«تفاهمات سورية» بين ترمب وبوتين: النظام إلى الجنوب مقابل إخراج إيران

دول أوروبية ترفض إعطاء شرعية للأسد والمساهمة في الإعمار

مصافحة بين ترمب وبوتين خلال مؤتمر اقتصادي بفيتنام العام الماضي (إ.ب.أ)
مصافحة بين ترمب وبوتين خلال مؤتمر اقتصادي بفيتنام العام الماضي (إ.ب.أ)
TT

«تفاهمات سورية» بين ترمب وبوتين: النظام إلى الجنوب مقابل إخراج إيران

مصافحة بين ترمب وبوتين خلال مؤتمر اقتصادي بفيتنام العام الماضي (إ.ب.أ)
مصافحة بين ترمب وبوتين خلال مؤتمر اقتصادي بفيتنام العام الماضي (إ.ب.أ)

أكدت مصادر دبلوماسية غربية لـ«الشرق الأوسط» أمس، أن هجوم قوات الحكومة السورية بغطاء روسي على ريف درعا والمدينة جنوب البلاد، جاء ضمن تفاهمات بين واشنطن وموسكو تتضمن عودة الجيش السوري إلى الجنوب مقابل إخراج مقاتلي المعارضة ورافضي ذلك إلى إدلب، على أن يتعهد الجانب الروسي بـ«إضعاف ثم إنهاء» الدور الإيراني في سوريا. وأشارت إلى فوز تيار في الإدارة الأميركية يميل إلى التفاهم مع موسكو ما يعني قرب تعيين مسؤول الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي جويل روبرن مبعوثا إلى سوريا تابع لوزارة الخارجية.
وستكون تفاهمات الجنوب السوري، على جدول أول قمة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترمب في هلسنكي في 16 الشهر الجاري التي ستعطي دفعة إضافية لاتفاقهما في فيتنام في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. وكان مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون زار لندن قبل توجهه إلى موسكو للقاء الرئيس بوتين ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف للتمهيد للقمة الروسية - الأميركية التي ستعقد بعد قمة «حلف شمال الأطلسي» (ناتو) في بروكسل يومي 11 و12 الشهر المقبل وزيارة ترمب إلى لندن بدءا من 13 من الشهر ذاته.
ويتوقع أن تبارك القمة إعطاء أولوية لتشكيل لجنة من الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني وإجراء إصلاحات دستوري في سوريا لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في العام 2021 ودعم جهود المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا في جنيف للجسر بين «ضامني» عملية آستانة و«النواة الصلبة» التي تضم أميركا وبريطانيا وفرنسا والسعودية والأردن وألمانيا لتشكيل اللجنة وصوغ الإصلاح الدستوري والتمهيد للانتخابات.
ويعني توافق روسيا وأميركا عملياً «قبول الرئيس بشار الأسد حالياً كأمر واقع مع استمرار رفض إعطائه الشرعية بل استمرار التصريحات الرافضة لذلك»، كما حصل أول من أمس لدى قول وزير الخارجية مايك بومبيو أن لا سلام مع الأسد ووجود إيران في سوريا، بحسب المصادر الغربية. وأشارت إلى أن «الاتحاد الأوروبي ومعظم الدول الأوروبية غير مرتاحين لهذه التفاهمات وأن معظم الدول لن يقبل ذلك وسيبقى متمسكا برفض الشرعية للأمر الواقع وسيبقى رافضا المساهمة في إعمار سوريا ما لم يحصل انتقال سياسي فيها». كما أن دولا «تشكك عمليا في قدرة روسيا أو رغبتها في إضعاف إيران».
وحرص الرئيس ترمب على إيفاد بولتون إلى أوروبا لإطلاع حلفاء واشنطن على توجهات الإدارة الأميركية المقبلة التي جاءت بعد سلسلة من المشاورات الداخلية والمحادثات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي لعب دورا رئيسيا في إقناع بوتين في بعض التفاهمات وجوهرها «عودة الجيش السوري إلى الجنوب مقابل إضعاف ثم إنهاء الدور الإيراني».
وكان نتنياهو زار موسكو بداية الشهر، وكان لافتا أن الجيش الإسرائيلي شن غارات شاملة على مواقع يعتقد أنها تابعة لإيران في سوريا، ما يعني أن ذلك حصل بموجب قبول سياسي من الكرملين وتنسيق عسكري بين قاعدة حميميم الروسية وتل أبيب. وتم الاتفاق وقتذاك على تأسيس خط أحمر بين بوتين ونتنياهو أضيف إلى الخط الآخر بين حميميم وتل أبيب. وتزامن ذلك مع قول وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان بأنه على الرئيس الأسد إخراج إيران من سوريا.
بعدها، جرت اتصالات بين واشنطن وتل أبيب أسفرت عن مباركة تفاهمات نتنياهو - بوتين، حيث جرى تنفيذها خطوة بعد خطوة. بداية جرى الاتفاق على بدء تنفيذ الهجوم العسكري على ريف درعا الشرقي والمدينة وصولا إلى معبر نصيب على حدود الأردن وتأجيل الهجمات على القنيطرة والقسم الغربي من اتفاق خفض التصعيد. كما أبلغت واشنطن رفع الغطاء العسكري على فصائل «الجبهة الجنوبية» في «الجيش الحر» عبر إبلاغها خطيا بعدم توقع «أي تدخل عسكري أميركي»، إضافة إلى عدم قبول لاجئين سوريين في الأردن.
وحسمت تلك الرسالة بين خطين كانا في الإدارة الأميركية: الأول، يدعو للضغط على موسكو لالتزام اتفاق «خفض التصعيد» الموقع بين روسيا وأميركا والأردن في يوليو (تموز) الماضي ثم جرى التأكيد عليه بين ترمب وبوتين في نوفمبر والتلويح بـ«إجراءات حاسمة» ضد دمشق. الثاني، التخلي عن المعارضة والتزام ترتيبات ثلاثية روسية - أميركية - أردنية أو رباعية تضم إسرائيل لعودة قوات الحكومة السورية وإبعاد المعارضة مقابل «إبعاد إيران عن حدود الأردن وخط فك الاشتباك في الجولان المحتل تمهيدا لإنهاء دورها في سوريا».
في المقابل، أعلنت موسكو ضمن التفاهمات عن خفض قواتها في قاعدة حميميم كما فعلت مرات سابقة في السنتين الماضيتين. كما جال ضباط روس في ريف درعا عارضين «التسوية والمصالحة أو التهجير والضغط العسكري» مع فتح أربعة معابر لخروج مدنيين، كما حصل في غوطة دمشق وشرق حلب. كما جرت مفاوضات في عمان بين شخصيات محسوبة على المعارضة في درعا وضباط روس للوصول إلى وقف للنار وإخراج مقاتلين معارضين وتسيير دوريات للشرطة الروسية.
وهذه التفاهمات الروسية - الأميركية حول الجنوب تأتي ضمن تصور أوسع لسياسة الإدارة الأميركية في سوريا. وأكدت المصادر الغربية أن ترمب لا يزال متمسكا بالانسحاب من شمال شرقي سوريا «مجرد القضاء على «داعش» الذي لا يزال يسيطر على 2 في المائة من الأراضي السورية» (كان يسيطر على أكثر من 40 في المائة). وأشارت إلى أن دولا غربية وعربية قدمت نحو مائة مليون دولار أميركي لدعم الاستقرار في المناطق المحررة من «داعش» بناء على طلب ترمب من جميع الحلفاء المشاركة في حمل العبء استعدادا لإعلان الانسحاب بعد إنهاء «داعش» بالتزامن مع موعد الانتخابات النصفية للكونغرس بداية نوفمبر المقبل.
عليه، أشارت مصادر إلى أن التفاهمات التي ستكون موضوع بحث بين ترمب وبوتين، ستتناول أيضا شمال شرقي سوريا بحيث يتم البحث في ترتيبات تتجاوز اتفاق منع الاحتكاك القائم بين الجيشين الروسي والأميركي خلال قتال «داعش» قد تنضم إليها أنقرة بعد استعادة الثقة مع واشنطن في ضوء اتفاق منبج لتصبح ترتيبات روسية - أميركية - تركية لشرق نهر الفرات تتضمن مجالس محلية ودورا أكبر لـ«قوات سوريا الديمقراطية» والأكراد مقابل بقاء علاقة مع الدولة المركزية في دمشق. (قد يشمل هذا تشجيع عملية سياسية بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني في تركيا مقابل تركيز الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري على وضعه المحلي في سوريا).
لكن المصادر أعربت عن الاعتقاد أن «اللغز» لا يزال في إدلب ومصير الوجود التركي فيها، خصوصاً بعد تجمع آلاف المقاتلين المعارضين ووجود «هيئة تحرير الشام» التي تضم «فتح الشام» (النصرة سابقا) ونحو 2.5 مليون شخص. وأشارت إلى أن «أنقرة تريد بقاء نفوذها في إدلب وشمال سوريا على المدى الطويل».



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.