بن جعفر: يسعدني أن أكون مرشحا توافقيا للرئاسة التونسية

قال لـ {الشرق الأوسط} إن حكومة جمعة خففت التوتر بين الأحزاب

مصطفى بن جعفر
مصطفى بن جعفر
TT

بن جعفر: يسعدني أن أكون مرشحا توافقيا للرئاسة التونسية

مصطفى بن جعفر
مصطفى بن جعفر

في لقاء مطول مع «الشرق الأوسط»، بمناسبة الزيارة الرسمية التي قام بها أخيرا إلى فرنسا ولقائه الرئيس فرنسوا هولاند، وعد الدكتور مصطفى بن جعفر رئيس المجلس التأسيسي (البرلمان) التونسي الأمين العام لحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات بإجراء «جردة حساب» لتجربة حكم الائتلاف الثلاثي مع حزب النهضة والمؤتمر من أجل الجمهورية. وقال بن جعفر إن التجربة كانت ضرورية لقيادة المرحلة الانتقالية في تونس، مؤكدا أنها «نجحت» في مهمتها الرئيسة.
ولا يخفي بن جعفر رغبته في الترشح للانتخابات الرئاسية، وبذلك يضع نفسه في موقع التنافس مع الباجي قائد السبسي رئيس حزب نداء تونس، الذي لا يخفي رغبته في خوض المنافسة الرئاسية. وقال بن جعفر لـ«الشرق الأوسط» إنه سيكون سعيدا إذا جرى التوافق على شخصه ليكون «مرشحا توافقيا».
وكان علي العريض، رئيس الحكومة السابق والقيادي في حزب النهضة قد أكد أن «النهضة» جاهزة لدعم مرشح توافقي. وبحسب بن جعفر، فإن هذا التطور يعني أن النهضة «وعت صعوبة إدارة الشأن العام وهي في موقع المهيمن».
وفي موضوع الإرهاب الذي تواجهه تونس، دعا بن جعفر إلى «معالجة شاملة» أمنية بالطبع، ولكن أيضا اقتصادية واجتماعية، مشيرا إلى أن تونس لم تتغلب بعد تماما على هذا التهديد الذي «لا يطال تونس وحدها، بل كل بلدان المنطقة». وفيما يلي نص الحوار:

* ما تقييمك لتجربة الحكم والائتلاف؟
- أولا، لا بد من التذكير بأن هذه التجربة انطلقت من ضرورة التعامل مع النتائج التي أفرزتها انتخابات 2011. حيث لم يكن هناك بديل للائتلاف «التكتل وحركة النهضة وحزب الرئيس المرزوقي». فمراجعة النتائج وما حصلت عليه الأحزاب من مقاعد فرضت علينا هذا الخيار إذ ما كان مطلوبا هو تسيير البلاد في المرحلة الانتقالية الصعبة، نظرا للمشاكل التي عاشتها تونس في عام 2011. نحن كانت لدينا القناعة أن الوضع سيكون صعبا جدا، وأنه ليس بإمكان أي حزب، حتى لو توفرت له الأكثرية، أن يمارس الحكم لوحده، وسعينا إلى أن يجمع الائتلاف أكبر عدد ممكن من الأحزاب. لكن للأسف الشديد، وجدنا جدار صد من جانب الأحزاب التي توجهنا إليها، أي تلك التي كانت في خصام وتحارب (الرئيس السابق زين العابدين) بن علي وتدافع عن الحرية والديمقراطية، أي المعارضة السابقة. وهكذا تكون الائتلاف الذي جاء تعبيرا عن ضرورة. والحقيقة أن الأحزاب الثلاثة التي قام عليها كانت تعرف بعضها، ونسجت بينها علاقات سابقة للثورة. فنحن عملنا في هيئة الحريات لـ17 أكتوبر (تشرين الأول) مدة خمس سنوات، وكان معنا وبشكل سري الأستاذ علي العريض والدكتور زياد دولاتي، وبعض الشخصيات التي كانت تمثل حركة النهضة، وكنا في نقاش مستمر وأصدرنا وثائق مهمة.
* هل يمكن أن أعود لسؤالك عن تقييمك للعمل الحكومي تحت راية الائتلاف الثلاثي؟
- في مجمله، الحكم إيجابي، لأن في السياسة النتيجة هي التي تحكم.
* كيف يمكن التحدث عن نتائج إيجابية بينما قامت ضدكم حركة مناهضة، واضطرت الحكومة إلى تقديم استقالتها بسبب الرفض الذي تصاعد في الأوساط السياسية والشعبية؟ كيف يمكن مع ذلك التحدث عن نجاح؟
- أنا أتكلم عن تونس ولا أتكلم عن التجربة الحكومية فقط. الهدف من الائتلاف كان، كما ذكرت، إدارة المرحلة الانتقالية بأقل ما يمكن من التكاليف. وفي هذا نجحت الحكومات المتتالية (حكومة حمادي الجبالي وحكومة علي العريض) في قطع خطوات مهمة من المرحلة الانتقالية والمصادقة على الدستور. وأنا أعد ذلك نجاحا. وبالمقابل، فشيء طبيعي أن تكون المعارضة قد نادت بفشل الحكومة بعد أسبوع واحد على تشكيلها. هذا هو دور المعارضة، رغم أن في أدائها كان هناك شيء من المبالغة. ولا أخفيك أنني كنت قد أعلنت أن المرحلة الانتقالية لا تتحمل الشكل التقليدي للديمقراطية، أي الجدل بين الحكم والمعارضة، لأننا بحاجة لأن نعمل يدا بيد حتى نجتاز العقبات. وقد جرت مؤاخذتي علي ما قلته، وبالتالي فقد دخلنا في السيناريو التقليدي؛ حكومة تحكم معارضة تطلق عليها النار. لكن رغم كل الصعوبات والأحداث الخطيرة التي مرت بها تونس، خاصة الاغتيالات السياسية والإرهاب بما أوجدته من توتر داخلي، فإن هناك توافقا اليوم على القول إن تونس نجحت في تجربة المسار الانتقالي. هذا هو في نظري التقييم الصحيح. ولكن في داخل ذلك المسار يمكن أن نتساءل هل أن الأداء هو الأفضل؟ ربما الجواب هو لا، والأسباب معروفة، وأولها غياب الخبرة الكافية في تسيير شؤون البلاد لأن أغلب السياسيين كانوا إما وراء القضبان أو في المعارضة. وهم كانوا مطاردين من قبل الحكم السابق، ثم إن الصعوبة الإضافية تمثلت في إنجاح العمل المشترك، خصوصا أن الناس «الذين وصلوا إلى السلطة» كانوا يحملون أفكارا مختلفة ومشروعا مجتمعيا مختلفا، بحيث إن عملية تسيير شؤون البلد لم تكن سهلة في ذلك الوقت.
* من استفاد، على المستوى السياسي، من تجربة الائتلاف؟ وما رأيكم في مَن يرى أنكم عملتم لمصلحة حزب النهضة الذي كان المستفيد الأول من وجود الائتلاف.. وهذا الحكم يقوله بعض من كان في الائتلاف بمن في ذلك من التكتل؟
- هذا ممكن، خصوصا إذا غاص التقييم في التفاصيل. لكنني أريد أن أقول إن المستفيد الأصلي هو تونس، لأن المرحلة الانتقالية حققت الأهداف المرجوة، لا بل ذهبنا أبعد من ذلك، عندما رأينا أن نجاح الانتخابات المقبلة مرتبط بإدارة مستقلة حتى لا نترك أي مجال للتشكيك في النتائج المقبلة.
* أريد أن أعود للسؤال السابق: ألم تتكئ النهضة على الحزبين اللذين شاركاها الحكم؟ ألم تسحب الغطاء لها بمعنى أنكم كنتم شركاء في الحكم لكن القرار لم يكن بأيديكم؟
- الأحزاب والسياسيون الذين رفضوا الدخول إلى الائتلاف يرون أننا أصل البلية، بوصف أنه لو تركنا النهضة وحدها لكانت انهارت بعد أشهر، وبالطبع كانت المعارضة يمكن أن تقطف ثمار الفشل. هذا تقييم ممكن في وضع طبيعي مستقر، وفي ديمقراطية ذات قاعدة صلبة. لكن الواقع أننا كنا في مرحلة انتقالية، والخيار كان إما النجاح أو الفشل، بل الفوضى.
* لماذا هذه الحجج غير مفهومة وغير مقنعة لكثيرين؟
- الآن، من تتحدث عنهم يفهمون هذا التفكير. لكنهم (وقتها) لم يقبلوا فكرة أن حزبا ديمقراطيا تقدميا يتحالف مع حزب إسلامي. لكن حقيقة، بالنسبة لنا، التفاهم لم يكن صعبا على مستوى العلاقات التي نسجناها في التصدي للنظام الاستبدادي خلال سنوات. العائلات السياسية والفكرية على اختلافها اجتمعت وقامت بينها علاقات. وهذه التجربة (17 أكتوبر) فتحت الباب وسهلت الائتلاف. بالطبع، من كانوا يراهنون على فشل التجربة وانهيار الحزب الذي نجح بنسبة مرتفعة جدا (في الانتخابات التشريعية الأولى حيث حصلت النهضة على 90 نائبا بينما الحزب الذي حل بعدها مباشرة حصل على 29 نائبا ونحن 20 نائبا) لم يكن يستسيغ ما فعلناه، وذهبوا إلى عدّ التكتل بمثابة واجهة للنهضة، بينما العاقلون كانوا يعون أن التكتل، رغم حجم كتلته النيابية المتواضعة نسبيا، كان له دور أساسي في الحكم وفي تعديل الكثير من الخيارات والسياسات والقرارات.
* أنتم تحضرون لحملة انتخابية، فكيف ستتمكنون من القيام بذلك، لأن الكثيرين سيقولون لكم إنكم غير مختلفين عن الآخرين الذين حكمتم معهم مدة ثلاث سنوات؟ كيف ستخرجون من هذه المعادلة الصعبة؟
- صحيح، المعادلة صعبة. لكن المنطق يفرض نفسه، إذ إن الائتلاف الحكومي لم يقم على أساس تطبيق برنامج اقتصادي واجتماعي، بل قام على اتفاق غرضه إدارة المرحلة الانتقالية والمصادقة على الدستور، وتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية. وبشأن هذه المرحلة، أبدينا الكثير من التفاؤل إذ توقعنا أن تدوم عاما كاملا. لكن الأحداث جعلتها تدوم ثلاث سنوات (أي حتى إجراء الانتخابات الرئاسية).
* هل هذا يعني أنكم لن تشعروا بإحراج في انتقاد «النهضة» مثلا في برامجكم ودعايتكم الانتخابية؟
- أبدا، لكن سندافع أولا عن برنامجنا وسياستنا.
* مَن حلفاؤكم للانتخابات التشريعية المقررة في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل؟
- لا يمكن أن نتكهن بما ستفضي إليه الانتخابات المقبلة، وما ستفرزه من نتائج. الفكرة السائدة اليوم لدى جميع الأطراف (عدا بعض الاستثناءات الصغيرة) أن المطلوب اليوم في تونس هو حكومة وحدة وطنية، مما يعني أن باب التحالفات للمرحلة المقبلة التي لن تكون أسهل من المرحلة السابقة (بالنظر للمشاكل الأمنية، وما تواجهه الشقيقة ليبيا، والوضع الاقتصادي والحاجة لإصلاحات هيكلية صعبة لا بد أن ننطلق فيها) يتطلب توحيد الصفوف، وحدا أدنى من الانسجام. إذن، أرى أن هناك حاجة لتحالف واسع وعميق لا يستثني أحدا من الذين يريدون بناء تونس الديمقراطية.
* ما أردت التحدث عنه هو تحالفات ما قبل الانتخابات، وليس بعدها.
- بخصوص هذا الشق من السؤال، نحن نرى أن المحور الرئيس للانتخابات المقبلة سيكون المسألة الاقتصادية والاجتماعية. ولهذا، نحن نسعى لأكبر تجمع ممكن للقوى الديمقراطية الاشتراكية التي يمكن أن تبلور معا برنامجا اقتصاديا - اجتماعيا (حتى الآن توافقت أربعة أحزاب على العمل معا، ولكن الباب مفتوح لانضمام المزيد).
* هل ستقدمون مرشحين مشتركين أم أن التفاهم سياسي فقط؟
- لم ندخل بعد في هذه التفاصيل. وجل ما قمنا به أننا بعد أسابيع من النقاش، وضعنا أرضية سياسية تتضمن الخطوط الكبرى، واتفقنا على تنسيق جهودنا في الفترة المقبلة، وربما توصلنا إلى إقرار ترشيحات موحدة أو توافقية أو حتى تقاسم الدوائر. إن أشكال التنسيق لم تتضح بعد تماما.
* ربما المشكلة تكمن في نظام الاقتراع النسبي.. أليس كذلك؟
- بالطبع، النظام الانتخابي يشجع على أن نبقى منفصلين. لكن الرسالة السياسية هي أن نبين للمجتمع التونسي أن هناك بديلا متناسقا له مشروع وبرنامج مختلف عن البرامج المطروحة من طرف الأحزاب التي تعد أحزابا كبرى على الأقل على مستوى استطلاعات الرأي في الوقت الحاضر. هذه الرسالة مهمة، لأنها أولا تطرح بديلا له مصداقية، ولأنها ثانيا تطرح مسألة وجود قوى قادرة على إحداث توازن أفضل في المشهد السياسي، وربما ستكون لها إمكانية لعب دور الحكم في حالة التوترات وتوازن القوى بين الأطراف.
* قال على العريض، رئيس الوزراء التونسي السابق أخيرا إن «النهضة» تسعى لمرشح توافقي.. هل المقصود بذلك استبعاد الباجي قائد السبسي، رئيس «نداء تونس» الذي لا يخفي رغبته في الترشح للمنصب الرئاسي؟
ــ أفهم من هذا التصريح أن حركة النهضة لن تقدم مرشحا رئاسيا. لكن المسألة ليست محسومة، حتى داخل النهضة. وشيء طبيعي أن يكون لحزب بهذا الحجم تيارات منها من يدافع عن إنزال مرشح للرئاسة يرفع راية الحزب، ويدافع عن أفكاره ومشروعه. لكن خيار النهضة بدعم مرشح توافقي يعني أنها استخلصت العبرة من صعوبة إدارة الشأن العام، وهي في موقع مهيمن. هل الباجي قائد السبسي هو المقصود؟ لا أظن ذلك.
* هل يمكن أن تكون أنت مرشحا توافقيا؟
- إذا حصل ذلك فسيكون شرفا لي خاصة إذا صادق حزبي على ترشيحي للانتخابات الرئاسية في أول مجلس وطني ينعقد في شهر أغسطس (آب) المقبل.
* سأكون مستعدا للرهان على أن حزبكم سيقدم ترشيحكم للرئاسة.
- نشعر أن هناك توجها لذلك داخل الحزب، بوصف ترشحي لا يمكن إلا أن يفيد الحزب حتى في حالة الخسارة، إذ إن أي حزب له شيء من المصداقية يرى أن المشاركة تترتب عليها فوائد في كل الحالات. وإذا حصل وشاءت الظروف أن أكون مرشحا توافقيا، فذلك نعده شيئا حسنا لأن المرحلة المقبلة تحتاج للتوافق، كما أسلفت للحكومة ولرئيس الدولة.
* ليبيا مصدر قلق أمني لتونس.. لماذا لا تأخذون المبادرة وتطرحون مثلا انعقاد مؤتمر إقليمي بخصوص هذا الشأن؟
- تونس لا تريد التدخل في الشأن الليبي، رغم عدّها أن له علاقة مباشرة بتونس. والأمر الثاني أننا نرى أن أي تدخل من الخارج لا بد من أن يفاقم الوضع الأمني لدى جارتنا ليبيا. بالطبع، نحن نسعى بكل قوانا إلى تقريب وجهات النظر، وحتى التفكير بتنظيم ندوة في تونس تجمع الإخوة الليبيين. ولكن هذا يحتاج لإرادة سياسية من الأطراف الموجودة في ليبيا، واستعداد للمجيء إلى مائدة الحوار. والحال أن الرصاص اليوم هو لغة الحوار بينهم. فضلا عن ذلك يتعين التنسيق مع دول الجوار، وتلك التي لها علاقات متينة مع ليبيا.
* لكنكم أنتم معنيون بالدرجة الأولى بما يجري في ليبيا إن أمنيا وإن لجهة وجود مئات الآلاف من المواطنين الليبيين في تونس، وبما يشكله من ضغط شبيه بما يشكله اللاجئون السوريون على لبنان.. وأخيرا، الدولة غائبة في ليبيا ما من شأنه مضاعفة المخاطر، لذا أود أن أسألك عن الأسباب التي تمنع تونس من إطلاق مبادرة ما للدعوة لمؤتمر دولي، وليس فقط للأطراف الليبية؟
- إن دعوة كهذه تحتاج لإعداد دقيق. والمهم ليس الفكرة، وهي موجودة. لكن الانتقال إلى تحقيقها يتطلب شروطا وظروفا غير متوافرة اليوم.
* هل يمكن أن نقول إن الخطر الإرهاب في تونس قد انتهى؟
- لا. لا يمكننا أن نقول ذلك. الإرهاب لن ينتهي بين ليلة وضحاها. ومقاومة الإرهاب ستطلب وقتا وحلولا متنوعة وشاملة.
* ما المقصود؟
- أعني أن هناك الحل الأمني وهو الأمر المستعجل، ونحن نستعد له ونواجهه، وقد حققنا العديد من الانتصارات ضد الإرهاب. ولكن هناك أيضا الحل الاقتصادي - الاجتماعي - السياسي، وأعني تحويل المناطق «المضطربة» بيننا وبين ليبيا، وبيننا وبين الجزائر إلى مناطق مزدهرة يحلو فيها العيش وتغيب عنها عمليات التهريب وما له من انعكاسات سلبية جدا على الاقتصاد. ولا بد أيضا من حلول شاملة حتى نواجه آفة الإرهاب التي لا تهدد تونس فقط، بل كل المنطقة.
* ما تقييمكم لأداء حكومة مهدي جمعة؟
- في الوقت الحاضر، يصعب الحكم عليها، المهم أن وجودها ساهم في خفض نسبة التوتر بين الأحزاب، وابتعدنا عن المجادلات «السياسوية»، وهذا مهم في هذه المرحلة وهي تفعل ما هي قادرة عليه، ونحن نرى السيد جمعة ووزراءه ينشطون داخل البلاد وعلى مستوى العلاقات الخارجية لحشد الدعم لتونس. ولكننا نعرف أن النتائج لن تظهر بشكل فوري، بل تحتاج إلى بعض الوقت.



وزيرة الخارجية اليمنية: علاقة «تخادم» بين الحوثيين وإيران

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة خلال حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»
وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة خلال حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»
TT

وزيرة الخارجية اليمنية: علاقة «تخادم» بين الحوثيين وإيران

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة خلال حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»
وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة خلال حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»

ما نوع العلاقة بين الحوثيين وإيران؟ سألت «الشرق الأوسط» أفراح الزوبة، أول امرأة تتوسد وزارة الخارجية اليمنية، فأجابت بالقول: «أستخدم تعبير التخادم؛ لأنه يصف العلاقة بصورة أدق».

وفي أول حوار تُجريه منذ تولّيها الحقيبة المثخنة بالتحديات، تقول الزوبة إن الحوثيين «ليسوا مجرد أداة بلا مشروع محلي، وفي الوقت نفسه لا يمكن فصل ما أصبحوا عليه عن علاقتهم العميقة والمتراكمة مع إيران».

تمعن الوزيرة في الوصف وتقول إن الجماعة «ليست مجرد ذراع؛ بل كتلة تهديد قائمة بذاتها، تتقاطع مصالحها مع المشروع الإيراني حيثما يخدم ذلك توسيع نفوذها وفرض الأمر الواقع».

وتكمل بالقول: «نحن أمام جماعة إرهابية تحمل مشروعاً آيديولوجياً وسياسياً في الداخل، يقوم على العنف المحض وخرافة الاصطفاء السلالي التمييزي والعنصري تجاه المجتمع اليمني، وتعتقد بأحقّيتها المطلقة في الحكم والثروة، وتسخير قوى الشعب وفئاته لخدمة مشروعها، وإرساء نظام حكم ثيوقراطي شديد الانغلاق والانعزالية ومُعادٍ لقيم المواطنة والحريات والكرامة الإنسانية».

شرح «التخادم»

عند حديثها عن «التخادم» الحوثي الإيراني، تشرح الزوبة قائلة إن «(الحوثي) يستفيد من إيران لتعزيز مشروعه في الداخل، وإيران تستفيد من (الحوثي) وموقع اليمن الاستراتيجي كأداة نفوذ وضغط في الإقليم».

لكن هذا «التخادم»، وفق الوزيرة، «لم يعد مقتصراً على العلاقة مع إيران»، وتعلل ذلك قائلة: «توسعت الحوثية الإرهابية بالتعاون وتبادل المصالح مع عناصر وتنظيمات إرهابية وشبكات تهريب مرتبطة بالساحة اليمنية، ومع جماعات إرهابية في القرن الأفريقي وجماعات مسلّحة في العراق، بما يعكس تشابكاً متزايداً في المصالح والأدوات ومسارات التهريب، ويضاعف من طبيعة التهديد العابر للحدود».

وتظهر خطورة ذلك، والحديث للزوبة، في محاولات تحويل اليمن وموقعه الجغرافي إلى منصة لتهديد دول الجوار والسفن والموانئ والممرات البحرية، وصولاً إلى استهداف ميناء المخا، وتحويل البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن إلى ساحات للضغط والابتزاز.

وترى الوزيرة أن هذا السلوك «يدفع اليمن إلى صراعات لا تخدم مصالح شعبه، ويهدد أمن واستقرار المنطقة والملاحة الدولية».

مسار التصعيد

خلال الأيام الأخيرة، اتسعت دائرة التصعيد الحوثي من استهداف القوات المسلّحة في مأرب وحضرموت إلى مخيّمات النازحين والأعيان المدنية في مأرب والمخا، وامتدت الاعتداءات إلى نجران في المملكة العربية السعودية، بالتوازي مع تجدد التهديد للسفن والممرات البحرية في البحر الأحمر وباب المندب.

وعندما سألت «الشرق الأوسط» الوزيرة عما إذا كانت تنظر إلى هذه التطورات بوصفها حوادث متفرقة أم مسار تصعيد واحداً، أجابت: «لا أتعامل معها بوصفها حوادث منفصلة».

وتشرح: «عندما تُستخدم الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد قوات الدولة، ثم تمتد الاعتداءات إلى المدنيين والنازحين، ومنشآت ومرافق مدنية واقتصادية حيوية، وإلى المملكة العربية السعودية، وتتزامن مع تهديد السفن والممرات البحرية، فنحن أمام نمط واحد يتسع جغرافياً ويضغط على أكثر من جبهة في الوقت نفسه».

وتلفت الزوبة إلى أن التصعيد جاء في وقت كانت فيه الجهود السياسية لا تزال قائمة، وفي مقدمتها جهود المملكة العربية السعودية للعودة إلى المسار السياسي.

وتضيف أنه «لا توجد أسباب أو تطورات داخلية تفسر هذا التصعيد»، وعدَّت أن السياق الإقليمي يكشف عن «تصعيد إيراني واضح»، تجلَّى، وفق قولها، في إرسال طائرتين إيرانيتين إلى مطاريْ صنعاء والحديدة، دون موافقة الحكومة اليمنية، ومحاولات إيران المتكررة لتوظيف البحر الأحمر «كساحة للضغط والإضرار بالتجارة الدولية والاقتصاد العالمي».

ومن هنا، ترى وزيرة الخارجية أن الاعتداءات الأخيرة ينبغي أن تُقرأ «في سياقها الأوسع، لا بوصفها أحداثاً منفصلة أو عابرة».

أفراح الزوبة أول امرأة تتوسد وزارة الخارجية اليمنية (الشرق الأوسط)

«حق الدولة السيادي»

لكن كيف تتعامل الحكومة مع هذا التصعيد؟ وهل يعني الرد العسكري الذي أعلنته القوات المسلّحة، إلى جانب رفع مجلس الدفاع الوطني الجاهزية، أن الحكومة انتقلت من الاحتواء إلى مسار عسكري جديد؟

تجيب الزوبة بأن «المبدأ السياسي والقانوني واضح: للدولة حق سيادي ومشروع في الدفاع عن مواطنيها وقواتها ومؤسساتها، واتخاذ الإجراءات الضرورية والمتناسبة لردع الاعتداءات».

أما القرار العسكري تحديداً، فتشير الزوبة إلى أن مجلس الدفاع الوطني «في حالة انعقاد مستمر للتعامل مع الموقف»، وأنه وضع استعادة مؤسسات الدولة وحماية السيادة في صدارة الأولويات، ووجّه القوات المسلّحة بالرد على مصادر النيران والتعامل مع اعتداءات الحوثيين.

وتقول إن ذلك «جزء من مسؤولية الدولة في حماية حدودها وموانئها ومواطنيها ومنع تعرضها لابتزاز متكرر».

ومع ذلك تؤكد الزوبة أن موقف الدولة في جوهره لم يتغير، وتُلخصه في «إنهاء الانقلاب، واستعادة مؤسسات الدولة، والعودة إلى المسار الذي سعت إليه الدولة، وصولاً إلى حل سياسي حقيقي ومستدام».

وترفض الوزيرة وجود تناقض بين الردع والتسوية، قائلة: «لا أرى تناقضاً بين حماية الدولة لنفسها وبين الحل السياسي. على العكس، لا يمكن الوصول إلى حل مستدام من موقع يسمح باستمرار الاعتداءات بلا كلفة. نحن نريد حلاً سياسياً، لكن في ظل دولة قادرة على حماية مواطنيها وسيادتها ومؤسساتها».

السلام والردع

بعد اثنيْ عشر عاماً من التجارب والهُدن والمفاوضات، أما زال الحل السياسي ممكناً؟ وهل شجعت سياسة احتواء الحوثيين الجماعة على مزيد من التصعيد؟

تقول الزوبة إن الأمل سيظل قائماً في إنهاء «هذا الكابوس الذي يعيشه اليمنيون منذ اثني عشر عاماً بطريقةٍ تحقن دماءهم وتحمي مقدّراتهم».

وتستعيد الوزيرة مساراً طويلاً يمتد من الحوار الوطني إلى مفاوضات الكويت واتفاق ستوكهولم ومبادرات التهدئة اللاحقة، وتقول إن الحكومة خاضت هذه المسارات «بحثاً عن مَخرج يعيد البلد إلى الاستقرار».

لكن التجربة مع الحوثيين، وفقاً للزوبة، أظهرت نمطاً متكرراً منذ الحروب الست، «في أكثر من محطة، كلما وجدت الجماعة نفسها تحت الضغط، اندفعت نحو التهدئة، ثم ما لبثت أن أعادت بناء قوتها وعززت قدراتها وعادت إلى الهجوم».

ومن هنا، ترى الزوبة أن «سياسة الاحتواء، عندما لا تقترن بعواقب وكلفة واضحة مترتبة على خرق الالتزامات، قد تُفهَم على أنها سماح بالمزيد».

وتضيف أن الحكومة والشعب «يتوقان إلى الخلاص من هذه المعاناة»، مشيرة إلى ما يواجهه المواطنون في مناطق سيطرة الحوثيين من الحرمان والقتل خارج القانون والاعتقالات التعسفية والتجنيد الإجباري، وإلى استهداف المنشآت النفطية ومصادر الدخل في المناطق الخاضعة للحكومة.

وتختصر الزوبة رؤيتها بالقول: «نريد سلاماً حقيقياً تدعمه أدوات ضغط وردع وآليات تنفيذ ومساءلة؛ تهدئة تقود إلى حل، لا فرصة لإعادة التموضع والتسليح».

البحر الأحمر... حماية السفن لا تكفي

وفي ملف البحر الأحمر، ترى وزيرة الخارجية أن موقع اليمن الجغرافي يمنحه مسؤولية كبيرة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، مشددة على أن هذه الممرات «ليست شأناً يمنياً أو إقليمياً فحسب؛ بل هي شرايين للتجارة والطاقة وسلاسل الإمداد حول العالم».

وتنظر الحكومة اليمنية، وفق الزوبة، إلى «التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات» الذي أطلقته السعودية، بوصفه «خطوة مهمة»؛ لأنه ينقل حماية الملاحة «من ردود متفرقة إلى تعاون مؤسسي» يشمل حماية السفن وتبادل المعلومات ورفع الوعي البحري والتدريب وتعزيز القدرة على التعامل مع التهديدات.

لكنها تستدرك: «حماية السفينة في عرض البحر وحدها لا تكفي إلى ما لا نهاية، إذا بقيت مصادر التهديد على اليابسة والسواحل خارج سلطة الدولة».

وبالنسبة إلى الزوبة، فإن «الجزء المستدام من الحل» يكمن في تمكين الحكومة اليمنية من بسط سلطتها على سواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية، وتعزيز خفر السواحل والقوات البحرية وأمن الموانئ ومكافحة التهريب.

وتضيف: «اليمن تاريخياً كان نقطة عبور وتجارة وتواصل مع العالم، ومن الظلم أن يُختزل موقعه اليوم في صورة مصدر تهديد، بدلاً من أن يعود جسراً للتجارة والاستقرار».

من حوار وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة مع الزميل بدر القحطاني (الشرق الأوسط)

ماذا يريد اليمن من العالم؟

تقر الزوبة بأن المجتمع الدولي أصبح أكثر فهماً لطبيعة السلوك الحوثي، وتقول إن الحكومة تُقدر المواقف الدولية الأخيرة، بما فيها ما صدر عن مجلس الأمن ودول ومنظمات إقليمية ودولية، خصوصاً ما يتعلق بسيادة اليمن وحق الحكومة في إدارة مجالها الجوي ومنافذها ورفض الاعتداءات على السعودية والسفن التجارية.

لكنها تشدد على أن «قيمة الموقف السياسي تظهر عندما يُترجم إلى تنفيذ».

وتُحدد الوزيرة ما تريده الحكومة عملياً فيما يلي: «تطبيق فعلي لقرارات مجلس الأمن ونظام الجزاءات وحظر السلاح، وإغلاق مسارات تهريب الصواريخ والطائرات المسيّرة والمكونات ذات الاستخدام المزدوج والخبرات التقنية، ومساءلة الشبكات التي تُموّل أو تُسهّل هذه الأنشطة».

وتضيف إلى ذلك ضرورة بناء قدرات الدولة اليمنية، خصوصاً خفر السواحل والأجهزة المختصة وأمن الموانئ.

وتقول الزوبة: «لا نطلب من العالم أن يقاتل نيابةً عنا»، وإنما ألا يُطلب من الدولة التخلي عن مسؤوليتها في حماية مواطنيها ومقدَّراتها وسيادتها، «بينما تبقى كلفة الانتهاك شِبه معدومة». وتضيف: «كل تجاوز بلا كلفة يشجع التجاوز الذي يليه».

ولا تقف مطالب الحكومة عند الجانب الأمني، إذ تجدد الزوبة طلباً تقول إن الحكومة ترفعه منذ نصف عقد يتعلق بـ«تصحيح طريقة الدعم الدولي والمساعدات الموجهة للشعب اليمني»، بحيث تنتقل من «دعم دوري لتسكين أعراض الأزمة الإنسانية» إلى معالجة جذورها عبر دعم مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على أداء وظائفها.

اليمنيون ليسوا أوراق تفاوض

وراء ضجيج الصواريخ والسياسة، تلفت وزيرة الخارجية إلى الجانب الإنساني، وتقول إن ملايين اليمنيين يعيشون ظروفاً شديدة القسوة، وإنه «لا يجوز أن يتحولوا إلى أدوات ضغط أو رهائن بيد الميليشيا الحوثية في حسابات سياسية وعسكرية».

وتضيف: «عندما يُستهدف نازح اضطر أصلاً إلى مغادرة بيته في مدينة مأرب، أو يُحتجز موظف أممي يعمل لخدمة الناس، أو تتعطل لقاحات الأطفال والمساعدات، فنحن أمام كلفة إنسانية تتجاوز المقاربة السياسية».

وتتهم الزوبة الحوثيين بالسيطرة على الموارد وعرقلة العمل الإنساني واحتجاز الموظفين وتعطيل وصول اللقاحات وتحويل هذه الملفات إلى وسائل ضغط على المواطن. وتشدد بالقول إن «الملفات الإنسانية حقوق وليست أوراق تفاوض أو ابتزازاً».

لكنها تربط، في الوقت نفسه، المعالجة المستدامة للأزمة باستعادة الدولة، قائلة إن «المساعدة تستطيع تخفيف الألم، لكنها لا تستطيع أن تحل محل دولة تؤمّن التعليم والصحة والرواتب وتحمي المواطنين».

ثلاثة اتجاهات لـ«الخارجية»

بعيداً عن ملفات الحرب، سألت «الشرق الأوسط» الوزيرة عما تريد أن يلمسه اليمنيون في عمل الخارجية، خلال المرحلة الأولى من تولّيها المنصب.

وتُحدد الزوبة ثلاثة اتجاهات رئيسية؛ أولها «توفير الإمكانات اللازمة للدبلوماسية اليمنية حتى تقوم بدورها وتواكب الفعل السياسي للدولة».

وتقول: «وزارة الخارجية هي قناة الاتصال الأساسية مع العالم، ولذلك يجب أن تكون طواقمها في الداخل والخارج قادرة على نقل سياسة الدولة والدفاع عن مصالحها».

أما الاتجاه الثاني فهو خدمة اليمنيين في الخارج، إذ تلفت إلى وجود جاليات يمنية كبيرة، وتقول: «هم ليسوا ملفاً قنصلياً فحسب؛ هم جزء من الاقتصاد الوطني، وسفراء يوميون لليمن، وتحويلاتهم بمليارات الدولارات سنوياً تسند ملايين الأُسر».

والاتجاه الثالث يتعلق بـ«تحسين البنية المؤسسية داخل الوزارة واستكمال الإصلاحات التي بدأت في المرحلة السابقة».

في هذا السياق، تُسجل الزوبة تقديرها للدكتور شائع الزنداني، الذي قاد الوزارة في المرحلة السابقة، وتقول إن العمل الدبلوماسي «بطبيعته عمل تراكمي تتكامل فيه جهود مَن تعاقبوا على المسؤولية».

وتوضح رؤيتها للوزارة: «أريد وزارة تعمل كمنظومة واحدة، بكادر مهني، ورسالة موحدة، وآليات واضحة للتقييم والمساءلة، بحيث تعكس السياسةَ الخارجية للدولة لا اجتهادات متفرقة».

رواتب الدبلوماسيين والتعيينات

وعن الملف الحساس المتعلق بتأخر رواتب الدبلوماسيين وأوضاع البعثات والتعيينات، تعبر الزوبة عن اعتزازها بالطاقم الدبلوماسي اليمني الذي عمل، كما تقول، «طوال هذه السنوات في ظروف بالغة الصعوبة، وظلّ إحدى جبهات الدولة في الخارج».

وتضيف: «من غير المنصف أن نتحدث عن دبلوماسية فاعلة دون أن نهتم بالأوضاع المهنية والمعيشية لمن يحملون هذه المسؤولية».

وتكشف أنها تعمل مع رئيس مجلس الوزراء والقيادة السياسية على «حلحلة الإشكالات المتراكمة والبحث عن المعالجات الممكنة لتحسين الوضع المالي للكادر والبعثات».

لكنها تتجنب تقديم موعد محدد للحل: «هذا ملف مرتبط بإمكانات الدولة، لذلك لن أقدم مواعيد أو وعوداً غير مضمونة، لكنني أستطيع أن أؤكد أنه في صدارة اهتمامنا».

أما التعيينات فتصفها بأنها «عملية طبيعية في أي سلك دبلوماسي»، لكنها تحتاج في الظروف الحالية إلى «دراسة وتأنٍّ».

وتُحدد أربعة معايير لهذا الملف: «الكفاءة والحاجة والأداء والمصلحة الوطنية»، مع الالتزام بالقوانين واللوائح وعدم حِرمان المستحقين وربط التعيينات باحتياجات الوزارة والبعثات.

«اليمن فرصة وليس مشكلة»

تريد الزوبة تغيير الطريقة التي يقدم بها اليمن نفسه إلى العالم، وتقول إن الحرب والأزمتين الإنسانية والاقتصادية تمثل تحديات لا يمكن إنكارها، «لكن اليمن يظل فرصة ودولة واعدة للأشقاء والأصدقاء».

وتُعدد ما يمتلكه البلد: «موقع استراتيجي، ومجتمع شاب، وموارد وإمكانات، وممرات بحرية حيوية، وتاريخ طويل من التجارة والتواصل».

وتضيف: «الدبلوماسية ينبغي ألا تذهب إلى العالم فقط لتشرح ماذا نحتاج، بل أيضاً ماذا يمكن أن يقدم اليمن كشريك».

وتطمح الوزيرة إلى نقل العلاقة مع الأشقاء والأصدقاء «من إدارة الأزمة إلى بناء شراكات في الأمن البحري، والتجارة، والطاقة، والاستثمار، والتعافي وإعادة الإعمار، وبناء القدرات».

وتضع في مقدمة هذه العلاقات الشراكة مع السعودية ودول مجلس التعاون، «بحكم الجغرافيا والمصالح والأمن المشترك»، إلى جانب علاقات متوازنة مع بقية الدول الصديقة.

وتختصر الزوبة الصورة التي تريد للدبلوماسية اليمنية أن تقدمها: «كلما كانت الدولة اليمنية أقوى وأكثر استقراراً، أصبح اليمن قيمة مضافة لأمن المنطقة، لا عبئاً عليها... لا نتحدث عن اليمن كمشكلة دائمة، بل كفرصة ونقطة ارتكاز للاستقرار والتعاون».

«اليمن أكبر من هذه السنوات الصعبة»

وعند سؤالها عن رسائل تُوجهها إلى اليمنيين في الداخل والخارج: «اليمن أكبر من هذه السنوات الصعبة»، قالت الوزيرة: «نحن دولة عربية عريقة، وشعب عُرف تاريخياً بالتجارة والانفتاح والتواصل واحترام المجتمعات التي يعيش فيها».

أما في الداخل فترى أن الأولوية هي «استعادة فكرة الدولة قبل أي شيء»، وتُحدد ملامحها بأنها دولة «تحمي المواطن، وتحتكر السلاح والقرار السيادي، وتقوم على القانون والمواطنة المتساوية، وتعيد الموارد إلى خدمة الناس».

وتُشدد على أن خلافات اليمنيين السياسية «ينبغي ألا تجعلهم يختلفون على هذه الأسس».

أما رسالتها إلى الخارج فتختصرها بالقول: «نريد أن نستعيد مكان اليمن الطبيعي كدولة ذات سيادة وصاحبة حضارة عريقة، وأن تعكس دبلوماسيتنا صورة شعب قادر على البناء والتواصل والمساهمة في استقرار محيطه، لا أن يبقى اليمن أسيراً لصورة الأزمة وتداعياتها».


انقلابيو اليمن يطاردون «عقال الحارات» بعصا التجنيد والجباية

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

انقلابيو اليمن يطاردون «عقال الحارات» بعصا التجنيد والجباية

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)

صعّدت الجماعة الحوثية من ضغوطها الأمنية على مسؤولي المربعات السكنية في العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، المعروفين محلياً باسم «عقال الحارات»، وذلك باعتقال أكثر من 30 منهم، وإقصاء نحو 23 آخرين، على خلفية اتهامهم بالإخفاق في تنفيذ مهام التجنيد والتعبئة وجمع المعلومات والتبرعات من السكان.

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن عناصر تابعة لما يُسمَّى جهاز «استخبارات الشرطة» كثفت، خلال الأيام الأخيرة، حملة استدعاءات وتحقيقات طالت مسؤولين محليين ومشرفين ميدانيين في عدد من أحياء مديريات الثورة وبني الحارث والسبعين، قبل أن تنتهي باحتجاز 30 مسؤولاً وإقصاء 23 آخرين.

وبحسب المصادر، سبقت الاعتقالات عملية استدعاء لنحو 53 مسؤولَ حيٍّ ومشرفاً ميدانياً، للتحقيق في نتائج ما تسميه الجماعة «التقارير الميدانية»؛ خصوصاً ما يتعلق بمستويات استقطاب مقاتلين جدد، وجمع الأموال والمساعدات العينية، إلى جانب المعلومات المتعلقة بالسكان.

طلبة مدارس جندهم الحوثيون خلال استعراض في صنعاء (إ.ب.أ)

وأوضحت المصادر أن الجماعة حمّلت مسؤولي الأحياء مسؤولية التراجع في عمليات الحشد والتجنيد، وعدم تحقيق حصص محددة من المجندين والتبرعات، في وقت تسعى فيه إلى توسيع قاعدة التجنيد وتعزيز الموارد المخصصة لأنشطتها العسكرية.

وقال أحد مسؤولي الأحياء في صنعاء (طلب عدم كشف هويته لدواعٍ أمنية) إن مشرفي الجماعة كثفوا، خلال الأيام الماضية، ضغوطهم على مسؤولي الأحياء لتحقيق أعداد محددة من المجندين وجمع مبالغ مالية، مشيراً إلى أن الفشل في تنفيذ تلك التوجيهات يعرّض المسؤول للإقصاء أو الاستدعاء والتحقيق والاحتجاز.

وأضاف مصدر محلي آخر أن التحقيقات ركزت على أسباب تراجع عمليات الاستقطاب والتجنيد، ومستوى التحصيل المالي، فضلاً عن مدى تنفيذ مهام مراقبة السكان وجمع المعلومات عنهم.

وتزامنت هذه الإجراءات مع تصاعد حملات جمع التبرعات في أحياء صنعاء؛ حيث كثَّف مشرفو الجماعة زياراتهم إلى الأحياء والأسواق، وحضّوا السكان والتجار على تقديم مساهمات مالية وعينية تحت اسم دعم «المجهود الحربي»، وسط استياء متزايد بين الأهالي.

تضييق أمني على الأحياء

أكدت المصادر أن حملة الاعتقالات والإقصاء في أوساط «عقال الحارات» أثارت مخاوف محلية من اتساع نطاقها لتشمل مسؤولين آخرين في مناطق مختلفة من العاصمة المختطفة، خصوصاً مع استمرار الجماعة في تشديد قبضتها الأمنية والإدارية على السكان.

ويرى متابعون للشأن اليمني أن تشديد الإجراءات بحق مسؤولي الأحياء يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الجماعة في ملفَّي التجنيد والموارد المالية، ومحاولتها تحميل ممثليها المحليين مسؤولية ضعف الاستجابة الشعبية لحملات التعبئة والجباية.

أشخاص يستقلون الجزء الخلفي من شاحنة صغيرة في أحد شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

وتعد شبكة مسؤولي الأحياء والوجهاء والمشرفين إحدى الأدوات التي تعتمد عليها الجماعة في إدارة علاقتها بالسكان، ومراقبة الأحياء، وتنفيذ عمليات الحشد والتجنيد وجمع الأموال.

وبحسب المصادر، يتعرَّض هؤلاء المسؤولون لضغوط متواصلة لاستقطاب السكان، بمن فيهم المراهقون، إلى صفوف الجماعة، فضلاً عن دفعهم للمشاركة في دورات عسكرية وتحصيل الأموال لصالح أنشطتها.

حملة متكررة

لا تُعدّ الإجراءات الحالية الأولى من نوعها؛ إذ سبق للجماعة الحوثية أن أقصت، في منتصف مارس (آذار) من العام الماضي، نحو 52 مسؤول حيّ و«عاقل حارة» في صنعاء، واحتجزت عدداً آخر، بدعوى عدم تنفيذ مهام استقطاب مجندين جدد وجمع التبرعات من السكان، وفق مصادر محلية.

عنصر حوثي يقف بالقرب من مطار صنعاء (إ.ب.أ)

وتزامنت تلك الحملة مع إخضاع نحو 90 مسؤول حي في صنعاء وضواحيها لدورات ذات طابع عقائدي، ضمن ما سمَّته الجماعة حينها «برنامجاً فكرياً»، بإشراف شخصيات دينية مقربة من زعيمها، عبد الملك الحوثي.

وتشير الإجراءات المتكررة إلى استمرار الجماعة في استخدام مسؤولي الأحياء كحلقة وصل أمنية وتنظيمية بينها وبين السكان، مع تحميلهم بصورة متزايدة مسؤولية تنفيذ أهدافها في التجنيد والتعبئة والجباية ومراقبة المجتمع.


الترتيبات الإقليمية تتصدر زيارة وزير الخارجية التركي إلى مصر

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)
TT

الترتيبات الإقليمية تتصدر زيارة وزير الخارجية التركي إلى مصر

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)

تهيمن التطورات بالمنطقة وتعزيز التعاون الثنائي، على زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الخميس، إلى مصر، والتي تشمل لقاءات مع الرئيس عبد الفتاح السيسي ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي.

تلك الزيارة التي أعلنت عنها وسائل إعلام تركية رسمية، ستدفع، حسب خبراء بمصر وتركيا تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، العلاقات بين البلدين نحو شراكة استراتيجية شاملة تتجاوز التنسيق السياسي إلى آفاق أوسع.

وسيلتقي فيدان نظيره المصري بمدينة العلمين شمال البلاد، للبحث في التطورات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الحرب الإيرانية-الأميركية، والأوضاع الليبية، والصراع في السودان، وكذلك تطورات قطاع غزة، بحسب وسائل إعلام تركية رسمية.

وتأتي الزيارة بعد حديث فيدان قبل أيام، عن أن مصر قد تنضم مستقبلاً إلى «اتفاقية مكة» للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان، المبرمة الجمعة الماضي، مؤكداً، أنه «لا يوجد ما يمنع القاهرة من المشاركة في الاتفاقية».

اجتماع سابق بين وزيري خارجية مصر وتركيا في أنقرة (الخارجية المصرية)

كما يناقش فيدان وعبد العاطي التطورات في غزة وسوريا وليبيا والسودان وشرق المتوسط، إلى جانب الوضع في الخليج ومضيق هرمز، بحسب ما نقله تلفزيون «تي أرت» التركي الأربعاء، عن مصادر بالخارجية التركية.

ومن المنتظر أن يؤكد فيدان، خلال زيارته التي تستمر الخميس والجمعة، دعم تركيا للجهود الدبلوماسية الرامية إلى إعادة تثبيت وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران وإعادة فتح مضيق هرمز، فضلاً عن ضرورة وقف الهجمات على غزة، وتطبيق وقف إطلاق النار بشكل كامل وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، بحسب المصدر التركي.

ويرى الخبير المصري في الشؤون الإقليمية، كرم سعيد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي في سياق مجموعة من التطورات المهمة، على رأسها استمرار المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة عبر وسطاء، مشيراً إلى وجود اتفاق مصري تركي على ضرورة دفع هذه المفاوضات، والعمل المشترك لمحاولة إنهاء الحرب الجارية في المنطقة، لما لها من انعكاسات مباشرة على كلا البلدين.

وفيما يخص الشأن الفلسطيني، أكد سعيد، أن الزيارة ستشهد تعزيزاً وتوسيعاً للتنسيق المصري التركي المتعلق بإدارة المشهد في قطاع غزة والضفة الغربية، خاصة في ظل عودة الاستهداف الإسرائيلي للقطاع وتوسع حركات الاستيطان في الضفة.

ولفت، إلى أن الملف الليبي سيكون حاضراً بقوة في ظل توافق مصري تركي على ضرورة بناء دولة ليبية موحدة، بخلاف التوترات في منطقة البحر الأحمر، بما في ذلك مساعي إسرائيل لإقامة قواعد عسكرية في منطقة «أرض الصومال»، بالإضافة إلى تحركات جماعة الحوثي.

البحر الأحمر

وبرأي المحلل السياسي التركي، طه عودة أوغلو، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، فإن الملف الأول على طاولة المباحثات «هو تنسيق الجهود المشتركة لوقف الحرب الدائرة في قطاع غزة، ودعم المسار السياسي، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية، فضلاً عن الملف الليبي الذي يشهد تنسيقاً عالي المستوى بين مصر وتركيا تجاه ملفات المنطقة، بخلاف أزمة الملاحة في هرمز وأمن البحر الأحمر».

وعلى مستوى العلاقات الثنائية، أفادت مصادر بوزارة الخارجية التركية الأربعاء، أن فيدان وعبد العاطي سيترأسان الاجتماع الثاني لمجموعة التخطيط المشتركة بين تركيا ومصر، بمشاركة مسؤولين من الجهات المعنية في البلدين.

ويناقش اللقاء مخرجات الاجتماع الثاني لـ«مجلس التعاون الاستراتيجي» رفيع المستوى الذي عقد في القاهرة في 4 فبراير (شباط) الماضي، إلى جانب التحضيرات للاجتماع الثالث للمجلس المقرر عقده في تركيا عام 2028، ومن المقرر أيضاً أن يلتقي فيدان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بحسب المصدر التركي.

ومن المتوقع أن تتناول المباحثات سبل تطوير العلاقات التركية المصرية في المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية والعسكرية، ومراجعة الاتفاقيات الجاري التفاوض بشأنها، إلى جانب تعزيز الاستثمارات المتبادلة وزيادة حجم التجارة الثنائية إلى 15 مليار دولار، مقارنة بنحو 8 مليارات دولار في 2025.

وتأسست مجموعة التخطيط المشتركة التركية-المصرية عام 2024 بهدف التحضير لاجتماعات «مجلس التعاون الاستراتيجي» وتعزيز التنسيق بين البلدين في مختلف مجالات التعاون، بينما عقد اجتماعها الأول في تركيا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 برئاسة وزيري خارجية البلدين.

وعلى الصعيد الثنائي، وصف كرم سعيد، الجانب الاقتصادي بأنه «محور مهم وتقليدي في كافة اللقاءات رفيعة المستوى، ويتوقع أن تتجه العلاقات نحو شراكة استراتيجية شاملة تتجاوز التنسيق السياسي إلى آفاق أوسع».

ويتفق أوغلو مع سعيد، ويقول، إن زيارة فيدان إلى القاهرة تتجاوز البعد السياسي لتشمل أبعاداً أمنية واقتصادية واضحة جداً، مؤكداً أن الاقتصاد أصبح إحدى الركائز الأساسية للعلاقة بين أنقرة والقاهرة.