خالد المشري... عدوّ حفتر وحامل أجندة «الإخوان»

الرئيس الجديد لـ«المجلس الأعلى للدولة» الليبي أزاح سلفه بورقة التكتلات الانتخابية

خالد المشري... عدوّ حفتر وحامل أجندة «الإخوان»
TT

خالد المشري... عدوّ حفتر وحامل أجندة «الإخوان»

خالد المشري... عدوّ حفتر وحامل أجندة «الإخوان»

منذ انتُخب خالد المشري رئيساً للمجلس الأعلى الدولة في ليبيا، وسهام الانتقادات توجَّه إليه دون توقف من كل حدبٍ وصوب، ما بين متهمٍ بأن انتخابه «تكريس وانتصار للتيار المتشدد»، وآخر يرى أن فوزه «أمر لا يبشر بخير، ومُعرقل للعملية السياسية» التي ترعاها الأمم المتحدة في البلاد. بموازاة ذلك، فإن أحداً لا يجادل بأن للرجل مناصرين ومؤيدين يرون أنه جاء عبر صناديق اقتراع في عملية تبادل سلمي للسلطة تفتقر إليها ليبيا حالياً، وأن «ما مضى من تاريخه وهو خارج معادلة السلطة، سيختلف عما هو آت».
وكان المشري، الذي شغل رئيس المكتب التنفيذي لحزب «العدالة والبناء»، وهو الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، كان قد انتخب رئيساً للمجلس الأعلى للدولة في جلسة حضرها 122 عضواً. وتغلب في الانتخابات على سلفه عبد الرحمن السويحلي؛ في عملية انتخابية نالها جانب من «التشكيك» و«التهوين» بأنها مجرد «تمثيلية جرت وفق صفقة متفق عليها» أكثر من كونها تمثل انتقالاً سلسلاً للسلطة. غير أن عبد الرحمن الشاطر، عضو المجلس الأعلى للدولة، ذهب بعيداً عن ذلك، ورأى في حديثه مع «الشرق الأوسط» أن انتخاب المشري جاء «نتيجة تحوّل في كتل المجلس التي رأت ضرورة تجديد الوجوه لمنع استمرار أعضاء مكتب الرئاسة إلى ما لا نهاية».
ما مضى من تاريخ خالد المشري، الرئيس الجديد للمجلس الأعلى للدولة في ليبيا، الذي كان عضواً في المؤتمر الوطني العام السابق (المنتهية ولايته)، يحمل في طياته كثيراً من المواقف الحادة والصدامية. وعلى الرغم من تعهد المشري، فور فوزه، بتبني خطاب بدا تصالحياً، فإنه لم يستطع تبديد تراكم هائل من تصريحات سبع سنوات، أقل ما توصف به أنها استبقت «مرحلة التمكين» لحزب العدالة والبناء، الذي حمله لرئاسة أول مجلس استشاري في البلاد بمقتضي مخرجات الاتفاق السياسي، الذي وُقِّع في منتجع الصخيرات بالمغرب في ديسمبر (كانون الأول) 2015.
المشري، ابن مدينة الزاوية (48 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس) الذي ينهي عامه الحادي والخمسين، لم يبخل بالإدلاء برأيه في الأحداث الحالية منذ الإطاحة بالرئيس السابق الراحل معمّر القذافي عام 2011؛ إذ إنه جعل من صفحته الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» منصة إعلامية له ولآخرين يشاركونه السخرية من الجيش الوطني الليبي، وحتى من الأحداث التي أعقبت 30 يونيو (حزيران) عام 2013 في مصر.
والإتيان على ذكر الجيش الوطني الليبي، الذي يترأسه المشير خليفة حفتر، يمثل حساسية مفرطة لكثرة من الليبيين، خصوصاً نواب وساسة برقة (بشرق البلاد). ولذا فهم يقولون إنهم لن يغفروا للمشري تصريحات تركت غصة في حلوقهم، من بينها قوله إن «ميليشيات إرهابية تسمي الجيش العرب الليبي يقودها ضابط منشق يسمي خليفة حفتر اغتصبت جزءاً من الأراضي الليبية بالقوة». وفضلا عن ذلك... لا يزالون يتذكرون له قوله إن «حفتر فقد البوصلة، ورفع شعار الإرهاب، وحارب ثوار 17 فبراير». وجزء من هذه الغُصة عبّر عنها هؤلاء النواب في تصريحات لاذعة غاضبة في غالبية وسائل الإعلام المحلية فور إعلان تفوقه على السويحلي.
- حسن البنا
ما أُخذ على المشري، لم يقتصر على نَيله من حفتر، بل إن بعض الساسة استدعوا جانباً من نشاطات الرجل الكلامية في السنوات الأولى التي تلت الثورة الليبية، ورصدوا ما دوّنه على صفحته، من احتفائه بمؤسس «جماعة الإخوان المسلمين» حسن البنا، ومُنظرها سيد قطب، الذي نهلت منه كل جماعات العنف، بالإضافة للرئيس التركي رجب طيب إردوغان، مقابل سخريته من حفتر وصحافيين وإعلاميين ليبيين، ما وضعه في مرمى اتهامات بأنه جاء إلى مجلس الدولة ليمثل عشيرته الأقربين في المقام الأول.
مقرّر مجلس النواب صالح قلمة رأى أن انتخاب المشري سيكون له تأثير على سير العملية السياسية في الأيام المقبلة «لأنه ابن للحزب الذي سيطر على العملية السياسية في ليبيا تحت قبة المؤتمر الوطني بتحالفه مع أعضاء الجماعة المقاتلة المنضوية مع ما يسمى بكتلة الوفاء التي تملك جناحاً مسلحاً». وفي حين توقع قلمة في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن يكون المشري أكثر مرونة في الفترة المقبلة عن سابقه، فإنه توقع أيضاً أن يبقى الرجل «وفياً لحزبه ومصالحه بالدرجة الأولى، وسيواجه الكثير من الصعوبات، خصوصاً أن هناك عدم ثقة في أحزاب التيار الإسلامي من غالبية الشعب الليبي، ونخبته السياسية».
قلمة رأى أيضاً أنه سيجري ترصد «حزب المشري» من «الحلفاء السابقين الذين خرجوا من المولد دون حمص رغم أنهم كانوا اليد التي ضرب بها لتغيير بعض الموازين على الأرض، بما يملكونه من جناح مسلح، فضلاً عن بعض المستقلين وأصحاب الأحزاب الصغيرة الذين استخدمهم العدالة والبناء ثم تخلى عنهم مثلما حدث مع السويحلي».
غير أن الرئيس الجديد لـ«المجلس الأعلى» لم يلق بالاً للانتقادات، التي واكبت انتخابه ووصلت إلى حد الطعن في نزاهة العملية الانتخابية التي رفعته إلى مقام مناوئ لمجلس النواب الذي يمارس مهامه من طبرق بشرق البلاد. إذ وجه كلمة للشعب الليبي، تحدث فيها عن خطة ترتكز على «اتفاق الصخيرات» لمعالجة جمود العملية السياسية، كما وجه دعوة للقاء رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح، في طرابلس أو طبرق، «أو أي مكان يحدده»، ليرد الأخير قبل مرور ساعات بقبول الدعوة، وهو تجسّد في لقائهما بالمغرب منتصف الأسبوع الماضي.
ومع أن المشري ذهب إلى أن من أولوياته «التعجيل بعقد جلسة حوار تجمّع فريق حوار مجلسي النواب والأعلى للدولة لإجراء بعض التعديلات المقترحة للاتفاق السياسي وفقاً للمادة (12) للأحكام الإضافية للاتفاق السياسي»، فإنه استدرك قائلاً: «رغم ما حققه الاتفاق من محافظة على مدنية الدولة ومكافحة الإرهاب ونقل الصراع إلى طاولة المفاوضات، لم يعد يخفى على أحد أن الحالة السياسية والاقتصادية والأمنية في البلاد ما زالت متأزمة بسبب عدم التزام بعض الأطراف بتنفيذ الاستحقاقات المطلوبة وفقاً للاتفاق». وفي هذا إشارة إلى فشل «تعديل الصخيرات» بعد جولتين من المفاوضات في تونس لتمسك فريقي الحوار الممثلين لمجلسي النواب و«الأعلى للدولة» بمكتسباتهما، فضلاً عن رفض القائد العام للجيش الوطني الليبي الاعتراف بكل ما يتعلق بالمادة الثامنة من الاتفاق؛ المتعلقة بالمناصب العسكرية.
ومن ناحية ثانية، بنى المشري مصالحته، التي أعلن عنها في كلمة مطولة - تضمنت استعراض لأزمات البلاد - على «اتفاق الصخيرات»، متناسياً ما قد صدر عنه بأن «لديهم (في الحزب) قائمة من التحفظات على حفتر... وإذا فرض علينا، فهذا يعني انتهاء الاتفاق السياسي»، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث إلى الآن، لا سيما أنه اجتمع عقب فوزه مع الوسيط الدولي الدكتور غسان سلامة، لبحث خطة عمل الأمم المتحدة من أجل ليبيا.
- سيرة شخصية
مبكراً انغمس خالد عمار المشري «ابن الزاوية»، داخل جماعة الإخوان المسلمين، وتقدّم صفوف حزب العدالة والبناء، ساعده على ذلك مؤهلاته العلمية. ذلك أنه درس الاقتصاد في جامعة بنغازي، ونال الماجستير من أكاديمية الدراسات العليا في طرابلس. أما عن انتخابه رئيساً جديداً للمجلس الأعلى، التي أجريت على جولتين في اليوم ذاته، واكبها لغط كبير يتعلق «بوجود صفقات وتربيطات» بين الكتل المختلفة لحساب مرشح حزب العدالة والبناء.
وزاد على ذلك جمال زوبية، مدير إدارة الإعلام بـ«حكومة الإنقاذ» المنبثقة عن المؤتمر الوطني (المنتهية ولايته)، الذي شن هجوماً على المجلس عبر حساب على «فيسبوك» وفضائية «218» الليبية، معتبراً العملية الانتخابية «مفبركة» و«ضحك على الذقون، وفيلم كاميرا خفية». وادعى أن هناك «اتفاقاً مسبقاً» بين السويحلي والمشري لانتخاب الأخير رئيساً، على أمل أن يصبح الأول رئيساً للمجلس الرئاسي في الترتيبات الجديد.
في مواجهة ذلك، قال الدكتور عمر غيث قرميل، عضو مجلس النواب، إن كل الانتخابات تشهد عقد صفقات وتحالفات من أجل الوصول إلى المنصب، لكنه لفت إلى أن نجاح المشري «سيعزز من موقف (الإخوان) في العملية السياسية رغم الرفض الكبير من المواطنين للجماعة وفكرها بسبب مناصرتها للمنظمات الإرهابية في ليبيا».
ورداً على من قلل من أهمية الانتقال السلمي للسلطة في مجلس الدولة، اعتبر قرميل في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن ما حدث «أمر جيد بغض النظر عن مخرجاته... هذا من أهم أهداف ثورة السابع عشر من فبراير»، ونأمل من (السيد) المشري تغليب مصلحة الوطن والعمل على تقريب وجهات النظر، وإيجاد حل عادل يخدم جميع الليبيين بعيداً عن المصلحة الحزبية.
وما بين اتهامات زوبية للمشري والسويحلي، ورؤية قرميل لمخرجات العملية الانتخابية، استكمل عبد الرحمن الشاطر، عضو المجلس الأعلى للدولة، حديثه لـ«الشرق الأوسط»، وذهب إلى أنه «لا صحة لسيطرة جماعة (الإخوان) على مجلس الدولة، لأن القرار لا يملكه رئيسه، وإنما أعضاء المجلس الذين رأوا ضرورة تغيير الوجوه». وأردف: «ولا صحة على الإطلاق لأي تدخل خارجي من قطر أو غيرها». في رد على بعض السياسيين الذين رأوا ذلك.
- اختيار خاطئ
المفاجأة أن الشاطر، وهو العضو بالمجلس، أثني على العملية الانتخابية ووصفها بـ«الظاهرة الصحية»، لكنه عبّر عن اعتقاده بأن مجلسه سيعاني من صعوبات نتيجة ترؤس المشري، متابعاً: «قد يكون اختياراً خاطئاً، ولكنها الديمقراطية... فالإطاحة بالسويحلي رسالة أن (القاعة) هي التي تحكم ولا مجال لأحاديث من نوعية أنه مجلس السويحلي أو غيره».
هذا، وجاءت موافقة رئيس مجلس النواب بقبول دعوة لقاء المشري سريعة لتدحض استباق عضو مجلس النواب عيسي العريبي، الذي قال في مداخلة لفضائية ليبيا، إن «انتخاب واحد من أعضاء حزب العدالة والبناء أو الإخوان المسلمين (في إشارة إلى المشري) أمر لا يبشر بالخير ومعرقل للمفاوضات، ولن يكون هناك تواصل أو وفاق بين مجلسي النواب، و(الأعلى الدولة) خلال الفترة المقبلة، لأن هذه الشخصيات معروفة وشاركت في إفساد المسار الديمقراطي»، أثناء انتخاب مجلس النواب عام 2014.
وما ذهب إليه العريبي سبقه إليه نواب آخرون أمثال علي التكبالي وجاب الله الشيباني وعلي السعيدي، وجميع هؤلاء كانوا متشائمين حيال الرجل، لكن النائب فرج الشلوي عبّر عن أمله في أن يمثل انتخاب المشري «صفحة جديد لصالح لمّ الشمل في البلاد»، وهي الرؤية التي أكد عليها الدكتور عبد السلام نصية، رئيس لجنة الحوار بمجلس النواب.
وفضّل مقرر مجلس النواب صالح قلمة، انتظار ما تحمله الأيام المقبلة للحكم على المشري، ورأى في ذات الوقت أن «سياسته في التعاطي مع الأمور ستختلف عن سلفه»، وربط حدوث انفراجة سريعة في المشهد الليبي بما يقدمه المشري وحزبه من «تنازلات واعتدال... هم الآن في امتحان ما بين تفضيل الأجندات الحزبية أو الوطنية، لقد فقدوا الكثير من حلفائهم السابقين ولن يستطيعوا التقدم بمفردهم إلى الأمام».
- مجلس الدولة... نتاج «الصخيرات» الذي يعاني تجاهل البرلمان
> كان عام 2015 على وشك الانتهاء، عندما اتفق الأفرقاء الليبيين في منتجع الصخيرات بالمغرب على «اتفاق سياسي»، برعاية مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك مارتن كوبلر، كمَخرج للفوضى التي ضربت ليبيا منذ سقوط الرئيس الراحل معمّر القذافي عام 2011، واحتواءٍ لأعضاء المؤتمر الوطني العام (المنتهية ولايته).
أفرز الاتفاق الذي يعرف بـ«اتفاق الصخيرات» عدة مخرجات، في مقدمتها إنشاء «المجلس الرئاسي» لـ«حكومة الوفاق الوطني» برئاسة فائز السرّاج كسلطة تنفيذية لإدارة شؤون البلاد، على أن يتولى رئيسه القيادة العليا للجيش الليبي، ثم «المجلس الأعلى للدولة» ككيان استشاري، يتولي إبداء الرأي الملزم لـ«حكومة الوفاق» في مشاريع القوانين قبل إحالتها لمجلس النواب، الذي يحق له قبولها أو رفضها.
ونص الملحق الثالث من الاتفاق، على أن «المجلس الأعلى للدولة» هو أعلى مجلس استشاري ويتكون من 145 عضواً منهم 134 من أعضاء «المؤتمر الوطني العام» (المنتهية ولايته) مع إضافة 11 عضواً من المنتخبين في 7 من يوليو (تموز) 2012، على أن يكون مقره العاصمة طرابلس وله الشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة.
وفي فبراير (شباط) عام 2016 انتخب عبد الرحمن السويحلي، المُقرب من جماعة الإخوان المسلمين، أول رئيس للمجلس ليبدأ مهام منصبه بعد شهرين من مقر «المؤتمر الوطني» (المعروف بقصور الضيافة)، في العاصمة طرابلس، وذلك وسط غضب عدد من أعضاء المؤتمر بقيادة رئيسه نوري أبو سهمين، رفضوا الانضواء تحت راية السويحلي لرفضهم الاعتراف بالاتفاق السياسي ومخرجاته.
معارضة «المجلس الأعلى»، بل ورفض الاعتراف به، لم تتوقّف على أبو سهمين وقلة من أعضاء المؤتمر، بل إن البرلمان الليبي في طبرق (شرق البلاد) أبدى أيضاً رفضه المبكر للاتفاق السياسي وما نتج عنه. وبالتالي لم يقره أو يضمنه في الإعلان الدستوري، ما دفع «المجلس» للتصويت بالإجماع على تعديل الإعلان لإدخال الاتفاق السياسي حيز التنفيذ، الأمر الذي أثار موجة من الرفض داخل البرلمان.
ورغم تنامي المعارضة للسويحلي ومجلسه من برلمان طبرق، أُعيد انتخابه لولاية ثانية في أبريل (نيسان) 2017 وفقاً للائحة الداخلية للمجلس التي تشترط انتخاب مكتب الرئيس ونوابه مرة كل سنة، متفوقاً على منافسة عبد السلام غويلة، القيادي في حزب العدالة والبناء. وعليه بدأ السفراء المعتمدون لدى ليبيا، وكذلك الوفود الأجنبية، يتوافدون على «المجلس» في مقره بالعاصمة.
وأمام تعثر جولات تعديل «الصخيرات» التي كانت تجري في تونس، بين لجنتي حوار من البرلمان ومجلس الدولة، على خلفية تمسك كل منهما بـ«مكتسباته مستقبلاً»، لجأ السويحلي إلى ما سماه البعض «مناورة سياسية» فور تلويحه بأنه سيدعو إلى إجراء انتخابات مبكرة «حال فشل مفاوضات تعديل الاتفاق السياسي».
وذهب إلى أن مجلسه سيتجه لمناقشة ذلك الإجراء الاضطرار، وتشرف عليها حكومة تكنوقراطيين مصغّرة، يتم تشكيلها لتصريف الأعمال، والإشراف على الانتخابات، الأمر الذي أثار غضب «المجلس الرئاسي» لـ«حكومة الوفاق الوطني»، وبرلمان طبرق معاً.
ومع نهاية عام 2017 كانت المساجلات الكلامية أخذت منحى تصاعدياً، بين السويحلي والقائد العام للجيش الوطني الليبي، المشير خليفة حفتر، عندما صعَّد الأول من نبرة التحدي في مواجهة تهديد حفتر، الذي قال إنه سيتوجه إلى العاصمة طرابلس لتحريرها من الميليشيات المسلحة، عقب انتهاء مهلة «اتفاق الصخيرات» في 17 من ديسمبر 2017.
ودعا السويحلي «المواطنين كافة لعدم الالتفات إلى الدعوات المُغرضة التي تطلقها ما تسمى القيادة العامة» على حد تعبيره.
ومن ثم، رأت الأطراف المناوئة للسويحلي انتهاء المدة المحددة لـ«اتفاق الصخيرات» فرصة للخلاص من مخرجاته، وفي القلب منها «المجلس الأعلى للدولة»، قبل أن يطالب مجلس الأمن الدولي الأطراف الليبية المتصارعة باحترام الاتفاق السياسي... وقال في بيان حاسم إنه يظل الإطار الوحيد لإنهاء الأزمة، وتاريخ 17 ديسمبر الحالي لا يمثل نهاية قانونية للاتفاق، وإنما مدة السنتين هي مرحلة انتقالية وليست نهاية زمنية له.
ومضت التجاذبات السياسية دون توقف، بين أطراف من البرلمان وأخرى في مجلس الدولة، على خلفية «الصلاحيات الدستورية». وزاد من سخونة تلك الأجواء اعتراض السويحلي على تعيين محمد الشكري محافظاً للمصرف المركزي خلفاً للصديق الكبير، وأرجع ذلك إلى أن مجلس النواب أقدم على هذه الخطوة متجاوزاً صلاحيته وفقاً للاتفاق السياسي.
وللعلم، تنص المادة 15 من «اتفاق الصخيرات» على أن التعيين في المناصب السيادية يكون بالتوافق بين مجلسي النواب و«الأعلى للدولة».
وينقسم المصرف المركزي في ليبيا إلى مؤسستين، وتتولى شخصيتان منصب محافظ المصرف: الأول يمارس مهامه من طرابلس هو الصديق الكبير الذي يتبع «حكومة الوفاق الوطني»، والثاني في مدينة البيضاء (شرق ليبيا) وهو علي الحبري عن البرلمان. ومع انتهاء الولاية الثانية للسويحلي أجرى «المجلس الأعلى للدولة» انتخاباته السنوية، فانتخب المشري رئيساً.


مقالات ذات صلة

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

حصاد الأسبوع مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي

صبحي أمهز (بيروت)
حصاد الأسبوع يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج

فتحية الدخاخني ( القاهرة)
حصاد الأسبوع ابراهيم محلب (رويترز)

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
حصاد الأسبوع الناشط الأيود الراخل خلال لقائه بالمغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1964 (آ ب)

ترمب يحاول «تبييض» صفحات أميركا

ودّعت الولايات المتحدة أخيراً القس جيسي جاكسون، أحد أهم الشخصيات السوداء في تاريخ البلاد، والقيادي الجماهيري الذي لعب دوراً محورياً في تجييش الناخب الأسود

علي بردى (واشنطن)
حصاد الأسبوع ترمب مع مغنية "الراب" الترينيدادية نيكي ميناج (آ ب)

ترمب... و«أصدقاؤه السود»

> في موازاة السياسات التي تعيد الاعتبار لزعماء كانوا مسؤولين عن بعض أسوأ مراحل الرق، يرفض الرئيس دونالد ترمب الاتهامات التي توجه إليه بأنه «عنصري»، مكرّراً


بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.