طوارئ في صنعاء وفرض للحداد غداة إعلان مقتل الصماد

ترجيحات بوقوف إيران خلف تعيين المشاط رئيساً جديداً لمجلس الانقلابيين

يمنيون في سوق بصنعاء أمس غداة الإعلان عن مقتل القيادي الحوثي الصماد (إ.ب.أ)
يمنيون في سوق بصنعاء أمس غداة الإعلان عن مقتل القيادي الحوثي الصماد (إ.ب.أ)
TT

طوارئ في صنعاء وفرض للحداد غداة إعلان مقتل الصماد

يمنيون في سوق بصنعاء أمس غداة الإعلان عن مقتل القيادي الحوثي الصماد (إ.ب.أ)
يمنيون في سوق بصنعاء أمس غداة الإعلان عن مقتل القيادي الحوثي الصماد (إ.ب.أ)

كثفت جماعة الحوثي الانقلابية نشر مسلحيها في صنعاء أمس غداة الإعلان عن مقتل رئيس المجلس السياسي التابع لها، في مؤشر على توتر شديد لدى الجماعة، خصوصاً بعد تواتر الأنباء عن تسبب اختراق في القيادات الحوثية في قتل الرجل الثاني في منظومة الانقلابيين.
وذكرت مصادر لـ«الشرق الأوسط» أنه تم تسجيل انتشار كثيف للمسلحين واستحداث مناطق أمنية جديدة في كثير من الأحياء في صنعاء وذمار لتفتيش المارة غدة الإعلان عن مقتل صالح الصماد بغارة لتحالف دعم الشرعية الخميس الماضي.
وعزا مسؤول في الحكومة الشرعية اليمنية، تأخر الحوثيين في الإعلان عن مقتل صالح أياماً عدة إلى خلافات بين قياداتهم التي رفضت تولي هذا المنصب خوفاً على حياتهم بعد استهداف الصماد. وقال راجح بادي المتحدث الرسمي للحكومة اليمنية لـ«الشرق الأوسط»: «الحوثيون تعمدوا تأخير إعلان خبر مقتل الصماد أياماً عدة، وهو ما يدل على وجود خلافات كبيرة فيما بينهم لمن يخلف الصماد، فقيادات الحركة لم تعد تأمن ما سيحدث لها بعد استهداف الرجل الأساسي في منظومتهم، لا سيما أن الحركة تشهد حالة من الانقسام في تماسكها وتراجعا حاداً في شعبيتها على الأرض بين المواطنين». وأوضح أن التاريخ السياسي لمهدي المشاط الذي خلف الصماد لا يتضمن سوى أنه كان مديراً لمكتب عبد الملك الحوثي.
وبيّن أن السياسيين الذين تعاملوا مع المشاط في فترة المشاورات التي كانت تجري في فندق «موفنبيك» عندما كان الرئيس عبد ربه منصور هادي تحت الإقامة الجبرية مع الحكومة في صنعاء، وأيضا المشاركين في المشاورات التي رعتها الأمم المتحدة في دولة الكويت واستمرت قرابة 90 يوماً، جميعهم يعلمون أنه شخصية متهورة لا تتمتع بأي حضور سياسي أو قبلي أو اجتماعي، وهو ما يؤكد أن الحركة في أزمة وصفوفها غير متماسكة.
بدوره، كشف العميد ركن عبده مجلي الناطق الرسمي باسم الجيش الوطني لـ«الشرق الأوسط»، عن أن الغارة الجوية التي استهدفت الصماد جاءت نتيجة عملية استخباراتية دقيقة، واختراق صفوف القيادات الحوثية. وأكد أن الميليشيات الانقلابية تلقت بمقتل الصماد ضربة موجعة، وأكدت لهم أن أجهزتهم الاستخباراتية مخترقة وأن التحالف العربي والجيش الوطني قادر على تتبع قادة ميليشياتهم في أي مكان. وتطرق الناطق الرسمي للجيش الوطني إلى أن الانتصارات التي حققها الجيش الوطني بدعم وإسناد التحالف العربي، وقتل الرجل الثاني في منظومة الانقلابيين بغارة جوية للتحالف أحبط معنويات الحوثيين وقسم صفوفهم وأثار شكوكاً فيما بينهم حول تسريب المعلومات وأدى لنشوب كثير من الخلافات بينهم لعدم الثقة والاتهام بالخيانة.
وشددت جماعة الحوثي إجراءات الأمن ونشرت في شوارع صنعاء مئات الحواجز الأمنية، كما فرضت مظاهر الحداد على رئيسها القتيل الصماد بالقوة في جميع المؤسسات الحكومية بالتزامن مع إجبار الإذاعات المحلية الخاصة على التوقف عن برامجها المعتادة لمشاركة الجماعة مظاهر الحداد والحزن. وفي الوقت الذي خيمت حالة من الترقب على العاصمة صنعاء بدأ أغلب السكان في حالة من الارتياح لمقتل الصماد على الرغم من عدم استطاعتهم المجاهرة بهذه المشاعر التي ولدها سقوط الرجل الثاني في سلم الهرم القيادي للميليشيات الانقلابية.
وكانت الجماعة اعترفت رسميا أول من أمس بمقتل رئيس مجلسها الانقلابي الصماد جراء غارة لطيران التحالف العربي استهدفته ظهر الخميس الماضي أثناء وجوده في مدينة الحديدة التي كان وصلها في سياق مساعيه لتحشيد المقاتلين وحض سكان المحافظة على الالتحاق بصفوف الميليشيات للدفاع عنها أمام قوات الجيش والمقاومة الوطنية التي تتأهب لاستعادتها مع مينائها الاستراتيجي. وكان زعيم الميليشيات عبد الملك الحوثي، ظهر في شكل مقتضب على «قناة المسيرة» التابعة لجماعته بعد اعترافها بمقتل الصماد أول من أمس وتنصيب القيادي مهدي المشاط خلفا له، معددا مناقب رئيس مجلسه الانقلابي، ومتوعدا بالتصعيد الانتقامي من أجله. وفي بيان النعي الذي نسبته الجماعة إلى ما يسمى «المجلس السياسي الأعلى» قررت الجماعة إعلان الحداد ثلاثة أيام على مقتل الصماد وتنكيس الأعلام 40 يوما، وهو الأمر الذي سخر منه الناشطون اليمنيون، لجهة أن هذا الإجراء البرتوكولي - على حد تعبيرهم - لا يكون إلا من أجل وفاة قادة الدول الشرعيين، وهو ما لا ينطبق على حالة الصماد الذي يراه اليمنيون والعالم أجمع مجرد عضو قيادي في عصابة مسلحة انقلبت على السلطة الشرعية تنفيذا لأجندة إيرانية.
وفي سياق شرعنة الجماعة الانقلابية لتولي المشاط المنصب، أجبرت النواب الخاضعين لقبضتها في صنعاء على اجتماع أمس حضره عدد محدود منهم لمباركة تنصيبه خلفا للصماد، بحسب ما أفادت به مصادر برلمانية في صنعاء لـ«الشرق الأوسط».
وعلى الرغم من أن زعيم الميليشيات حسم عملية التنافس بين القيادات على خلافة الصماد بمنح الثقة لصهره المشاط، فإن مصادر مطلعة على طبيعة الصراع بين أجنحة الجماعة أفادت لـ«الشرق الأوسط» بأن حالة من عدم الرضا عن القرار عبر عنها عدد من قيادات الجماعة بخاصة لدى كل من محمد علي الحوثي ابن عم زعيم الجماعة، وعمه الآخر عبد الكريم الحوثي، اللذين كانا يخوضان صراعا غير معلن مع الصماد لإطاحته، وتولي أحدهما المنصب التنفيذي الأول في هيكلية مجلس حكم الانقلاب.
وفي ظل تضارب في المعلومات حول مصير عدد من قادة الجماعة الذين تداولت بعض المصادر المحلية مصرعهم رفقة الصماد، اعترف زعيم الميليشيات بأن ستة عناصر فقط من مرافقي الصماد هم الذين لقوا مصيره في ثلاث ضربات جوية قال إنها استهدفتهم بعد عودتهم من اجتماع عقد الخميس في جامعة الحديدة. ورجحت لـ«الشرق الأوسط» مصادر قريبة من الجماعة في صنعاء، عدم سقوط أي من القيادات المعتبرة إلى جانب الصماد، إلا أنها لم تستبعد أن يكون بعضهم قد قتل في عملية منفصلة لطيران التحالف العربي في موقع آخر، ولم تشأ الجماعة إعلان مقتلهم حرصا على معنويات عناصرها. وتعقيبا على قرار الميليشيات الحوثية الدفع بالقيادي مهدي المشاط على رأس مجلسها الانقلابي، ذهب كثير من المراقبين إلى وصف هذه الخطوة بأنها دليل إضافي على عدم رغبة الجماعة في إحلال السلام وإنهاء الانقلاب استجابة لمساعي الأمم المتحدة وضغوط المجتمع الدولي، لجهة ما يمثله المشاط من سلوك عدواني متطرف ومواقف سياسية متشددة عكستها حوادث سابقة أثناء جولات التفاوض بين ممثلي الجماعة وأطراف الحكومة الشرعية.
كما عد مراقبون في صنعاء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» تعيين المشاط خلفا للصماد، نذيرا بتصعيد مرتقب على صعيد الانتهاكات الحوثية وإجراءت القمع ضد المعارضين بخاصة في حق عناصر حزب «المؤتمر الشعبي» الموالين للرئيس الراحل علي عبد الله صالح.
وأعاد الناشطون اليمنيون منذ تعيين المشاط، رئيسا لميليشيات الحوثي، ترديد عبارة شهيرة، كان أطلقها السياسي المخضرم والقيادي في حزب الرئيس السابق، عبد الكريم الإرياني، قبل وفاته التي أعقبت الانقلاب الحوثي بأشهر قليلة، وذلك في معرض توصيفه لسوداوية الواقع اليمني الذي أصبح عليه في ظل انقلاب ميليشيات الحوثي.
وتقول العبارة التي كان أوردها الإرياني في آخر تصريحاته الرسمية وهو يشغل منصب المستشار السياسي عبد ربه منصور هادي: «إذا أراد الله أن يغضب على شخص أمد في عمره حتى يجد نفسه يحاور مهدي المشاط». في إشارة فهم منها السلوك الهمجي للقيادي الحوثي الذي لا يفقه شيئا في السياسة ولا في الاحترام، باستثناء التعبير عن فكره الطائفي وتصرفاته العدائية المستندة إلى منطق السلاح.
وإلى جانب علاقة المصاهرة مع زعيم الميليشيات الحوثية، والانتماء إلى سلالته، رجح المراقبون لـ«الشرق الأوسط» أن تعيينه خلفا للصماد جاء تنفيذا لإرادة إيرانية، لجهة ولائه الشديد لطهران وأفكارها «الخمينية» التي كان تلقاها عبر سنوات من الدراسة الطائفية والدورات المذهبية في حوزاتها المتطرفة.
ويستند المراقبون إلى أن حداثة سن المشاط الثلاثيني وقلة خبرته إضافة إلى سلوكه العدائي، كلها لا تؤهله ليكون واجهة سياسية للجماعة في ظل وجود قيادات أخرى أكثر قبولا وأمضى تجربة، لولا الرغبة الإيرانية التي تراهن على ولاء المشاط وتهوره وعنفه لإجهاض أي مساع للسلام وإنهاء الحرب والانقلاب. وهي الرغية الإيرانية نفسها، بحسب المراقبين، التي دفعت الحوثي، لتعيين صهره المشاط ومدير مكتبه عضوا في مجلسه الانقلابي المعروف بالمجلس السياسي الأعلى، خلفا للقيادي يوسف الفيشي في مايو (أيار) 2017. وذلك بعد نحو عام من تشكيل كيان الحكم الانقلابي بالتفاهم مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح.
وكانت الجماعة الحوثية اختارت المشاط ضمن عضوية وفدها المفاوض في سويسرا والكويت، وسبق له أن شارك في وفود للجماعة إلى إيران ومسقط والصين، إلى جانب مشاركته في فريق الجماعة المفاوض بعد اقتحام صنعاء، ضمن المساعي التي قادها المبعوث الأممي الأسبق جمال بنعمر لإنتاج «اتفاق السلم والشراكة» بين الميليشيات والأطراف اليمنية الأخرى، وهو الاتفاق الذي وقع عليه المشاط، وانقلبت عليه جماعته في سياق استكمالها للسيطرة على مؤسسات الدولة، قبل أن يجف حبره. وكان الرئيس الجديد للميليشيات، قائدا لمسلحي الجماعة الذين اقتحموا منطقة دماج في صعدة ونكلوا بالعناصر السلفية، قبل دخول صنعاء واجتياح بقية المناطق اليمنية، فضلا عن أنه من أبرز قادة الجناح المتطرف الذين أصروا على التخلص من حليفهم صالح وتصفيته في ديسمبر الماضي. وطبقا لما سربته المصادر الحوثية في صنعاء، كان المشاط هو الحاكم الفعلي للقرار المالي والإداري لمجلس الانقلاب، الذي تولى فيه عضوية الملف الاقتصادي، بالتوافق مع القياديين محمد الحوثي وعبد الكريم الحوثي. وينسب إليه أنه رفع مسدسه في اجتماع تفاوضي لقيادات الأحزاب وممثليها بحضور المبعوث الأممي جمال بنعمر، مهددا بأن الكلمة الفصل هي للسلاح وليس للتوافق الوطني مع بقية المكونات اليمنية.
وكانت مصادر حزبية يمنية كشفت إبان المفاوضات التي استضافتها الكويت في عام 2016 وأفشلتها الجماعة، عن أن المشاط كان هو عضو الارتباط بين وفد الجماعة وزعميها الحوثي وبين الدوائر السياسية الإيرانية والأخرى التابعة لـ«حزب الله» اللبناني، إذ كان ينقل تفاصيل المشاورات أولا بأول، وينقل لممثلي الجماعة التعليمات الواردة من طهران وصعدة.


مقالات ذات صلة

العليمي يعلن انطلاق «فجر اليمن» لاستعادة صنعاء وإنهاء انقلاب الحوثيين

العالم العربي رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي (سبأ)

العليمي يعلن انطلاق «فجر اليمن» لاستعادة صنعاء وإنهاء انقلاب الحوثيين

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، الاثنين، انطلاق عملية عسكرية أطلق عليها اسم «فجر اليمن»، بهدف استعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وحدات من قوات ألوية العمالقة (إعلام عسكري)

قوات العمالقة و«درع الوطن» تتقدم نحو ذوباب قرب باب المندب

تُواصل قوات «ألوية العمالقة» و«درع الوطن» تقدمها في مناطق محيطة بمضيق باب المندب، وسط معارك عنيفة مع جماعة «الحوثي» بمنطقة ذوباب، بالتزامن مع عمليات عسكرية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي أضواء انفجارات سببتها الصواريخ الحوثية على مدينة المخا منتصف أغسطس (آب) الماضي (رويترز)

الصواريخ... غطاء الحوثيين الناري للتقدم الميداني

تكشف الهجمات الصاروخية الحوثية عن نمط استهداف لعمق سيطرة القوات الحكومية بوصف ذلك تمهيداً للتقدم الميداني بضرب المنشآت الحيوية وإرهاب السكان ومراكز الإمداد

وضاح الجليل (عدن)
خاص بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ) p-circle

خاص قائد خفر السواحل اليمنية: سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها في البحر الأحمر

قال رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية إن سيطرة الحوثيين على باب المندب وجزر البحر الأحمر تمثل «تحولاً نوعياً» في طبيعة التهديد الذي تشكله الجماعة

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي وزير خارجية جيبوتي عبد القادر عمر يلقي كلمة بالجمعية العامة للأمم المتحدة (وكالة أنباء جيبوتي)

جيبوتي تحت ضغوط «اضطرابات الجوار»

وجدت جيبوتي نفسها تحت وطأة تدفق آلاف الفارين من جحيم النزاعات وسط تصاعد الأزمات في دول الجوار، لا سيما في إثيوبيا واليمن.

محمد محمود (القاهرة)

استثمارات ناجحة تُظهر «وجهاً مُشرقاً» للوجود السوداني في مصر

أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)
أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)
TT

استثمارات ناجحة تُظهر «وجهاً مُشرقاً» للوجود السوداني في مصر

أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)
أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)

وجه آخر للوجود السوداني في مصر، أظهره تدفق الاستثمارات ورؤوس الأموال في قطاعات اقتصادية متنوعة، ليغيِّر صورة تقليدية بشأن أعباء الوافدين، وبينهم تجمعات السودانيين الفارين من الحرب.

وانتقل عديد من رؤوس الأموال السودانية للاستثمار في مصر بعد الحرب التي اندلعت منتصف أبريل (نيسان) 2023، حسب مصادر سودانية، تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، عن حجم الأعمال السودانية في السوق المصرية، وقدَّرتها بملايين الدولارات، يتركز الجزء الأكبر منها في السوق العقارية، إلى جانب نشاط صناعي وتجاري.

وبسبب الحرب السودانية، بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، فرّ نحو مليون و200 ألف سوداني، إلى المدن المصرية، حسب إحصائيات رسمية، إلى جانب ملايين آخرين يعيشون في ربوع مصر منذ سنوات.

إحدى رحلات قطار عودة السودانيين من القاهرة (مجلس الوزراء المصري)

وأثار ازدياد الوجود السوداني في الأحياء المصرية، جدلاً واسعاً، على وقع بعض الانتقادات الإعلامية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً في بداية الحرب بسبب «التكتلات السودانية» في مناطق شعبية، وتأثيرها على «ارتفاع إيجارات الوحدات السكنية» والضغط على موارد الدولة.

وأشاد رئيس «مجلس السيادة» السوداني، الفريق عبد الفتاح البرهان، خلال لقائه مع الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في مدينة العلمين (على ساحل المتوسط)، الأحد الماضي، بدعم القاهرة السياسي والإنساني لبلاده، وثمن «استضافة أعداد كبيرة من السودانيين الذين اضطروا لمغادرة بلادهم بسبب الحرب»، حسب الرئاسة المصرية.

وتراجعت موجة الانتقادات للوجود السوداني المكثف، بعد ازدياد أعداد العودة الطوعية للسودانيين إلى بلادهم خلال الأشهر الأخيرة، بتسهيلات من سلطات البلدين، غير أن هذه الرحلات لم تسفر عن عودة جميع الفارين من الحرب، خصوصاً بعد ارتباط عديد من الأسر السودانية بالإقامة في مصر، لاعتبارات الدراسة لأبنائهم، أو انخراطهم في أعمال داخل البلاد.

ولا توجد قدرة دقيقة على إحصاء حركة رؤوس الأموال السودانية بشكل إجمالي، ذلك أن جزءاً كبيراً من الأعمال يتم خارج المسارات الرسمية، وفق السفير المصري الأسبق في السودان حسام عيسى، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان، تدفع كثيراً من السودانيين إلى إدارة رؤوس أموالهم بعيداً عن التحويلات البنكية».

عشرات السودانيين قبل انطلاق إحدى رحلات العودة للبلاد عام 2025 (مجلس الوزراء المصري)

ويرى عيسى أن «الشواهد الخاصة باستثمارات السودانيين في مصر تشير إلى أن استثماراتهم تقدَّر بملايين الدولارات، بالنظر إلى طبيعة وخصائص المقيمين في مصر حالياً»، مشيراً إلى أن «نسبة كبيرة من النخب ورجال الأعمال وكبار المسؤولين وسفراء ورؤساء الأحزاب يشكلون نسبة كبيرة من الوجود السوداني حالياً، وغالبيتهم لجأوا إلى الاستثمار في العقارات في المقام الأول»، إلى جانب «الاستثمار في قطاعات أخرى، مثل تجارة الخدمات».

وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قال حسن الخطيب، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية المصري، إن حجم الاستثمارات السودانية في مصر بلغ نحو 79 مليون دولار خلال عام 2024، بنمو قدره 39 في المائة مقارنةً بالعام السابق.

وأضاف خلال فعاليات منتدى الأعمال المصري - السوداني، أن أكثر من 3320 شركة سودانية تعمل في السوق المصرية، مما يعد مؤشراً إيجابياً على تطور العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

ولم يقتصر الوجود السوداني بعد الحرب على العاصمة القاهرة ومدن رئيسية مثل الإسكندرية (شمالاً)، أو أسوان (جنوباً)، لكنه امتد ليشمل غالبية المدن الجديدة، وفق الأمين العام لاتحاد الغرف الصناعية السودانية، عباس علي السيد، الذي قال إن «كثيراً من الأسر فضلت البقاء في محل إقامتها بمصر وعدم العودة رغم تحسن الأوضاع في بعض الولايات بالسودان لأنها ارتبطت بأعمال واستثمارات داخل البلاد».

ويتصدر القطاع العقاري استثمارات السودانيين وفق تقدير السيد، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: «إلى جانب السوق العقارية، ارتفعت أعمال السودانيين في المجال الصناعي والتجاري، فمعظم الصناعات السودانية أقامت خطوط إنتاج بشراكات مع مصانع مصرية، لا سيما في المنتجات الغذائية»، إلى جانب «أنشطة صغيرة في التجارة والخدمات».

الملتقى المصري - السوداني لرجال الأعمال عام 2024 (مجلس الوزراء المصري)

وأصبحت مصر من الوجهات الأولى لحركة رؤوس الأموال السودانية ما بعد الحرب، وفق تقدير المستشار الاقتصادي ومدير مركز المعلومات بوزارة المالية السودانية سابقاً، عادل عبد العزيز الفكي، الذي قال إن «الروابط الاقتصادية القديمة والقرب الجغرافي، ساعدا في انتقال عديد من الاستثمارات السودانية إلى السوق المصرية».

ويرى الفكي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الاتجاه الأول في الاستثمار كان في السوق العقارية، بالنظر إلى مكاسبه المضمونة»، لكنه أشار إلى أن «هناك عديداً العلامات التجارية السودانية انتقلت للتصنيع في مصر، حيث أصبحت موطناً لها، منها اللحوم المجمدة والسلع الغذائية مثل السمسم والطحينية»، مشيراً إلى أن «هذه المنتجات يتم توزيعها على الجالية المقيمة في مصر، ويذهب الجزء الآخر منها إلى السودان».

واستضافت القاهرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، الملتقى المصري-السوداني لرجال الأعمال من البلدين، لبحث إقامة مشروعات استثمارية مشتركة في السوق المصرية، خصوصاً في مجالات التصنيع والنقل والموانئ.

ويتركز أغلب استثمارات السودانيين في السوق العقارية، في المدن الجديدة، خصوصاً مناطق «التجمع الخامس والرحاب ومدينتي» (شرق القاهرة)، وفق مدير وحدة العلاقات الدولية بـ«المركز السوداني للفكر والدراسات الاستراتيجية»، مكي المغربي، الذي قال إن «الاستثمار السوداني في السوق العقارية المصرية ليس جديداً، لكنه كان يتركز قبل الحرب، في أحياء القاهرة والجيزة الرئيسية مثل الزمالك والمهندسين وفيصل».

من رحلات العودة الطوعية للسودانيِّين إلى بلادهم (لجنة الأمل للعودة الطوعية)

وإلى جانب السوق العقارية والصناعات التحويلية، تتجه استثمارات السودانيين إلى المراكز التعليمية والمدارس الخاصة، وفق المغربي، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عديد من المراكز التعليمية التي ما زالت تمارس نشاطها داخل مصر لأبناء الجالية، رغم قيام السلطات المصرية بإغلاق المدارس التي لا تنطبق عليها معايير النشاط التعليمي داخل البلاد».

وشملت إجراءات الإغلاق مدرسة «الصداقة» التي دشنتها السفارة السودانية بالقاهرة في عام 2016، ومدارس خاصة، قبل أن تعلن السفارة السودانية بالقاهرة، استئناف الدراسة في مدرسة «الصداقة» مرة أخرى، بدايةً من ديسمبر 2024.


2750 عملية خلال يوم واحد... و«فجر اليمن» تضيّق الخناق على الحوثيين

جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)
جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)
TT

2750 عملية خلال يوم واحد... و«فجر اليمن» تضيّق الخناق على الحوثيين

جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)
جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)

دخلت عملية «فجر اليمن» يومها السادس، السبت، على وقع اتساع الضربات الجوية التي تستهدف القدرات العسكرية للحوثيِّين، بالتوازي مع استمرار تقدُّم القوات الحكومية في الساحل الغربي ومأرب، في وقت أحبطت فيه ألوية العمالقة هجوماً للجماعة شمال مطار ذوباب، بينما لا تزال مئات العناصر الحوثية متحصنة في جيوب خلف الألغام والخنادق في منطقة باب المندب وجزرها.

وتعكس التطورات انتقال المعركة إلى مرحلة ملاحَقة ما تبقَّى من جيوب المقاومة الحوثية في المواقع التي استعادت القوات الحكومية السيطرة عليها لتثبيت المكتسبات، مع استمرار محاولات الجماعة فك الحصار عن عناصرها، وسط تقدُّم عسكري حذر يستهدف استكمال تطهير المنطقة وتثبيت المكاسب الميدانية، بالتزامن مع ضربات جوية تتجاوز خطوط المواجهة إلى مواقع عسكرية ومخابئ للصواريخ في عمق مناطق سيطرة الحوثيِّين.

وفي أحدث التطورات الميدانية، تصدَّت ألوية العمالقة الجنوبية لهجوم شنَّته الجماعة الحوثية على مواقعها شمال مطار ذوباب، وكبَّدتها خسائر في الأرواح والعتاد، بالتزامن مع غارات لطيران «تحالف دعم الشرعية» استهدفت تعزيزات عسكرية دفعت بها الجماعة إلى المنطقة، في محاولة لتعزيز مواقعها ومساندة عناصرها المُحاصَرة.

القوات الحكومية اليمنية تسعى إلى تأمين باب المندب ومواصلة معركة الساحل الغربي (أ.ب)

وتأتي المواجهات غداة عملية واسعة استهدفت استكمال تحرير ما تبقَّى من منطقة باب المندب والجزر التابعة لها، حيث تواصل الوحدات العسكرية عمليات التمشيط والتعامل مع الألغام والتحصينات، وسط تقديرات بوجود مئات من العناصر الحوثية في جيوب متفرقة، ما يجعل استكمال التطهير وتثبيت السيطرة أولوية ميدانية في المرحلة الحالية.

ضربات في العمق

بالتوازي مع المعارك البرية، أعلن الجيش اليمني تنفيذ أكثر من 2750 عملية استهداف دقيقة خلال الساعات الـ24 الماضية، طالت تحصينات ومواقع دفاعية ونقاط مراقبة واستطلاع ومرابض مدفعية ومخازن أسلحة وذخائر ومستودعات إمداد وتموين وتعزيزات عسكرية للحوثيِّين في مختلف محاور القتال.

وقال الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن العمليات التي نُفِّذت في إطار «فجر اليمن» شملت أيضاً أهدافاً عسكرية، وصفها بـ«المشروعة وعالية القيمة»، في عمق مناطق سيطرة الجماعة.

المسلحون الحوثيون يتعرَّضون لحملة جوية واسعة في مناطق سيطرتهم كافة (إعلام عسكري)

وأوضح أن التقديرات الميدانية الأولية تشير إلى تحييد أكثر من 1400 عنصر حوثي، وتدمير أو إعطاب أكثر من 250 آلية ووسيلة قتالية ومعدة عسكرية، بما أضعف قدرة الجماعة على المناورة والإسناد ومواصلة عملياتها القتالية.

وأضاف النزيلي أن القوات البرية تمكَّنت من اختراق دفاعات الحوثيِّين وتحصيناتهم، واستعادة مواقع مرتفعة ذات أهمية عملياتية، وتثبيت مكاسبها، ومواصلة الهجوم وفق الخطط العسكرية المقررة.

من جهته، أعلن «تحالف دعم الشرعية» تدمير 136 هدفاً عسكرياً ضمن عملية واسعة استهدفت عناصر الجماعة وقدراتها في مناطق سيطرتها. وقال المتحدث باسم التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، إن التحالف يعمل على تفكيك وتدمير شبكة الصواريخ الباليستية الحوثية، مؤكداً استمرار الإسناد الجوي للوحدات العسكرية اليمنية على مدار الساعة.

استنزاف في مأرب

في محافظة مأرب (شرق صنعاء) واصلت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية عملياتها على امتداد خطوط التماس، ونفَّذت هجمات على مواقع حوثية في الجبهات الجنوبية، تمكَّنت خلالها من انتزاع مواقع بعد اختراق التحصينات والتعامل مع حقول الألغام التي زرعتها الجماعة.

وذكر المركز الإعلامي للقوات المسلحة اليمنية أن المواجهات كبَّدت الحوثيِّين خسائر في الأرواح والعتاد، بالتزامن مع استمرار العمليات الهجومية في الجبهات الشمالية والشمالية الغربية، وتنفيذ أعمال رصد واستطلاع لتحركات الجماعة وتعزيزاتها.

مقاتلو القوات الحكومية اليمنية يلاحقون الحوثيِّين في مديرية ذوباب (أ.ب)

وأضاف أن الطيران الحربي والمسيّر، إلى جانب المدفعية وراجمات الصواريخ، واصل استهداف مواقع وتجمعات حوثية ومراكز قيادية ومخازن أسلحة ومرابض نيران ومواقع لتشغيل الطائرات المسيّرة، على امتداد خطوط المواجهة وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.

وفي المقابل، أشار المركز إلى مقتل وإصابة العشرات من العناصر الحوثية خلال المواجهات، ومقتل 22 من أفراد القوات المسلحة والمقاومة الشعبية وإصابة آخرين.

معركة استعادة الدولة

على وقع التطورات الميدانية، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عبد الرحمن المحرّمي، أن القوات الحكومية قدَّمت نماذج من الثبات والقتال، عاداً أن المواجهات تمثل جزءاً من معركة استعادة الدولة ومؤسساتها، والتصدي للمشروع الحوثي المدعوم من إيران.

وقال المحرّمي، في منشور على «فيسبوك»، مخاطباً القوات المرابطة في الساحل الغربي وباب المندب وسائر الجبهات، إن المعركة تتطلب مواصلة الصمود حتى تحقيق أهدافها، مشيداً بدور المقاتلين في مواجهة الحوثيِّين وحماية أمن المنطقة. كما جدَّد تقديره لـ«تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، مؤكداً أن القوات اليمنية والتحالف يخوضان معركةً مشتركةً، ويتقاسمان أعباءها وتضحياتها.

آلية قتالية حوثية سيطرت عليها القوات الحكومية اليمنية بالقرب من باب المندب (إعلام عسكري)

من جانبه، أشاد عضو مجلس القيادة الرئاسي، الفريق أول ركن محمود الصبيحي، بأداء القوات المسلحة والمقاومة الشعبية في مختلف جبهات القتال، وقال إن المواجهات تجسِّد الدفاع عن النظام الجمهوري ومؤسسات الدولة في مواجهة الجماعة الحوثية.

وأشار الصبيحي إلى الدور الذي تضطلع به ألوية العمالقة، وقوات درع الوطن والدعم والإسناد والمقاومة الوطنية، والقوات المشتركة، في جبهات الساحل الغربي والصبيحة والمناطق الممتدة باتجاه الوازعية ومناطق أخرى في تعز ولحج.

وخصَّ بالذكر تضحيات قبائل الصبيحة التي قدَّمت أكثر من 170 قتيلاً و700 جريح خلال المواجهات. كما أثنى على دور القيادات العسكرية والميدانية، وجهود الحكومة والسلطات المحلية في عدن ولحج في دعم الجبهات، مُجدِّداً تقديره للدعم السعودي المُقدَّم للقوات الحكومية.


الحوثيون يلاحقون الاتصالات ويوسعون شبكات التجسس جنوب تعز

مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)
مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يلاحقون الاتصالات ويوسعون شبكات التجسس جنوب تعز

مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)
مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)

تشهد مناطق واسعة في محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب) انقطاعاً في خدمات الإنترنت والاتصالات، بالتزامن مع تصعيد عسكري حوثي في جنوب المحافظة، فيما لجأ سكان إلى شبكات محلية تعتمد على خدمة الإنترنت الفضائي «ستارلينك»، التي سارعت الجماعة إلى مصادرة أجهزتها في المناطق التي سيطرت عليها أخيراً، ضمن إجراءات أمنية ورقابية شملت أيضاً كاميرات المراقبة والهواتف الجوالة.

وذكرت مصادر محلية في مدينة التربة، حيث مركز مديرية الشمايتين جنوب تعز، لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة الحوثية شنت حملة واسعة لمصادرة أجهزة «ستارلينك» خلال الأيام الأولى لسيطرتها على المدينة، بعد تحريات مسبقة أجرتها خلاياها الاستخباراتية بشأن مالكي تلك الأجهزة، قبل وصول قواتها بأيام.

وتتعامل الجماعة الحوثية مع خدمة «ستارلينك» بوصفها تهديداً لنفوذها على قطاع الاتصالات؛ فإلى جانب حرمانها من جانب من العائدات التي تجنيها منه، تمنعها من ميزة مراقبة الاتصالات والتحكم في تدفق المعلومات.

وسبق للجماعة أن اتخذت إجراءات مماثلة عقب سيطرتها على مدينة المخا، التي كان عدد من سكانها يعتمدون على الخدمة.

ولم تقتصر إجراءاتها في التربة على مصادرة أجهزة الإنترنت الفضائي؛ بل امتدت إلى كاميرات المراقبة المثبتة أمام المحال التجارية والمباني السكنية.

محافظة تعز بدأت تعاني من نقص السلع والمواد الأساسية بفعل التصعيد العسكري الحوثي (أ.ف.ب)

وأبلغت الجماعة الحوثية مالكي الكاميرات بأن مصادرتها إجراء مؤقت، إلى حين استكمال ربط أنظمة المراقبة بأجهزتها الرقابية، وطالبتهم بالسماح لها بالوصول إلى أجهزة التخزين، محذرة من ربط أي كاميرات بالإنترنت دون إذن منها.

وقال مالك متجر لـ«الشرق الأوسط»، إن الجماعة أزالت كاميرات المراقبة الموجهة نحو الشوارع من دون استئذان أصحابها، بسبب إغلاق غالبية المحال التجارية، إلا أن ملاك المحال القليلة التي فتحت أبوابها فوجئوا بدورهم بذلك الإجراء، ولم يسمح لهم بالنقاش حوله.

وتعيش مدينة التربة حالة من الشلل في الأنشطة التجارية، وسط رفض لوجود الجماعة الحوثية، التي لجأت إلى التهديد بفتح المحال المغلقة بالقوة.

تحكم بالخدمات

في مدينة تعز المحاصرة، أفاد سكان بتوقف خدمات الإنترنت والاتصالات التابعة للشبكات العاملة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، أو تعرضها لانقطاعات واسعة أثرت في قدرة المواطنين على التواصل والوصول إلى الإنترنت.

مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)

ويأتي هذا الانقطاع بالتزامن مع التصعيد العسكري الحوثي في محافظة تعز، وما تلاه من إطلاق الحكومة عملية «فجر اليمن»، وسط تغيرات ميدانية في عدد من المديريات والمناطق، وانعكاسات متزايدة للتطورات الأمنية على الخدمات العامة وحركة السكان.

ويحاول الأهالي في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، الوصول إلى خدمة الإنترنت عبر أجهزة «ستارلينك» التي تتوفر لدى عدد محدود منهم، يشاركون جيرانهم هذه الخدمة بمقابل مالي أو مجاناً.

ورغم أنه لم تتضح أسباب تعطل خدمات الاتصالات والإنترنت في مدينة تعز، فإن السكان يربطونه بالتصعيد العسكري في المحافظة.

وتخضع البنية الرئيسية للاتصالات في اليمن للجماعة الحوثية التي تسيطر على مقرات ومنشآت شبكة الاتصالات اليمنية في صنعاء، ما يمنحها قدرة واسعة على التحكم في الخدمات والوصول إلى المعلومات.

قادة حوثيون في مدينة «التربة» بعد السيطرة عليها (إعلام حوثي)

وبالتوازي مع الإجراءات المتعلقة بالاتصالات، شرعت الجماعة الحوثية، منذ سيطرتها على عدد من مديريات جنوب تعز، في توسيع إجراءاتها الأمنية والاستخباراتية، مستعينة بمصادر محلية لجمع المعلومات عن السكان ورصد تحركاتهم.

إنشاء شبكات تجسس

كشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفي الجماعة الحوثية الذين وصلوا إلى المديريات التي أُخضعت لسيطرتها أخيراً، التقوا أعياناً ومشايخ قرى، أو وجهوا إليهم خطابات تطالبهم بالعمل بوصفهم مصادر استخباراتية محلية، تتولى رفع تقارير دورية عن حركة السكان، ورصد المتنقلين بين القرى والمناطق، وتتبع زيارات الأقارب والأصدقاء، والإبلاغ عن أي أشخاص تشتبه الجماعة في أنشطتهم.

ووفقاً للمصادر، حمّل المشرفون الحوثيون الأعيان ومشايخ القرى مسؤولية وقوع أي نشاط مناهض للجماعة في مناطقهم، في حال عدم إبلاغهم مسبقاً عن القائمين به، في إجراء يضع الشخصيات الاجتماعية تحت ضغط المشاركة في منظومة الرقابة الأمنية.

وتعتمد الجماعة، بحسب المصادر، على شبكة من المتعاونين المحليين، بينهم شخصيات اجتماعية متواطئة معها، وأشخاص أُفرج عنهم من السجون عقب سيطرتها على تلك المناطق، إضافة إلى آخرين كانوا فارين من العدالة في مناطق نفوذها.

قادة حوثيون داخل أحد مقرات السلطة التنفيذية في مدينة التربة بعد السيطرة عليها (إعلام حوثي)

ولم تقتصر إجراءات الرصد على التحركات الميدانية؛ إذ وجهت الجماعة خلاياها التجسسية بمراقبة مواقع التواصل الاجتماعي، والإبلاغ عن كل من ينشر معلومات أو بيانات تتعلق بالأوضاع في المناطق التي سيطرت عليها أخيراً.

كما نفذت حملات عشوائية لتفتيش الهواتف الجوالة في الشوارع، بحثاً عن تطبيقات للمراسلة ترى الجماعة أنها تتيح اتصالات غير خاضعة لرقابتها، أو برامج الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) التي تُستخدم لتجاوز الحجب.

وقالت المصادر إن هذه الحملات تستهدف، إلى جانب التحقق من التطبيقات الموجودة على الهواتف، كشف الأشخاص الذين يعملون لمصلحة الجيش والحكومة اليمنيين، أو يتواصلون مع قيادات ومسؤولين فيهما، فضلاً عن الذين يتصلون بجهات إعلامية وحقوقية للإبلاغ عن ممارسات الجماعة، أو يستخدمون حسابات بأسماء مستعارة على مواقع التواصل الاجتماعي.