مسؤولون وخبراء غربيون يشككون في جاهزية القوات العراقية لصد «داعش»

ربع الجيش يفتقر إلى فاعلية قتالية حقيقية.. والفساد ينخر في قيادته

مسؤولون وخبراء غربيون يشككون في جاهزية القوات العراقية لصد «داعش»
TT

مسؤولون وخبراء غربيون يشككون في جاهزية القوات العراقية لصد «داعش»

مسؤولون وخبراء غربيون يشككون في جاهزية القوات العراقية لصد «داعش»

في الوقت الذي تحاول فيه القوات العراقية الاحتشاد على أطراف بغداد عقب أسبوعين من الانسحاب، بات من الواضح وبصورة متزايدة للمسؤولين الغربيين استمرار نزف الخسائر التي يتكبدها الجيش العراقي في قتاله ضد المسلحين واستمرار عجزه عن السيطرة على الأرض بل وتنازله عن أجزاء منها.
وتشير التقديرات الأخيرة الصادرة عن المسؤولين الغربيين والخبراء العسكريين إلى أن ما يقرب من ربع القوات العسكرية العراقية «تفتقر لفعالية قتالية حقيقية»، وقواتها الجوية ضئيلة للغاية، ومعنويات الجنود تتدنى باستمرار مع وجود فساد واسع النطاق في القيادة.
وبينما تدرس الدول الغربية ما إذا كانت ستقدم دعما عسكريا إلى العراق من عدمه، فإن قرارهم سيتوقف على نوعية القوات العراقية الحالية، التي تأكد وجود خلخلة وتمزق بين صفوفها أكثر مما كان متوقعا مع حساب سنوات التدريب الأميركي المقدم إليها.
ويعزز مقاتلو تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)» في الوقت الحالي من مكاسبهم، ويوسعون من نطاق سيطرتهم على البلدات المحاذية لنهر الفرات، ويعملون على تأمين الطرق فيما بين قواعدهم والجبهات الأمامية في العراق، كما يمارسون الضغوط على الجماعات السنية الأخرى للقتال ضمن صفوفهم.
في الوقت ذاته، لا تحرز الجهود المبذولة لإقناع الحكومة كي تكون أكثر شمولا فيما يتعلق بالسنة أي تقدم يذكر ولا حتى في مواجهة نهج التخويف والإكراه الذي يتبعه المتشددون. فقد يممت حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي شطر استقدام عشرات الآلاف من الميليشيات والمتطوعين الشيعة الذين يعدهم السنة مصدرا مباشرا للتهديد، ولم تسع الحكومة حتى الآن سعيا جديا باتجاه العرب السنة أو الأكراد.
على ضوء ما سبق، فإن الصورة الحالية هي لعراق لا تعني خطوط الحدود المرسومة على خارطته الكثير. فقد صار الشمال والغرب ملاذا للمتطرفين الذين نجحوا إلى حد كبير في إزالة الحدود بين مناطق نفوذهم في سوريا والعراق.
وصرح قائد عسكري عراقي في ديالى، حيث يدور القتال: «إننا حاليا في موقف حماية ما تبقى لنا من أراض، ومعنويات جنودنا عند أدنى مستوياتها».
ولا يرى معظم المسؤولين الأميركيين اقتراب بغداد من شفير السقوط على الرغم من سرعة تقدم المسلحين. غير أن العديد من أسوأ السيناريوهات المتوقعة قد برز على أرض الواقع، بما في ذلك سقوط الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، والسيطرة على العديد من المعابر الحدودية مع سوريا المجاورة.
وقال مسؤول غربي، مشترطا عدم الكشف عن هويته لمناقشة القضايا الاستخباراتية: «يبقى الزخم حاليا لدى (داعش).. إنهم يتوسعون في كل يوم».
أمام هذا الوضع، أعلن بعض الخبراء الجيش العراقي «قوة مندحرة»، مما يشكل نقيضا مريعا لآمال وتقييمات المدربين الأميركيين عندما انسحبت الولايات المتحدة من العراق في عام 2011.
وكتب مايكل نايتس، من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، أخيرا قائلا: «60 كتيبة قتالية عراقية من أصل 243 كتيبة لم تعد ذات أهمية، وقد فقدوا كل معداتهم القتالية».
وصرح مسؤولون أميركيون أن تقديراتهم كانت تدور حول أن خمسة من أصل 14 فرقة قتالية عراقية صارت بلا فعالية قتالية حقيقية، بما في ذلك الفرقتان اللتان جرى اكتساحهما في الموصل أخيرا. وعندما بدأ هجوم «داعش» كان عناصر بقية الوحدات المبعثرة في إجازة وأرسل هؤلاء إلى قاعدة التاجي العسكرية في شمال بغداد لتتشكل منهم وحدات جديدة. غير أن المسؤولين والخبراء يعتقدون أن هذه العملية ستأخذ كثيرا من الوقت. ويقول نايتس: «ستكون مهمة شاقة لضم تلك الوحدات معا مرة أخرى وإعادة تسليحهم».
ويعمل العديد من المستشارين العسكريين الأميركيين المتجهين إلى بغداد حاليا على إجراء تقديرات مفصلة لاحتياجات الجيش العراقي، على حد تصريح المسؤولين الأميركيين. لكن قدرا من اليأس العسكري الذي أصاب الجيش العراقي ينبع من أن معظم المساعدات العسكرية الحالية التي يتلقاها الجيش تأتي من مئات الآلاف من المتطوعين وعدد أقل من أعضاء الميليشيات عالية التدريب. وبالنسبة للعديد من الوحدات - وهناك عدد معقول منهم - التي تقاتل بشراسة في ظل ظروف عصيبة، فإن ضم بعض المتطوعين من ذوي الخبرة القتالية القليلة أو عديمي الخبرة القتالية مشكوك في جدواه. فعلى سبيل المثال، تعرض المئات من المتطوعين للقتل أو الإصابة في كمائن منصوبة على طريقهم إلى ساحة القتال. لكن هذا لا ينطبق على الميليشيات المدربة، التي تمتلك عددا أقل من المقاتلين لكنهم من ذوي الخبرة والتدريب الراقي، ومعظمهم من الإيرانيين، ويرفعون من معنويات الجيش النظامي، على حد زعم القادة.
ويبدو أن تعزيز القدرة الجوية العراقية بات من الأمور الضرورية. حيث صرح المسؤولون في وقت مبكر من هذا العام بأن العراق يمتلك ثلاث طائرات عسكرية فقط من طراز «سيسنا» قادرة على إطلاق صواريخ «هيل فاير» الأميركية، غير أن الجيش استطاع الحصول على طائرتين أخريين لكن ذخيرته اقتربت من النفاد. ويشير المسؤولون إلى نقطة مضيئة في خضم الأحداث، وهي قوة النخبة العراقية لمكافحة الإرهاب التي أشرفت الولايات المتحدة الأميركية على تدريبها بهدوء في مطار بغداد.
ويقول مسؤولون أميركيون إنه منذ انسحاب القوات الأميركية من العراق بنهاية عام 2011 شهدت القوات العراقية تراجعا في المهارات العسكرية؛ إذ لا ينفذ الجيش العراقي المناورات في ميدان المعركة، وتحول إلى جيش من «نقاط التفتيش»، وهي القوات البارعة في التحقق من الهويات وليس في نقل القتال إلى ميادين الأعداء، على حسب تصريحات المسؤولين الغربيين.
ومن وجهة نظر ضباط الجيش العراقي، فإنهم في حالة ميئوس منها؛ من حيث سوء التجهيزات العسكرية في مواجهة عدو يقولون إنهم لم يكونوا مدربين على قتاله. وقال أحد القادة في محافظة صلاح الدين: «ليست لدينا معلومات استخباراتية، وليس لدينا غطاء جوي جيد، في حين أننا نقاتل جماعات مدربة جيدا وتتمتع بخبرات جيدة في قتال الشوارع، وتتحرك بين المدن والقوى بسرعة فائقة». وأضاف قائلا: «المتطوعون لدينا أعدادهم كبيرة، لكنهم جميعا غير مدربين، بينما أعداد (داعش) صغيرة، لكنهم مدربون بشكل جيد. يجب علينا جلب مقاتلين حقيقيين. إن مقاتلي (داعش) لديهم الإرادة للموت، لذا فهم لا يخشون شيئا».
ويقول المسؤولون الغربيون إن قوات «داعش» تعد عدوا أشد بأسا من الذي واجهته القوات العسكرية الأميركية عندما كانت تقاتل تنظيم القاعدة فيما بين 2004 و2009. وتختلف التقديرات بشأن المقدرة العسكرية للمتشددين، لكن هناك إجماعا على أنهم، رغم ضآلة أعدادهم، جيدو التجهيز والتدريب والتمويل.
وبعديده البالغ نحو 10.000 مقاتل، استطاع تنظيم «داعش» السيطرة على مخازن من العتاد العسكري والتخطيط لتنفيذ مهام هجومية صغيرة، من شأنها، حين الانتظام مع حملة دعائية جيدة، أن تخرج بنتائج ذات فعالية عالية. وعندما اجتاح المسلحون الموصل استولوا على ثاني أكبر مستودع للذخيرة في العراق. كما استولى المتشددون كذلك على 52 قطعة مدفعية، بما فيها مدافع الـ«هاوتزر»، التي خلفتها القوات العراقية وراءها أثناء فرارها جنوبا. ومن غير الواضح ما إذا كان تنظيم «داعش» لديه المعرفة باستخدام تلك المعدات، لكن إذا توفرت لديه الخبرة، فمن شأن ذلك أن يضيف إليهم قوة نيرانية كبيرة.
ويبدو أن المقاتلين يتمتعون حتى الآن بحصانة ضد الخسائر، ويجددون صفوفهم سريعا بمقاتلين من سوريا، والمملكة العربية السعودية، ولبنان، والشيشان، وأوروبا، الذين تجذبهم النجاحات المحققة في جبهة العراق. وقد وجدوا مجندين كذلك عن طريق إطلاق سراح السجناء في وقائع سافرة لاقتحام السجون، مثل التي وقعت في يوليو (تموز) الماضي، التي ساعدوا فيها 800 سجين على الهرب من سجن أبو غريب. وخلال الهجوم الأخير على الموصل، أطلق تنظيم «داعش» سراح 2500 سجين من سجن بادوش، وبعضهم التحق بالقتال إلى جانب «داعش» بكل تأكيد، على الرغم من استحالة التحقق من عدد من قاموا بذلك على وجه التحديد.
وتضاف إلى بواعث القلق حول أصول «داعش» المخاوف من الطائفية المتزايدة؛ فعندما فجر مرقد سامراء، المقدس لدى الشيعة، في فبراير (شباط) 2006، انفجر العنف الطائفي. واليوم يحظى المرقد بحماية قوية من جانب الميليشيات الشيعية، لكن المتمردين أطلقوا قذائف «هاون» عليه.
ويقول القائد العسكري في ديالى: «حاليا نحاول فقط حماية تلك المناطق الشيعية، ثم سنحاول معرفة كيفية التعامل معهم في المناطق التي سيطروا عليها».
* خدمة «نيويورك تايمز»



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.