«أندية القراءة» في الإنترنت... مكتبات مفتوحة على مدار الساعة

بعضها تخطى المليون ونصف مليون متابع وإقبال واسع من الشباب

أحد تجمعات أندية القراءة على الإنترنت
أحد تجمعات أندية القراءة على الإنترنت
TT

«أندية القراءة» في الإنترنت... مكتبات مفتوحة على مدار الساعة

أحد تجمعات أندية القراءة على الإنترنت
أحد تجمعات أندية القراءة على الإنترنت

يبدو أن الصفحات و«الغروبات» و«الهاشتاغات» والمجموعات «الفيسبوكية» الشبابية حلت محل المؤسسات الحكومية والمكتبات العامة ومكتبات المدارس في التشجيع على القراءة والمطالعة، بعدما ابتعد الشباب عن الوسائل التقليدية، مفضلين الانحياز لمبادرات شبابية مبتكرة تقدم لهم فعل القراءة كفعل مغرٍ مفتوح على مدار الساعة وبالمجان، وبإمكانيات سهلة وبسيطة، الأمر الذي يدحض مقولة أن «القراءة أصبحت موضة قديمة».
يظهر هذا من عدد المتابعين أو المشاركين في «أندية القراءة الشبابية» الإلكترونية، أو «منتديات الكتاب» التي تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتجاوز أعداد أعضاء هذه الصفحات أو «الغروبات» في أحيان كثيرة الآلاف، وربما يكسر إحداها حاجز المليون متابع.
وكثيراً ما تنتقل هذه الصفحات المختصة بالقراء الشباب، من الفضاء السيبراني إلى أرض الواقع، كأن يجتمع الأعضاء في أماكن ثقافية بعينها لمناقشة عمل ما، أو تبادل الرؤى حول الكتب. «ثقافة» استطلعت آراء عدد من هؤلاء الشباب الذين أسسوا أندية للقراءة ومناقشة الكتب.
صفحة «عصير الكتب»، التي ترفع شعار «دوق (تذوق) طعم الكتب»، هي من أشهر الصفحات المختصة بالترويج للكتب بين الشباب، إذ تخطت حاجز المليون ونصف مليون متابع لنشاطاتها التي تتنوع ما بين ترشيح الكتب للقراء، كما تسمح لأعضائها بنشر مقاطع أو مراجعات للكتب التي يقرأونها.
أما عدد أعضاء غروب «نادي القرّاء المحترفين»، فيقارب الـ2400 عضو، ويتميز بكونه ساحة مفتوحة للنقاش حول الأعمال الفكرية والأدبية «الجادة»، كما يسمح باستعراض المشتركين لقراءتهم مع تقديم رؤية نقدية، كأن يطرح الغروب مثلاً استطلاع رأي عن أعمال الشاعر والكتاب الأميركي إدجار ألن بو، أو يوسف إدريس، وتقدم إحدى المشاركات قراءة في رواية «الفسكونت المشطور» لإيتالو كالفينو، ويدير الأعضاء نقاشاً حول رواية «حرب الكلب الثانية» الفائزة مؤخرا بجائزة البوكر لإبراهيم نصر الله.
يقول الكاتب إبراهيم عادل زايد المسؤول عن مجموعة «نادي القراء المحترفين»، إن «فكرة أندية القراءة كانت موجودة طوال الوقت، حيث يجتمع أصدقاء لهم اهتمام مشترك بالقراءة لتبادل الرؤى حول الكتب، ولكن لم يكن لذلك تنظيم أو تجمع محدد أو معروف، ومن هنا جاءت فكرة تأسيس ناد للقراء المحترفين، بالاشتراك مع مؤسسة «بتانة» الثقافية.
ويشير زايد إلى أن فكرتهم حول نادي القراءة تجاوزت فكرة الاجتماع والمشاركات والاقتراحات إلى تفعيل وتقييم كل نشاطات القرّاء وتحفيزهم على المزيد من التفاعل والمشاركة، من خلال الاشتراك في موقع يضيفون فيه الكتب التي يقرأونها، ويحصلون على «نقاط» يتم تجميعها، والحصول على خصومات في شراء الكتب بالتعاون مع مؤسسات ودور نشر.
ولا يتفق زايد مع القائلين بأن الشباب لا يقرأون: «حينما أنشأنا صفحة للنادي على (فيسبوك) لم أتوقع هذا الإقبال على الصفحة، وتأكد لي أن هناك جمهوراً متعطشاً بالفعل لمن يقدم له الجديد المختلف في عالم القراءة، وأن هناك جمهوراً لا يزال يطلب المزيد من النقاشات والمشاركات فيما يتعلق بالقراءة وغير ذلك».
الشابة ياسمين الجندي هي الأخرى قادها شغفها بالقراءة منذ كانت طفلة لتحقيق حلهما في تأسيس مجموعة «ركن الياسمين» لهواة القراءة، التي تضم صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي 2500 عضو. ولا يقتصر وجود المجموعة على «فيسبوك»، وإنما يلتقي أعضاء «الغروب» مرة كل شهر في إحدى المكتبات بضاحية المعادي بالقاهرة لمناقشة كتاب يتفقون عليه مسبقاً.
وتذكر ياسمين أن فكرة تأسيس المجموعة بدأت بتدوينة على صفحتها بـ«فيسبوك» اقترحت فيها تأسيس نادٍ للكتاب، وسرعان ما تمحورت الفكرة مع إقبال وترحيب أصدقائها المقربين، وبدأ أول لقاءاتهم في أكتوبر (تشرين الأول) 2014. ومنذ ذلك التاريخ لا يزالون مستمرين في الاجتماع على مدى السنوات الأربع الماضية، وعقدوا ندوات لمناقشة 36 كتاباً.
وتقول مُؤسِسة «ركن الياسمين» إنهم تغلبوا على عزوف الشباب عن المشاركة في مثل هذه الأنشطة، بابتكار أفكار غير نمطية وجاذبة، كأن يدعون الكتاب والمؤلفين للحضور.
وعن نوعية الكتب التي تتم مناقشتها، قالت ياسمين الجندي إنهم ينوعون قراءاتهم قدر الإمكان ما بين الأدب وعلم النفس والتاريخ وأدب رحلات وأدب مترجم، وإنهم يلجأون للتصويت في اختيار الكتاب الذي يختارونه للمناقشة.
لكن نشاطات «ركن الياسمين» لا تقتصر على مناقشة الكتب، بل يتبنى مبادرات أخرى مثل تجميع الكتب القديمة والمستعملة وتوزيعها على الشباب، وبالفعل نجحوا في توزيع 1000 كتاب، كما تنظم المجموعة تحدياً للقراءة يبدأ بأن يقرأ المشارك فيه 70 صفحة أسبوعياً كحد أدنى.
وكمبادرة لتشجيع القراء من الشباب ومساعدة الشرائح غير القادرة على شراء الكتب الغالية الأسعار، أسس أحمد حسنين مشروعه «نادي الربع للكتاب»، في منطقة القاهرة الفاطمية، كمبادرة شبابية لتوفير الكتب بأسعار رخيصة، بالإضافة لدعم الكتاب الورقي الذي يعاني من مشكلات في التسويق وفي ارتفاع أسعاره، كما أنه يخصص ركناً خاصاً للكتب المجانية، لتشجيع الشباب على القراءة، حيث يمكن لمن يريد كتاباً أن يحصل عليه من دون مقابل. ويلجأ مؤسس الغروب لوسائل مبتكرة لتشجيع القراء على الاقتناء، من بينها، تنظيم مسابقة لأفضل قارئ ومدون حول الكتب التي يطرحها للنقاش.
ويعتمد أحمد حسنين على موقع «فيسبوك» في الترويج لمشروعه، عبر صفحة يصل عدد متابعيها لمائة وعشرين ألف متابع. وهو يصر على أن تكون جميع الكتب التي يروج لها كتباً جادة، واضعاً صوراً لديستوفسكي وكافكا ونجيب محفوظ وجلال الدين الرومي كدلالة على الأسماء التي ينحاز لها.
الطريف أن عدداً من الشباب حققوا حضوراً كبيراً في الوسط الثقافي، كـ«قراء»، يسعى وراءهم الكتَّاب، وليس العكس، من هؤلاء الشاب العشريني حسن عدس الذي يعرف نفسه على «فيسبوك» بلقب «حامل الكتب»، ويفضل تعريفه كـ«قارئ»، وبالفعل أصبح معروفاً لدرجة حرصِ الناشرين والكتاب على إيصال كتبهم له، مع التمني أن يدون ملاحظته على إبداعاتهم، سواء على «جود ريدز» (الموقع المختص بالتدوين حول الكتب) أو صفحته بـ«فيسبوك».
أما حسن عدس والناقد والقاص أحمد حلمي والكاتب محمد علي إبراهيم وغيرهم، فقد أسسوا مجموعة «المناقشة»، التي تجتمع بشكل دوري حول كتاب بعينه يطرحونه للنقاش. ويقول أحمد حلمي إن شبكات التواصل الاجتماعي ساهمت بشكل كبير في زيادة معدلات القراءة بين الشباب، وتحويل القراءة لفعل حقيقي وملموس يدعو للفخر، وبالأخص خلال السنوات الخمس الماضية، وهذا يظهر من وجود أعضاء من مجموعتهم يفضلون تعريفهم بلقب «القارئ».
وتحدد مجموعة «المناقشة» مجالها في مناقشة الأدب، وبشكل خاص الروايات، وعقدت عدة ندوات استضافت فيها كتاباً معروفين كإبراهيم عبد المجيد، الذي ناقشوا روايته «قطط العام الفائت»، ويوسف زيدان «غربة عرب»، فيما تفضل مجموعة «الحراك الثقافي» التوجه إلى التراث الأدبي والثقافي المهمل، حيث عقدوا جلسات لمناقشة كتاب «تربية سلامة موسى» و«المذاهب الأدبية والنقدية» لشكري محمد عياد. ويذكر الشاب أحمد سمير رجب أحد الأعضاء الرئيسيين في «الحراك الثقافي» أن الأسباب التي دفعتهم لتأسيس المجموعة هي مساعدة أغلب الشباب الموهوبين الذين لا يدركون من أين يبدأون وما أهمية وقيمة ما ينتجونه من كتابات. ومن هذا المنطلق، ركزوا على أن يكون أعضاء المجموعة من الكتاب الجدد الذين يحاولون شق طريقهم لكن ينقصهم الحماس أو التشجيع أو افتقارهم لتقنية الكتابة.


مقالات ذات صلة

ماكرون يبحث مع قادة أوروبا حماية القُصّر من وسائل التواصل الاجتماعي

أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

ماكرون يبحث مع قادة أوروبا حماية القُصّر من وسائل التواصل الاجتماعي

كشف قصر الإليزيه أن الرئيس الفرنسي سيجري اتصالاً بالفيديو مع قادة آخرين في الاتحاد الأوروبي ‌​بهدف التأسيس ⁠لتحرك منسق بشأن حظر استخدام القصر للتواصل الاجتماعي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق تأثير وسائل التواصل الاجتماعي لم يعد مجرد نقاش نظري بل أصبح قضية تُناقش في المحاكم (بيكسلز)

كيف نحرر عقولنا من سيطرة هواتفنا؟

مع تزايد الأدلة العلمية والقانونية، تتصاعد التساؤلات حول تأثير هذا الاستخدام المكثف على الصحة النفسية والقدرات الذهنية، وما إذا كان من الممكن عكس آثاره.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية إيرانيات يجلسن داخل مقهى في طهران (أ.ف.ب)

انقطاع الإنترنت في إيران يدخل يومه الـ30 ويعزل ملايين المواطنين

دخل انقطاع الإنترنت في إيران الأحد يومه الثلاثين على التوالي مع استمرار عزل ملايين الأشخاص عن المعلومات والاتصالات منذ اندلاع الحرب مع أميركا وإسرائيل.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ إيرانيات يمشين في حديقة بارديسان في طهران أمس (رويترز) p-circle

ناشطون أميركيون يكثفون جهودهم لإبقاء الإيرانيين متصلين بالإنترنت عبر «ستارلينك»

يكثِّف ناشطون من كل أنحاء العالم، خصوصاً الولايات المتحدة، جهودهم لمساعدة الإيرانيين على البقاء على اتصال عبر خدمة «ستارلينك» للإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية أدخنة تصعد في السماء خلف عدد من المواطنين في يوم القدس في طهران أمس (أ.ب) p-circle

5 بدائل يلجأ لها الإيرانيون لتجاوز حجب الإنترنت

كيف يواجه الإيرانيون حجباً واسعاً للإنترنت تفرضه السلطات منذ أكثر من 14 يوماً؟

«الشرق الأوسط» (لندن)

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
TT

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)

تصدرت السعودية دول العالم في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) في إنجاز عالمي جديد يدون في سجل إنجازاتها.

جاء تصدُّر السعودية للمؤشر بعدما سجلت 94 نقطة من أصل 100 ضمن تصنيف «مرتفع جداً»، لتتقدم إلى المركز الأول عالمياً، مقارنة بـ90 نقطة والمركز الرابع عالمياً في العام الماضي.

وحققت فنلندا وألمانيا المركزين الثاني والثالث بـ93 نقطة لكل منهما، ثم المملكة المتحدة في المركز الرابع بـ92 نقطة، والنرويج في المركز الخامس بـ91 نقطة، فيما حلت فرنسا في المركز السادس بـ90 نقطة.

ويعكس إنجاز السعودية ما تشهده من تطور متسارع في بناء منظومة رقمية متقدمة، ترتكز على سياسات تنظيمية ناضجة، وأطر حوكمة فعّالة، وقدرات مؤسسية عالية، بما يعزز تنافسية الأسواق الرقمية، ويدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي، ويواكب مستهدفات المملكة في الانتقال إلى العصر الذكي.

ويُعد هذا المؤشر أحد المؤشرات الدولية المتخصصة في قياس الجاهزية الوطنية للمنظومات الرقمية، من خلال تقييم أنظمة وسياسات الاتصالات والتقنية وأدوات الحوكمة، بالاستناد إلى مخرجات تحليلية تشمل النضج التنظيمي الرقمي وتطور تنظيمات القطاع، ويضم 117 مؤشراً موزعة على 9 محاور رئيسة.

وأكد تصدر السعودية لهذا المؤشر مكانتها العالمية بوصفها نموذجاً رائداً في بناء بيئة رقمية تمكينية، تتبنى أفضل الممارسات التنظيمية، وتعزز القرارات المبنية على البيانات، وتدعم تكامل الأدوار بين الجهات ذات العلاقة، بما يسهم في رفع مرونة المنظومة الرقمية وقدرتها على مواكبة المتغيرات التقنية والمتسارعة عالمياً.

كما يبرز هذا التقدم حجم الجهود الوطنية في تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وتمكين الأسواق الرقمية، وتعزيز كفاءة البنية المؤسسية، وهو ما أسهم في وصول السعودية إلى فئة «مرتفع جداً» التي تضم نسبة محدودة من دول العالم، بما يجسد ريادتها الدولية ومتانة مسيرتها التنموية في قطاع الاتصالات والتقنية.

ويأتي هذا الإنجاز ثمرةً لتكامل الجهود الوطنية بين عدة جهات حكومية وتنظيمية، ممثلة بوزارات «المالية، والتجارة، والإعلام، والصحة، والتعليم، والاقتصاد والتخطيط، والبيئة والمياه والزراعة» وهيئات «الاتصالات والفضاء والتقنية، والحكومة الرقمية، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني»، إضافة إلى «البنك المركزي»، وجهات شريكة، بينها، هيئات «تنظيم الإعلام، والنقل، والمياه، وتنظيم الكهرباء، والمنافسة»، و«مركز التنافسية»، وجمعية حماية المستهلك.

ويُرسخ هذا الإنجاز حضور السعودية في المؤشرات الدولية المتخصصة، ويُعزِّز موقعها مركزاً عالمياً رائداً في الاقتصاد الرقمي، ووجهة جاذبة للاستثمار والابتكار، مدعومة برؤية طموحة نحو مستقبل أكثر نمواً وازدهاراً.


«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو» مجدداً، بعد تقديمها لحلقات إذاعية تمثيلية أخيراً، في بعض الإذاعات المحلية، حيث اشتهرت الفنانة المصرية بأعمالها بالسينما والدراما التلفزيونية، وتقديم البرامج الحوارية الفنية، والغناء خصوصاً للأطفال.

وأعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام»، برئاسة الكاتب أحمد المسلماني، في بيان صحافي، الثلاثاء، عن إطلاق برنامج «الملهمون»، الذي بدأت أولى حلقاته الأحد، وتناولت سيرة سيزا نبراوي، كما أكد الدكتور محمد لطفي رئيس الإذاعة بمصر، الانتهاء من تسجيل 12 حلقة مدة كل منها 30 دقيقة، تذاع على أثير «البرنامج العام»، مساء الأحد من كل أسبوع، وكذلك على جميع المحطات الإذاعية الإقليمية، إذ يتناول البرنامج شخصيات أثرت في تاريخ مصر في مجالات مختلفة.

وتتناول الحلقات المقبلة، شخصيات لها دور مؤثر، مثل الدكتور نجيب محفوظ ميخائيل، وسليم وبشارة تقلا، وأبلة نظيرة، وأنيس عبيد، وغيرهم من الشخصيات التي لم يتم تسليط الضوء عليها درامياً ووثائقياً، بحسب البيان الصحافي.

الفنانة صفاء أبو السعود (فيسبوك)

وفي السياق، بدأت حلقة سيزا نبراوي عبر برنامج «الملهمون»، بتعليق صوتي جاء فيه «في كل زمن يولد من يغيره، ومن بين الزحام تلمع أسماء لا تنسى، هؤلاء لم يعيشوا فقط بل ألهموا العالم»، ويشارك في بطولة الحلقات إلى جانب صفاء أبو السعود، نخبة من نجوم الإذاعة المصرية، تأليف أحمد القصبي، وإخراج تامر شحاتة، بينما شارك في الأداء الإذاعي لحلقة سيزا نبراوي، عادل شعبان، ومصطفى درويش، وأحمد خليل، وأماني البحطيطي، وقام بدور الراوي علي مراد.

وسلطت الحلقة الضوء على دور السيدة سيزا نبراوي، في الدعوة لحرية النساء والوطن، وعلاقتها بالسيدة هدى شعراوي، وخروجها في مظاهرات ثورة 1919، وتأسيسها لجريدة «الاتحاد النسائي»، باللغة الفرنسية، ومساهمتها في تحديد سن الزواج للفتيات، وحقهن في التعليم، وجمع التبرعات لمقاومة الاحتلال.

وأشاد وكيل وزارة الإعلام الأسبق، رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، الإذاعي المصري شريف عبد الوهاب، بدور الإذاعة المصرية في تسليط الضوء على الشخصيات البارزة بهدف «تعزيز الهوية»، مشيراً إلى أن الحديث عن «الشخصيات المهمة»، في كل المجالات لتكون قدوة حسنة للشباب، وللتأكيد على أهمية الماضي الذي يساعد على الانطلاق نحو المستقبل، أمر ضروري.

الفنانة صفاء أبو السعود اشتهرت بتقديم البرامج (فيسبوك )

وقال عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن محتوى «الملهمون»، الهادف ليس جديداً على الإذاعة المصرية، التي اعتادت على المسلسلات التي تسلط الضوء على القضايا المجتمعية، والشخصيات البارزة، لافتاً إلى أن «الشق الدرامي» خصوصاً في هذا البرنامج له تأثير كبير على المستمع، لا سيما فئة الشباب.

وأشار إلى أن «تناول البرنامج، لشخصيات منوعة وعدم اقتصاره على العلماء والكتاب والفنانين فقط، مثل سيرة أبله نظيرة، يدلان على أهمية التوجه المختلف، لأنها جزء من تراث عالم المطبخ المصري، وجزء أصيل من الهوية والعادات المصرية التي يمكن أن تصل للعالمية».

ونوّه عبد الوهاب بأن «الإذاعة ستظل الصديق الحميم للمستمع، لأنها تعتمد على الخيال، وبناء الصورة بشكل منفرد»، مؤكداً أن «سر جمالها يكمن في التأثير والوصول للشباب وكأنها صديق مقرب».

وفنياً، شاركت صفاء أبو السعود في العديد من الأعمال السينمائية منذ ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، من بينها «بمبة كشر» و«المتعة والعذاب»، وقدمت برامج حوارية فنية من بينها «ساعة صفا»، و«سهراية»، واشتهرت صفاء أبو السعود بتقديم أوبريتات وأغنيات للأطفال، مثل «أهلا بالعيد»، و«يلا نقضي أجازة سعيدة»، و«يا أصحابي وصحباتي»، وغير ذلك.

كما قدمت صفاء أبو السعود في الإذاعة حلقات «يوميات صفصف»، و«أوضتين وصالة»، و«بهجة رمضان»، و«ألو في خدمتك»، إلى جانب مسلسلات تلفزيونية مثل «هي والمستحيل»، و«النهر والتماسيح»، و«ملكة من الجنوب»، ومسرحيات من بينها «موسيقى في الحي الشرقي» و«20 فرخة وديك»، و«فندق الأشغال الشاقة».


«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.