن من شهر سبتمبر (أيلول) المقبل، وافتتاح جناح التصوير الفوتوغرافي في شهر أكتوبر (تشرين الأول).
بالنسبة للمعارض المختلفة التي أقامها المتحف خلال الفترة الماضية والمعارض المقبلة أيضاً يوجد تنوع كبير ومدى واسع للموضوعات المطروحة، فالمعروف أن «فيكتوريا آند ألبرت» مختص بالتصميم والأزياء ولكن المعارض المختلفة التي قدمت في الأشهر الماضية كانت متنوعة بشكل كبير مثل معرض «المستقبل يبدأ هنا»، الذي يستعرض التكنولوجيا في حياتنا وتطورها.
يعترف بأن التحدي أمامه وأمام العاملين في المتحف هو الخروج عن الصورة النمطية له، التي عبَّر عنها هنري كول أول مدير للمتحف بقوله إن «فيكتوريا آند ألبرت» يمثل «ملجأ للمجموعات المنبوذة» أو وصفه بأنه «مخزن الأمة». يضيف: «لدينا مقتنيات تمثل 17 مجموعة قومية تتنوع محتوياتها ما بين الفنون والتصوير والنحت والسيراميك والأزياء... مضمار واسع ومتنوع، نحاول أن نقدم تغليفاً جديداً لها من خلال شعار (الابتكار والبراعة)».
- الحفاظ على الآثار
يحرص هنت على الحديث عن الجدال الدائر حول الحقبة الاستعمارية في تاريخ بريطانيا، وما جلبت معها من قطع أثرية لمتاحف الدولة، يشير إلى أنه يتعامل مع الأمر بكل شفافية ويرشح أن يكون التعامل مع القضية الحساسة من خلال المختصين: «في المقام الأول يجب أن يقود النقاش مديرو المتاحف والمنسقون والباحثون، لا السياسيون. لأن رجال السياسة سيتعاملون معها من ذلك المنطلق وستكون الحلول مصبوغة بالحاجات السياسية مثل الدفاع أو التجارة. لهذا يجب أن نكون، كمتحفيين، داخل المناقشة، نحدد أبعادها ونقودها أيضاً. والأهم أن نكون شفافين بشأن مصادر القطع والمجموعات الإثنية الموجودة لدينا. بعد ذلك أرى أن نتعامل مع الأمر بشكل منهجي وأكاديمي قطعة بقطعة».
يشير إلى وجود بعض المقولات بأن مجموعة القطع من شرق آسيا في المتحف سُرِقَت خلال فترة استعمار الهند ويختلف مع ذلك قائلاً: «الحقيقة أن أجزاء كبيرة من المجموعات القادمة من آسيا تكونت على مر السنين عبر الشراء القانوني والقول إنها كلها وصلت لهنا عبر النهب والسرقة غير صحيح، ولهذا أرى أننا يجب أن نتعامل مع الأمر بطريقة علمية».
ويرى أن فرنسا تقود أوروبا في خطط ثقافية قد تقدم بعض الحلول عبر الاستثمار في الدول النامية، وتوفير السبل لها لحماية الآثار الموجودة حالياً في مجموعات أوروبية لتتمكن المتاحف الغربية وقتها من تطوير نظام للتعاون وللإعارة. ويعترف بأن الأمر حساس للغاية، قائلاً: «أفهم تماماً عندما نعرض على بلد ما أن نعيره بعض القطع من مجموعتنا أن يأتيني الجواب (لا نريد استعارة بل نريد استعادة القطع)، أتفهم ذلك تماماً، ولكنني أعمل تحت ضوابط قانونية وتشريعية».
وفي نهاية الحديث يؤكد أن عملية اقتناء قطع جديدة محكومة بتوصيات منظمة «اليونيسكو» الصارمة.



رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.