العلاج بالخلايا الجذعية... من بحث علمي واعد إلى استخدامات مريبة

تحذيرات من تهافت الجمهور على عياداتها الجديدة

العلاج بالخلايا الجذعية... من بحث علمي واعد إلى استخدامات مريبة
TT

العلاج بالخلايا الجذعية... من بحث علمي واعد إلى استخدامات مريبة

العلاج بالخلايا الجذعية... من بحث علمي واعد إلى استخدامات مريبة

يعتبر البحث في الخلايا الجذعية من أكثر المجالات العلمية الواعدة اليوم. ويعتقد الباحثون، أن الخلايا الجذعية قد تستخدم في يوم من الأيام في ترميم أو استبدال أنسجة وأعضاء فقدها الإنسان بفعل التقدم في العمر أو المرض، لكنهم في الوقت نفسه يؤكدون أن التوصل إلى العلاجات الفاعلة بواسطة هذه الخلايا لا يزال يحتاج إلى سنوات.
إلا أن عيادات كثيرة بدأت بالفعل في الظهور في مناطق عدة لتقديم علاجات باهظة الكلفة، لم تخضع للاختبارات الخاصة بالعيادات الطبية، كما لم تخضع للقواعد والضوابط التي تضعها الأجهزة الحكومية المعنية. ويقول النقاد في هذا المجال، إن هذه العلاجات تسببت للمرضى في أضرار جسدية ومادية.
توعية الجمهور
فيما يلي، ستجدون ما يجب أن يعرفه أفراد الجمهور حول هذه الأبحاث:
- ما هي الخلايا الجذعية؟
> هي فئة من الخلايا غير المتخصصة والقادرة على التحول إلى أنواع أخرى من الخلايا، كخلايا الدماغ، والدم، والعضلات. في كثير من الأنسجة، تعمل الخلايا الجذعية على شكل «نظام صيانة داخلي» لإصلاح العطب والضرر؛ إذ إنها تنقسم وتتكاثر بشكل غير محدود لتعويض النقص في الخلايا الأخرى، بسب معلومات معاهد الصحة الوطنية.
لكن الخلايا الجذعية لا يتم إنتاجها بشكل متطابق، أي أنها قد تتمتع بقدرات مختلفة. فالخلايا الجذعية الجنينية مثلاً، التي تستمد من جنين عمره من ثلاثة إلى خمسة أيام، هي خلايا متعددة القدرات، أي أنها تتحول إلى أي خلية أخرى من أصل 200 نوع في الجسم.
في المقابل، تُستخلص الخلايا الجذعية البالغة من أنسجة وأعضاء موجودة في الأصل، وهي معروفة بمحدودية قدرتها على التأقلم. وكان بعض الباحثين قد توصلوا إلى كيفية تعديل بعض الخلايا الجذعية البالغة في المختبر لتتصرف وكأنها خلايا جذعية جنينية؛ ما جعلها أداة بحثية مهمة جداً.
استخدامات مرخصة
- ما الاستخدامات المرخصة للخلايا الجذعية؟
> تستخدم عمليات الزرع التي تعتمد على الخلايا الجذعية المستخرجة من النخاع الشوكي أو الدم، منذ سنوات كثيرة في علاج أمراض كاللوكيميا (سرطان الدم)، سرطان الغدد اللمفاوية، أو أورام نخاعية مختلفة. ويحل هذا النوع من الخلايا مكان الخلايا الجذعية التي تنتج الدم في النخاع الشوكي، والتي تعرضت للدمار بفعل المرض أو علاجات السرطان القاسية.
تعتمد بعض هذه العلاجات، وتحديداً لدى الأطفال، على الدم الموجود في المشيمة أو الحبل السري. هذه المنتجات المستخرجة من الدم هي علاجات الخلايا الجذعية الوحيدة المرخصة من قبل إدارة الغذاء والدواء الأميركية.
- ما الأمراض التي قد يتم استخدام الخلايا الجذعية في علاجها مستقبلاً؟
> يدرس الباحثون الاستعانة بعلاجات الخلايا الجذعية لمجموعة واسعة من المشكلات الصحية كعجز القلب، وسرطان الدماغ، والأمراض العصبية الناتجة من التقدم في السن كالتصلب الجانبي الضموري.
ويمكن القول إن التنكس البقعي في العين المرتبط بالسن هو أحد الأهداف الواعدة في هذه الأبحاث أيضاً؛ لأن العين، حسب سالي تيمبل، الشريكة المؤسسة في معهد الخلايا الجذعية العصبية في رينسيلار، نيويورك «هي من أجزاء الجهاز العصبي التي يسهل الوصول والنظر إليها والاطلاع على ما نقوم به فيها». لكنها أكدت، أن علاجات اضطرابات العين وغيرها من الأمراض لن تصبح جاهزة قبل سنوات عدة إضافية.
مخاطر العلاج التجاري
- ما المخاطر التي تعرض عيادات الخلايا الجذعية المرضى لها؟
> إن التعميم في مسألة سلامة هذه العلاجات هو أمر صعب؛ لأن طريقة تحويل وإعطاء الخلايا الجذعية تختلف بين عيادة وأخرى، تماماً كما تختلف الخبرة بين الأشخاص الذين يؤدون عملية العلاج. تعتبر طريقة تزويد المريض بهذه الخلايا، سواء كان عن طرق الحقن أم الغرس عاملاً مهماً آخر في موضوع السلامة. ويتجنب الكثير من العلماء بعض أنواع العلاجات التي لم يتم إثبات فاعليتها وسلامتها أثناء الاختبارات البشرية كعلاجات الخلايا الجذعية. لكن بعض الإجراءات التي تتخذ بالاعتماد على الخلايا الجذعية تعرض المريض لخطر أكبر من غيرها.
يقول مسؤولو إدارة الغذاء والدواء الأميركية، إنهم يركزون إجراءات الضبط الخاصة بهم على العيادات التي تقدم إجراءات علاجية ذات «مخاطر كبيرة»، كالحقن في الدماغ والعين والجهاز العصبي.
وكانت بعض الدوريات الطبية قد أوردت أخباراً عن حالات أربعة مرضى على الأقل أصيبوا بالعمى أو يعانون من اضطرابات شديدة في الرؤية ناتجة من حقن الخلايا الجذعية، بالإضافة إلى حالتي وفاة تم توثيقهما في ولاية فلوريدا.
وفي حالة الكثير من المرضى، يحصل الضرر على الصعيد المادي وليس الجسدي. وحسب أحد مسؤولي إدارة الغذاء والدواء الأميركية، فإن «الخطر الأكبر يكمن في حث الناس على دفع مبالغ طائلة».
تحذيرات للجمهور
- ما الجهة التي يجب أن تتولى تنظيم قطاع علاجات الخلايا الجذعية؟
> أصدرت إدارة الغذاء والدواء الأميركية العام الماضي دليلاً موجزاً لتوضيح أي من أنواع علاجات الخلايا الجذعية هي في جوهرها أدوية غير مصرح بها وتتطلب موافقة الإدارة. تتضمن هذه العلاجات أكثر من مجرد خلايا مرضى «شهدت بعض التلاعب»، والعلاجات التي تستخدم الخلايا الجذعية بما يخالف هدفها الرئيسي، كاستخدام خلية جذعية دهنية لعلاج مرض عصبي مثلاً. تتطلب الكثير من علاجات الخلايا الجذعية المستمدة من الدهون موافقة إدارة الغذاء والدواء، وبموجب سياسة خاصة.
ويقول النقاد، إن المجالس الطبية، والمشرعين، والمدعين العامين في ولاية معينة يجب أن يساهموا في كبح جموح تطور علاجات الخلايا الجذعية غير الموافق عليها.
- ما الأمور التي يجب على المستهلكين أن يحذروا منها؟
> طالب دايفيد باركي، الرئيسي التنفيذي للأكاديمية الأميركية لطب العيون المستهلكين، بتوخي الحذر الشديد «من أي شخص يقول لهم إنه يشارك في تجربة بحثية ويطلب منهم دفع المال». كما حثت إدارة الغذاء والدواء المرضى على سؤال من يقدمون علاجات الخلايا الجذعية عما إذا كانت علاجاتهم حصلت على موافقة الإدارة، أو أنها لا تزال قيد الدراسة بموجب طلب التحقق من دواء جديد، التي هي عبارة عن خطة تقدم للإدارة، وتتم مراجعتها للتأكد من سلامتها.

علاجات مزعومة تروّج لها العيادات التجارية

• تقول الكثير من العيادات التجارية التي تبيع علاجات الخلايا الجذعية غير المرخصة، إنها تستخدم خلايا بالغة تعرف باسم «الخلايا الجذعية الميزنكيمية mesenchymal cells» (خلايا جذعية متعلقة باللحمة المتوسطة)، توجد في النخاع، والدهون، والدم. صحيح أن هذه الأخيرة قادرة على التحول إلى أنواع متعددة من الخلايا، لكن الخبراء يقولون: إنه لا يوجد دليل يثبت أنها قادرة على التحرك في الجسم؛ بهدف العثور على مختلف المشكلات وتصحيحها، كما تدعي بعض العيادات.
• يبيع عدد من عيادات الخلايا الجذعية العلاجات للالتهاب مفاصل الركبتين خياراً بديلاً للجراحة. لكن دراسة أجراها جراحون متخصصون في الأمراض العظمية من عيادة كليفلاند وجدت أن «الأدلة المتوافرة حالياً لا تبرر التطور السريع الذي تشهده هذه العلاجات»، بحسب ما أفاد جورج ماشلر، الجراح المشارك في الدراسة.

* خدمة «بلومبيرغ»


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
TT

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

أعلنت شركة «سبيس بايونير»، المتخصصة في تطوير الصواريخ ومقرُّها بكين، اليوم الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل، مما يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها مطوّرو الصواريخ الصينيون في محاولتهم اللحاق بشركة «سبيس إكس» الأميركية، التابعة لإيلون ماسك.

ولم تقدم «سبيس بايونير»، المعروفة أيضاً باسم «بكين تيانبينغ تكنولوجي»، سوى قليل من التفاصيل حول سبب الفشل، واكتفت بإعلان الفشل، في بيان موجَز نشرته على حسابها الرسمي على تطبيق «وي تشات».

والشركة بين مجموعة صغيرة من شركات تطوير الصواريخ في القطاع الخاص، التي تشهد نمواً سريعاً مدفوعاً بجهود بكين لتحويل الصين إلى قوة فضائية كبرى، فضلاً عن الدعم المتعلق بالسياسات الذي يسهّل على هذه الشركات جمع رأس المال وطرح أسهمها للاكتتاب العام، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتتنافس هذه الشركات، الآن، على مَن يصبح المطوّر الصيني الرائد للصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهي تقنية لم تتقنها، حتى الآن، سوى شركة «سبيس إكس».

والقدرة على إطلاق المرحلة الرئيسية لصاروخ مَداري واستعادتها وإعادة استخدامها هي عامل أساسي لخفض تكاليف الإطلاق وتسهيل وضع الأقمار الصناعية في المدار حول الأرض لأغراض تتراوح من الاتصالات إلى المراقبة العسكرية.


علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
TT

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فيما يعرف بظاهرة المستعر الأعظم أو (السوبرنوفا)، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك عادة بقايا نجمية شديدة الكثافة، مثل الثقب الأسود أو النجم النيتروني.

لكن بعض هذه الانفجارات عندما تحدث لأكبر النجوم في الكون قد تكون قوية للغاية لدرجة أنها لا تترك أي شيء على الإطلاق، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويطرح العلماء منذ ستينات القرن الماضي نظرية حدوث هذه الانفجارات النجمية فائقة القوة، وتوصلوا الآن إلى أدلة على وجودها، وإن كانت غير مباشرة.

ظهرت هذه الأدلة في أبحاث تتعلق بالثقوب السوداء وموجات الجاذبية في نسيج الكون، التي تعرف بتموجات (الزمكان).

وقال هوي تونغ، وهو طالب دكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة موناش في أستراليا والمعد الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الأربعاء، في دورية «نيتشر»، إن التوقعات تشير إلى أن مثل هذه الانفجارات النجمية العظمى تحدث في أضخم النجوم؛ أي تلك التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بما يتراوح بين 140 و260 مرة.

وأضاف تونغ: «على الرغم من كتلتها الهائلة، فإن عمرها قصير نسبياً، نحو بضعة ملايين سنة. وللمقارنة، ستعيش الشمس نحو 10 مليارات سنة، لذا فإن هذه النجوم تحترق أسرع بألف مرة تقريباً، مثل الألعاب النارية الكبيرة التي تشتعل بشدة ولفترة قصيرة قبل أن تنفجر».

«المدى المحظور»

يترك انفجار نجوم كبيرة ذات كتلة معينة وراءه نجماً نيوترونياً، وهو نواة النجم المنهارة والمضغوطة. وعندما تنفجر بعض النجوم الأكبر من ذلك، تترك وراءها ثقباً أسود، وهو جسم شديد الكثافة وله جاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع الهرب منها. ويحتفظ الثقب الأسود بجزء من كتلة النجم الأصلي، بينما يُقذف الباقي في الفضاء.

وفي هذه الدراسة، فحص الباحثون بدقة البيانات المجمعة عن 153 زوجاً من الثقوب السوداء، مع معرفة كتلتها بناء على موجات الجاذبية التي أطلقتها، ثم فصلوا الثقوب السوداء التي تشكلت عبر اندماجات سابقة بين ثقبين أسودين أصغر حجماً.

واكتشف الباحثون حينها غياب الثقوب السوداء التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بواقع 44 إلى 116 مرة، وهو ما أطلقوا عليه وصف «المدى المحظور».

وقالوا إن غيابها يمكن تفسيره على أفضل وجه بأنه اندثار النجوم الأكبر، ولكن بدلاً من أن تترك وراءها ثقوباً سوداء في هذا النطاق من الكتلة كما هو متوقع، فإنها تنفجر دون أن تترك أي أثر في نوع نادر من الانفجارات يطلق عليه «سوبرنوفا عدم الاستقرار الزوجي».

أفضل مؤشر حتى الآن

ووصفت عالمة الفيزياء الفلكية المشاركة في إعداد الدراسة مايا فيشباك من المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بجامعة تورونتو هذه الظاهرة بأنها «من أعنف أنواع انفجارات موت النجوم».

وأضافت: «في الغالب، تشكل النجوم الضخمة ثقوباً سوداء. وكلما زادت كتلة النجم، زاد ثقل الثقب الأسود»، إلى أن تصل النجوم إلى عتبة كتلة معينة، تفرض بعدها القواعد الفيزيائية لانفجارها عدم تركها أي بقايا نجمية.

وقال تونغ: «تصبح النواة غير مستقرة، مما يؤدي إلى انهيار جامح ثم انفجار حراري نووي عنيف ينسف النجم».

وفي الوقت الحالي، قد تكون الأدلة المقدمة في هذه الدراسة أفضل مؤشر حتى الآن على حدوث انفجارات عدم الاستقرار الزوجي.

وقال تونغ: «إننا نستخدم في الأساس شيئاً غير مرئي، وهو الثقوب السوداء، باعتباره سجلاً لبعض من أكثر الانفجارات سطوعاً في الكون».


حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟