سوريا تتصدر «لقاءات الكبار»... وروسيا تنتظر «انقشاع غبار الضربات»

الدول السبع تنتقد موقف موسكو... والثلاثي «الضامن» لاستعادة المبادرة

آليات روسية في غوطة دمشق امس (رويترز)
آليات روسية في غوطة دمشق امس (رويترز)
TT

سوريا تتصدر «لقاءات الكبار»... وروسيا تنتظر «انقشاع غبار الضربات»

آليات روسية في غوطة دمشق امس (رويترز)
آليات روسية في غوطة دمشق امس (رويترز)

الملف السوري يتصدر سلسلة من الاتصالات الدبلوماسية بين الدول الكبرى والإقليمية المنخرطة في هذا الملف، وسط توقعات منخفضة بتمكن المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا من إحياء مفاوضات جنيف، أو تشكيل اللجنة الدستورية «قبل انقشاع غبار» الضربات الثلاثية على مواقع حكومية سورية، وقبل تبلور نتائج هذه اللقاءات.
هذه الاتصالات تشمل اجتماعاً وزارياً للدول السبع الكبار في كندا، والمؤتمر الوزاري للمانحين في بروكسل اليوم وغداً، واجتماعاً خماسياً، أميركياً - بريطانياً - فرنسياً - سعودياً - أردنياً بعد غد، واجتماع ممثلي الدول الـ15 في مجلس الأمن في مزرعة سويدية، واجتماعاً وزارياً روسياً - تركياً - إيرانياً في الأسبوع الأول من الشهر المقبل، إضافة إلى قمة الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والفرنسي مانويل ماكرون.

السبع الكبار
عقد ممثلو الدول السبع الكبار محادثات في تورونتو في كندا، تناولت كوريا الشمالية وسوريا وروسيا. وبحسب مسؤول أميركي، فإنه فيما يتعلق بروسيا «كانت ثمة وحدة بين دول مجموعة السبع على مواجهة سلوك روسيا الخبيث. وراجعت الدول الخطوات التي اتخذتها لمواجهة توجهات الكرملين السلبية التي تهدد السلام والأمن»، لافتاً إلى أن الدول السبع قالت إن روسيا هي «ضامن الأسلحة الكيماوية في سوريا، وفشلت في هذا الدور». وقال القائم باعمال وزير الخارجية الاميركي جون سوليفان ان موسكو «ستحاسب» اذا لم تغير سلوكها في سوريا.
وقال مسؤول غربي آخر لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن روسيا أخذت على عاتقها في الاتفاق بين موسكو وواشنطن في عام 2013 «التخلص من الترسانة الكيماوية؛ لكن لم تفشل في فعل ذلك وحسب؛ بل إن استخدام الكيماوي كان يتم تحت أنظارها منذ نهاية 2015. الروس لم يفشلوا في الوفاء بالتزاماتهم؛ بل وفروا الحماية لاستخدام الكيماوي».
وتابع بأن «الضربات الثلاثية بهذا المعنى كانت محسوبة ومحددة الهدف، ولم تكن مفاجئة، ولم يكن هدفها تغيير الميزان العسكري على الأرض، إذ إن الدول الثلاث أعلنت أكثر من مرة ضرورة التزام الخط الأحمر بعدم استخدام الكيماوي. وهذه الدول ستبقى تحرس الخط الأحمر». ضمن هذا السياق، تدعم لندن وواشنطن مبادرة باريس لـ«الشراكة ضد التهرب من المحاسبة على استعمال الكيماوي»، إضافة إلى تأسيس «آليات للتحقيق في استخدامه» وطرح المحاسبة خارج اطار مجلس الأمن.
وتنفي دمشق وموسكو مسؤولية قوات الحكومة السورية عن قصف دوما ومناطق أخرى في البلاد. وتتراوح اتهامات دمشق وموسكو بين مسؤولية المعارضة أو «فبركة هذه الهجمات» من معارضين. وقال مسؤول أميركي: «لم يكن هجوم الحلفاء في 13 أبريل (نيسان) لمرة واحدة؛ بل كان جزءاً من حملة متواصلة للحلفاء لإعادة إرساء رادع ضد الأسلحة الكيماوية، ويتضمن ذلك استخدام الوسائل العسكرية مرة أخرى، إذا لزم الأمر». ويختلف موقف الدول السبع إزاء تقويم الدور الروسي. إذ قال المسؤول الغربي أمس، إن «روسيا لم تمارس أي ضغط على دمشق للانخراط في العملية السياسية؛ بل إنها قادت الهجوم على غوطة دمشق»، فيما قال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، الاثنين، إن وزراء خارجية مجموعة الدول السبع الكبرى، يدعون روسيا بشكل رسمي للمساعدة في حل الأزمة السورية. وأفاد بأن البيان الختامي «يقول إنه لن يكون هناك حل سياسي في سوريا دون روسيا وإن روسيا يتعين أن تقدم نصيبها من المساهمة في التوصل لهذا الحل».

إعادة الأعمار
وقال مسؤول أميركي في سياق تقويمه لنتائج الاجتماع السباعي: «لا تعتقد الولايات المتحدة بأنه ينبغي أن تصل أي مساعدة لإعادة الإعمار إلى أي منطقة تخضع لسيطرة النظام السوري»، لافتا إلى التمييز بين «إعادة الأعمار» التي تربط واشنطن ودول أوروبية المساهمة فيها بالحل السياسي، و«الاستقرار» الذي تقوم به واشنطن والتحالف الدولي في المناطق المحررة من «داعش».
وسيكون الموقف من المساهمة في إعادة الأعمار رئيسيا، في المؤتمر الوزاري الذي يبدأ اليوم في بروكسل. وقال المسؤول الغربي: «على روسيا أن تقرر: إما أن تدفع دمشق نحو حل سياسي، وإما أن تدعم العمليات العسكرية، بحيث ترث روسيا دولة فاشلة ومدمرة ومارقة... من دون إعادة إعمار».
وبالنسبة إلى لندن، التي قدمت 2.46 مليار جنيه إسترليني استجابة للأزمة السورية منذ عام 2012، هناك أولوية في مؤتمر بروكسل إزاء توفير دعم المانحين لدعم 13 مليون سوري، بينهم خمسة ملايين في أمسّ الحاجة للإغاثة، إضافة إلى التأكد من آليات صرف الأموال والضغط لتوفير خطوط الإمداد. ويتوقع أن تطالب وزيرة التنمية الدولية بيني موردنت في مؤتمر «دعم مستقبل سوريا والمنطقة» غدا «جميع الأطراف في الصراع السوري، بمن فيهم روسيا، بحماية المدنيين ووضع نهاية للمعاناة في سوريا».

الاجتماع الخماسي

اقترحت باريس عقد اجتماع خماسي لبحث الأوضاع السياسية والعسكرية، بعد عدم وفاء موسكو بالتزاماتها تنفيذ نتائج «مؤتمر الحوار الوطني السوري» في سوتشي، نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي. ويتوقع أن يعقد الاجتماع بعد مؤتمر بروكسل، بحيث يدعو «روسيا لحمل النظام على المشاركة في المفاوضات، لوقف قتل المدنيين الأبرياء، والدفاع عن القواعد والمعايير العالمية التي تحافظ على سلامتنا جميعاً، والسعي للتوصل إلى تسوية لإنهاء الصراع». لكن بحسب دبلوماسيين التقوا وزيري الخارجية والدفاع الروسيين سيرغي لافروف وسيرغي شويغو، فإن موسكو «ليست في مزاج البحث عن مسار سياسي حالياً، خصوصاً بعد الضربات الثلاثية؛ بل هي متفرغة للموضوع العسكري ولا تريد للدول الغربية أن تستفيد سياسياً من الضربات». وقال دبلوماسي: «بعدما كانت موسكو تتحفظ على عملية غوطة دمشق، باتت الآن تقود العمليات، الأمر الذي يمكن أن يحصل في هجوم آخر على ريف حمص ومناطق أخرى»؛ لافتاً إلى أن «خلوة السويد» لم تؤد إلى اختراق؛ بل إنها زوت بعض الجليد، إلى حد لا يصل إلى موافقة روسيا على مسودة قرار دولي فرنسية عن الكيماوي والمساعدات الإنسانية واللجنة الدستورية. وابلغ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره الفرنسي ايمانويل ماكرون امس ان الضربات «عقدت التسوية السياسية».
وتسعى موسكو إلى التركيز على مسارها السياسي – العسكري، عبر عقد اجتماع وزاري للدول الضامنة لعملية آستانة، لبحث اتفاقات خفض التصعيد، والمقايضات المتعلقة بتهجير معارضين من ريف دمشق إلى مناطق سيطرة فصائل تدعمها أنقرة، إضافة إلى تفاهمات لنشر نقاط مراقبة تركية في إدلب، وإمكانية التفاهم لتمركز قوات الحكومة السورية في جسر الشغور وسهل الغاب، وترك إدلب للتفاهمات الثلاثية. وسيكون هذا ضمن محادثات وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في لندن، بين 11 و13 الشهر المقبل.
في المقابل، فإن حلفاء واشنطن، الذين لاحظوا أن عملية الجيش التركي في عفرين شتتت قوى «قوات سوريا الديمقراطية» والأكراد، يركزون على بحث مستقبل الوجود الأميركي شرق نهر الفرات وشمال سوريا. وسيكون هذا بنداً أساسياً في محادثات ترمب – ماكرون؛ إذ إن الجانب الفرنسي يقترح دوراً ميدانياً ونشر قوات فرنسية على الأرض، مقابل الحصول على غطاء جوي من التحالف الدولي بقيادة أميركا.
البعد العسكري الآخر، يتعلق بإمكانية حصول مواجهة إيرانية - إسرائيلية في سوريا. وقال المسؤول الغربي: «فشل الروس في الوفاء بالتزاماتهم بإبعاد (حزب الله) وفصائل إيرانية من حدود الأردن والجولان من جهة، وتعزيز (حزب الله) وإيران وجودهما في الجنوب السوري ووسط البلاد من جهة ثانية، يدفعان إسرائيل إلى إمكانية التحرك». وأضاف: «إسرائيل لا تريد الجلوس ومراقبة هذه التطورات، لذلك فإن إمكانية الحرب واردة؛ خصوصاً أن إيران تربط ذلك بمستقبل الاتفاق النووي» الذي يقرر ترمب في شأنه، منتصف الشهر المقبل.



في زمن الحرب... «الدان الحضرمي» على قائمة التراث الإنساني اللامادي

الدان الحضرمي على قائمة التراث العالمي اللامادي بعد سنوات من العمل المؤسسي (إكس)
الدان الحضرمي على قائمة التراث العالمي اللامادي بعد سنوات من العمل المؤسسي (إكس)
TT

في زمن الحرب... «الدان الحضرمي» على قائمة التراث الإنساني اللامادي

الدان الحضرمي على قائمة التراث العالمي اللامادي بعد سنوات من العمل المؤسسي (إكس)
الدان الحضرمي على قائمة التراث العالمي اللامادي بعد سنوات من العمل المؤسسي (إكس)

في إنجاز ثقافي يُعد من أبرز المكاسب الرمزية لليمن في السنوات الأخيرة، أدرجت لجنة التراث الثقافي غير المادي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، في دورتها العشرين المنعقدة في العاصمة الهندية نيودلهي، ملف «جلسة الدان الحضرمي» ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، بعد جهود استمرت سنواتٍ من العمل المؤسسي والفني المتواصل.

ويُعد هذا الإدراج اعترافاً دولياً مستحقاً بأحد أهم الفنون التقليدية في محافظة حضرموت، شرق اليمن، لما يحمله «الدان الحضرمي» من قيمة تاريخية وثقافية وجمالية، بوصفه فناً يجمع بين الشعر والموسيقى والغناء، ويعكس في طقوسه ومضامينه أنماط العيش والعلاقات الاجتماعية والذاكرة الجمعية للحضارم عبر قرون طويلة.

وثمّن مندوب اليمن الدائم لدى اليونسكو، محمد جميح، قرار اللجنة، مشيراً إلى أن «(الدان الحضرمي) يستحق عن جدارة هذا الإدراج»، مؤكداً أن الوصول إلى هذه النتيجة جاء ثمرةً لعمل دؤوب استمر لسنوات، منذ أن كانت الفكرة مشروعاً ثقافياً، وصولاً إلى اعتمادها اليوم تراثاً إنسانياً عالمياً.

محمد جميح مندوب اليمن لدى اليونسكو (سبأ)

وعبّر جميح عن شكره لوزارة الثقافة وطاقمها، واللجنة الوطنية لليونسكو، ومؤسسة حضرموت للثقافة التي تولت إعداد وتمويل ملف الترشيح، إضافة إلى لجنة التراث الثقافي غير المادي وخبراء التقييم وسكرتارية اللجنة، ورئيسها السفير الهندي لدى اليونسكو فيشال شارما.

وتسلمت الجمهورية اليمنية شهادة إدراج الملف رسمياً من المدير العام المساعد لليونسكو لقطاع الثقافة، أرنستو راميريز، في مقر انعقاد اللجنة بنيودلهي، في لحظة عكست حضور اليمن الثقافي رغم ظروف الحرب والتحديات السياسية والإنسانية.

إشادة حكومية

أكد معمر الإرياني، وزير الإعلام والثقافة والسياحة في الحكومة اليمنية، أن هذا الإنجاز يمثل «اعترافاً دولياً مستحقاً بأحد أهم التجليات الإبداعية في حضرموت واليمن عموماً»، معتبراً أن «الدان الحضرمي» يجسد عمق الهوية الثقافية اليمنية التي حافظت عليها الأجيال المتعاقبة، رغم التحولات القاسية التي شهدها البلد.

وأشار الإرياني إلى أن هذا الاعتراف العالمي يعكس تقديراً للفن الحضرمي الأصيل الذي يختزن في تفاصيله الذاكرة الجمعية وروح المكان، وهو ثمرة جهد وطني مشترك شاركت فيه وزارة الثقافة ومؤسسة حضرموت للثقافة، إلى جانب الدور البارز الذي اضطلع به السفير محمد جميح في متابعة الملف داخل أروقة اليونسكو.

ويمثل «الدان الحضرمي» أكثر من مجرد لون غنائي تقليدي؛ فهو ممارسة ثقافية متكاملة ترتبط بالمجتمع والبيئة والتاريخ، وتُؤدى في جلسات جماعية تتناوب فيها الأصوات على إلقاء الشعر وإنشاد الألحان، في تعبير حي عن التفاعل الاجتماعي والوجدان الجمعي.

وأكدت مؤسسة حضرموت للثقافة أن إدراج هذا الفن في القائمة التمثيلية لليونسكو يعكس قيمته في حفظ الذاكرة الثقافية للحضارم، ويؤكد دوره في نقل التراث الشفهي من جيل إلى آخر.

وأوضحت المؤسسة أنها عملت على إعداد ملف الترشيح بالتعاون مع مجموعات من الممارسين لهذا الفن، وبشراكة فاعلة مع وزارة الإعلام والثقافة والسياحة في الحكومة اليمنية، وبدعم فني من مكتب اليونسكو الإقليمي لدول الخليج واليمن، الذي كان له دور محوري في إبراز تميز الملف واستيفائه للمعايير الدولية.

بعد تاريخي

أشار وزير الثقافة اليمني السابق ومستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي للشؤون الثقافية، مروان دماج، إلى البعد التاريخي العميق لـ«الدان الحضرمي»، معتبراً أن هذا الفن العتيق الممتد من جذور التاريخ أصبح اليوم جزءاً من الذاكرة الإنسانية جمعاء.

وذهب دماج إلى أن العرب عرفوا الغناء «داناً» منذ أكثر من ألفي عام، وأن الدان يمكن اعتباره من أقدم أشكال الأغنية العربية، مستحضراً ارتباطه بالشعر العربي القديم وأسواقه التاريخية في وادي حضرموت.

وتتجاوز أهمية إدراج «الدان الحضرمي» البعد الثقافي البحت، لتأخذ دلالات وطنية وإنسانية أوسع، في ظل ما يتعرض له التراث اليمني من مخاطر الطمس والتشويه بسبب الحرب والانقسام والإهمال. ويؤكد هذا الإنجاز أن اليمن رغم الدمار والمعاناة لا يزال حاضراً في خريطة الثقافة العالمية، بقيمه الإبداعية وإسهاماته الحضارية.

كما يمثل الإدراج خطوةً مهمةً في مسار صون التراث غير المادي، ويوفر مظلة حماية دولية لهذا الفن، ويعزز فرص توثيقه ونقله للأجيال المقبلة، باعتباره جزءاً أصيلاً من الهوية اليمنية وقوة ناعمة يمكن أن تسهم في تحسين صورة اليمن وتعزيز حضوره عربياً ودولياً.

وفي المحصلة، يشكل الاعتراف الأممي بـ«جلسة الدان الحضرمي» رسالةً واضحةً بأن الثقافة قادرة على تجاوز الحروب، وأن الذاكرة الإنسانية أوسع من حدود الصراعات، لتحتفي بالفنون التي تعبر عن روح الشعوب وعمق تاريخها، كما هي حال حضرموت في شرق اليمن.


غوتيريش: نقف مع العراق لبناء بلد مزدهر ومستقر

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يصل إلى بغداد... ووزير الخارجية العراقي فؤاد حسين في مقدمة مستقبليه (مكتب رئيس وزراء العراق)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يصل إلى بغداد... ووزير الخارجية العراقي فؤاد حسين في مقدمة مستقبليه (مكتب رئيس وزراء العراق)
TT

غوتيريش: نقف مع العراق لبناء بلد مزدهر ومستقر

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يصل إلى بغداد... ووزير الخارجية العراقي فؤاد حسين في مقدمة مستقبليه (مكتب رئيس وزراء العراق)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يصل إلى بغداد... ووزير الخارجية العراقي فؤاد حسين في مقدمة مستقبليه (مكتب رئيس وزراء العراق)

وصل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى بغداد، اليوم (السبت)؛ للمشاركة في الاحتفالية الكبرى التي ستنظِّمها الحكومة العراقية بمناسبة انتهاء مهام بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)، ومغادرتها البلاد في 31 من الشهر الحالي.

وأكد غوتيريش، في مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، أنه يقف مع العراق لبناء بلد مزدهر ومستقر، وأشار إلى أنه شهد «شجاعة العراق وثباته وإصراره في التغلب على الإرهاب والتدخل الخارجي والطائفية».

وأضاف غوتيريش، وفقاً لوكالة الأنباء العراقية (واع)، أن «بعثة (يونامي) في العراق ساعدت على إعادة البناء بعد عقود من الحرب، وكان هدفنا دعم العراق في جهوده لإعادة الاستقرار»، لافتاً النظر إلى أنه «مع إغلاق البعثة ستظل هناك وكالات للتنمية الحيوية والبشرية، ونقف مع العراق لبناء بلد مزدهر ومستقر».

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يستقبل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في بغداد (مكتب رئيس وزراء العراق)

وبارك غوتيريش للعراق «النجاح في إقامة الانتخابات الأخيرة»، معرباً عن أمله «في إعادة الحكومة العراقية بناء الثقة والاستقرار في البلاد».

من جانبه، أكد رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، أن انتهاء مهام بعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي) لا يعني نهاية الشراكة مع الأمم المتحدة.

وأوضح السوداني، خلال المؤتمر الصحافي المشترك، أن «الحكومة نجحت في ترسيخ دعائم الديمقراطية عبر إجراء الانتخابات»، مبيناً أن «العراق انتقل من جهود الأزمات إلى الاعتماد على جهوده الذاتية».

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في بغداد (مكتب رئيس وزراء العراق)

وتابع: «حققنا الأمن والاستقرار وكثيراً من الإنجازات الوطنية رغم التحديات، ونتطلع إلى إقامة علاقات مع الأمم المتحدة تقوم على أسس الشراكة».

وأكد الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق رئيس بعثة «يونامي» محمد الحسان، في تصريحات صحافية، أن مهمة البعثة أُنجزت بنجاح، وأن مغادرتها جاءت بناء على طلب عراقي، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وقال الحسان إن «بعثة (يونامي) جاءت إلى العراق بطلب من العراقيين، وإنهاء عملها جاء أيضاً بطلب منهم»، مؤكداً أن «الأمم المتحدة تحترم رغبات الدول التي تستضيف بعثاتها، ولا يمكن أن تعمل أي بعثة دون موافقة الدولة المستضيفة، واستعدادها للتعاون».

وأضاف أن «العراقيين استضافوا البعثة لأكثر من عقدين، وكان العمل شاقاً، إلا أنهم وجدوا أن المهمة الموكلة إلى (يونامي) حقَّقت أهدافها، وحان الوقت ليأخذوا الأمور بأيديهم مثلهم مثل بقية دول العالم».

الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق رئيس بعثة «يونامي» محمد الحسان (الأمم المتحدة)

وأوضح الحسان أن «مهمة البعثة أُنجزت بنجاح، ولم يتبقَّ سوى 3 ملفات، تتعلق بالمفقودين من دولة الكويت، ورعايا الدول الثالثة منذ فترة الحرب وغزو الكويت، إضافة إلى ملف ممتلكات الكويتيين والأرشيف الوطني الكويتي».

وذكر أن «هذا لا يعني انتهاء وجود الأمم المتحدة في العراق؛ إذ ستبقى من خلال الوكالات المتخصصة، إضافة إلى التواصل بين العراق بصفته عضواً في مجلس حقوق الإنسان والمفوضية السامية لحقوق الإنسان».

وأُسست بعثة الأمم المتحدة للدعم في العراق، وهي بعثة سياسية، عام 2003. وفي الـ31 من مايو (أيار) صوَّت مجلس الأمن بالإجماع على قرار تمديد ولاية البعثة لمرة أخيرة حتى 31 ديسمبر (كانون الأول) 2025 بناءً على طلب رسمي من الحكومة العراقية.


تصعيد «الانتقالي» الأحادي يهزّ استقرار الشرعية في اليمن

جنود موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي باليمن يتفقدون شاحنة خارج مجمع القصر الرئاسي في عدن (رويترز)
جنود موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي باليمن يتفقدون شاحنة خارج مجمع القصر الرئاسي في عدن (رويترز)
TT

تصعيد «الانتقالي» الأحادي يهزّ استقرار الشرعية في اليمن

جنود موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي باليمن يتفقدون شاحنة خارج مجمع القصر الرئاسي في عدن (رويترز)
جنود موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي باليمن يتفقدون شاحنة خارج مجمع القصر الرئاسي في عدن (رويترز)

يشهد شرق اليمن، وتحديداً وادي حضرموت ومحافظة المهرة، واحدة من أكثر موجات التوتر خطراً منذ تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في أبريل (نيسان) 2022، وسط تصاعد في الخطاب السياسي، وتحركات عسكرية ميدانية، وإعادة رسم للتحالفات داخل المعسكر المناهض للحوثيين؛ الأمر الذي يضع البلاد أمام احتمالات مفتوحة قد تنعكس على كامل المشهد اليمني، بما في ذلك مسار الحرب مع الجماعة الحوثية، وواقع الإدارة المحلية، ووضع الاقتصاد المنهك.

وفي هذا السياق، أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي بوضوح نيته المضي نحو تعزيز سيطرته الأمنية في وادي حضرموت. وقال علي الكثيري، رئيس الجمعية الوطنية للانتقالي، إن «الانتصارات الأخيرة شكلت بارقة أمل لأبناء حضرموت»، مشيراً إلى أن «مرحلة ما بعد التحرير تتطلب تضافر الجهود للحفاظ على المكتسبات».

رئيس مجلس الانتقالي الجنوبي عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عيدروس الزبيدي (أ.ب)

وكان لافتاً حديثه عن أن «تأمين وادي حضرموت يمثل أولوية قصوى»، في إشارة مباشرة إلى مطلب الانتقالي القديم بإخراج القوات الحكومية من الوادي واستبدالها بقوات «النخبة الحضرمية» الموالية له، بالتوازي مع تأكيده أنّ الجنوب «مقبل على دولة فيدرالية عادلة»، في تكرار لرؤيته الداعية إلى إنهاء الوحدة بصيغتها الحالية.

بالنسبة للانتقالي، فإن السيطرة على وادي حضرموت والمهرة ليست مجرد توسع جغرافي؛ بل جزء من رؤية استراتيجية تهدف إلى ترسيخ النفوذ جنوباً استعداداً لأي تسوية سياسية مقبلة بخاصة في ظل مطالب المجلس باستعادة الدولة التي كانت قائمة في جنوب اليمن قبل 1990.

موقف العليمي

في المقابل، صعّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي خطابه بعد أن غادر العاصمة المؤقتة عدن بالتوازي مع تصعيد المجلس الانتقالي؛ إذ شدد بشكل واضح على «انسحاب القوات الوافدة من خارج حضرموت والمهرة» وتمكين السلطات المحلية من إدارة شؤون المحافظتين.

وجاءت مواقف العليمي من خلال تصريحاته أمام السفراء الراعيين للعملية السياسية في اليمن، وأخيراً من خلال اتصالات هاتفية مع محافظي حضرموت والمهرة، في رسالة أراد من خلالها تقديم دعم مباشر للسلطات المحلية والدفع نحو تهدئة التوتر بعيداً عن الخطوات الأحادية التي أعلنها المجلس الانتقالي.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وشدد العليمي على ضرورة «عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه»، محذراً من مخاطر التصعيد على الاقتصاد والواقع الإنساني. كما دعا إلى «تحقيق شامل في الانتهاكات المرافقة للإجراءات الأحادية»، في إشارة إلى الاعتقالات والإخفاءات التي تقول جهات حقوقية إنها رافقت عمليات الانتقالي في بعض المناطق الجنوبية.

ويبرز من هذه التصريحات حجم الهوة داخل مجلس القيادة الرئاسي نفسه؛ إذ يتحرك كل طرف من أطرافه بشكل مستقل، بينما تتسع الفجوة بين مواقف العليمي والانتقالي بشأن مستقبل الإدارة الأمنية والعسكرية للشرق اليمني.

مخاوف واسعة

يثير تصاعد الأحداث في شرق اليمن مخاوف من أن تتحول حضرموت والمهرة، وهما أكبر محافظتين في البلاد مساحة، إلى بؤرة صراع داخلي قد تجرّ اليمنيين إلى فوضى جديدة. فالمنطقة، التي تمتاز بامتدادات جغرافية واسعة وثروات نفطية ومنافذ برية مهمة مع السعودية وسلطنة عُمان، حافظت لسنوات على نمط من الاستقرار النسبي مقارنة بمناطق الحرب الأخرى.

لكن دخول قوات إضافية وفرض وقائع أمنية وعسكرية قد يؤدي إلى تقويض الإدارة المحلية التي تعتمد على التوازنات القبلية والسياسية، وعرقلة إنتاج النفط الذي يمثل شرياناً اقتصادياً أساسياً، مع ارتفاع خطر الجماعات المتطرفة التي تستغل عادة الفراغات الأمنية، إضافة إلى تعميق الانقسام داخل مجلس القيادة الرئاسي وانعكاس ذلك على قدرته في إدارة ملفات الحرب والسلم.

كما يهدد التصعيد بتفاقم الأزمة الإنسانية في بلد يعيش أكثر من 23 مليون من سكانه على المساعدات، بينما تشير تقارير أممية إلى أن 13 مليوناً قد يبقون بلا دعم إنساني كافٍ خلال العام المقبل.

تنسيق الزبيدي وصالح

على خلفية هذه التطورات، أجرى طارق صالح اتصالاً برئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي، في خطوة أضافت طبقة جديدة من التعقيد، بخاصة وأن الطرفين عضوان في مجلس القيادة الرئاسي الذي يقوده العليمي.

وحسب بيان الانتقالي، ناقش الطرفان «سبل التنسيق المشترك لإطلاق معركة لتحرير شمال اليمن من الحوثيين»، مؤكدين أن «المعركة واحدة والمخاطر واحدة»، مع الإشارة إلى تعاون مستقبلي لمواجهة «الجماعات الإرهابية» بما فيها الحوثيون وتنظيم «القاعدة».

المجلس الانتقالي الجنوبي يطالب باستعادة الدولة التي كانت قائمة في جنوب اليمن قبل 1990 (أ.ف.ب)

هذا التواصل ليس عادياً؛ فهو يجمع بين قيادتين تنتميان لمدرستين سياسيتين مختلفتين، الزبيدي بمشروعه الانفصالي جنوباً، وطارق صالح بمشروع «الجمهورية الثانية» شمالاً. لكن المشترك بينهما هو الرغبة في إعادة ترتيب موازين القوة داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وتشكيل محور عسكري قادر على التحرك خارج حسابات الحكومة الشرعية، غير أن الرهان دائماً سيكون منوطاً بالإيقاع السياسي الذي تقوده الرياض.

وحسب مراقبين، يسعى الطرفان إلى استثمار الجمود في مسار التفاوض مع الحوثيين وملء الفراغ الناجم عن التغاضي الدولي تجاه الوضع في اليمن؛ وذلك لصياغة تحالف جديد يعيد تشكيل الخريطة السياسية، ويمنح كلاً منهما مساحة أكبر للتأثير، لكن كل ذلك يبقى غير مضمون النتائج في ظل وجود التهديد الحوثي المتصاعد.

بين الحوثيين والانتقالي

تأتي هذه التطورات في وقت تتراجع فيه العمليات القتالية بين الحكومة والحوثيين على معظم الجبهات. ومع أن الحوثيين يواصلون الحشد والتجنيد، فإن خطوط الجبهة الداخلية بين شركاء «معسكر الشرعية» باتت أكثر اشتعالاً من خطوط القتال مع الحوثيين أنفسهم.

ويحذّر خبراء من أن أي انقسام إضافي داخل هذا المعسكر سيمنح الحوثيين هامشاً أوسع لتعزيز نفوذهم، خصوصاً أنهم يراقبون من كثب ما يجري في الشرق، حيث تعتمد الحكومة الشرعية على الاستقرار هناك لضمان مرور الموارد والتحركات العسكرية.

وبين دعوات الانتقالي إلى «مرحلة ما بعد التحرير»، ومطالب العليمي بعودة القوات إلى تموضعها السابق، ومحاولات الزبيدي وطارق صالح لتشكيل موقف موحد، يجد سكان حضرموت والمهرة أنفسهم أمام مشهد معقد يشبه صراع نفوذ متعدد الطبقات.

وفد سعودي برئاسة اللواء محمد القحطاني زار حضرموت لتهدئة الأوضاع (سبأ)

فالمنطقة التي لطالما عُرفت بقبائلها وامتدادها التجاري والاجتماعي مع دول الخليج، باتت اليوم ساحة اختبار لمعادلات سياسية تتجاوز حدودها، وسط مخاوف من أن يقود هذا التصعيد إلى هيمنة على السلطة تتناسب مع المتغيرات التي فرضها المجلس الانتقالي على الأرض، بالتوازي مع تحذيرات من انفجار جديد يعمّق الانقسام اليمني بدلاً من رأبه.

وفي كل الأحوال، يرى قطاع عريض من اليمنيين والمراقبين الدوليين أن العامل الحاسم يظل مرتبطاً بموقف الرياض التي تمسك بخيوط المشهد الرئيسية، وقد دعت بوضوح إلى خفض التصعيد والتهدئة، عادَّة أن أي فوضى في المناطق المحررة في الجنوب والشرق اليمني ستنعكس سلباً على جهود إنهاء الحرب مع الحوثيين، مع اعترافها الواضح أيضاً بعدالة «القضية الجنوبية» التي يتبنى المجلس الانتقالي الجنوبي حمل رايتها.