مذكرات شريف بسيوني الحلقة (1): كنا عائلة من ثلاثة أفراد يدير شؤونها المنزلية طاقم من خمسة

حياتي دوائر مغلقة.. وأقسى الدروس تعلّمته خلال سبعة أشهر من العزلة

اسم بسيوني أطلق على زاوية شارع في شيكاغو بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسبعين
اسم بسيوني أطلق على زاوية شارع في شيكاغو بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسبعين
TT

مذكرات شريف بسيوني الحلقة (1): كنا عائلة من ثلاثة أفراد يدير شؤونها المنزلية طاقم من خمسة

اسم بسيوني أطلق على زاوية شارع في شيكاغو بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسبعين
اسم بسيوني أطلق على زاوية شارع في شيكاغو بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسبعين

الصدفة وحدها قادتني إلى لقاء البروفسور محمود شريف بسيوني، في «المعهد الدولي لتدريب القضاة» في مدينة سيراكوزا الإيطالية. صدفة فتحت لي الطريق لإجراء حوار صحافي معه، حول عمله كرئيس للجنة التحقيق في البحرين. حين التقيته، وجدت نفسي أمام رجل بسيط، دمث، شديد التواضع، على وجهه الذي تظلّله ابتسامة لا تفارقه، ملامح طفل، على الرغم من بلوغه السادسة والسبعين من العمر.
تحدثنا طويلا، وكان حديث بسيوني الشيق والممتع، يعكس حماسا قويا للمشروعات الكثيرة التي يخطط لها أو تلك التي يديرها. وبدا ملما بتفاصيل كل الأعمال التي تجري من حوله، على الرغم من وجود منفذيها في أميركا وأوروبا وعدد من البلدان العربية.
وكما «شاءت الأقدار»، كما يقول بسيوني ويكرر، أن نلتقي من أجل حوار، «شاءت» دهشتي به وانشدادي إلى شخصيته، أن يدفعاني إلى سؤاله بعفوية، أن يسمح لي باقتحام ماضيه، والذهاب بعيدا من الحوار الصحافي إلى دواخله، ومسارات حياته الشخصية.
قلت له: «أريد أن أتعرف على بسيوني (الآخر)، بسيوني الإنسان، العادي، في حياته اليومية».
رحب البروفسور بالفكرة. وبعد مراسلات عدة، التقيته في سيراكوزا من أجل الاتفاق، مبدئيا، على إجراء سلسلة من المقابلات. وافق البروفسور بسيوني، والتقينا في شيكاغو في حوار امتد أسبوعين، وكانت حصيلته، عشر حلقات من السرد الممتع.
هنا الحلقة الأولى من مذكرات محمود بسيوني.

فكرت كثيرا كيف أبدأ حديثي، فتبادر إلى ذهني أن أقول ما يعن لي. لذلك أقول:
ولدت عام 1937 ابنا وحيدا لعائلتي. كان أبي دبلوماسيا من عائلة مرموقة، وكذلك كانت والدتي. وهكذا نشأت في بيئة عائلية يسود حياتها الاطمئنان الاقتصادي وتتمتع بمكانة اجتماعية مرموقة. ومع ذلك، لم تخل تربية والدتي لي من الشدة، لكنها علمتني ووالدي وأجدادي معنى الحياة والمثابرة والجدية في العمل.
كنا في البيت ثلاثة: والدي ووالدتي وأنا. وكان لدينا طاقم من خمسة أفراد، يعمل في تدبير الشؤون المنزلية، تعودت على احترام جميع أفراده. ومنذ بلغت الخامسة من العمر، لم يتوقف والدي عن تذكيري بضرورة احترام الآخرين، أيا كانوا، وأهمية ذلك في حياتنا. وكانت والدتي تقول لي: «قبل أن تطلب خدمة من أي شخص يعمل لدينا، عليك أن تسبق طلبك بقول: من فضلك. وحين تلبى حاجتك أو يتحقق ما طلبته، لا تنس أن تشكر من قام به».
كان جدي يملك أراضي زراعية كبيرة، أورثها لوالدي، وتوليت أنا تدبير شؤونها لاحقا. حين كان جني المحاصيل ينتهي، وينقل إلى «القرن»، أي المخزن، كنت أوزع حصة منه على العاملين في المزرعة، وعلى الفقراء، حتى قبل أن تأخذ العائلة نصيبها أو تبيع شيئا منه. كانت الأولوية دائما للعاملين والفقراء. أما جدي لأبي، فقد علمني في صغري الكثير. كان محمود بسيوني رئيسا لمجلس الشيوخ في مصر. وكان يعمل محاميا في أسيوط. كان رجلا متواضعا ويحظى بتقدير ومحبة كبيرين بين الناس. كان يقول لي، ولغيري أيضا، إن نصف من كان يقدم خدمات قانونية لهم، كانوا من الأغنياء. وكان يرى أنهم يدفعون للنصف الثاني من زبائنه أي الفقراء. وبهذا كان نصف ما يقوم به في عمله القانوني من خدمات، وكان أساسا في ميدان العمل الجنائي، دفاعا عن الفقراء ومن لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. لقد منحهم جدي، خمسين في المائة من وقته وعمله. ولهذا انتخب عضوا في مجلس الشيوخ في أول برلمان مصري تشكل عام 1923، ثم انتخب رئيسا لمجلس الشيوخ نفسه، ثم رئيسا لنقابة المحامين المصريين. وقد حقق فوزا كاسحا. فقد أيده في ذلك الحين، أقباط أسيوط ومنحوه مائة في المائة من أصواتهم، ولم تتمكن شخصيات قبطية من التفوق عليه. ففي انتخابات رئاسة نقابة المحامين، واجه جدي منافسا قبطيا يحظى بشهرة كبيرة جدا، وتغلب عليه بأصوات الأقباط أنفسهم. كان شعاره مثل قوله الذي لا يكفّ عنه: إن الوطن للجميع والدين لكل فرد، ولكل فرد علاقته الدينية بربه، ولا علاقة للوطن والحكومة بما يقتنع به شخص ما أو بطقوسه وديانته. لذلك كان محبوبا من قبل الجميع. كان بسيوني الجد، يحترم الفقراء على الدوام. كان يصحبني وأنا طفل، في جولات على الأرض الزراعية. وحين كنا نمر بين المزارعين والعاملين الآخرين، كان يتلقى دعوات كثيرة لتناول الشاي معهم، أو مع أحدهم. وكان جدي (الباشا رئيس مجلس الشيوخ)، يتوقف وأقف إلى جانبه. ثم ويجلس أرضا مع الفلاحين. يتبادل معهم الحديث، ويحدثهم عن سنوات الأربعينات، بينما يتناول كوبه من الشاي.

* مع غاندي ونهرو

* هكذا رافقتني صورة جدي وكلماته ونصائحه منذ وقت مبكر، فأصبح بمرور الوقت قدوة لي. فهو بالإضافة إلى كل ما ذكرت، قاد ثورة 1919 في صعيد مصر. وكان رئيس الثورة فيما يسمى بوجه قبلي، في زمن سعد زغلول ومصطفى النحاس. كان ضد العنف بفطرته، ولم يكن يؤمن به أبدا. لذلك كان يقود المظاهرات في أنحاء الصعيد كله، أي في مناطق تمتد على مساحة 800 كلم، من القاهرة إلى أسوان. ويتقدم خلال المظاهرات إلى نقاط الشرطة والمواقع العسكرية البريطانية. وكانت هذه، تطلق النار على المتظاهرين. لم يحمل سلاحا قط، ولم يدع إلى حمله. وكان سلاحه الدائم الذي لا يتخلى عنه أبدا، عبارة عن شمسية (مظلة) بيضاء صارت جزءا من شخصيته.
ذات يوم من أيام 1936، سمع جدي، وكان عضوا في مجلس الشيوخ، عن شخصية مثيرة في الهند تدعى غاندي، تقود ثورة سلمية ضد البريطانيين، وتدعو إلى نبذ العنف. أجرى اتصالات بشخصيات عدة، وخصوصا بعض الدبلوماسيين الأجانب، لمعرفة الطريق إلى غاندي. وعلم أن غاندي يعمل على مقربة من مدينة اسمها مومباي. اختار ثلاثة من أصدقائه، من بين أعضاء حزب الوفد، وذهبوا جميعا إلى السويس. ومن هناك استقلوا مركبا أخذهم إلى مومباي. هبط جدي ورفاقه على شواطئ مومباي وكان يعتمر طربوشه الأحمر، الذي كان رمزا للوطنية المصرية آنذاك. وقد أمضى ثلاثة أسابيع في البحث عن غاندي، إلى أن تمكن من معرفة مكانه والتقى به، وكان يعمل لديه مساعدا في ذلك الحين، شاب صغير يدعى نهرو. وما زلت أحتفظ بصور التقطت لجدي مع الزعيم الهندي في تلك الزيارة، التي أمضى جدي خلالها أسبوعا كاملا مع غاندي، يتنقلان في المنطقة التي التقاه فيها. كما رافقه في مظاهرات انطلقت هناك، على الرغم من أنه لم يكن يتحدث اللغة الإنجليزية. وقد استعان وقتذاك، بمحمود أبو الفتح، رحمه الله، الذي أسس مجلة «المصور» في مصر، وكان ضمن من رافقوا جدي في رحلته، فقد كان يتحدث الإنجليزية؛ وتولى الترجمة بين الطرفين.
شاءت الظروف، وسبحان الله، كل شيء في حياتي ينتهي بدائرة، أن يذهب أبي عام 1950 إلى الهند، سفيرا لبلاده مصر فيها. كان نهرو وقتها، يترأس الحكومة الهندية. وقد التقاه أبي حيث رحب به الزعيم الهندي كثيرا. وشاءت الظروف، أن تلقي الشرطة الفرنسية القبض علي عام 1957، حين كنت في البلاد، بسبب الدور الذي لعبته لصالح الثورة الجزائرية. فبعد انتهاء معركة بورسعيد، وكنت حينها ضابطا في فدائيي الحرس الوطني برتبة قائد فصيلة، أي ملازما ثانيا، شاءت الظروف، أن تُسند إلى مهمة سرية، هي تدريب 220 ضابطا جزائريا ينتمون إلى جبهة التحرير الوطنية (إف إل إن)، تتراوح أعمارهم بين 24 و65 عاما، جاءوا إلى مصر في ديسمبر (كانون الأول) 1956. وكانوا سياسيين تحولوا إلى ضباط عسكريين. وبعد أن عادوا إلى الجزائر، حارب كثير منهم في معركة مدينة الجزائر. لقد اتضح أن هؤلاء الجزائريين لا يجيدون اللغة العربية. وكان العثور على ضباط مصريين يتقنون الفرنسية أمرا صعبا. كنت طالب بعثة في فرنسا في سنتي الثانية. وفي أغسطس (آب) من عام 1956، في أعقاب تأميم قناة السويس، توصّلت إلى أنه لا جدوى من البقاء في فرنسا. عدت إلى مصر، وتطوعت مع فدائيي الحرس الوطني في حرب 1956. وأسندت إلي بعدها، مهمة تدريب الجزائريين من دون علمي. ولما انتهى تكليفنا في الحرس الوطني، في نهاية يناير (كانون الثاني) 1957، عدت إلى فرنسا لاستكمال دراستي، وطبعا من دون أي وعي أو فهم للأمور السياسية، لأنني لم أكن ناضجا سياسيا آنذاك.
رحت أتحدث مع الجميع عما حدث. وكانت الحكومة الفرنسية تقول دائما، إن الجيش المصري هُزم. وكنت أحاول الدفاع عن شجاعة الشعب المصري وبسالته، لأن الجيش لم يهزم.. هزم فعلا سنة 1956، ليس لأنه لم يكن قادرا على المواجهة، ولكن بسبب عجز ضباطه في القيادة العسكرية، وخصوصا عبد الحكيم عامر الذي لم يكن مؤهلا ليكون قائدا أعلى، وأصبح كذلك، لأسباب سياسية، ونظرا لعلاقته الشخصية بجمال عبد الناصر. وقد فشل تماما في عامي 1956 و1967.
قبضت الشرطة الفرنسية عليّ، على أساس أنني كنت مدربا لعدد من الجزائريين الذين كانوا يقومون بحرب وطنية ضد فرنسا. وطبعا، أبلغت السفارة المصرية في فرنسا ووزارة الخارجية، التي أبلغت بدورها والدي. وكان آنذاك متقاعدا. اتصل والدي هاتفيا بنهرو، وذكّره بأنه كان سفيرا في بلاده، وبصداقته، وبجدي. فاتصل نهرو بداغ همرشيلد (ثاني أمين عام للأمم المتحدة 1953-1961- المحرر). واتصل همرشيلد، بدوره، بوزير خارجية فرنسا وقتها، كريستيان بينو، وخلال ثلاثة أيام، أفرج عنّي ورُحّلتُ إلى سويسرا.
لقد تم غلق دائرة في حياتي، هي «دائرة الهند»، التي بدأت بزيارة جدي سنة 1936، وانتهت بتدخل نهرو للإفراج عني.

* اتفاقية دولية لمنع التعذيب

* بقيت في سويسرا مدة قصيرة، بدأت فيها الدراسة من جديد. ثم عدت إلى مصر في أغسطس (آب) 1957، لقضاء الإجازة الصيفية. اقترب مني بعض الضباط، على أساس أحاديث جرت عن تعييني في رئاسة الجمهورية، كضابط من الضباط الصغار الذين يعملون فيما كان يسمى «هيئة الرئاسة»، التي كانت تعد آنذاك، السلطة الحقيقية للدولة. كانوا يأخذون الشباب الذين يتأملون فيهم خيرا. ولم أكن أعلم بذلك، لفترة ما على الأقل، خاصة أن علامة استفهام وضعت حولي في وقت من الأوقات، على اعتبار أنني أنتمي لعائلة وفدية (نسبة إلى حزب الوفد المصري - المحرر) عريقة، كما كانوا يقولون. وأن جدي كان رئيسا لمجلس الشيوخ، وبالتالي طرحت تساؤلات كثيرة في تلك الفترة التي كانت ثورية، اشتراكية. وكان أي شخص ينتمي إلى عائلة مرموقة، تثار شكوك حوله. وكان مصطلح «العائلات الإقطاعية» مثلا، من بين مصطلحات كثيرة استخدمت في تلك الفترة، وقصد به، علاقة هذه العائلات بالأسرة الملكية أو بأسر أخرى، على الرغم من أن عائلتنا لم تكن ضمن هذا المكان أو المجال. وبغض النظر عن الشخصيات المعنية، فقد كانت المسألة وقتها آيديولوجية أكثر من أي شيء آخر.
مع هذا تواصل الحديث معي حول المهمة. كنت أتردد على الرئاسة حين اتصل بي بعض الضباط، ولم أكن أعلم أن اتصالهم لم يكن بغرض الصداقة، كما كنت أتصور لصغر سني وعدم معرفتي بالسياسة، بل كان الغرض التقرب مني للتعرف علي وما إذا كنت شخصا يمكن ائتمانه والاطمئنان إليه. وبالطبع، كان معروفا وقتها، أن من يعمل مع جهاز الدولة، لا بد أن يكون أهلا للثقة. فقد كان مطلوبا «أهل ثقة» لا «أهل خبرة»، على أن يتحلى أهل الثقة بالطاعة، أي أن يطيع ولا يسأل أي شيء. لكن تكويني وتعليمي، سواء ما تلقيته منه في مصر أو في فرنسا، على العكس من ذلك تماما حيث تعودت على أن أسأل. كنت مستعدا لطاعة الأمر إن كنت مقتنعا بسلامة ذلك الأمر، ولم يكن هذا يتماشى مع ما يريدون طبعا.
وفي يوم ما، شاءت الظروف أن يعرض علي أحدهم مشاهدة صورة شخصية. ولم أكن أعلم إن كانت الصورة حقيقية أم مركبة، لكن الغرض منها، كان إثارة مشاعري واختباري. كانت الصورة لشخص، حول رأسه من أعلى، أي على جبينه، طوق حديدي ملفوف إلى الخلف ومربوط بقوة، وبدت جمجمته متفجرة ومفتوحة، ويتصاعد من مخه الدخان.
تملكتني قشعريرة، فأخبرني الضابط أن الشخص الذي في الصورة، كان من المعارضين للنظام، ومن الأشخاص الخطرين تماما، وأنهم اضطروا إلى تعذيبه للاعتراف بما كان سيقوم به من أعمال خطيرة ضد الدولة، لكنه لم يعترف، فاضطروا إلى أن يصعدوا التعذيب حتى الوصول إلى هذه الدرجة وقد مات. والسؤال هو: هل لو أعطي لك مثل هذا الأمر كنت تطيعه دون أي سؤال؟
أجبت: بالتأكيد لن أستطيع أن أقوم بهذا، أو أن أعذب أي إنسان آخر.
وتبادرت إلى ذهني وقتها الآية القرآنية التي تقول: «ولقد كرمنا بني آدم»، فقلت له إن الله خلق بني آدم وكرمه ولا يختلف تكريم الرجل عن المرأة، أو المسلم عن المسيحي أو البوذي، أو الأبيض عن الأسود؛ لأن الله سبحانه هو الخالق، لذلك حين نقوم بمثل هذا الفعل، فإننا نقوم بعمل ضد الله ونهدر ما كرمّه، ولذلك فأنا لا أستطيع القيام بهذا. واستمر الكلام، وحصلت مشادة كانت نتيجتها القبض عليّ، ووضعت فيما يسمى «الإقامة المحددة»، أو «الإقامة الجبرية» داخل شقتي، وكانت النوافذ من خشب فقاموا بتسميرها، وأزيل الهاتف من البيت وجهاز الراديو أيضا، وفصلوا الكهرباء، وكان يأتي شخص يوميا يترك لي الطعام داخل الشقة. كان الظلام تاما، وكان هناك عنصر الخوف والتعذيب النفسي والمعنوي، ومن حين لآخر كان يأتي شخص ويقول لي إنني سأنقل في يوم ما إلى مراكز التعذيب وأعذب مثلما رأيت غيري يعذب.
بالنسبة لهم، «العالم كان إما معي أو ضدي».. مع بعض الأشخاص في زمن جمال عبد الناصر، وخصوصا مع بعض الأشخاص الذين يعملون في مجال المخابرات، ثم بعد ذلك في مباحث أمن الدولة، ليس في أيام عبد الناصر فقط، بل في أيام السادات وحسني مبارك أيضا. وأعتقد أن هذا المنهج ما زال موجودا، لأنه لا يمكن أن يتوقف إلا إذا كانت هناك سيادة قانون في أي دولة، لأن سيادة القانون هي التي تحكم المواطن بغض النظر عما فعله، فالقانون هو الفارق، وليس استعمال العنف ضد أي شخص.
بقيت في هذا المأزق سبعة أشهر. ومنذ الأربعة أيام الأولى، لم أتمكن من التحرك في الشقة. وكان مكاني الوحيد غرفة النوم، ومعظم وقتي في الفراش. ولم يكن مسموحا بأية زيارات إطلاقا، ولا أي اتصال. والفكرة أساسا كانت عزلي، والعزلة النفسية في الظلام تخلق الخوف، خصوصا مع التهديد، وقتها فهمت معنى التهديد النفسي. لم يكن هناك مساس شخصي لي، ولكن استخدام الخوف يعتبر من التعذيب، التهديد بالتعذيب وإمكانية التعذيب لهذا الشخص وأنت تعيش وحدك معزولا عن الكل، وكل يوم يمر تزداد العزلة وتشعر أنك أصبحت منسيا من العالم كله، ولا صلة لك بالعالم ولا يعلم عنك أحد شيئا، وكأنك في جحر في الأرض، هذا الشعور له أثر نفسي كبير.
ولكن أكرمني الله من 1957 إلى نهاية 1977، وفي نهاية 1977 بداية 1978، عينت رئيسا مناوبا للجنة الخبراء لوضع اتفاقية دولية لمنع التعذيب. فكان زميلي الرئيس المناوب الآخر إنجليزيا، وكان شخصية مرموقة جدا. كان عضوا في مجلس النواب الإنجليزي ورئيسا سابقا في مجلس اتويلس. كان هذا الشخص وكان اسمه نيل مكدورمت، ترك لي صياغة هذه الاتفاقية، وقدمت المشروع الأولي، بصفتي واسمي الشخصي. وكونت لجنة لهيئة خبراء الأمم المتحدة، وكان معي طبعا نيل مكدورمت. ترأسناها بناء على هذا المشروع الذي تبنته دولة السويد وقدمته لهيئة الأمم في سنة 1978. وفي سنة 1984 أعلنت هيئة الأمم رسميا هذه الاتفاقية، وهي اتفاقية منع التعذيب التي صادقت عليها دول عربية كثيرة من بينها مصر.
رأيت أن الدائرة وصلت إلى نهايتها؛ فمن شخص معذب أصبحت أنا، بفضل الله، من أسندت إليه صياغة هذه الاتفاقية، التي في صياغتها النهائية كان نحو ثلثيها تقريبا من الصياغة التي استخدمتها في مشروعي الأساسي.
وأعود إلى مسألة ثانية، هي أنه بعد انتهاء هذه الفترة في مصر، قرروا الإفراج عني. وبعد أن خرجت من المنزل وجدت أن ممتلكات العائلة صودرت، وسحب جواز سفري، وصدر قرار بمنعي من العمل، ولا أدري من كان صاحب القرار. كنت وقتها، كلما تقدمت لجهة ما لطلب عمل جرى رفضي. كانت والدتي قد سافرت إلى أميركا سنة 1957، ووالدي كان متقاعدا ويعيش في الإسكندرية بمرتبه التقاعدي، وبقية العائلة منصرفة، وقد عانوا في هذه الفترة؛ حيث فصل عمي محمود من عمله الدبلوماسي، في ظل سياسة ما كان يسمى «التطهير». عمي الآخر، كان مقدما في القوات المسلحة، وخرج من الخدمة على أساس أنه كان من عائلة وفدية عريقة، نظرا للتطهير الذي كان ساريا على كل العائلات الكبرى. كانت العائلة مشتتة وقتها، وكان أفرادها يشعرون بالظلم، فلم أجد دعما وكنت وحيدا، بالإضافة إلى أنني كنت كلما تحدثت إلى شخص، كان هناك عناصر من المخابرات أو المباحث يسألونه عما دار بيننا من حديث، فابتعدت عن الجميع خوفا من الحرج.

* محمود شريف بسيوني.. أبو القانون الجنائي الدولي المعاصر
* ألف 27 كتابا وحرر 45.. وكتب 265 مقالا في القانون

* يُشار إلى بسيوني من قبل وسائل الإعلام، على أنه «أبو القانون الجنائي الدولي المعاصر»، كونه لعب دورا مركزيا في استحداث كل أداة أساسية من أدوات القانون الجنائي الدولي، على مدار الخمسين عاما المنصرمة، بما في ذلك اتفاقية مناهضة التمييز العنصري، واتفاقية مناهضة التعذيب، ولائحة روما للقانون الجنائي الدولي، التي لعب فيها دورا رئيسا، وكان مرشحا للحصول على جائزة نوبل للسلام في عام 1999.
يعمل البروفسور شريف بسيوني، المولود في القاهرة بمصر عام 1937، أستاذا فخريا للقانون بجامعة دي بول في شيكاغو، وقام بتدريس القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان في الفترة من عام 1964 إلى عام 2012. وكان بسيوني عضوا مؤسسا في المعهد الدولي لحقوق الإنسان بجامعة دي بول، الذي شارك في تأسيسه عام 1990 وشغل منصب الرئيس في الفترة من عام 1990 إلى 1997، ثم رئيسا شرفيا.
في عام 1972، كان بسيوني أحد المؤسسين للمعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية والكائن مقره في سرقوسة بإيطاليا، حيث تولى منصب عميد المعهد بداية من عام 1972 حتى عام 1989، ثم منصب رئيس المعهد حتى وقتنا الحاضر.
تقلد بسيوني أيضا، منصب الأمين العام للجمعية الدولية لقانون العقوبات في باريس، خلال الفترة من عام 1974 إلى عام 1989. ثم شغل منصب رئيس الجمعية لثلاث ولايات، مدة كل ولاية منها خمس سنوات في الفترة من عام 1989 إلى عام 2004، حين اُختير رئيسا شرفيا.
منذ عام 1975، عُين البروفسور بسيوني في المناصب التالية في الأمم المتحدة:
- رئيس ثم عضو بلجنة التحقيق بشأن ليبيا (في الفترة من عام 2011 إلى عام 2012).
- خبير مستقل في لجنة شؤون حقوق الإنسان في أفغانستان (خلال المدة من عام 2004 إلى عام 2006).
- خبير مستقل في مسائل الحق في الاسترداد والتعويض ورد الاعتبار لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والحريات الأساسية (في الفترة من عام 1998 إلى عام 2000).
علاوة على ذلك:
- رئيس للجنة الصياغة في المؤتمر الدبلوماسي للأمم المتحدة المعني بإنشاء محكمة جنائية دولية (في عام 1998).
- عين نائبا لرئيس اللجنة التحضيرية التي شكلتها الجمعية العامة لإنشاء محكمة جنائية دولية (من عام 1996 إلى عام 1998).
- عين نائبا لرئيس اللجنة المخصصة التابعة للجمعية العمومية لإنشاء محكمة جنائية دولية (في عام 1995).
- عين رئيسا للجنة خبراء الأمم المتحدة التي أنشئت بموجب قرار مجلس الأمن رقم 780 (في عام 1992) للتحقيق في انتهاكات القانون الإنساني الدولي في يوغوسلافيا السابقة (خلال المدة من عام 1993 حتى عام 1994).
- وتولى مهمة المقرر الخاص للجنة المعنية بجمع الحقائق وتحليلها (في الفترة من عام 1992 إلى عام 1993)، حيث لعب دورا مهما في عملية الاعتراف بالاعتداء الجنسي على المرأة، على أنه جريمة حرب بعد الأعمال الوحشية الفظيعة التي اُرتكبت في البوسنة في أوائل التسعينات.
وبالإضافة إلى ذلك:
- عُين بسيوني مستشارا لمؤتمر الأمم المتحدة السادس والسابع المعني بمنع الجريمة (في الفترة من عام 1980 إلى عام 1985).
- عين مستشارا للجنة حقوق الإنسان في جنوب أفريقيا (من عام 1980 إلى عام 1981).
- عين رئيسا مشاركا في لجنة الخبراء المستقلة المعنية بصياغة اتفاقية مناهضة التعذيب (في عام 1978).
- عين نائبا للرئيس الفخري لمؤتمر الأمم المتحدة الخامس بشأن منع الجريمة (في عام 1975).
وعلاوة على ذلك:
- شغل بسيوني منصب رئيس اللجنة البحرينية المستقلة التي أُنيط بها التحقيق في الأحداث التي وقعت في البحرين عام 2011، حيث عينه الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البحرين، شخصيا، رئيسا للجنة.
وقد لعب بسيوني دورا نشطا على مدار سنوات في العديد من المحاولات لإحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط. وبوصفه أحد مستشاري الرئيس المصري أنور السادات، كان بسيوني واحدا من مهندسي اتفاقية كامب ديفيد الموقعة بين مصر وإسرائيل في عام 1978. وقد دعم مبادرة توجه أسطول الحرية إلى غزة في عام 2010. وفيما يخص الصراع الحالي في سوريا، طلب بسيوني من الأمم المتحدة إنشاء لجنة تحقيق لتجميع أدلة بشأن جرائم الحرب تمهيدا لإجراء محاكمات مستقبلية بشأن تلك الجرائم.
كان البروفسور بسيوني باحثا زائرا في مركز وودو ويلسون الدولي للباحثين في واشنطن العاصمة (في عام 1972)، وأستاذا زائرا للقانون في كلية الحقوق بجامعة نيويورك (في عام 1971) وأستاذا للقانون الجنائي الدولي في مؤسسة فولبرايت - هايز في جامعة فريبرغ في ألمانيا (في عام 1970)، وأستاذا غير متفرغ للقانون الجنائي بجامعة القاهرة في الفترة من عام 1996 إلى عام 2006. وبالإضافة إلى ذلك، عمل بسيوني محاضرا في العديد من الجامعات في الولايات المتحدة الأميركية والخارج.
خلال الفترة ما بين عامي 1973 و1980، تقلد بسيوني منصب مستشار بوزارتي الخارجية والعدل الأميركيتين في مشروعات تتعلق بالاتجار الدولي في المخدرات (في عام 1973) ومكافحة الإرهاب دوليا (في أعوام 1975 و1978 و1979) وعمل كذلك مستشارا لوزارة الخارجية الأميركية بشأن الدفاع عن رهائن الولايات المتحدة في إيران (من عام 1979 حتى عام 1980).



رسائل حب ومساندة مصرية للسعودية تحظى بتفاعل واسع

العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)
العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)
TT

رسائل حب ومساندة مصرية للسعودية تحظى بتفاعل واسع

العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)
العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)

في مشهد يعكس عمق العلاقات الشعبية بين مصر والمملكة العربية السعودية، شهدت منصات التواصل الاجتماعي في مصر خلال الأيام الماضية موجة من الرسائل والتعليقات على خلفية الاعتداءات الحوثية الأخيرة على المطارات السعودية، عبّر خلالها مصريون عن تضامنهم الكامل مع المملكة، ودعمهم لها قيادةً وشعباً وجيشاً وحكومة، مؤكدين متانة الروابط التاريخية التي تجمع البلدين.

جاء هذا التفاعل متوافقاً مع الموقف الرسمي المصري المعلَن تجاه المملكة، حيث نشر مستخدمون آلاف التدوينات وصوراً تجمع قادة البلدين، عبر عدة «هاشتاغات» داعمة للمملكة على مختلف المنصات، حظيت بتفاعل واسع، جاء أبرزها: «#كلنا_مع_السعودية»، «#مصر_والسعودية_ايد_واحدة»، #لن_ترونا_إلا_معا»، «#مصر_السعودية_أشقاء».

وتركَّز الجانب الأكبر من التعليقات المصرية على إبداء التأييد والتضامن مع المملكة فيما تواجهه من هجمات استهدفت بنيتها التحتية ومواطنيها، مع إدانة للممارسات الحوثية وتصنيفها أعمالاً إرهابية وجرائم تخالف الأعراف الإنسانية والدينية، مع إعلان الدعم الكامل للمملكة في إجراءاتها للدفاع عن نفسها.

كما أبرزت تعليقات أخرى المكانة الوجدانية للمملكة لدى الشعب المصري، مستخدمين لغة صادقة تعكس الشعور بالألم المشترك والمساندة النفسية في أوقات الأزمات، مؤكدين أن ما يجمع البلدين «علاقة دم ومصير واحد وليس تحالفاً مؤقتاً».

وأكد قطاع واسع من رواد المنصات أن العلاقات الثنائية تستند إلى عمق تاريخي وجغرافي لا يتأثر بمحاولات الوقيعة الرقمية بين البلدين، مشددين على أنها «علاقة أقوى من تأثير الذباب الإلكتروني».

كما استعاد مغردون مواقف تاريخية متبادلة بين البلدين في أوقات الأزمات والتحديات، مؤكدين أن التضامن المتبادل يظل إحدى أبرز سمات هذه العلاقة، مستحضرين محطات طويلة من التعاون والتنسيق بين القاهرة والرياض.

وركز آخرون على أن استقرار المملكة مسؤولية تهم كل عربي ومسلم، كونها أرض الحرمين الشريفين، لافتين إلى أن السعودية وطن ثانٍ للمصريين، وتجمع الشعبين روابط اجتماعية وإنسانية وثقافية متجذرة عبر عقود.

الرئيس عبد الفتاح السيسي يستقبل الأمير محمد بن سلمان في القاهرة الشهر الماضي (الرئاسة المصرية)

بينما جاءت أبرز رسائل المحبة والمساندة المصرية للسعودية مع نشر السفارة السعودية بالقاهرة بياناً لمواطنيها بشأن مساعدة المتضررين منهم من إلغاء الرحلات الجوية مع اضطراب حركة الطيران في السعودية، حيث دعت السفارة المواطنين السعوديين الذين تأثرت رحلاتهم الجوية أو تعذر وصولهم إلى وجهاتهم بسبب الإلغاء أو التأخير، إلى التواصل معها لطلب المساعدة، وهو ما أثار ردود فعل واسعة من المصريين.

وأظهرت التفاعلات رفض الشارع المصري التعامل مع المواطن السعودي على أنه «غريب»، مع إطلاق دعوات ترحيب بمن يوجدون على الأراضي المصرية، لافتين إلى أن «بيوتنا مفتوحة... والدار داركم».

وأشار مغردون على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن للمملكة محبّة راسخة في قلوب المصريين، مؤكدين أن «السعودي في مصر بين أهله».

وأشار الإعلامي والبرلماني مصطفى بكري، في تغريدة على «إكس»، إلى تلقيّ سفير خادم الحرمين الشريفين بالقاهرة، صالح بن عيد الحصيني، عقب نشر بيان السفارة، اتصالات وبرقيات عديدة من المصريين يعلنون فيها التضامن مع أشقائهم في المملكة في مواجهة العدوان الحوثي ضد المدنيين.

في المقابل، تفاعل مدونون سعوديون مع تلك الدعوات والتعليقات المصرية، لافتين إلى عدم شكهم في حب المصريين للسعودية وأهلها، بينما أكد آخرون المحبة والأخوّة بين الشعبين.

كما تفاعل الأمير عبد الرحمن بن مساعد، على تعليقات المصريين على بيان السفارة، معلقاً عبر حسابه الرسمي في منصة «إكس»: «ردود المصريين على ما نشرته السفارة السعودية في القاهرة تثلج الصدر، أُشهد الله على حبك يا مصر وحب أهلك».


ضربات جوية وكمائن دامية تنهك حشود الحوثيين في تعز

ضربات الطيران الحربي تتصدى للزحف الحوثي نحو مدينة تعز (إعلام عسكري)
ضربات الطيران الحربي تتصدى للزحف الحوثي نحو مدينة تعز (إعلام عسكري)
TT

ضربات جوية وكمائن دامية تنهك حشود الحوثيين في تعز

ضربات الطيران الحربي تتصدى للزحف الحوثي نحو مدينة تعز (إعلام عسكري)
ضربات الطيران الحربي تتصدى للزحف الحوثي نحو مدينة تعز (إعلام عسكري)

دخلت العملية العسكرية اليمنية «فجر اليمن» يومها الثامن، الاثنين، مع اتساع المواجهات في جبهات محافظة تعز، وتكثيف الضربات الجوية على مواقع الحوثيين وتحركاتهم العسكرية، بالتزامن مع معارك كرّ وفرّ في الريف الجنوبي والغربي للمدينة، حيث تسعى القوات الحكومية إلى استعادة مواقع فقدتها خلال الساعات الماضية، ومنع الجماعة المدعومة من إيران من توسيع اختراقاتها.

وفي موازاة القتال في تعز (جنوب غرب) تواصل القوات الحكومية عملياتها النوعية في جبهات مأرب والجوف، وسط إعلان الجيش تنفيذ آلاف الاستهدافات الجوية والمدفعية والمسيّرة منذ بدء التحركات الهجومية، ومقتل وإصابة أعداد كبيرة من الحوثيين، وفق بيانات عسكرية يمنية.

وعلى الساحل الغربي، تسعى القوات الحكومية إلى تثبيت مكاسبها في ذوباب ومحيط باب المندب، مع استمرار المواجهات حول مواقع وتحصينات لا تزال الجماعة تتحصن فيها، مستفيدةً من الألغام والتضاريس.

وأعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 1732 عملية استهداف دقيقة ومباشرة ضد مواقع عسكرية حوثية، باستخدام الطيران الحربي والمسيّر والمدفعية والراجمات، بالتزامن مع تقدم الوحدات المقاتلة على محاور العملية، خلال 24 ساعة.

القوات الحكومية اليمنية تثبت مكاسب الساحل في ثامن أيام بدء عملية «فجر اليمن» (أ.ب)

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن العمليات شملت تحصينات ومراكز قيادة وسيطرة ونقاط مراقبة واستطلاع ومرابض مدفعية ومناطق حشد وتعزيز، إضافة إلى مخازن أسلحة وذخائر وآليات ووسائط إمداد وأهداف عسكرية في العمق.

وأضاف النزيلي أن الاستهدافات أسفرت عن تحييد أكثر من 900 عنصر من الحوثيين، وتدمير أو إعطاب أكثر من 287 آلية ومعدة ووسيلة عسكرية، فضلاً عن إسكات مصادر نيران وإرباك منظومة القيادة والسيطرة وتعطيل حركة التعزيزات والإمداد. وأكد استمرار اختراق المواقع الدفاعية للجماعة وتوسيع نطاق التقدم وفق الخطة العملياتية.

تأتي هذه الحصيلة المعلنة في وقت تتوزع فيه المواجهات على جبهات متعددة، من أرياف تعز إلى جنوب مأرب وغربها، بينما تتركز المعارك الأكثر حساسية على خطوط الاقتراب من المدينة والطرق التي تربط مركز المحافظة بمديرياتها الريفية.

معارك استنزاف في تعز

شهدت تعز، خلال الساعات الماضية، ضربات جوية ومواجهات عنيفة على امتداد محاور القتال، شملت غرب المدينة وشمالها وشرقها، إلى جانب المسراخ والأقروض والضباب. وأعلن محور تعز تنفيذ غارات جوية استهدفت مواقع وآليات وتعزيزات حوثية في مناطق ميلات والمزارع وأطراف الصياحي غرباً، وشارع الستين شمالاً، وتلال سوفتيل والسلال شرقاً.

ضربات جوية مكثفة تستهدف زحف الحوثيين حول مدينة تعز (إعلام محلي)

كما أفادت تقارير عسكرية بأن الطيران الحربي استهدف تجمعات ومواقع للجماعة في الحوبان وتبة سوفتيل والمقرمي والجعشة، فضلاً عن مواقع أخرى شمال المدينة وغربها. وقالت مصادر عسكرية إن الضربات أوقعت خسائر بشرية ودمرت عدداً من الآليات.

وفي ريف تعز الجنوبي، احتدمت المواجهات في مديرية المسراخ، خصوصاً في منطقتي طالوق وسائلة طالوق، عقب محاولات تسلل حوثية من اتجاه نجد قسيم. وأفادت مصادر ميدانية بأن القوات الحكومية والمقاومة نفذت كمائن ضد المهاجمين، أوقعت قتلى وجرحى في صفوفهم وأجبرت بعضهم على الانسحاب.

وتزامنت هذه الاشتباكات مع معارك في منطقة الأقروض، حيث أعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع كانت الجماعة قد سيطرت عليها خلال الساعات السابقة، إلى جانب استعادة تلَّتَي مهيوب ثابت ووثيب، ومدرسة الفرقان في قرية الذنيب، وفق المعلومات العسكرية الواردة من الجبهة.

الحكومة اليمنية تعهدت باستمرار العمليات العسكرية حتى إنهاء التهديد الحوثي (إعلام محلي)

وتكتسب هذه المناطق أهمية ميدانية بسبب اتصالها بشبكة الطرق التي تربط مدينة تعز بريفها الجنوبي، فيما يزيد تقدم الحوثيين في منطقة نجد قسيم من حساسية المعركة، نظراً إلى موقعها على طريق رئيسي يخدم عدداً من مديريات المحافظة.

وفي جبهة الضباب، أفادت المعلومات الميدانية بأن القوات الحكومية ثبّتت مواقعها في جبل هان، مع استمرار الاشتباكات في أطراف المنطقة وتنفيذ كمائن ضد مجموعات حوثية.

وتكشف هذه التطورات عن اتساع رقعة المواجهات في محيط تعز، حيث تتداخل الضربات الجوية مع الاشتباكات المباشرة والكمائن، في وقت تحاول فيه القوات الحكومية احتواء الاختراقات واستعادة المواقع التي شهدت تغيراً في خطوط التماس.

الساحل ومأرب والجوف

على امتداد الساحل الغربي، تواصل قوات ألوية العمالقة و«درع الوطن» تثبيت مواقعها في ذوباب ومحيط باب المندب، وسط مواجهات مع مجموعات حوثية لا تزال تتحصن في جيوب ومواقع صغيرة خلف الألغام والتلال المطلة على المضيق، وفق المعلومات الميدانية الواردة من المنطقة.

كانت القوات الحكومية قد أعلنت في الأيام الماضية تحقيق مكاسب في محاور الساحل، بالتوازي مع تأمين مواقع مرتفعة في كهبوب وتوسيع الضغط على تجمعات الحوثيين. غير أن استمرار الاشتباكات في بعض الجيوب يفرض على القوات مواصلة عمليات التمشيط وتثبيت المواقع، في ظل مخاطر الألغام والتحصينات التي تعوق الحركة.

الحوثيون يتكبدون خسائر بشرية كبيرة جراء الضربات البرية والجوية في تعز (إعلام عسكري)

وفي محافظة مأرب، استهدفت القوات الحكومية مواقع وآليات حوثية في الجبهتين الجنوبية والجنوبية الغربية، باستخدام المدفعية والطيران المسيّر، فيما شن الطيران الحربي غارات على ثكنات ومخازن تابعة للجماعة.

ونقلت وسائل إعلام عسكرية يمنية عن مصادر في عمليات المنطقة العسكرية الثالثة أن الضربات أدت إلى تدمير وإعطاب آليات قتالية، واستهداف مربض مدفعية حوثي، مما أسفر عن تدمير المدفع ومقتل طاقمه. كما تحدثت المصادر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجماعة، في حين أعلنت القوات الحكومية مقتل ثلاثة من أفرادها وإصابة آخرين خلال المواجهات.

وفي الجوف، تواصلت العمليات الجوية والمدفعية وهجمات الطائرات المسيّرة على مواقع وتحصينات ومراكز قيادة ومخازن أسلحة حوثية، وفق البيانات العسكرية الحكومية.


الحكومة اليمنية تحشد دعماً دولياً وإقليمياً لإنهاء التهديد الحوثي

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تحشد دعماً دولياً وإقليمياً لإنهاء التهديد الحوثي

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)

وسَّعت الحكومة اليمنية تحركها السياسي والدبلوماسي بالتوازي مع العمليات العسكرية التي تخوضها القوات الحكومية ضمن عملية «فجر اليمن»، مستهدفة حشد مواقف عربية وإسلامية ودولية لمواجهة الحوثيين، بالتزامن مع إقرار مشروع قانون لتصنيف الجماعة «منظمة إرهابية» وتجريم أنشطتها وتمويلها، في خطوة تعكس انتقال المواجهة من جبهات القتال إلى مسارات سياسية وقانونية أوسع.

وجاءت هذه التحركات مع تأكيد الحكومة أن استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي المدعوم من إيران، يمثلان هدفاً مركزياً للمرحلة الحالية، وسط تصاعد المخاوف من تداعيات الهجمات التي تستهدف المنشآت المدنية والمطارات، وتهدد أمن الملاحة الجوية والبحرية في المنطقة.

وفي تحرك دبلوماسي متزامن، أجرت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين اليمنية، أفراح الزوبة، اتصالات مع القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى اليمن نيل هوب، والأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي إسماعيل ولد الشيخ أحمد، لبحث التطورات العسكرية والإنسانية، وتداعياتها على الأمن الإقليمي والممرات البحرية الدولية.

وجاءت الاتصالات الثلاثة لتضع أمن اليمن والمنطقة في صدارة المشاورات، مع تركيز الحكومة على ما تصفه بالتهديدات الحوثية المرتبطة بالأجندة الإيرانية، والدعوة إلى تنسيق دولي وعربي وإسلامي يتجاوز الإدانات إلى إجراءات عملية.

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة (سبأ)

وأكدت أفراح الزوبة، خلال اتصالها بالمسؤول الأميركي، أن أي تسوية سياسية مستدامة يجب أن تستند إلى المرجعيات الوطنية والإقليمية والدولية، وأن تضمن حصرية السلاح واحتكار الدولة قرارَي الحرب والسلام، بما يمنع إخضاع مستقبل اليمن لإرادة جماعة مسلحة.

تنفيذ القرارات الدولية

ودعت وزيرة الخارجية اليمنية إلى تنفيذ قرارات مجلس الأمن المتعلقة باليمن، وفي مقدمها القرار 2216، وتعزيز التدابير الرامية إلى وقف تدفق الأسلحة والتمويل والخبرات العسكرية الإيرانية إلى الحوثيين، ومنع استخدام الأراضي اليمنية منطلقاً لتهديد دول المنطقة والممرات البحرية.

كما شددت على ضرورة حماية الملاحة الدولية وتأمين خطوطها الحيوية؛ خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مشيرة إلى ما وصفته بالانتصارات التي حققها الجيش والقوات المساندة له في دحر الحوثيين من المنطقة.

الحوثيون يدفعون بحشودهم المسلحة لتشديد الحصار على مدينة تعز (أ.ف.ب)

من جانبه، جدد القائم بالأعمال الأميركي موقف بلاده الداعم لوحدة اليمن وأمنه واستقراره، ومساندتها الحكومة اليمنية، وأدان الممارسات الحوثية بحق المدنيين، مؤكداً أهمية استمرار التنسيق لحماية الملاحة الدولية وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

وفي اتصالاتها مع جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، دفعت الوزيرة أفراح الزوبة باتجاه توحيد المواقف العربية والإسلامية إزاء الهجمات التي تستهدف اليمن والسعودية والمنشآت الحيوية، معتبرة أن تداعياتها تتجاوز حدود دولة واحدة، وتمس الأمن الإقليمي ومصالح شعوب المنطقة.

ودعت إلى تفعيل آليات العمل العربي المشترك، وتعزيز التواصل مع المؤسسات الدولية، في حين أكد فهمي أن التحديات الراهنة تهدد الأمن القومي العربي، وأبدى استعداده لمواصلة التشاور بشأن التحركات المطلوبة. كما أكد الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي أهمية استمرار التنسيق مع اليمن إزاء التطورات الراهنة.

«حكومة معركة»

على المسار الداخلي، اتخذ مجلس الوزراء اليمني، برئاسة رئيس الحكومة شائع محسن الزنداني، خطوات قال إنها تستهدف رفع جاهزية مؤسسات الدولة، وتوفير متطلبات استمرار العمليات العسكرية وحماية السكان والمنشآت.

وأشاد المجلس بتقدُّم «ألوية العمالقة» الجنوبية وقوات «درع الوطن» والمقاومة الشعبية، بإسناد من «تحالف دعم الشرعية»؛ مشيراً إلى تحرير ذوباب ومواقع استراتيجية في محيط باب المندب، وقطع الطريق بين ذوباب والمخا. واعتبر أن هذه التطورات تمثل تحولاً استراتيجياً في أحد أهم الممرات المائية في العالم، من شأنه تقليص قدرة الحوثيين على استخدام تهديد الملاحة الدولية ورقة ضغط.

وقال الزنداني إن ضربات «فجر اليمن» والخسائر التي تكبدها الحوثيون في باب المندب، دفعت الجماعة إلى نقل المعركة نحو المدنيين والمنشآت المدنية. وشدد على أن الحكومة لا تتعامل مع المرحلة بوصفها حالة دفاعية مؤقتة؛ بل بوصفها معركة لاستعادة سلطة الدولة.

حشد من الحوثيين في صنعاء حيث العاصمة اليمنية المختطفة (أ.ف.ب)

ووجَّه رئيس الوزراء أجهزة السلطة التنفيذية بالخروج من منطق رد الفعل إلى العمل الاستباقي، ورفع الجاهزية، وتوفير احتياجات القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية والأمن والمقاومة الشعبية، إلى جانب ضمان استمرار الخدمات وحماية السكان.

ووافق المجلس على مشروع قانون بشأن تصنيف جماعة الحوثي «منظمة إرهابية» وتجريم أنشطتها وتمويلها، ووجّه باستكمال الإجراءات الدستورية والقانونية اللازمة للمصادقة عليه.

كما استمع المجلس إلى إحاطة من وزير الدفاع بشأن المستجدات الميدانية والاحتياجات اللازمة لمواصلة العمليات، مؤكداً دعمه للعملية وتسخير إمكانات الدولة لإسنادها، ومشدداً على استمرارها حتى استكمال أهدافها وتحرير ما تبقى من الأراضي، وصولاً إلى صنعاء.