ليبيا... توازن قوى جديد

خلافات في الغرب وتقدم للجيش في الشرق... والجنوب يعاني وحيداً

جنود من الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير حفتر خلال عرض عسكري في بنغازي يوم 7 مايو الحالي (أ.ف.ب)
جنود من الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير حفتر خلال عرض عسكري في بنغازي يوم 7 مايو الحالي (أ.ف.ب)
TT

ليبيا... توازن قوى جديد

جنود من الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير حفتر خلال عرض عسكري في بنغازي يوم 7 مايو الحالي (أ.ف.ب)
جنود من الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير حفتر خلال عرض عسكري في بنغازي يوم 7 مايو الحالي (أ.ف.ب)

يتشكل في ليبيا توازن جديد للقوى، من شأنه أن يزيد الأمور تعقيداً على أرض الواقع. وظهرت في الأيام القليلة الماضية فجوة كبيرة بين المجلس الرئاسي، الذي يقوده من طرابلس (غرباً) فائز السراج المدعوم دولياً، والمشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الذي يشن حرباً ضروساً ضد بقايا الجماعات المتطرفة في شرق البلاد. أما جنوب ليبيا، فقد ابتعد كثيراً عن اهتمام السياسيين المتنافسين شمالاً، كما يقول العقيد المهدي البرغثي، وزير الدفاع في حكومة الوفاق.
في الأسابيع الأخيرة، أصبحت توجد داخل ليبيا، المنقسمة على نفسها منذ مقتل معمر القذافي في 2011، ثلاث بؤر جغرافية خطرة، يبدو أنها تلعب دوراً كبيراً في رسم آفاق مستقبل مثير للشكوك. الأولى تتمحور حول مدينة درنة التي تقع في الشرق، ولا يفصلها عن الحدود المصرية إلا أقل قليلاً من 300 كيلومتر، وتعج بمتطرفين من جنسيات مختلفة. وتخضع درنة، ذات الوديان والجبال والكهوف، لحصار من الجيش الوطني. لكن في أحدث تطور، استقبل قادة من المجلس الرئاسي في طرابلس وفداً من درنة لبحث إمكان الوقوف معها ضد حفتر. ومن شأن مثل هذه الخطوة أن يطيل أمد الحرب ضد المتطرفين في الشرق، ويزيد من القلق على الحدود المصرية.
ويقول مفتاح المسوري، ابن درنة، المترجم السابق للقذافي: «لا أدري ما هو السبب الحقيقي وراء ابتعاد درنة، تاريخياً، عن السلطة المركزية». ويضيف أحد الزعماء القبليين بالمدينة: «نحن بين نارين. ننتظر دخول الجيش، ونخشى انتقام الجماعات المتطرفة، ضد الأهالي».
أما البؤرة الثانية، فتقع في طرابلس نفسها، وبالتحديد في منطقة تاجوراء، شرق العاصمة، وهي منطقة تكثر في محيطها الغابات الشجرية والمزارع المنعزلة، وتعد بيئة مثالية لما حدث فيها أخيراً من تحشيد بالدبابات والآليات الثقيلة، من جانب من يوصفون بأنهم متطرفون مذهبيون وجهويون يتعطشون للسيطرة على العاصمة. وقد زاد عدد المتمركزين في تاجوراء خلال الفترة الأخيرة، وظهر فيها كذلك تحالف غريب من مقاتلين من تنظيمات «داعش» و«القاعدة» و«الإخوان» وغيرهم. ويقوم هذا التحالف بين حين وآخر بتوجيه قذائف صاروخية للمطار الجوي الوحيد العامل في طرابلس، وهو مطار إمعيتيقة. وفي لقاء سابق مع عبد الفتاح بانور، وهو وسيط بين مجموعة تاجوراء وقوات طرابلس، قال: «هذه التطورات سببها سوء تفاهم قديم لم يعالج من الجانبين. والآن، يتفاقم».
وتطرقت تحقيقات أمنية مبدئية في العاصمة إلى أن عناصر «داعش» التي فجّرت مقر مفوضية الانتخابات، قبل أسبوع، ربما انطلقت من تاجوراء، ما دفع السراج إلى إعادة تشكيل القوات ذات الطابع الميليشياوي التي يعتمد عليها في طرابلس، ومنحها مزيداً من الصلاحيات. ويرى عبد الله ناكر، رئيس «حزب القمة»، أن تعدد رؤوس السلطة في البلاد هو أس المشكلة، ويقول: «نريد أن تكون ليبيا دولة مؤسسات، وليست دولة أشخاص».
في المقابل، تقع البؤرة الثالثة في أقصى الجنوب، وتتمحور حول مدينة سبها، المعروفة بأنها العاصمة التاريخية لإقليم فزان. وتشهد هذه المدينة قتالاً ضارياً بين مسلحين من قبيلتي «أولاد سلميان» و«التبو». ويعتقد أن هناك أطرافاً خارجية تغذي هذه الحرب، حيث تمكنت جماعات متطرفة من استغلال الموقف لصالحها، وحققت انتشاراً كبيراً في كثير من المواقع الصعبة في الصحراء الشاسعة، في ظل انشغال الحكام الشماليين في إقليمي برقة وطرابلس عن مجريات الأحداث. ويقول رئيس الكونغرس التباوي، عيسى عبد المجيد: «من منبركم هذا.. أوجه رسالة لأبناء التبو، وأولاد سليمان، ولكل الليبيين؛ أن تُحل مشكلاتنا من داخل البلاد، لا من خارجها».
يتحدث العالم عن قرب إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في ليبيا. ورغم أن كثيراً من السياسيين والقادة داخل البلاد، مثل العقيد البرغثي وناكر، يرون أن هذا هو الحل الوحيد، فإن الأمور على الأرض تجري في طريق مغايرة. وقد كانت الآمال منعقدة أيضاً على قرب الإعلان عن توحيد المؤسسة العسكرية برعاية مصرية. كما أن المبعوث الأممي إلى ليبيا، الدكتور غسان سلامة، أرسل كذلك رسائل مطمئنة عن احتمال عقد مؤتمر مصالحة بين الليبيين، انطلاقاً من تونس. بيد أن مثل هذه المسارات المبشرة أصبحت عرضة لعراقيل عدة.. فكيف تغيرت الأوضاع إلى الأسوأ؟
لا يخفى على أحد أن هناك قوتين إقليميتين كبيرتين تعملان على الملف الليبي. الأولى، كما يقول ناكر، تناصر المشير حفتر، وتحاول أن تجعل له موقعاً في مستقبل البلاد، تحت عباءة الاتفاق السياسي الذي جرى توقيعه في مدينة الصخيرات المغربية قبل عامين. والثانية، كما يضيف، تحاول أن تعيد التيار الإسلامي، بقيادة جماعة «الإخوان» و«الجماعة المقاتلة»، إلى الحكم.
وبعد أن خسر هذا التيار الانتخابات في 2014، ولحقت به هزائم عدة على أيدي الجيش الوطني في الشرق، وعلى يد قوات طرابلسية غير نظامية في الغرب، بدأ في الأسابيع الماضية يلتقط أنفاسه، ويتحرك بجرأة داخل أروقة المجلس الرئاسي نفسه، ويريد أن يعوّض خسائره سريعاً.
ويقول مصدر في وزارة الدفاع في طرابلس: «نراقب هذه التحركات.. لدينا قواتنا. ونعتقد أنه ما زال في الإمكان إجراء انتخابات وإنجاز المصالحة». وقد أجرى البرغثي نفسه مصالحات بين عدة خصوم، قرب العاصمة، وتمكّن من فتح طرق سريعة كانت مغلقة على الساحل الغربي، لكن يبدو أن هذا وحده لا يكفي.
وتمثّل الحرب في درنة (شرقاً) حلقة من حلقات مطاردة حفتر للجماعات المتطرفة. فقد تمكن من هزيمتها في بنغازي، لكن عدداً كبيراً من عناصر هذه الجماعات، وكثير منهم غير ليبيين، تمكنوا من الفرار إلى درنة وإلى تاجوراء وإلى سبها. وقبل أيام، أعلن حفتر بدء ساعة الصفر لتحرير درنة من الجماعات الإرهابية، خلال كلمة ألقاها في حفل تخريج الدفعة الـ51 من الكلية العسكرية.
وتطرق حفتر إلى أن المساعي السلمية في درنة وصلت إلى طريق مسدود، بسبب تعنت الجماعات الإرهابية. ولا توجد قنوات اتصال بين الجيش الوطني وهذه الجماعات. ويقول قائد عسكري إن المفاوضات التي كان يقوم بها الجيش للحل السلمي في درنة كانت تجري مع قيادات اجتماعية، تنتمي إلى عائلات معروفة وقبائل في المدينة، وليس مع الإرهابيين أنفسهم، بعكس ما يعتقد بعضهم، ويوضح: «هدفنا كان الحصول على إقرار من هذه الزعامات بإخراج أبنائها من صفوف المقاتلين المتطرفين بالمدينة، والتوقف عن تستر البعض على المقاتلين الأجانب».
وتخشى قيادات مناوئة لحفتر، في غرب البلاد، من أن يحقق قائد الجيش الوطني انتصاراً جديداً، بعد انتصار بنغازي العام الماضي، إذا ما تمكن من تحرير درنة من المتطرفين. ولهذا تغيّرت، كما يبدو، بعض التحالفات سريعاً على المستوى العسكري والسياسي. فرغم حصار الجيش للمدينة، قام وفد من «مجلس شورى مجاهدي درنة» بزيارة لطرابلس، يوم الأربعاء الماضي، والتقى بعدد من أعضاء المجلس الرئاسي. وترددت معلومات عن أن الوفد حصل على وعد بالدعم وبالاعتراف الرسمي به من حكام طرابلس كجسم شرعي، رغم تصنيفه من جانب حفتر والحلف الإقليمي الداعم له على أنه «جسم إرهابي». ويقول قائد قبلي: «نحن بين شقي الرحى، ونخشى من أن نتحول لرهائن، إذا ما نشبت الحرب هنا».
وتبدو السلطات في طرابلس هشة ضعيفة غير متماسكة. فوزارة الدفاع في حكومة الوفاق الوطني، التابعة للمجلس الرئاسي، لديها قوات منتشرة عبر طوق كبير حول العاصمة، لكنها ليست على تناغم مع هذه الحكومة التي لم تحصل بعد على تصديق البرلمان على عملها. ولخّص العقيد البرغثي الموضوع بالقول إنه «ستكون هناك تسوية (مع السراج)». وتعاني قوات البرغثي من الافتقار إلى الأموال، وجانب من المعدات الأساسية.
ومن جانبه، أكد مسؤول في الوزارة حدوث لقاء بين وفد درنة وقيادات في المجلس الرئاسي، لكنه قال إنه لا يعلم بتفاصيل ما جرى بين الطرفين، وأضاف: «أياً ما كان الأمر، فإن استقبال وفد من درنة يُعد نكاية في الجيش الذي يقوده حفتر، وهذا يعقّد جهود المصالحة ومحاولات الحل».
ويقول مصدر قريب من المجلس الرئاسي إن جماعة «الإخوان»، التي هيمنت في الشهر الماضي على القرار في مجلس الدولة، وهو مجلس استشاري منبثق عن اتفاق الصخيرات، لعبت دوراً في ترتيب اللقاء بين وفد «مجلس شورى مجاهدي درنة» وأطراف في المجلس الرئاسي، الذي يضم في عضويته قيادات محسوبة على الإسلاميين المتشددين. ويضيف هذا المصدر، الذي طلب عدم تعريفه لأنه غير مخوّل له الحديث للإعلام، أن ما تم توقيعه من اتفاق بين الجانبين يؤدي إلى رفع الروح المعنوية للمقاتلين المتحصنين في درنة منذ سنوات، بمن فيهم غير الليبيين، ومن بينهم مصريون.
ووفقاً لمصدر في الاستخبارات الليبية في طرابلس، وهو جهاز مناوئ للمتطرفين، فقد تم الاكتفاء في اتفاق دعم «مجلس شورى مجاهدي درنة»، بذكر اسم المجلس دون أسماء قياداته، أو أي من أعضائه، وهي قيادات ينظر إليها الجيش الليبي وقوى إقليمية باعتبارها قيادات إرهابية.
وأضاف أن أعضاء في كل من المجلس الرئاسي ومجلس الدولة، من زعماء جماعة «الإخوان» و«الجماعة الليبية المقاتلة» (المرتبطة بتنظيم القاعدة)، أشرفوا على إبرام الاتفاق «بهذه الصيغة الغريبة».
وزاد قائلاً إن بعض المسؤولين في طرابلس اقترحوا أن يتم تغيير اسم «مجلس شورى مجاهدي درنة» إلى اسم جديد كـ«أمن درنة» أو «الحرس الرئاسي (تابع للسراج) فرع درنة»، تجنباً للحرج، إلا أن قيادات «مجلس شورى درنة» (وكان معهم قيادي مفصول من مجلس بلدية درنة) رفضوا تغيير الاسم.
وتأتي هذه التطورات المهمة بينما يواصل الجيش الليبي محاولاته لاقتحام المدينة التي ظلت طوال عشرات السنين مصدر قلق للحكام في ليبيا، بسبب انتشار المتطرفين فيها منذ أيام «الجهاد» في أفغانستان والشيشان والعراق وغيرها.
وتبدو المدينة واحدة من الحالات الشاذة عموماً في ليبيا. ويقول المسوري: «هي حالة ناشذة عن السلطة المركزية، سواء الآن أو أيام القذافي أو أيام الملك إدريس.. حتى أيام اليونان، ففي سنة 630، كانت خارج سلطة إقليم المدن الخمس في البحر المتوسط».
وأفاد مصدر عسكري بأن درنة يوجد فيها قادة للمتطرفين من الجزائر وتونس ونيجيريا ومالي والسودان ومصر، أبرزهم زعيم جماعة «المرابطين»، المصري «أبو عمر المهاجر». وقال ضابط في الاستخبارات الليبية: «لا يمكن لبعض حكام طرابلس استقبال وفد من (مجلس شورى مجاهدي درنة)، لو لم يكن هناك موافقة مبطنة من جانب قوى إقليمية تدعم هذا الاتجاه»، وأضاف: «إنه اتجاه يعزز المزيد من الفوضى والاقتتال في ليبيا، ويزيد من القلق لدى المصريين ودول الجوار».
وبالتزامن مع هذه الخطوة الغريبة، بدأت بعض الأصوات ترتفع بالدعوة إلى إنقاذ درنة من حفتر، ويشارك في هذه الحملة مسؤولون في العاصمة، وقادة في أحزاب وتيارات محسوبة على الإسلاميين المتشددين، من داخل ليبيا وخارجها. وظهر خطاب يصف «مجلس شورى مجاهدي درنة» بأنهم «ثوار فبراير (شباط) الذين ساهموا في إسقاط نظام القذافي»، وأن «حفتر مثل القذافي لا بد من التصدي له لتحقيق أهداف الثورة».
تاجوراء
أما في منطقة تاجوراء، التي تقع على الحدود الشرقية لمدينة طرابلس، فقد تشكلت فيها قوات متباينة الأهداف، لكن يوجد بينها توافق على ضرورة اقتحام العاصمة، والتحكم فيها، وهذا يتطلب شن حرب على القوات الطرابلسية التي تنتمي أساساً للمدينة. وتتكون القوات الطرابلسية التي يعتمد عليها السراج من كتائب غير نظامية، لكنها تتلقى الرواتب والدعم من وزارات الدولة، ومنها «قوات كارَه» و«قوات الككلي» و«قوات النواصي». وتقع مناوشات بين حين وآخر بين قوات تاجوراء وبقية القوات الطرابلسية. كما أن القوات الطرابلسية نفسها تدخل بين وقت وآخر في اقتتال في ما بينها على النفوذ.
وتكمن خطورة مجموعة تاجوراء في مرونة القيادة الموجودة على رأسها، وقدرتها على استقطاب كل خصوم السراج. وهذه القيادة هي شخصية تلقب بـ«البُقْرَة». وكانت هذه القوة، حتى ثلاثة شهور مضت، تعمل تحت رعاية المجلس الرئاسي نفسه، إلا أن قيامها بالهجوم المباغت على مطار إمعيتيقة، الذي تسيطر عليه قوات طرابلسية موالية للمجلس الرئاسي، دون إذن من السراج، جعل هذا الأخير ينزع الغطاء القانوني عنها.
ويقول الوسيط بين «البُقْرَة» والقوات الطرابلسية، بانور، إن أصل الخلاف يرجع إلى احتجاز قوات طرابلسية لعشرات المواطنين داخل سجون في مطار إمعيتيقة، دون عرض أمرهم على الجهات القضائية. لكن مصدراً في المجلس الرئاسي قال إن هؤلاء المساجين من المنتمين لتنظيم داعش، مشيراً إلى أن جماعات مسلحة من عدة مناطق، من غرب طرابلس ومن الجنوب، بدأت منذ شهور في استثمار الخلاف بين السراج و«البُقْرَة»، والنزوح إلى منطقة تاجوراء وما حولها، وتكوين معسكرات تدريب، وإطلاق الصواريخ بين حين وآخر على المطار. ويعتقد أن من قاموا بتفجير مفوضية الانتخابات أخيراً انطلقوا من هذه المنطقة.
ويزيد زخم قوات المتطرفين في تاجوراء من تعقيد الأمور في طرابلس، خصوصاً بعد أن بدأت قيادات إخوانية، ممن صعدت أخيراً لمواقع مهمة في الحكم في العاصمة، في الضغط على أعضاء في المجلس الرئاسي، وعلى أطراف في السلطات القضائية، للإفراج عن متشددين إسلاميين في سجون المدينة، من بينهم قيادات من جماعة «أنصار بيت المقدس» المصرية، و«أنصار الشريعة» (أقرب إلى «داعش»، وتضم ليبيين وتونسيين)، وغيرهم.
وتهدف مثل هذه التحركات إلى تشكيل ضغط على قوات حفتر المتمركزة حول درنة. فقد جرى قبل يومين تفجير حاجز تابع للجيش، شرق سرت، على يد متطرفين.
- الجنوب... حرب الرابح فيها خاسر
وفي ما يتعلق بتطورات الأوضاع في الجنوب، فما زالت الحرب مستعرة بين مسلحين من قبيلة «أولاد سلميان»، التي كانت تهيمن على إقليم فزان في الزمان الغابر، وقبيلة «التبو»، التي لديها امتداد داخل دول أفريقية مثل تشاد والنيجر.
ويقول عيسى عبد المجيد، رئيس الكونغرس التباوي، إن «ما يحدث هناك حرب الرابح فيها خاسر.. أتمنى المصالحة بين الطرفين (التبو) و(أولاد سليمان)، وأرجوهم أن يجلسوا معاً لحلحلة المشكلة. وعلى مجلس النواب، والحكومة المؤقتة (المنبثقة عنه)، التدخل لوقف الاقتتال والتعويض (جبر الضرر) للطرفين».
وأضاف: «لقد تم توقيع اتفاق في عهد حكومة علي زيدان (قبل 5 أعوام)، وفشل. أرى أن حل المشكلة لا بد أن يكون ليبياً - ليبياً، إما عن طريق مجلس النواب أو عن طريق الحكومة».
لكن ناكر يرى أن المشكلة أكبر، وأنها تتعلق أساساً بتعدد السلطات في البلاد، ويقول: «على أرض الواقع، يوجد قائد أعلى للجيش في الشرق، هو عقيلة صالح رئيس مجلس النواب، وقائد أعلى للجيش في الغرب هو السراج. ولذلك نحن في حاجة إلى توحيد الرأس أولاً.. كما أنه لا بد من وضع دستور. ومن دون هذه الأشياء الرئيسية، تكون كمن يبني على الرمال».
وهذا أمر يؤكد عليه أيضاً العقيد البرغثي، بقوله إن البلاد في حاجة إلى إنهاء الانقسام السياسي، موضحاً: «وجود سلطة موحدة، عبر إجراء الانتخابات، سيجنبنا كل هذه الفوضى».



أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.