مذكرات شريف بسيوني الحلقة (3) : كامب ديفيد كانت بناء على فكرة مبادئ أنا وضعتها

السادات أمر بحرق ملفي الأمني وسمح لي بالعودة إلى مصر عام 1974 بدعوة شخصية منه

بسيوني مع أنور السادات في ميت أبو الكوم حين استضافه وأهداه  أحد كتبه
بسيوني مع أنور السادات في ميت أبو الكوم حين استضافه وأهداه أحد كتبه
TT

مذكرات شريف بسيوني الحلقة (3) : كامب ديفيد كانت بناء على فكرة مبادئ أنا وضعتها

بسيوني مع أنور السادات في ميت أبو الكوم حين استضافه وأهداه  أحد كتبه
بسيوني مع أنور السادات في ميت أبو الكوم حين استضافه وأهداه أحد كتبه

غادر البروفسور محمود شريف بسيوني مصر يوم 9/ 12/ 1962، وهو اليوم الذي يوافق تاريخ ميلاده، معتقدا أنه لن يعود إليها ثانية. لكن صداقات والده، وتدخّل جيهان السادات، دفعت بالرئيس الراحل أنور السادات وقتها، إلى إصدار أمر بحرق ملفه من أرشيف الاستخبارات، ودعاه شخصيا إلى مصر سنة 1974، وبعد عودته عُرض عليه منصبان وزاريان من الرئيسين الأسبقين السادات ثم حسني مبارك، لكنه رفض، لأنه، وحسب ما فُسّر، لم يكن بإمكانه العمل وسط ما سماه «أجواء الفساد». بعد عودته إلى أميركا، دارت بينه وبين سياسيين من إسرائيل وأميركا حوارات مهّدت الطريق أمام طرح فكرة المبادئ الأولية لاتفاقية «كامب ديفيد»، وصياغتها بشكل قانوني.
ويذكر شريف بسيوني قصة طريفة، إذ وقعت نسخة من اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، بين أوراقه بطريق الخطأ. ولاحظ البيت الأبيض حينها أن النسخ ناقصة، ولم يعثر علها حتى العام 2008، حين تقاعد بسيوني رسميا، ومنح أوراقا ووثائق خاصة للأرشيف في جامعة دي بول بشيكاغو. وقد خصصت الجامعة شخصا لتصنيفها، وبينها خطاب السادات، وخطابات من كارتر، ومن رؤساء دول. وجاءه الملكف بالتصنيف، يسأله عن وثيقة لا يعرف تحت أي خانة يمكن وضعها. ووقال له، إنها «اتفاقية سلام» مكتوبة على ورق كربون تعود لعام 1979.
هنا الحلقة الثالثة من مذكراته.
بدأت في الولايات المتحدة في شهر ديسمبر (كانون الأول) 1962 تحديدا، حياة جديدة. كنت قد خرجت من مصر بتاريخ 9/ 12/ 1962، الذي يوافق تاريخ ميلادي.
دخلت أميركا بفكرة أنني لن أعود إلى مصر، إلا أن الظروف شاءت أن يكون أحد أصدقاء والدي، المتحدث الرسمي لحكومة السادات، وكان اسمه أشرف غربال، وأصبح بعد ذلك سفيرا لمصر لدى أميركا، اتصل به والدي، الذي كان دربه في الماضي، للتوسط من أجل عودتي. تحدث أشرف غربال مع السادات، بعد حرب 1973، وتحديدا سنة 1974، وقال له هناك ابن دبلوماسي يهمنا. وعلمت بعد ذلك، أن السيدة جيهان السادات أيدت موقفي مع الرئيس لسبب آخر، وهو أنها كانت على صلة بوالدتي، عندما كانت عضوا في إدارة الهلال الأحمر، وكانت والدتي عضوا فيه أيضا. وكانت الملكة فريدة رئيسة المجلس، إلى أن طلقها فاروق. بعدها تنحّت. لكن عندما أصبحت السيدة جيهان عضوا في المجلس في 1954 و1955، كانت والدتي تؤنب بقية الأعضاء ممن لم يتقبلنها وقتها، ووقفت إلى جانبها، وتلقتها بحفاوة. وحفظت السيدة جيهان الجميل وكرمتني في أشياء.
المهم أن أنور السادات أمر شخصيا، بحرق ملفي، والسماح لي بالرجوع إلى مصر سنة 1974، بدعوة شخصية منه. ثم شغلت بعدها نائب رئيس ثم رئيس جمعية المصريين في أميركا، ونظمت أول مؤتمر لعودة المصريين المغتربين إلى مصر، وكان بداية ما يسمى «مصر في عام 2000»، أي فكرة النهضة المصرية التي تأتي بالتعاون بين المصريين المغتربين والمصريين في الداخل، لكي يرجع المصريون المغتربون أصحاب الخبرة والاتصالات العالمية إلى وطنهم، ويسهمون في تنميته. وكان هذا هدفنا، والرئيس السادات غالبا ما كان يضع مؤتمراتنا السنوية تحت إشرافه، وكانت تحضر السيدة جيهان السادات لتترأس معي هذه الندوات، لكن للأسف فشلنا، لأن المجتمع المصري لم يكن قادرا على قبول فكرة عودة المصريين من الخارج بسبب الغيرة والحقد والحسد، وهي الأمراض الاجتماعية السائدة في المجتمعات العربية.
لكنني الوحيد الذي جرى تعيينه أستاذا في كلية الحقوق جامعة القاهرة، حيث بقيت لسنوات طويلة أحاضر في كل مرة أعود فيها إلى مصر، ووجدت عددا من زملائي يتمتعون بخبرة علمية وطبية كبيرة جدا، ومن الممكن أن يخدموا البلد، ولكن لم يستطيعوا ذلك نظرا للغيرة والأحقاد الشخصية، ومع ذلك فإن كثيرين عادوا إلى مصر وفتحوا مستشفيات خاصة، ولكن على مستوى القطاع الخاص وليس الحكومي، كما كنا نرى.
بعد ذلك، عملت مستشارا قانونيا للرئيس السادات، خاصة في اتفاقية كامب ديفيد 1978، واتفاقية السلام 1979، ثم عرض علي الرجوع لمصر في إحدى الدرجات الوزارية، لكني رفضت، لأنني وجدت أن بعدي عن مصر سنوات طويلة سيجعل من الصعب علي العمل في المناخ والبيئة السياسيين اللذين كانا سائدين أيام السادات، وفي أيام حسني مبارك بعده.
كذلك عرض عليّ حسني مبارك العودة إلى مصر وزيرا، لكني أيضا لأنني لا أستطيع العمل في مجال يسود فيه الفساد وإساءة استخدام السلطة من قبل من يعملون في تلك المجالات؛ فقلت لحسني مبارك كما سبق أن قلت للسادات، وبمنتهى الصراحة: «أنا إذا أتيت إلى هنا، الحيتان ممن هم في السلطة والوزراء سيفطرون ويتغدون ويتعشون بي، ولن أفهم ما يدور حولي»، فضحك كلاهما من موقفي.
كنت أعلم أنه، على الرغم من وجود أناس جيدين، فإن الأغلبية تمشي في اتجاه الفساد واستغلال السلطة، وأنني سأكون ضد التيار، إذا عُرض عليّ شراء أرض كما يجري مع كل الوزراء، إذ لا يوجد وزير لم يشترِ أرضا حكومية بثمن بخس، بني عليها فيللات بثمن بخس. أنا لا أملك شيئا؛ فعندي شقة بالإيجار في جاردن سيتي، التي أجرها والدي منذ عودته من البرازيل سنة 1947. وبصراحة، لم يتحدث حسني مبارك معي بعدها، لمدة أربع سنوات. لكنه عاد للحديث معي، عندما جاء في زيارة إلى شيكاغو، وطلب مني تنظيمها. عادت بعدها العلاقة بيننا، لكن هذا الحاجز ظل قائما، وإن لم يمنع أن تكون علاقتي به محترمة جدا. وقد منحني مبارك وساما سنة 1984، وكانت علاقتنا مفتوحة، ويمكنني التحدث إليه بمنتهى الصراحة، وكذلك مع كبار رجال الدولة. كان من المعروف أنني رجل مخلص لوطني، لكن لا يمكنني المشاركة في نظام أراه مبنيا أساسا على الفساد واستغلال النفوذ.
كان لي دور في «كامب ديفيد»، وفي اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل. وفي الواقع، كان هناك لقاء في شيكاغو مع مستشار العلاقات الخارجية، وحضر فيه أبا إيبان الذي كان وزير خارجية إسرائيل آنذاك، وألقى خطبته، وبعدها كان هناك غداء لبعض الأفراد، وكنت العربي الوحيد المدعو لهذا اللقاء، وعادة ما تكون الأغلبية في مثل هذه اللقاءات من اليهود، ونادرا ما نجد عربيا، على الرغم من أن الوجود العربي زاد قليلا في السنوات التي تلت ذلك. وطبعا المنظمات اليهودية مجتهدة، وتعمل على الحد من أي نفوذ آخر. حتى أنا تأثرت في حياتي العامة كثيرا من تدخل النفوذ اليهودي في أميركا، في تعطيل تقدمي في مجالي. حتى عندما أصبح ريغان رئيسا للجمهورية، سنة 1982 كنت مرشحا لأن أكون مستشارا قانونيا في مكتب وزير الخارجية، لكن اللوبي اليهودي وقف في وجهي، ووجدت هذه الصعوبات في مجالات أخرى. في بعض الأحيان مثلا كنت مرشحا لأكون رئيس جامعة في نيويورك، لكن الأساتذة اليهود هناك تعصبوا وقاموا بمظاهرة ضدي، وفي جامعة إلينوي في شيكاغو كنت مرشحا كنائب رئيس جامعة للشؤون العلمية، وكذلك قاموا بمظاهرات ضدي، على أساس أنني كنت أدافع عن القضية الفلسطينية.
ولا بد أن يعلم القارئ العربي أن اللوبي اليهودي - الأميركي لا يسمح للعربي أو المسلم أن يرقى لمناصب عليا، لذلك لا يوجد في أميركا وزير أو وكيل وزارة أو سفير من أصل عربي أو مسلم.
في المجالات العلمية مثلا البعيدة عن السياسة، نعم، يمكنه أن يتعايش، لكن إذا كان له تدخل في السياسة أو الإعلام يُهاجم مباشرة مهاجمة شديدة وغير مفهومة، ولا يسمح له بأن تكون له «سمعة»، لذلك طوال حياتي كافحت ضد هذا، وشعرت بهذا التدخل واستطعت التغلب عليه، ومجالي في حقوق الإنسان والقانون الدولي، ربما لم يسمح لهم كثيرا بذلك، حيث كنت مديرا لكثير من المنظمات العربية في أميركا، سواء كانت منظمة العلماء العرب، التي أُسست بعد 1967، وكنت رئيسا لها، أو رئيس المؤسسة المصرية للمغتربين، أو حين كنت في شيكاغو رئيسا للمركز الإسلامي؛ فنتيجة كل هذا كان دوري معروفا.
وما بين نكسة 1967 ونهاية 1969، كنت الوحيد المتحدث عن الجانب العربي، ولم يجرؤ أحد أن يتحدث، ويمكنني إثبات ذلك عبر الندوات الصحافية التي شاركت فيها، وتحدثت على موجات الإذاعة والتلفزيون خلال سنتين أكثر من 200 مرة.
وعلى امتداد 24 شهرا، كنت حاضرا في كل البرامج الوطنية الكبرى، والأخبار، والمناظرات مع أبا إيبان، ومع رابين. وكانت فترة لم يجرؤ عربي فيها على الكلام، لأن الجميع كانوا متأثرين، نتيجة النكسة.
لهذا أصبح لي دور معروف، وسنة 1973، عندما أصدرت كتابي الذي يحمل اسم «ستورم أوف ذي أراب وورلد»، ذهبت جماعة من تنظيم يهودي إلى الناشر بعد نشر الكتاب، واشترت كل النسخ، لكي لا يُوزّع، لأن الكتاب لقي صدى إعلاميا كبيرا، وجرت له قراءات في مجلات كبرى، مثل «دالاس نيوز»، و«سان فرانسيسكو»، و«شيكاغو دايلي نيوز»، وفي كل أنحاء أميركا كتبت عنه قراءات ممتازة. لكن بقيت نحو 200 نسخة فقط في السوق، ويمكن تحصيلها.
ما يقع في أميركا منذ سنوات طويلة يشكل فشلا ذريعا للإعلام العربي؛ فشل لتدخل الفكر العربي هنا، وفشل لدعم المجتمع العربي الإسلامي في أميركا. وبالطبع، هناك مشكلات في هذا المجتمع العربي، سواء في العالم العربي أو الخارج، فهو دائما منقسم على نفسه، ودائما منفصل، ولذلك المنظمات كلها تتنازع على الرئاسة، وتتنازع على الكرسي، ولا تولّد عملا جديا، فإذن هنالك صعوبة، ولا يوجد صوت عربي أو إسلامي أو عمل حقيقي، سواء في العمل العلمي، أو الفني، أو الثقافي، ولا سيما في المجال السياسي، في حين أن المنظمات اليهودية منظمة تماما وتقوم بكل هذا العمل في هذه المجالات وتنجح، فنحن لا نستطيع أن نقول إن العيب عليهم هم لنجاحهم، لكن العيب علينا نحن لفشلنا.
في سنة 1975، كنت في هذا اللقاء مع أبا إيبان، وخلال العشاء الذي أقيم بعد الخطبة التي ألقاها، توجه إلي، وطلب رأيي في الظروف. قلت له: بالنسبة لي هناك نوع من التعجب؛ فأنا لا أرى أن هناك اختلافات جوهرية لا يمكن التغلب عليها.. ونحن نتحدث عن سنة 1975، وحتى الآن، المعطيات نفسها موجودة؛ أقصد فكرة وجود دولتين على أساس حدود سنة 1967.. ما الصعوبة في تحقيق ذلك؟! إذا كنا متفقين عليه وإذا كان كل العالم متفقا عليه، فما الصعوبة في تحقيقه؟! لا توجد صعوبة في تحقيق وسائل أمنية مثلا. وهنا التساؤل: هل إسرائيل في نيتها حقا إنشاء دولتين بناء على حدود 1967؟! أم أنها تتظاهر بذلك أمام العالم؟ بينما هي وهي لا غير راغبة في القيام بذلك لسبب بسيط، وهو أنه في عقيدة اليهودي أن هذه الأرض هي أرض معطاة إليه؛ فهو الشعب المختار، والشعب المختار هو الذي أراد الله أن تكون هذه الأرض أرضه، فبالتالي لا يمكن أن يتخلى عنها، فعقيدته مثل عقيدة المسلم مثلا، في أن دين الإسلام هو خاتم الأديان، وذلك معناه أن المسلم الذي يعتنق عقيدة أصولية لا يعترف بوجود الديانة المسيحية، أو اليهودية، إلا إذا كانت جزءا من التاريخ المتطور الذي أدى إلى الإسلام. ويبقى الدين الإسلامي هو الوحيد بالنسبة له، ولا يعترف بغيره، ومن يعتنق غيره يبدو كأنه كافرا، فإذا كان المسلم يتعصب لفكرته، وهو يعتقد أنه غير متعصب، لأنه مقتنع بأنها حقيقة، فاليهودي يؤمن بعقيدته، وهو لا يمكن أن يضحي بالضفة الغربية، هو يمكن تكتيكيا أن يعطي حكومة مؤقتة، لكن لبعض الوقت، طبعا اليهود غير الأرثوذكس القائلين بهذا الحل، وبالتعايش مع فلسطين، لكنهم أقلية في إسرائيل وأقلية في هذا العالم.
نحن، كعرب، نعيش حياة مزدوجة؛ أولا أملنا في أن يكون تعايشا سلميا مع إسرائيل، وأن تكون هناك دولتان، وإسرائيل تتعاون.. هذا تصور. لكن في الواقع نرى إسرائيل المسيرة من التيار الأرثوذكسي والتيار اليميني المتطرف لا ترغب بهذا.
نحن نسمع من الحزب اليميني المتطرف أنهم يريدون ترحيل الفلسطينيين غير اليهود «إسرائيل بيتنا»، مع أن لهم جنسية من أكثر من 60 سنة، فيها أجيال وُلِدت.
أثناء الحديث، قلت له: لو جلست معك بحسن نية وتفاوضنا على بعض المبادئ، فأنني على قناعة بأننا سنتوصل في نهاية جلستنا، إلى قبول هذه المبادئ. فقال: ماذا تقصد؟! قلت: هل تقبل فكرة دولتين؟ أجاب: نعم، أقبل. ثم سألته: هل تقبل أن تكون لكل منهما سيادة؟ قال: نعم. قلت: هل تقبل أن تحترم كل دولة أمن الثانية وسيادتها؟ قال: أقبل. قلت: هل تقبل أن هذه المنطقة؛ إسرائيل وفلسطين ومصر والأردن، من الممكن أن تقوم بتجمع مثل التجمع الأوروبي، وتكون هناك صلات اقتصادية، في اشتراك في موارد المياه وغيرها؟! قال: ممكن. قلت: إذن من الناحية الموضوعية يمكن الحصول على الاتفاق. قال: ممكن. قلت: إذن لماذا لم يحصل؟! أنت ستقول إن الفلسطينيين يرفضون، أو أن جزءا منهم يرفض، وإذا ذهبت للفلسطينيين فسيقولون الشيء نفسه عنكم؛ فهل هو صحيح رفض؟! هل لا يمكن تكوين كتلة قوية تلتقي في «نص الطريق» كما نقول؟! قال: لا أعرف.
وكان معنا وقتها في الجلسة أستاذ يهودي في جامعة شيكاغو، وكان وقتها رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة، فقال لي إننا يجب أن نلتقي ونتحدث عن هذا الموضوع، وكان اسمه مورتن كابلن، فاجتمعنا في جامعة شيكاغو، وقمنا بما قلته من قبل، وجلسنا على الطاولة وتفاوضنا على أساس المبادئ التي يمكن أن نتفق عليها، فجلسنا وقمنا بعمل ما يسمى «بروتوكول أون ذي برانسيبول أوف بيس» يعني بروتوكول مبادئ السلام، وكنت أقوم بدور ممثل الجانب العربي، بينما يمثل هو إسرائيل، وطبعناه في جامعة شيكاغو. بعد ذلك كتب السيناتور تشارلز بيرسي، الذي كان رئيس «كوميتي أوف فورين روليشن فور ذي يو إس سميت»، مقدمة لعملنا، وألقيت هذه المقدمة في الكونغرس ونشرنا الفكرة؛ ولما نشرت سنة 1975، كان من المفترض أن يلتقي السادات جيرالد فورد في سالسبورغ، حيث كان هناك اجتماع قمة بينهما، فعرضت هذا المشروع على فورد، الذي جلست معه 45 دقيقة، وشرحت له الموضوع، وبعثته للسادات وشرحته له، وردّ علي بخطاب موجود عندي إلى الآن، قائلا إن هذا كلام خيالي ولن يتحقق أبدا. وكرر فورد الكلام نفسه، واجتمعا معا في النمسا في سالسبورغ، وكيسنجر كان ضد هذه الفكرة، لأنه دائما يأمل في أن يكون العمل خطوة بخطوة، وليس بروتوكولا شاملا.
عقب انتهاء هذا، أعدت النظر في هذه المبادئ وعدلت فيها قليلا سنة 1977، حيث كانت هناك تحضيرات لانتخابات جديدة في الولايات المتحدة، وكان جيمي كارتر مرشّحا، وجاء إلى شيكاغو، والتقيت به وعرضت عليه فكرتي التي رحب بها، وعقد اجتماعا في المنطقة التي كان يسكن فيها، وكان اسمها (على ما أظن) وايت بلاينز، بجوار أتلانتا، فدعا أناسا للاجتماع، وكنت من بين المدعوين، ولكن للأسف، لم أذهب، لكن معظم من حضروا الاجتماع في النهاية أصبحوا وزراء أو وكلاء وزراء، أو خبراء وسفراء. ولكنه أبلغ فكرتي لوزير خارجيته سايروس فانس، الذي اتصل بي بعد أن أصبح وزيرا للخارجية، وأبلغني أن الرئيس كارتر حدثني عن فكرتك، وأنا ذاهب في زيارة للمنطقة العربية، وأرجو أن تعطيني ملخصا لمشروعك. فقدمت له ما أراد، وذهب للمنطقة، وتقابل مع غولدا مائير، وقالت إنها لم تقبل الفكرة، كما لم يقبلها حافظ الأسد، وتقابل مع أنور السادات، الذي أبدى قبولا مبدئيا، مع أنه رأى أن الأمر غير قابل للتحقيق. كتب السادات لي بما معناه أنت ساذج إذا فكرت أن هذا ممكن.
عاد فانس من السفر وقدم تقريره لكارتر، ولا أدري لماذا بعدها اتصل بسفير اسمه براون، كان سفير أميركا لدى مصر والكثير من الدول العربية وكان رئيس مركز الشرق الأوسط بعدما تقاعد، وطلب من براون أن يجمع بعض الأشخاص ليرسموا خطة جديدة للحكومة الجديدة؛ فدعاني براون، ودعا سفيرا أميركيا اسمه ويليام كونس، وكان مسؤولا عن لجنة «ميشن» التي ذهبت إلى مصر بعد 1967، وكانت حاجزا بين مصر وإسرائيل، وسفيرا آخر كان يهوديا وكان سفيرا لدى بيرو، في أميركا اللاتينية، وجمعونا وبدأوا الاستماع لنا؛ فقلت إنني أقترح أن يدعو الرئيس كارتر رؤساء دول المنطقة ويعقد اجتماعا معهم، قال: «لا، هذا غير ممكن التحقيق؛ فأنا عدت حديثا من المنطقة ولمست ذلك. ما نريده الآن هو تسخير جهودنا بين مصر وإسرائيل فقط»، فقلت: هذا جيد. وطبعا هذه كانت فكرة كيسنجر من البداية، حيث كان يتفق مع ما أقول من ناحية الموضوع؛ بأنه لا بد أن تكون هناك اتفاقية على المبادئ أولا، ثم اتفاقية أخرى على تطبيق المبادئ، الفرق بيننا كان أني كنت أحبذ لقاء بين الدول الأطراف المعنية، أي مصر وفلسطين والأردن وسوريا ولبنان كأطراف مباشرة، لكنهم ارتأوا أن هذا سيفشل، وأنه من الأحسن البداية خطوة بخطوة، والأولى بين مصر وإسرائيل، ثم بعد ذلك، مصر وفلسطين وإسرائيل، ثم مستقبلا الأردن وإسرائيل، ثم بعد ذلك مستقبلا، سوريا وإسرائيل. وفعلا هذا ما ساروا عليه، وبدأنا الموضوع إلى أن انتهينا إلى الحديث عن المبادئ، وهي التي كانت موجودة في البروتوكول الأول.
هذا البروتوكول كان ضمن أوراق العمل في كامب ديفيد، لأن البيت الأبيض جهز ملفات لم تكن تحمل أسماء، لتجنب المواقف والتشكيك. السادات كان على علم بفكرتي، وبدأ الجانب المصري بدراسة هذه الفكرة، وأهم شخص ممن كانوا يعملون في هذا المجال كان أسامة الباز؛ المفكر والمحرك لهذا العمل، إلى جانب مجموعة أخرى تعمل معه، مثل نبيل العربي، الذي كان المستشار القانوني، لكنه اختلف مع أنور السادات، الذي طلب منه مغادرة كامب ديفيد، لذلك غادر أثناء المؤتمر. ومثل أشرف غربال الذي كان سفير مصر لدى أميركا، وبطرس بطرس غالي، الذي كان له أيضا دور، لكن المحرك الحقيقي كان أسامة الباز.
ساروا على خطى هذا المشروع، وفي النهاية لما توصلوا لاتفاقية كامب ديفيد، كانت بناء على فكرة المبادئ التي وضعتُها. وهنا أريد أن أقول إنني أتبنى هذه الأفكار، أو أقول إن الفضل فيها يعود لي، إنما هي أفكار بديهية وطبيعية، فأي شخص سيفكر وقتها في الخطوة المقبلة، عام 1978، لا بد أن يجد أنها اتفاق بين الأطراف المعنية على المبادئ التي سنطبق عليها سلاما. صحيح أنني كنت أول من قدم المبادرة وحررتها بطريقة قانونية، ولكنها في الوقت نفسه لم تكن اختراعا.
وأريد أن أضيف أنني كنت صاحب بلورتها ووضعها بالصيغة القانونية، لذلك إذا نظرت إلى اتفاقية كامب ديفيد وقارنتها بما كتبت، فستجد معظم ما في الاتفاقية هو ما سبق أن كتبته في البروتوكولات. أنا لم أكن حاضرا في كامب ديفيد، على الرغم من أنه كان هناك طلب بأن أكون حاضرا في الوفد المصري، فصراحة طلبت إعفائي، لأنني كنت أحمل الجنسية الأميركية، ولم أرد أن يكون هناك أي نوع من الشك، فأبديت للرئيس استعدادي للتعاون، ولكن بصفتي أستاذا قانونيا ومحاميا أميركيا. وبعد كامب ديفيد، شاركت في محاورات كثيرة مع الوفد المصري، ومع أنور السادات.
الجانب الأميركي كان على علم بذلك، وكان كارتر وكبار السياسيين يعلمون أن لي دورا ووجودا. وكلما كان البيت الأبيض يدعو الجانب المصري، أكون أنا كذلك مدعوّا.
كذلك في اتفاقية السلام عام 1979 كان لي هذا الدور نفسه، لم أشارك في تحريرها لكن كنت مستشارا أتحدث مع أعضاء الوفد المصري حول ما يدور.
وفي هذا الإطار تحضرني قصة غريبة؛ كانت الاتفاقيات ما زالت تُكتب على الآلة الكاتبة بورق الكربون عليها، فكان أقصى ما يمكن الكتابة عليه خمس صفحات، أي خمس نسخ للكتابة الواحدة، فالاتفاقية الأولى طُبعت، وأربع نسخ بالكربون، وطلب مني أن أكون أحد المراجعين للاتفاقية لغويا قبل التوقيع عليها، وكنت من الوفد المصري، وأنا أقول هذا بمنتهى الأمانة والصراحة. وفي هذه القراءة، كان معي السفير حسين حسونة، وكنا اثنين، وكان الأصل موجودا، وشخص ثالث يقرأه، ولكل منا نسختان من ورق الكربون نراجعهما. وربما كان محمد شاكر هو من يقرأ النسخة الأصلية، حسبما أتذكر، وبعد أن أنهينا القراءة، وضعت في مظروف (المفترض النسخ الخمس) والسفير محمد شاكر الذي كان السفير الثاني وقتها بعد أشرف غربال وقّع عليها، وأُرسلت للبيت الأبيض.
لا أدري لماذا فيما بعد جاءت رسالة تقول إن البيت الأبيض وجد الأصل للاتفاقية مع ثلاث صور بورق الكربون، يعني نسخة غير موقعة كانت مفقودة. وسمعت بالأمر، ولم يعنِ بالنسبة لي شيئا وقتها.
في عام 2008، حين تقاعدت رسميا ومنحت أوراقي للأرشيف في الجامعة، الجامعة خصصت شخصا لتصنيف وثائقي، بما في ذلك خطاب السادات، وخطابات من كارتر، ومن رؤساء الدول، وبعد منحي القائمة التي تنوعت تصنيفاتها، جاء يسألني عن وثيقة لم يعلم إلى أي تصنيف تنتمي، وقال إنها «اتفاقية سلام» على ورق كربون، غالبا كانت ضمن أوراقي، ووضعتها في حقيبتي، وقد اكتشفت ذلك سنة 2008 فقط، وأصبحت الآن لدينا هذه الصورة الحقيقية لاتفاقية السلام 1979 في الجامعة.
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (2)



رسائل حب ومساندة مصرية للسعودية تحظى بتفاعل واسع

العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)
العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)
TT

رسائل حب ومساندة مصرية للسعودية تحظى بتفاعل واسع

العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)
العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)

في مشهد يعكس عمق العلاقات الشعبية بين مصر والمملكة العربية السعودية، شهدت منصات التواصل الاجتماعي في مصر خلال الأيام الماضية موجة من الرسائل والتعليقات على خلفية الاعتداءات الحوثية الأخيرة على المطارات السعودية، عبّر خلالها مصريون عن تضامنهم الكامل مع المملكة، ودعمهم لها قيادةً وشعباً وجيشاً وحكومة، مؤكدين متانة الروابط التاريخية التي تجمع البلدين.

جاء هذا التفاعل متوافقاً مع الموقف الرسمي المصري المعلَن تجاه المملكة، حيث نشر مستخدمون آلاف التدوينات وصوراً تجمع قادة البلدين، عبر عدة «هاشتاغات» داعمة للمملكة على مختلف المنصات، حظيت بتفاعل واسع، جاء أبرزها: «#كلنا_مع_السعودية»، «#مصر_والسعودية_ايد_واحدة»، #لن_ترونا_إلا_معا»، «#مصر_السعودية_أشقاء».

وتركَّز الجانب الأكبر من التعليقات المصرية على إبداء التأييد والتضامن مع المملكة فيما تواجهه من هجمات استهدفت بنيتها التحتية ومواطنيها، مع إدانة للممارسات الحوثية وتصنيفها أعمالاً إرهابية وجرائم تخالف الأعراف الإنسانية والدينية، مع إعلان الدعم الكامل للمملكة في إجراءاتها للدفاع عن نفسها.

كما أبرزت تعليقات أخرى المكانة الوجدانية للمملكة لدى الشعب المصري، مستخدمين لغة صادقة تعكس الشعور بالألم المشترك والمساندة النفسية في أوقات الأزمات، مؤكدين أن ما يجمع البلدين «علاقة دم ومصير واحد وليس تحالفاً مؤقتاً».

وأكد قطاع واسع من رواد المنصات أن العلاقات الثنائية تستند إلى عمق تاريخي وجغرافي لا يتأثر بمحاولات الوقيعة الرقمية بين البلدين، مشددين على أنها «علاقة أقوى من تأثير الذباب الإلكتروني».

كما استعاد مغردون مواقف تاريخية متبادلة بين البلدين في أوقات الأزمات والتحديات، مؤكدين أن التضامن المتبادل يظل إحدى أبرز سمات هذه العلاقة، مستحضرين محطات طويلة من التعاون والتنسيق بين القاهرة والرياض.

وركز آخرون على أن استقرار المملكة مسؤولية تهم كل عربي ومسلم، كونها أرض الحرمين الشريفين، لافتين إلى أن السعودية وطن ثانٍ للمصريين، وتجمع الشعبين روابط اجتماعية وإنسانية وثقافية متجذرة عبر عقود.

الرئيس عبد الفتاح السيسي يستقبل الأمير محمد بن سلمان في القاهرة الشهر الماضي (الرئاسة المصرية)

بينما جاءت أبرز رسائل المحبة والمساندة المصرية للسعودية مع نشر السفارة السعودية بالقاهرة بياناً لمواطنيها بشأن مساعدة المتضررين منهم من إلغاء الرحلات الجوية مع اضطراب حركة الطيران في السعودية، حيث دعت السفارة المواطنين السعوديين الذين تأثرت رحلاتهم الجوية أو تعذر وصولهم إلى وجهاتهم بسبب الإلغاء أو التأخير، إلى التواصل معها لطلب المساعدة، وهو ما أثار ردود فعل واسعة من المصريين.

وأظهرت التفاعلات رفض الشارع المصري التعامل مع المواطن السعودي على أنه «غريب»، مع إطلاق دعوات ترحيب بمن يوجدون على الأراضي المصرية، لافتين إلى أن «بيوتنا مفتوحة... والدار داركم».

وأشار مغردون على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن للمملكة محبّة راسخة في قلوب المصريين، مؤكدين أن «السعودي في مصر بين أهله».

وأشار الإعلامي والبرلماني مصطفى بكري، في تغريدة على «إكس»، إلى تلقيّ سفير خادم الحرمين الشريفين بالقاهرة، صالح بن عيد الحصيني، عقب نشر بيان السفارة، اتصالات وبرقيات عديدة من المصريين يعلنون فيها التضامن مع أشقائهم في المملكة في مواجهة العدوان الحوثي ضد المدنيين.

في المقابل، تفاعل مدونون سعوديون مع تلك الدعوات والتعليقات المصرية، لافتين إلى عدم شكهم في حب المصريين للسعودية وأهلها، بينما أكد آخرون المحبة والأخوّة بين الشعبين.

كما تفاعل الأمير عبد الرحمن بن مساعد، على تعليقات المصريين على بيان السفارة، معلقاً عبر حسابه الرسمي في منصة «إكس»: «ردود المصريين على ما نشرته السفارة السعودية في القاهرة تثلج الصدر، أُشهد الله على حبك يا مصر وحب أهلك».


ضربات جوية وكمائن دامية تنهك حشود الحوثيين في تعز

ضربات الطيران الحربي تتصدى للزحف الحوثي نحو مدينة تعز (إعلام عسكري)
ضربات الطيران الحربي تتصدى للزحف الحوثي نحو مدينة تعز (إعلام عسكري)
TT

ضربات جوية وكمائن دامية تنهك حشود الحوثيين في تعز

ضربات الطيران الحربي تتصدى للزحف الحوثي نحو مدينة تعز (إعلام عسكري)
ضربات الطيران الحربي تتصدى للزحف الحوثي نحو مدينة تعز (إعلام عسكري)

دخلت العملية العسكرية اليمنية «فجر اليمن» يومها الثامن، الاثنين، مع اتساع المواجهات في جبهات محافظة تعز، وتكثيف الضربات الجوية على مواقع الحوثيين وتحركاتهم العسكرية، بالتزامن مع معارك كرّ وفرّ في الريف الجنوبي والغربي للمدينة، حيث تسعى القوات الحكومية إلى استعادة مواقع فقدتها خلال الساعات الماضية، ومنع الجماعة المدعومة من إيران من توسيع اختراقاتها.

وفي موازاة القتال في تعز (جنوب غرب) تواصل القوات الحكومية عملياتها النوعية في جبهات مأرب والجوف، وسط إعلان الجيش تنفيذ آلاف الاستهدافات الجوية والمدفعية والمسيّرة منذ بدء التحركات الهجومية، ومقتل وإصابة أعداد كبيرة من الحوثيين، وفق بيانات عسكرية يمنية.

وعلى الساحل الغربي، تسعى القوات الحكومية إلى تثبيت مكاسبها في ذوباب ومحيط باب المندب، مع استمرار المواجهات حول مواقع وتحصينات لا تزال الجماعة تتحصن فيها، مستفيدةً من الألغام والتضاريس.

وأعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 1732 عملية استهداف دقيقة ومباشرة ضد مواقع عسكرية حوثية، باستخدام الطيران الحربي والمسيّر والمدفعية والراجمات، بالتزامن مع تقدم الوحدات المقاتلة على محاور العملية، خلال 24 ساعة.

القوات الحكومية اليمنية تثبت مكاسب الساحل في ثامن أيام بدء عملية «فجر اليمن» (أ.ب)

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن العمليات شملت تحصينات ومراكز قيادة وسيطرة ونقاط مراقبة واستطلاع ومرابض مدفعية ومناطق حشد وتعزيز، إضافة إلى مخازن أسلحة وذخائر وآليات ووسائط إمداد وأهداف عسكرية في العمق.

وأضاف النزيلي أن الاستهدافات أسفرت عن تحييد أكثر من 900 عنصر من الحوثيين، وتدمير أو إعطاب أكثر من 287 آلية ومعدة ووسيلة عسكرية، فضلاً عن إسكات مصادر نيران وإرباك منظومة القيادة والسيطرة وتعطيل حركة التعزيزات والإمداد. وأكد استمرار اختراق المواقع الدفاعية للجماعة وتوسيع نطاق التقدم وفق الخطة العملياتية.

تأتي هذه الحصيلة المعلنة في وقت تتوزع فيه المواجهات على جبهات متعددة، من أرياف تعز إلى جنوب مأرب وغربها، بينما تتركز المعارك الأكثر حساسية على خطوط الاقتراب من المدينة والطرق التي تربط مركز المحافظة بمديرياتها الريفية.

معارك استنزاف في تعز

شهدت تعز، خلال الساعات الماضية، ضربات جوية ومواجهات عنيفة على امتداد محاور القتال، شملت غرب المدينة وشمالها وشرقها، إلى جانب المسراخ والأقروض والضباب. وأعلن محور تعز تنفيذ غارات جوية استهدفت مواقع وآليات وتعزيزات حوثية في مناطق ميلات والمزارع وأطراف الصياحي غرباً، وشارع الستين شمالاً، وتلال سوفتيل والسلال شرقاً.

ضربات جوية مكثفة تستهدف زحف الحوثيين حول مدينة تعز (إعلام محلي)

كما أفادت تقارير عسكرية بأن الطيران الحربي استهدف تجمعات ومواقع للجماعة في الحوبان وتبة سوفتيل والمقرمي والجعشة، فضلاً عن مواقع أخرى شمال المدينة وغربها. وقالت مصادر عسكرية إن الضربات أوقعت خسائر بشرية ودمرت عدداً من الآليات.

وفي ريف تعز الجنوبي، احتدمت المواجهات في مديرية المسراخ، خصوصاً في منطقتي طالوق وسائلة طالوق، عقب محاولات تسلل حوثية من اتجاه نجد قسيم. وأفادت مصادر ميدانية بأن القوات الحكومية والمقاومة نفذت كمائن ضد المهاجمين، أوقعت قتلى وجرحى في صفوفهم وأجبرت بعضهم على الانسحاب.

وتزامنت هذه الاشتباكات مع معارك في منطقة الأقروض، حيث أعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع كانت الجماعة قد سيطرت عليها خلال الساعات السابقة، إلى جانب استعادة تلَّتَي مهيوب ثابت ووثيب، ومدرسة الفرقان في قرية الذنيب، وفق المعلومات العسكرية الواردة من الجبهة.

الحكومة اليمنية تعهدت باستمرار العمليات العسكرية حتى إنهاء التهديد الحوثي (إعلام محلي)

وتكتسب هذه المناطق أهمية ميدانية بسبب اتصالها بشبكة الطرق التي تربط مدينة تعز بريفها الجنوبي، فيما يزيد تقدم الحوثيين في منطقة نجد قسيم من حساسية المعركة، نظراً إلى موقعها على طريق رئيسي يخدم عدداً من مديريات المحافظة.

وفي جبهة الضباب، أفادت المعلومات الميدانية بأن القوات الحكومية ثبّتت مواقعها في جبل هان، مع استمرار الاشتباكات في أطراف المنطقة وتنفيذ كمائن ضد مجموعات حوثية.

وتكشف هذه التطورات عن اتساع رقعة المواجهات في محيط تعز، حيث تتداخل الضربات الجوية مع الاشتباكات المباشرة والكمائن، في وقت تحاول فيه القوات الحكومية احتواء الاختراقات واستعادة المواقع التي شهدت تغيراً في خطوط التماس.

الساحل ومأرب والجوف

على امتداد الساحل الغربي، تواصل قوات ألوية العمالقة و«درع الوطن» تثبيت مواقعها في ذوباب ومحيط باب المندب، وسط مواجهات مع مجموعات حوثية لا تزال تتحصن في جيوب ومواقع صغيرة خلف الألغام والتلال المطلة على المضيق، وفق المعلومات الميدانية الواردة من المنطقة.

كانت القوات الحكومية قد أعلنت في الأيام الماضية تحقيق مكاسب في محاور الساحل، بالتوازي مع تأمين مواقع مرتفعة في كهبوب وتوسيع الضغط على تجمعات الحوثيين. غير أن استمرار الاشتباكات في بعض الجيوب يفرض على القوات مواصلة عمليات التمشيط وتثبيت المواقع، في ظل مخاطر الألغام والتحصينات التي تعوق الحركة.

الحوثيون يتكبدون خسائر بشرية كبيرة جراء الضربات البرية والجوية في تعز (إعلام عسكري)

وفي محافظة مأرب، استهدفت القوات الحكومية مواقع وآليات حوثية في الجبهتين الجنوبية والجنوبية الغربية، باستخدام المدفعية والطيران المسيّر، فيما شن الطيران الحربي غارات على ثكنات ومخازن تابعة للجماعة.

ونقلت وسائل إعلام عسكرية يمنية عن مصادر في عمليات المنطقة العسكرية الثالثة أن الضربات أدت إلى تدمير وإعطاب آليات قتالية، واستهداف مربض مدفعية حوثي، مما أسفر عن تدمير المدفع ومقتل طاقمه. كما تحدثت المصادر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجماعة، في حين أعلنت القوات الحكومية مقتل ثلاثة من أفرادها وإصابة آخرين خلال المواجهات.

وفي الجوف، تواصلت العمليات الجوية والمدفعية وهجمات الطائرات المسيّرة على مواقع وتحصينات ومراكز قيادة ومخازن أسلحة حوثية، وفق البيانات العسكرية الحكومية.


الحكومة اليمنية تحشد دعماً دولياً وإقليمياً لإنهاء التهديد الحوثي

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تحشد دعماً دولياً وإقليمياً لإنهاء التهديد الحوثي

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)

وسَّعت الحكومة اليمنية تحركها السياسي والدبلوماسي بالتوازي مع العمليات العسكرية التي تخوضها القوات الحكومية ضمن عملية «فجر اليمن»، مستهدفة حشد مواقف عربية وإسلامية ودولية لمواجهة الحوثيين، بالتزامن مع إقرار مشروع قانون لتصنيف الجماعة «منظمة إرهابية» وتجريم أنشطتها وتمويلها، في خطوة تعكس انتقال المواجهة من جبهات القتال إلى مسارات سياسية وقانونية أوسع.

وجاءت هذه التحركات مع تأكيد الحكومة أن استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي المدعوم من إيران، يمثلان هدفاً مركزياً للمرحلة الحالية، وسط تصاعد المخاوف من تداعيات الهجمات التي تستهدف المنشآت المدنية والمطارات، وتهدد أمن الملاحة الجوية والبحرية في المنطقة.

وفي تحرك دبلوماسي متزامن، أجرت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين اليمنية، أفراح الزوبة، اتصالات مع القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى اليمن نيل هوب، والأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي إسماعيل ولد الشيخ أحمد، لبحث التطورات العسكرية والإنسانية، وتداعياتها على الأمن الإقليمي والممرات البحرية الدولية.

وجاءت الاتصالات الثلاثة لتضع أمن اليمن والمنطقة في صدارة المشاورات، مع تركيز الحكومة على ما تصفه بالتهديدات الحوثية المرتبطة بالأجندة الإيرانية، والدعوة إلى تنسيق دولي وعربي وإسلامي يتجاوز الإدانات إلى إجراءات عملية.

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة (سبأ)

وأكدت أفراح الزوبة، خلال اتصالها بالمسؤول الأميركي، أن أي تسوية سياسية مستدامة يجب أن تستند إلى المرجعيات الوطنية والإقليمية والدولية، وأن تضمن حصرية السلاح واحتكار الدولة قرارَي الحرب والسلام، بما يمنع إخضاع مستقبل اليمن لإرادة جماعة مسلحة.

تنفيذ القرارات الدولية

ودعت وزيرة الخارجية اليمنية إلى تنفيذ قرارات مجلس الأمن المتعلقة باليمن، وفي مقدمها القرار 2216، وتعزيز التدابير الرامية إلى وقف تدفق الأسلحة والتمويل والخبرات العسكرية الإيرانية إلى الحوثيين، ومنع استخدام الأراضي اليمنية منطلقاً لتهديد دول المنطقة والممرات البحرية.

كما شددت على ضرورة حماية الملاحة الدولية وتأمين خطوطها الحيوية؛ خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مشيرة إلى ما وصفته بالانتصارات التي حققها الجيش والقوات المساندة له في دحر الحوثيين من المنطقة.

الحوثيون يدفعون بحشودهم المسلحة لتشديد الحصار على مدينة تعز (أ.ف.ب)

من جانبه، جدد القائم بالأعمال الأميركي موقف بلاده الداعم لوحدة اليمن وأمنه واستقراره، ومساندتها الحكومة اليمنية، وأدان الممارسات الحوثية بحق المدنيين، مؤكداً أهمية استمرار التنسيق لحماية الملاحة الدولية وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

وفي اتصالاتها مع جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، دفعت الوزيرة أفراح الزوبة باتجاه توحيد المواقف العربية والإسلامية إزاء الهجمات التي تستهدف اليمن والسعودية والمنشآت الحيوية، معتبرة أن تداعياتها تتجاوز حدود دولة واحدة، وتمس الأمن الإقليمي ومصالح شعوب المنطقة.

ودعت إلى تفعيل آليات العمل العربي المشترك، وتعزيز التواصل مع المؤسسات الدولية، في حين أكد فهمي أن التحديات الراهنة تهدد الأمن القومي العربي، وأبدى استعداده لمواصلة التشاور بشأن التحركات المطلوبة. كما أكد الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي أهمية استمرار التنسيق مع اليمن إزاء التطورات الراهنة.

«حكومة معركة»

على المسار الداخلي، اتخذ مجلس الوزراء اليمني، برئاسة رئيس الحكومة شائع محسن الزنداني، خطوات قال إنها تستهدف رفع جاهزية مؤسسات الدولة، وتوفير متطلبات استمرار العمليات العسكرية وحماية السكان والمنشآت.

وأشاد المجلس بتقدُّم «ألوية العمالقة» الجنوبية وقوات «درع الوطن» والمقاومة الشعبية، بإسناد من «تحالف دعم الشرعية»؛ مشيراً إلى تحرير ذوباب ومواقع استراتيجية في محيط باب المندب، وقطع الطريق بين ذوباب والمخا. واعتبر أن هذه التطورات تمثل تحولاً استراتيجياً في أحد أهم الممرات المائية في العالم، من شأنه تقليص قدرة الحوثيين على استخدام تهديد الملاحة الدولية ورقة ضغط.

وقال الزنداني إن ضربات «فجر اليمن» والخسائر التي تكبدها الحوثيون في باب المندب، دفعت الجماعة إلى نقل المعركة نحو المدنيين والمنشآت المدنية. وشدد على أن الحكومة لا تتعامل مع المرحلة بوصفها حالة دفاعية مؤقتة؛ بل بوصفها معركة لاستعادة سلطة الدولة.

حشد من الحوثيين في صنعاء حيث العاصمة اليمنية المختطفة (أ.ف.ب)

ووجَّه رئيس الوزراء أجهزة السلطة التنفيذية بالخروج من منطق رد الفعل إلى العمل الاستباقي، ورفع الجاهزية، وتوفير احتياجات القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية والأمن والمقاومة الشعبية، إلى جانب ضمان استمرار الخدمات وحماية السكان.

ووافق المجلس على مشروع قانون بشأن تصنيف جماعة الحوثي «منظمة إرهابية» وتجريم أنشطتها وتمويلها، ووجّه باستكمال الإجراءات الدستورية والقانونية اللازمة للمصادقة عليه.

كما استمع المجلس إلى إحاطة من وزير الدفاع بشأن المستجدات الميدانية والاحتياجات اللازمة لمواصلة العمليات، مؤكداً دعمه للعملية وتسخير إمكانات الدولة لإسنادها، ومشدداً على استمرارها حتى استكمال أهدافها وتحرير ما تبقى من الأراضي، وصولاً إلى صنعاء.