غودار وسبايك لي يتعاطفان مع العرب والسود واليهود معاً

غودار وسبايك لي يتعاطفان مع العرب والسود واليهود معاً

الأربعاء - 29 شعبان 1439 هـ - 16 مايو 2018 مـ رقم العدد [ 14414]
كان: محمد رُضا
تاريخ المخرج الفرنسي جان - لوك غودار يستحق الدراسة، وأعمال سبايك لي متعددة بدورها بحيث تستحق المعاملة المتأنية ذاتها.

كلاهما في مسابقة «كان» الذي يدخل هذا الأسبوع نصفه الثاني على أمل أن يكون أفضل من نصفه الأول.

كلاهما يعود إلى المهرجان من جديد لكن من منطلقين مختلفين. الأول زبون استثنائي كونه شارك في ثورة 1968 الشبابية، وكونه لا يزال متمسكاً بأسلوب تجريبي يحوله إلى لغة مشتركة بين الكلمة والصورة وبين نص المقال والمعالجة الفنية.

سبايك لي يعود إلى «كان» لأن التقدير العالمي الأول الذي ناله تم من خلال حضوره الأول لمهرجان سنة 1989 بفيلم «افعل الشيء الصحيح» (Do the Right Thing).

نقطة لقاء أخرى بين المخرجين هي أن كليهما ناقد. سبايك لي لأوضاع أميركا وغودار لأوضاع العالم بأسره.

- الجنة المفقودة

فيلم غودار الجديد «كتاب الصور» لا يسرد فيه حكاية على غرار بعض أفلامه، لكن ذلك لا يجعله فيلماً تسجيلياً رغم أنه مؤسس على مئات اللقطات المتوالية المأخوذة من أفلام سينمائية سابقة ومشاهد وثائقية لحروب تبدأ بإلقاء القنبلة النووية وتنتهي في بعض حروب العرب الدائرة. يريد أن يؤكد وجهة نظر مفادها أن العالم وصل إلى نقطة اللاعودة في خضم المتغيرات السياسية الحاصلة. تلك التي لا تحتوي على أي أبعاد إنسانية لها بل تستمد طاقتها ممن يسمينهم غودار في فيلمه «الرأسماليون الحمقى».

كونه معاد للرأسمالية فإن هذا ليس مفاجئاً، فهو كان ماوياً فوضوياً في شبابه. أما بعد تلك الفترة فإنه متمسك بآيديولوجية يسارية عريضة وبقناعاته بأن العالم كان يمكن له أن يكون أفضل لو أن السياسيين كانوا مثقفين وفنانين.

ربما (والثقافة والفن سبيلان للتغيير الإيجابي في كل الأحوال) لكن هذا لا يمنع من أن فيلم غودار، كالكثير من أفلامه السابقة، محكوم عليه بأن لا يصل إلى المعنيين مطلقاً بل لن يصل إلى جمهور كاف لتشكيل رأي مواجه.

بعد سباحة حرة في الشكل التجريبي غير المستند إلى أسلوب يمكن له أن يجيب على كل التساؤلات حول المقصود وحول الكيفية التي وضع فيها المخرج معانيه، يميل مرّة واحدة على العالم العربي فيخصص له نحو ثلث ساعة تبدأ بنقد موقف الغرب منه، لافتاً إلى أن ذلك الغرب عامل العالم العربي كمؤسسة واحدة ومنتهياً إلى نقد العرب لاختلافاتهم التي لا تنتهي كما لقناعته بأن العالم العربي كان، لحين طويل ولتاريخ أبعد، واحة إبداع، متسائلاً عما حدث لكل «تلك الجنة المفقودة»؟.

ما بين البداية والنهاية يمر على تاريخ مصوّر مما فعله الغرب في أفريقيا وفي القارة الأميركية.

في هذا الإطار يستخدم أرشيفاً من المشاهد الموثقة لأفعال وممارسات عنف من مناطق متعددة من الحياة على هذا الكوكب. وهذا كله مفهوم ويمكن قبوله كموقف آيديولوجي لفنان يريد أن يضع هنا شهادته وقد بلغ السابعة والثمانين من العمر.

باستئصال مشاغل الفيلم الوجدانية والسياسية وما يصاحبها من نقد موزع في كل اتجاه، فإن الناتج هو عمد غوداري متأصل لتشكيل فني قائم على استخدام المونتاج البصري والمونتاج الصوتي وحتى حجم الفيلم الذي نراه.

فقط هو يعرف لماذا تقفز الصورة من حجم 35 مم مستطيل إلى 35 مم مربع. فقط هو يعرف لماذا الصوت «مونو» حيناً وستيريو حيناً آخر. ما السبب في أن العناوين تأتي مترجمة هنا وغير مترجمة هناك. وصوته غالباً يعكس مرارة رجل في سنه وأحياناً يبدو كما لو خسر ثلثي ذلك العمر فارتد شباباً. وفقط هو يعرف لماذا اختار مشاهد من أفلام تسبح في اتجاهات مختلفة. هنا «جوني غيتار» لنيكولاس راي (1954) حيث يطلب سترلينغ هايدن من جوان كروفورد أن تكذب عليه وتقول له إنها تحبه وأنها كانت ستنتحر لو لم يعد إليها.

صحيح أن المخرج يتناول من ترداد كروفورد قول ما يطلبه منها هايدن ويصل إلى نتيجة أن السينما وما تلاها يحب العيش في كذب دائم، لكن هذا التفسير الجدلي موجود هنا وغائب في أماكن كثيرة أخرى، بحيث إن الناتج هو عدم معرفة المشاهد كيف ولماذا اختار المخرج تلك المشاهد من أكثر من ثلاثين فيلما منها خمسة للمخرج المصري يوسف شاهين ومشهدين من فيلمين للوي بنوييل وبعض أفلامه هو. لكن المهمّة الفيلمية في إطار هذا الفيلم ناجحة. البعد الذي في بال غودار يصل بوضوح. هو مع السينما جمالاً ومضموناً واختياراته تثير الشجن والرغبة في مشاهدة كل فيلم على حدة من جديد.

- أوجه العنصرية

سبايك لي يأتي من زاوية مختلفة لكنها تلتقي جزئياً: «بلاكلاكسمان» (Blackkkklansman) كوميديا جيدة الصنع كتبها المخرج مع ديفيد روبنوفيتز عن كتاب لرون ستولوورث. حول التحري الأسود (جون ديفيد واشنطن) الذي يخترق مؤامرة لمنظمة كوكلس كلان العنصرية لقتل بعض قادة الحركة الأفرو - أميركية في الستينات. لكي يفعل ذلك يدّعي أنه شخص أبيض يود الانتماء إلى فرع المنظمة في بلدة في ولاية كولورادو. لإتمام المهمّة يطلب من زميله اليهودي فليب زيمرمان (آدم درايفر) الادعاء بأنه عنصري مسيحي متعصب. وهذا ما يفعله فليب مدعياً أنه رون ذاته. لكن بعض الأعضاء في المنظمة يحاولون تصديق هذا الادعاء ويفشلون فتبقى شكوكهم في مكانها إلى أن يتاح لبعضهم كشف الحقيقة.

ما يوجهه الفيلم من نقد منصب على أوجه العنصرية ضد السود - ولو حشراً - وضد اليهود. وهذا في مكانه بلا ريب، لكن الفيلم كان يحتاج لسبايك لي وحده ليصبح مؤلفه الفعلي وليعاود الإطلال على جمهوره بعمل حاد يشبه تلك الأعمال الأولى التي قام بها. نتيجة مشاركته الكتابة واضحة: كان يمكن نقد التعصب ضد السود واليهود معاً من دون الحاجة لشخصية يهودية لأن وجودها اقتنص من بطولة التحري الأسود في فيلم انطلق ليكون بيوغرافياً في الأساس، ولأن شكل الممثل آدم درايفر وصوته لا يمكن لهما أن يكونا لأصولي مسيحي أبيض. هذا ارتفاع في سقف التحديات لا يستطيع الفيلم الوصول إليه.

مزيد حول هذين الفيلمين لاحقاً لكن ما يتم تسجيله لهذا المهرجان هو أنه استحوذهما في دورة بدت ناشفة وجدباء إلى حين عرضهما متواليين.
فرنسا كان مهرجان

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة