تناول المعكرونة... لا يتسبب في زيادة وزن الجسم

مراجعات طبية لتأثيراتها الصحية

تناول المعكرونة... لا يتسبب في زيادة وزن الجسم
TT

تناول المعكرونة... لا يتسبب في زيادة وزن الجسم

تناول المعكرونة... لا يتسبب في زيادة وزن الجسم

قدم مجموعة من الباحثين الكنديين مراجعة علمية شملت مجمل الدراسات الطبية التي تناولت التأثيرات الصحية لتناول باستا المعكرونة، خصوصاً حول علاقة تناولها باحتمالات التسبب بالسمنة.
ورغم أن الإكثار من تناول الأطعمة الغنية بسكريات ونشويات الكربوهيدرات هو أحد أسباب تفشي السمنة، إلاّ أن الباحثين من كندا قالوا إنه ليس ثمة ما يُبرر وجود السمعة السيئة للمعكرونة في التسبب بزيادة الوزن، وعليه يمكن أن يكون تناول الباستا جزءاً من النظام الغذائي اليومي، دون أن يُؤدي ذلك إلى زيادة كيلوغرامات إضافية على وزن الجسم، طالما تم تناول كمية معتدلة من المعكرونة، وفق ضوابط التغذية الصحية.

- رؤية جديدة
يكتسب البحث الطبي في تناول المعكرونة أهميته من ثلاثة جوانب:
• الجانب الأول، هو أن ثمة انتشاراً واسعاً لتناول المعكرونة التي هي والأرز والخبز تُمثل المصادر الرئيسية لتناول نشويات الكربوهيدرات على مستوى العالم، كما أن ثمة ارتفاعاً عالمياً متنامياً في تناول المعكرونة بين الأطفال والمراهقين والشباب، وحتى كبار السن، نظراً لسهولة تحضير أطباقها، وتنوع الإضافات الشهية عليها. ووفق تقرير «غراند فيو ريسيرش» الصادر في يناير (كانون الثاني) 2018، فإن حجم السوق العالمي لنوعي المعكرونة، أي الباستا المصنوعة من دقيق القمح القاسي، والنودلز المنتشرة في آسيا وحوض المحيط الهادئ المصنوعة من دقيق الأرز، من المتوقع أن يبلغ ما يفوق 82 مليار دولار في عام 2025، بزيادة سنوية بنسبة ٤ في المائة.
• الجانب الثاني للأهمية، هو أنه رغم الانتشار الواسع لتناول المعكرونة، هناك حالة من عدم وضوح الرؤية الطبية لمدى العلاقة بين تناولها، وبين احتمالات الإصابة بالسمنة، ما يتطلب البحث العلمي في ذلك.
• الجانب الثالث وجود أنواع كثيرة ومختلفة من باستا ونودلز المعكرونة، وهناك توجه متزايد لدى صانعي المعكرونة نحو إضافة عناصر صحية في إنتاج كل من باستا القمح ونودلز الأرز، مثل استخدام كامل حبوب القمح القاسي وإضافة البيض ومزج عجينة المعكرونة بأنواع من الخضار المهروسة، وتعزيزها بأنواع من المعادن والفيتامينات، وتقليل كمية الصوديوم فيها، ما يرفع من احتمالات تهيئتها لتكون اختياراً غذاءً صحياً مفيداً وسهل التحضير، خصوصاً بالمقارنة مع الاختيارات الأخرى لحزمة تشكيلات المأكولات السريعة للهمبرغر والمقليات وغيرها.
وقد ضم الفريق الكندي باحثين من أقسام الطب الباطني وطب الغدد الصماء وطب عمليات الأيض الكيميائي الحيوي وعلوم التغذية وعلم الصيدلة، وذلك من جامعة تورونتو ومن مستشفى سانت مايكل بتورونتو في أونتاريو ومن جامعة مقاطعة ساسكاتشوان الكندية. وقام الباحثون بمراجعة وتحليل نتائج 30 دراسة طبية تم إجراؤها حول تأثيرات تناول المعكرونة على وزن الجسم.

- المعكرونة والسمنة
وفق ما تم نشره في الثاني من أبريل (نيسان) الحالي ضمن المجلة الطبية البريطانية المفتوحة (BMJ Open)، قال الباحثون في مقدمة الدراسة: «يتزايد الادعاء بتورط المواد الغذائية الكربوهيدراتية مثل المعكرونة والأرز والخبز في التسبب بوباء السمنة، وثمة تدنٍ في ملاحظة أهمية مستوى نوعية الجودة الكربوهيدراتية (Carbohydrate Quality) في تلك المواد الغذائية، هذا رغم أن دراسات التحليل العلمي والمراجعات المنهجية التي تناولت أنماط التغذية المشتملة على أطعمة ذات مؤشر سكري (Glycaemic Index) منخفض، خصوصاً المحتوية على الحبوب الكاملة والغنية بالألياف الغذائية، أظهرت لنا نتائج إيجابية فيما يتعلق بوزن الجسم».
وأضاف الباحثون: «باستا المعكرونة هي مثال مهم للأطعمة المحتوية على كربوهيدرات مكررة (Refined Carbohydrates)، وفي الوقت نفسه تمتلك مؤشراً سكرياً منخفضاً. وعلى حد علمنا، لا توجد حتى اليوم تحليلات ومراجعات منهجية تفيدنا بأدلة علمية حول تأثيرات تناول باستا المعكرونة على وزن الجسم. وأجرينا دراسة تحليل ومراجعة منهجية لتحديد تأثير المعكرونة وحدها، أو ضمن نمط تغذية يومية يحتوي أطعمة ذات مؤشر سكري منخفض، على وزن الجسم والمؤشرات الأخرى ذات الصلة بالسمنة (Adiposity Markers) ومتابعة معالجتها، مثل مؤشر كتلة الجسم (BMI) وغيره».
وأضاف الباحثون مزيداً من التوضيح في جانب دلالات «المؤشر السكري» لأنواع الأطعمة، وتأثيرات ذلك على احتمالات التسبب بالسمنة، وأفادوا بأن المعكرونة مصنوعة من سكريات مكررة ذات مؤشر سكري منخفض. ولهذا هي تختلف عن بقية أنواع الأطعمة المصنوعة من سكريات مكررة ذات مؤشر سكري مرتفع، ذلك أن ارتفاع المؤشر السكري لنوع ما من الأطعمة المصنوعة من السكريات المكررة، يعني سرعة هضمها وسرعة امتصاص الأمعاء للسكريات منها، ما يُؤدي إلى ارتفاع سريع وحاد في نسبة السكر في الدم، الأمر الذي يُنهك البنكرياس في إنتاجه هرمون الأنسولين بكمية أعلى وبوتيرة سريعة، كما يزيد من فرص تحويل تلك السكريات السابحة في الدم إلى شحوم تتراكم في الجسم.
ولكن بالمقابل، فإن باستا المعكرونة تتميز بأن المؤشر السكري فيها منخفض، وبالتالي فإن هضمها يستغرق وقتاً أطول، وامتصاص الأمعاء للسكريات منها ليس سريعاً، أي أنها لا تتسبب بارتفاع سريع في نسبة السكر في الدم، ولا يضطر الجسم نتيجة لذلك إلى تكوين مزيد من الشحوم لتتراكم في الجسم.
وقال الباحثون في ملخص النتائج: «وبالمحصلة، فإن الأدلة العلمية المتوفرة لا تفيدنا بأن تناول المعكرونة، ضمن نمط تغذية منخفض في مؤشر السكري، له تأثيرات سلبية لزيادة مقدار وزن الجسم أو ارتفاع المؤشرات الأخرى للسمنة. وعلى العكس، فإن تناول باستا المعكرونة، ضمن نمط تغذية منخفض في مؤشره السكري، يُقلل من وزن الجسم ويُقلل من مؤشر كتلة الجسم، وذلك بالمقارنة مع تناول وجبات غذائية تحتوي أطعمة ذات مؤشر سكري مرتفع».
وعلق الدكتور جون سيفينبيبر، الباحث الرئيسي في الدراسة والمتخصص في التغذية الإكلينيكية، بالقول: «وجدت الدراسة أن المعكرونة لم تساهم في زيادة الوزن أو في زيادة الدهون بالجسم. وفي الواقع أظهر التحليل أن تناول المعكرونة يُؤدي إلى نقص صغير في الوزن. ولذلك على عكس المخاوف لدى البعض، ربما يمكن أن تكون المعكرونة جزءاً من نظام غذائي صحي مثل نظام غذائي منخفض في المؤشر السكري». ولاحظ الباحثون أن تناول الأشخاص، الذين شاركوا في التجارب السريرية لكمية تبلغ في المتوسط نحو 3.3 حصة غذائية من المعكرونة في الأسبوع بدلاً من الكربوهيدرات الأخرى، مثل الخبز، خسروا نحو نصف كيلوغرام على مدار متابعة لمدة 12 أسبوعاً. وأضاف الدكتور سيفينبيبر قائلاً: «بوزن الأدلة العلمية، يمكننا الآن أن نقول بثقة إن المعكرونة ليس لها تأثير سلبي على نتائج وزن الجسم عندما يتم استهلاكها كجزء من نمط غذائي صحي».
وأكد مؤلفو الدراسة أن تمويل إجراء هذه الدراسة لم يكن من قبل شركات صناعة المعكرونة، بل من معاهد البحوث الصحية الكندية (Canadian Institutes of Health Research)، ومن خلال شبكة التغذية البشرية على مستوى كندا (Canada - wide Human Nutrition Trialists› Network) ومركز الجهاز الهضمي والأمراض (Digestive Tract and Disease Centre)، والمؤسسة الكندية للابتكار (Canadian Foundation for Innovation)، وصندوق أبحاث أونتاريو (Ontario Research Fund) التابع لوزارة الأبحاث والابتكار.

- كيف تحسب الحصة الغذائية للمعكرونة؟
> الفوائد الصحية لتناول المعكرونة، وفق نتائج دراسة المراجعة العلمية الحديثة هذه، تعتمد على عنصرين، هما: أولاً، النوعية الصحية لدقيق القمح القاسي المستخدم في صناعة المعكرونة. وثانياً، كمية المعكرونة المتناولة في وجبة الطعام.
والصحي هو تناول كمية تبلغ في المتوسط نحو 3.3 حصة غذائية من المعكرونة في الأسبوع، كما قال الباحثون.
والحصة الغذائية الواحدة بوزن نحو 57 غراماً من المعكرونة الجافة وغير المطبوخة، يُمكن حسابها في الأشكال المختلفة لها، كالتالي:
> من معكرونة السباغيتي (Spaghetti): حزمة من عيدان السباغتي الجافة قطرها نحو 2.5 سنتيمتر.
> معكرونة بشكل الكوع (Elbow Pasta): كمية نصف كوب، والكوب بحجم نحو 340 سنتيمتراً مكعباً.
> معكرونة بيني (Penne Pasta): كمية ثلاثة أرباع كوب.
> معكرونة لازانيا (Lasagna): شريحتان من شرائح معكرونة اللازانيا العريضة.

بين المعكرونة والخبز الأبيض

> تتم صناعة المعكرونة من عجينة دقيق نوعية خاصة من القمح، ذات مميزات صحية فريدة تختلف عن تلك المستخدمة في صناعة الخبز، خصوصاً الخبز الأبيض. وعجينة المعكرونة مكونة من مزيج دقيق القمح القاسي (Durum Wheat) والسميد (Semolina)، ولا تُضاف إليها الخميرة. وفي أنواع منها تتم إضافة، إما البيض، أو معجون عدد من الخضار كالسبانخ أو الطماطم أو الفطر، أو الجبن، أو أنواع من البهارات.
ومن الناحية الصحية، وبالمقارنة مع عجينة الخبز، تحتوي عجينة المعكرونة على كمية أعلى من البروتينات والألياف والمعادن والفيتامينات. وهناك فارق صحي آخر بينها وبين عجينة القمح العادي المستخدم في صناعة الخبز الطري واللين، هو الكمية العالية لبروتينات الغلوتين. وهذه التركيبة تجعل قيمة المؤشر السكري منخفضة في المعكرونة.
وللتوضيح، تُقسم الأطعمة المصنوعة من نشويات وسكريات الكربوهيدرات إلى ثلاث درجات بالنسبة لمؤشرها السكري: أطعمة ذات مؤشر سكري منخفض (Low - Glycemic Food)، أي أن المؤشر السكري لها أقل من 55، وأطعمة ذات مؤشر سكري متوسط (Medium - Glycemic Food)، أي ما بين 56 و69، وأطعمة ذات مؤشر سكري عالي (High - Glycemic Food)، أي 70 وما فوق.
والمؤشر السكري لمعكرونة السباغيتي المصنوعة من الدقيق الأبيض للقمح القاسي هو 44، والمؤشر السكري لمعكرونة السباغيتي المصنوعة من الدقيق الأسمر لحبوب القمح القاسي غير المقشرة هو 32. وبالمقابل، فإن المؤشر السكري للخبز الأبيض هو 71، أي أن مؤشره السكري عالٍ. والمؤشر السكري للخبز الأسمر المصنوع من دقيق الحبوب الكاملة للقمح العادي، هو 51، أي أنه لا يزال أعلى من المؤشر السكري للمكرونة. وتجدر ملاحظة أن المؤشر السكري للكسكس المغربي، المحتوي على السميت، هو 61.
وهذه الفروقات في المؤشر السكري، وفي كمية البروتينات وكمية الألياف والمعادن والفيتامينات، هي ما تفسر التأثيرات الصحية الإيجابية المحتملة لتناول باستا المعكرونة، مقارنة بتناول الخبز الأبيض.


مقالات ذات صلة

أطعمة تُرهق الكلى يجب تقليلها

صحتك مرض الكلى المزمن يُضعف قدرتها على تنقية الدم (جامعة منيسوتا)

أطعمة تُرهق الكلى يجب تقليلها

يُنصح بعدم الإفراط في تناول الأطعمة عالية الصوديوم مثل الوجبات السريعة والمعلّبات لأنه قد يزيد العبء على وظائف الكلى

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك تناول الطعام متأخراً له تأثيرات سلبية على الأمعاء

تناول الطعام متأخراً له تأثيرات سلبية على الأمعاء

وفقاً لدراسة حديثة، قد يُلحق التوتر النفسي المزمن وتناول وجبة طعام في وقت متأخر من الليل، حتى لو كانت وجبة طعام خفيفة

د. عبير مبارك (الرياض)
صحتك الدم... مورد طبي ثمين لم يستطع العلم استبداله

الدم... مورد طبي ثمين لم يستطع العلم استبداله

في الرابع عشر من حزيران، يحتفل العالم باليوم العالمي للمتبرعين بالدم، تكريماً لملايين الأشخاص الذين يهبون دماءهم طوعاً ومن دون مقابل لإنقاذ حياة الآخرين.

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك استشارات: الكبد الدهني ومرض السكري - التسمم بالأكسجين

استشارات: الكبد الدهني ومرض السكري - التسمم بالأكسجين

لماذا ينشأ الكبد الدهني لدى مرضى السكري؟

د. حسن محمد صندقجي
صحتك يعاني كثير من الناس من دهون حول البطن (أ.ب)

اكتشف العلاقة بين التوتر وتراكم دهون البطن

يرفع التوتر هرمون الكورتيزول في الجسم، مما يزيد الشهية ويدفع لتخزين الدهون خصوصاً في منطقة البطن، لذلك يرتبط الإجهاد المستمر بتراكم دهون البطن وصعوبة التخلص منه

«الشرق الأوسط» (لندن)

أطعمة تُرهق الكلى يجب تقليلها

مرض الكلى المزمن يُضعف قدرتها على تنقية الدم (جامعة منيسوتا)
مرض الكلى المزمن يُضعف قدرتها على تنقية الدم (جامعة منيسوتا)
TT

أطعمة تُرهق الكلى يجب تقليلها

مرض الكلى المزمن يُضعف قدرتها على تنقية الدم (جامعة منيسوتا)
مرض الكلى المزمن يُضعف قدرتها على تنقية الدم (جامعة منيسوتا)

يُنصح بعدم الإفراط في تناول الأطعمة عالية الصوديوم، مثل الوجبات السريعة والمعلَّبات؛ لأنه قد يزيد العبء على وظائف الكلى، وكذلك يفضَّل التقليل من البروتين الحيواني بكثرة، خاصة اللحوم الحمراء، والمشروبات الغازية، والأطعمة الغنية بالبوتاسيوم أو الفوسفور بكميات زائدة مثل الموز والبطاطا ومنتجات الألبان.

ووفقاً لوزارة الصحة السعودية، فإن المكمّلات العشبية ليست آمنة في حالة مرضى الكلى، كما أن بعض الفيتامينات يمكن أن تضرّ مرضى الكلى أيضاً، لذلك يجب استشارة الطبيب قبل تناول أي نوع منها.

الحد من الصوديوم

وتنصح الوزارة بالحد من الصوديوم، فمع مُضِي الوقت يفقد مريض الكلى تدريجيّاً القدرة على تحقيق التوازن بين المياه والصوديوم بالجسم؛ لذلك يساعد الحد من الصوديوم على خفض ضغط الدم وتقليل احتباس السوائل بالجسم، وهو أمر شائع مع مرضى الكلى.

ويجب التركيز على الطعام الطازج والمطهو بالمنزل، وتناول كميات صغيرة من طعام المطاعم والأطعمة المعلَّبة؛ لأنها غالباً ما تحتوي على كثير من الصوديوم واختيار منتجات الغذاء التي تحتوي على نسبة صوديوم أقل من 5 في المائة على مُلصَقها الغذائي.

كذلك يجب استبدال تعزيز النكهات بالأعشاب والتوابل والخردل والخل، بالملح، وفي غضون أسبوع أو أسبوعين سيعتاد المريض ذلك.

وتجنب بدائل الملح ما لم يُوصِ اختصاصي التغذية بإمكانية ذلك؛ حيث يحتوي كثير منها على نسبة عالية جداً من البوتاسيوم، والذي قد يحتاج المريض إلى الحد منه.

الكلى تؤثر على أعضاء أخرى في الجسم (جامعة وايل كورنيل)

التقليل من البوتاسيوم والفوسفور والبروتين

ولفتت الوزارة إلى أنه اعتماداً على مرحلة مرض الكلى، قد يحتاج المريض أيضاً إلى تقليل البوتاسيوم والفوسفور والبروتين في نظامه الغذائي، فالفوسفور معدن من معادن الجسم الذي يعمل على تقوية العظام وإبقاء عدد من أجزاء الجسم بصحة جيدة، لكن لا يستطيع جسمُ مريض الكلى التخلص من الكمية الزائدة منه؛ مما يؤدي إلى ضعف العظام وإلحاق الضرر بالأوعية الدموية والعين والقلب.

ويجب على مريض الكلى الحد منه، ويوجد الفوسفور في اللحوم، ومنتجات الألبان، والفاصوليا، والمكسرات، والخبز المصنوع من الحبوب الكاملة، والمشروبات الغازية الداكنة، كما أنه يضاف إلى كثير من الأطعمة المعلَّبة.

والمستوى المناسب من البوتاسيوم يحافظ على عمل الأعصاب والعضلات بشكل جيد، لكن مع مرض الكلى المزمن، يمكن أن يتراكم كثير من البوتاسيوم في الدم ويسبب مشاكل خطيرة في القلب.

ويحتوي البرتقال والبطاطس والطماطم والخبز المصنوع من الحبوب الكاملة وعدد من الأطعمة الأخرى على نسبة عالية من البوتاسيوم، لكن يحتوي التفاح والجزر والخبز الأبيض على نسبة أقل من البوتاسيوم.

ويجب تناول الكمية المناسبة من البروتين؛ لأن كمية البروتين الزائدة تؤدي إلى زيادة كمية الجهد المبذول من الكلى للتخلص منه وتزيد من سوء حالة مريض الكلى المزمن.


تناول الطعام متأخراً له تأثيرات سلبية على الأمعاء

تناول الطعام متأخراً له تأثيرات سلبية على الأمعاء
TT

تناول الطعام متأخراً له تأثيرات سلبية على الأمعاء

تناول الطعام متأخراً له تأثيرات سلبية على الأمعاء

وفقاً لدراسة حديثة، عرضت ضمن الفعاليات العلمية لـ«أسبوع أمراض الجهاز الهضمي DDW 2026» المنعقد الشهر الماضي، قد يُلحق التوتر النفسي المزمن وتناول وجبة طعام في وقت متأخر من الليل، حتى لو كانت وجبة طعام خفيفة، ضرراً كبيراً بصحة الجهاز الهضمي ويسبب اختلال التوازن البكتيري في الأمعاء (اختلال ميكروبيوم الأمعاء). كما كشف هذا البحث أيضاً عن العلاقة بين تناول الطعام في وقت متأخر من الليل والتوتر المزمن.

اختلال التوازن البكتيري في الأمعاء

اختلال التوازن البكتيري في الأمعاء Dysbiosis قد يشمل نقصاً في تنوع البكتيريا المعوية، أو زيادة في البكتيريا الضارة، أو نقصاً في البكتيريا النافعة. وقد يُسبب ألماً في البطن، وانتفاخاً، وغثياناً، وتغيرات في عادات التبرز.

ويعتبر أسبوع أمراض الجهاز الهضمي المؤتمر العالمي الأبرز في مجال أمراض الجهاز الهضمي والكبد وجراحة الجهاز الهضمي، وقد عُقد في شيكاغو، إلينوي، في الولايات المتحدة، وعبر الإنترنت في الفترة من 2 إلى 5 مايو (أيار) 2026، ويتم بالتعاون بين الجمعية الأميركية لدراسة أمراض الكبد (AASLD)، ومعهد الجمعية الأميركية لأمراض الجهاز الهضمي (AGA)، والجمعية الأميركية لتنظير الجهاز الهضمي (ASGE)، وجمعية جراحة الجهاز الهضمي (SSAT).

ولكن هل إن تأخر وقت تناول الطعام بالليل، أم التوتر النفسي الذي يدفعنار إلى ذلك، هو ما يجعل تناول الوجبات ليلاً، حتى لو كانت خفيفة، غير صحي؟

وفق نتائج هذا البحث، اتضح أنه قد يكون مزيجاً من الاثنين، ما قد يؤثر لا على وزننا فقط، بل أيضاً على صحة أمعائنا، بما في ذلك ميكروبيوم الأمعاء. وأشارت الدراسة، التي أجرتها الدكتورة هاريكا داديجيري، من كلية الطب بجامعة نيويورك، إلى أن توقيت تناول الطعام قد يكون بأهمية نوعية مكوناته نفسها.

وفي التفاصيل، استخدم الباحثون الأميركيون مجموعتي بيانات رئيسيتين، هما المسح الوطني لفحص الصحة والتغذية NHANES ومشروع الأمعاء الأميركي American Gut Project. وحدد فريق البحث «محور التغذية الزمنية - الإجهاد» Chrononutrition - Stress Axis الذي يقيس كيفية تأثير مستويات الإجهاد على أنماطنا الغذائية وتوقيتها.

ووجد الباحثون أن الأشخاص الذين يعانون من مستويات عالية من الإجهاد النفسي ويتناولون الطعام في وقت متأخر من الليل أكثر عرضة بنسبة 39.3 في المائة للإصابة باضطرابات في حركة الأمعاء، مثل الإمساك أو الإسهال؛ وذلك مقارنة بنسبة 23.2 في المائة لدى الأشخاص ذوي مستويات الإجهاد النفسي المنخفضة الذين يتناولون الطعام في أوقاتهم المعتادة (قبل 9 مساءً).

كما كان الأفراد الذين يعانون من مستويات عالية من الإجهاد النفسي ويتناولون وجبات خفيفة في وقت متأخر من الليل Late - Night Snackers، والذين عرّفهم الباحثون بأنهم يستهلكون أكثر من 25 في المائة من كمية كالورى سعراتهم الحرارية اليومية بعد الساعة 9 مساءً، أكثر عرضة للإصابة بمشاكل في الأمعاء بمقدار 1.7 إلى 2.5 مرة.كما أن ارتفاع مستويات الإجهاد الفسيولوجي (المعروف بالحمل التراكمي Allostatic Load) يزيد بشكل مستقل من خطر الإصابة باضطرابات في حركة الأمعاء. وعندما يقترن ذلك بتناول الطعام في وقت متأخر من الليل، ينتج عنه تأثير سلبي أكبر.

التوتر وتأخير الوجبات

وتشير هذه النتائج إلى أن توقيت الوجبات يمكن أن يغير كيفية تأثير الإجهاد على التواصل بين الدماغ والأمعاء.

وقد يسأل أحدنا، ماذا لو كنت أتناول ليلاً وجبات طعام خفيفة بنوعية وحجم ومكونات صحية؟ تشير نتائج الدراسة إلى أنه حتى عندما لا يستهلك الناس بالضرورة أطعمة غير صحية أو مصنعة، فإن تناول الطعام في وقت متأخر من الليل قد يُخلّ بعملية الهضم والساعة البيولوجية للجسم Natural Internal Clock، أو إيقاعها اليومي Circadian Rhythm الذي يستمر 24 ساعة. وكانت أبحاث سابقة قد أظهرت أن اضطراب الإيقاع اليومي (بغض النظر عن السبب) مرتبط بأمراض مزمنة مثل الخرف وأمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان. وقالت الدكتورة داديجيري: «هذه دراسة تُعزز الأبحاث الجارية حول محور التغذية الزمنية وتناول الطعام في أوقات محددة».

ولتوضيح الآثار السلبية للتوتر التنفسي على بكتيريا الأمعاء، أظهر الباحثون في دراستهم حصول انخفاض مُخلّ في تنوع بكتيريا الأمعاء لدى الأشخاص الذين يتناولون وجبات خفيفة في وقت متأخر من الليل ويعانون من مستويات عالية من التوتر. وهو ما أثبته الباحثون باستخدام مؤشر شانون Shannon Index لقياس تنوع الميكروبات. وهذا هو الأمر الذي يُقدم دليلاً على أن عادات نمط الحياة قد تُخلّ بالتوازن بين الأمعاء والدماغ. (مؤشر شانون هو مقياس رياضي يستخدم في علم البيئة ونظرية المعلومات لتحديد تنوع أو عدم القدرة على التنبؤ بالنظام. يأخذ في الاعتبار أيضاً الوفرة النسبية لكل فئة في ظل المتوسط الهندسي المرجح).

من جانبها، علقت ميشيل روثنشتاين، اختصاصية التغذية الإكلينيكية المعتمدة في مجال أمراض القلب الوقائية بأنه «رغم أن النتائج لم تكن مفاجئة، فإنها وجدت أن من المثير للاهتمام كيف أن الجمع بين التوتر الشديد وتناول الطعام في وقت متأخر من الليل يُضاعف من تأثيراته على صحة الأمعاء». وقالت إن «الإجهاد الشديد وحده يزيد من احتمالية حدوث اضطرابات في حركة الأمعاء بنسبة 32 في المائة تقريباً، ولكن عندما يقترن بتناول الطعام في وقت متأخر من الليل، يرتفع الخطر إلى زيادة تتراوح بين 1.7 و2.5 ضعف، مما يعزز أهمية التوافق مع الساعة البيولوجية للفرد والاعتراف بمحور الأمعاء والدماغ».

آثار صحية سلبية للأكل بعد 9 مساءً

يقول المتخصصون الطبيون في المركز الطبي بجامعة روتشستر:" يُعدّ تناول الطعام في وقت متأخر من الليل عادةً شائعة". ويضيفون:" قد ينجم الجوع الليلي عن:

-عدم تناول كمية كافية من الطعام خلال النهار

-ممارسة الرياضة المسائية (زيادة احتياجات الطاقة)

-عوامل عاطفية (الملل، الوحدة، التوتر)

-التعود على تناول الوجبات الخفيفة بشكل متكرر

-انخفاض تناول الألياف أو البروتين أو الدهون خلال النهار

-حالات صحية تؤثر على تنظيم الجوع".

والواقع أن تناول الطعام بعد الساعة التاسعة مساءً يؤدي إلى اضطراب الساعة البيولوجية للجسم، ما يُبطئ عملية الأيض خلال الليل. ولذا فإن تناول الطعام في وقت متأخر من الليل بانتظام قد يُسبب العديد من الآثار الصحية المحددة:

1.زيادة الوزن وتغيرات في عملية الأيض. وذلك من خلال العوامل التالية:

-اضطراب عملية الأيض: وتُشير الساعة البيولوجية للجسم إلى أن عملية الأيض تبلغ ذروتها في الصباح وتتباطأ في الليل. والطعام الذي يُتناول في وقت متأخر من الليل يُهضم بشكل أقل كفاءة، ويزداد احتمال تخزينه على شكل دهون.

-تغيرات هرمونية: تناول الطعام في وقت متأخر يزيد من الشعور بالجوع في اليوم التالي، وقد يُؤثر سلبًا على الهرمونات المنظمة للشهية.

-ارتفاع خطر الإصابة باضطرابات التمثيل الغذائي: وتربط الدراسات بين تناول الطعام في وقت متأخر (مثل العشاء في الساعة التاسعة مساءً) وزيادة مؤشر كتلة الجسم، وارتفاع نسبة الكوليسترول، وزيادة خطر الإصابة بمتلازمة التمثيل الغذائي.

2.مشاكل الجهاز الهضمي. يقول المتخصصون الطبيون في المركز الطبي بجامعة روتشستر:" يُعدّ تناول الطعام في وقت متأخر من الليل عادةً شائعة. ولكن تناول الطعام خلال ساعتين إلى ثلاث ساعات قبل النوم قد يحفز إفراز الحمض في المعدة. وقد يؤدي الاستلقاء بعد الأكل مباشرة إلى صعود الحمض إلى المريء وحصول الارتجاع المعدي المريئي GERD، مما يسبب الشعور بعدم الراحة والتهيج".

ونظرًا لأن الجهاز الهضمي يُبطئ من وتيرة حركته بشكل طبيعي أثناء النوم، فإن الطعام الذي يُتناول في وقت متأخر من الليل يبقى في المعدة لفترة أطول، ما قد يُفاقم الأعراض لدى الأشخاص المصابين بمتلازمة القولون العصبي IBS.

3.ارتفاعات سكر الدم. قد يؤدي تناول الطعام عندما يكون الجسم مُهيأً بيولوجيًا للراحة، إلى مقاومة الأنسولين وارتفاع مستويات الغلوكوز والأنسولين خلال الليل. ومع مرور الوقت، قد يزيد تناول الطعام بشكل مُزمن في وقت متأخر من الليل من خطر الإصابة بداء السكري من النوع الثاني. ويقول المتخصصون الطبيون في المركز الطبي بجامعة روتشستر:" إذا كنت مصابًا بداء السكري، يمكن أن يساعد مزيج متوازن من البروتين والألياف والدهون الصحية في الحفاظ على استقرار مستويات السكر في الدم".

4.اضطرابات النوم. هضم وجبة دسمة - خاصةً الأطعمة الغنية بالسكر أو الدهون - يُنشّط الجسم وقد يُؤثر على تدني جودة النوم ودورة النوم. وقد يؤدي ذلك إلى نومٍ خفيف، واستيقاظٍ متكرر، وتأخر إفراز هرمونات النوم مثل الميلاتونين.

متى يجب التوقف عن تناول الطعام ليلاً؟

لطالما كان الوقت الأمثل للتوقف عن تناول الطعام خلال اليوم موضع نقاش طبي وغير طبي.

وبالعموم، تؤثر عوامل عديدة على وقت توقف الشخص عن تناول الطعام، مثل الشهية، والعادات، والثقافة، وجداول العمل، والتفضيلات الشخصية، والظروف الاجتماعية.

وقد بحثت دراسات حديثة في توقيت تناول الوجبات وتأثيره على الصحة. ولكنها خلُصت إلى أنه لا يوجد وقت محدد للتوقف عن الأكل ليلاً. ولكنها في نفس الوقت طرحت تأثير الساعة البيولوجية للجسم، التي تعمل على مدار 24 ساعة، في تحديد الشخص أفضل وقت لتناوله الطعام خلال فترة اليوم الكامل، ومتى عليه أن يتوقف، وذلك من خلال تأثيرها على الشعور بالجوع، وامتصاص العناصر الغذائية، وحساسية الأنسولين، والتمثيل الغذائي.

ولذا فإن تناول الطعام وفقًا للساعة البيولوجية للجسم هو الخيار الأمثل.

وللمواءمة مع ساعتك البيولوجية، يُنصح بتناول الطعام خلال فترة لا تتجاوز 8 إلى 12 ساعة يومياً، أي خلال ساعات النهار. وقد يؤدي تناول الطعام خارج هذه الفترة إلى معالجة جسمك للسعرات الحرارية بكفاءة أقل، ما قد يساهم في زيادة الوزن، لأن تناول الطعام على مدار أكثر من 12 ساعة يومياً قد يزيد من خطر الإصابة بالسمنة والسكري وأمراض القلب.

ولكن تجدر ملاحظة أن الصيام المتقطع Intermittent Fasting ، أي تناول الطعام خلال فترة زمنية محددة (غالبًا من 8 إلى 12 ساعة) في أي وقت من اليوم، يختلف قليلًا عن تناول الطعام وفقًا للساعة البيولوجية للجسم. ذلك أن العديد من أنظمة الصيام المتقطع تقترح تخطي وجبة الإفطار وتناول معظم الوجبات في وقت لاحق من اليوم.

وكانت عدة دراسات اكلينيكية قد وجدت أن تخطي وجبة الإفطار يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمتلازمة التمثيل الغذائي لدى البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 35 و74 عامًا. وتشير دراسات أخرى إلى أن تناول وجبة إفطار أكبر ووجبة عشاء أصغر قد يؤدي إلى تحسين التحكم في مستوى السكر في الدم، وتقليل نسبة الدهون في الجسم، وخفض مستوى الجوع.

ولذا قد يساهم تقليص فترة تناول الطعام لتكون في فترة 12 ساعة أو أقل، تبدأ من الصباح، في الحد من تناول الوجبات الخفيفة غير الواعية، وبالتالي خفض إجمالي السعرات الحرارية المتناولة ومنع زيادة الوزن.

* استشارية في الباطنية


كيف تؤثر أساليب التربية الأبوية على الصحة النفسية للمراهقين؟

كيف تؤثر أساليب التربية الأبوية على الصحة النفسية للمراهقين؟
TT

كيف تؤثر أساليب التربية الأبوية على الصحة النفسية للمراهقين؟

كيف تؤثر أساليب التربية الأبوية على الصحة النفسية للمراهقين؟

أظهرت دراسة نفسية حديثة باحثين في جامعة لينجنان (Lingnan University) في الصين، ونُشرت للمرة الأولى في النصف الثاني من شهر يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، في النسخة الإلكترونية من مجلة الطب النفسي للأطفال والتنمية البشرية (Child Psychiatry & Human Development)، أن تغذية الشعور بالذنب والحرمان العاطفي، يزيدان من احتمالية ظهور أعراض الاكتئاب لدى المراهقين.

قام الباحثون بدراسة استقصائية على مرحلتين بين عامي 2020 و2021؛ حيث تتبعوا 742 طالباً وطالبة، في المرحلة الإعدادية (من الصف السابع إلى الصف الثامن) في مدرستين حكوميتين. وكان الفاصل الزمني بين فترتَي جمع البيانات عاماً كاملاً، وكانت نسبة الإناث المشاركات 52 في المائة، وكان متوسط سن الطلاب نحو 13 عاماً.

تم سؤال الطلاب المشاركين عن تصوراتهم لأساليب التربية التي يتبعها آباؤهم، ومدى رضاهم عن هذه الأساليب. وقام الباحثون أيضاً بسؤال الطلاب عن تقييمهم لردود أفعالهم تجاه الأساليب المختلفة، وأعراض الاكتئاب، وسلوكيات إيذاء الذات.

4 أنماط من التربية

بناءً على البيانات التي تم جمعها من الطلاب، حدد الفريق البحثي 4 أنماط متميزة لأساليب التربية.

• النمط الأول يسمى «النمط الداعم»، وينتمي له ما يقرب من 44 في المائة من الآباء، وهذا النمط تميز باحترام آراء الأبناء، ومنحهم الاستقلالية الكافية، بالإضافة إلى قلة استخدامهم للرقابة النفسية.

• النمط الثاني يسمى «النمط المختلط المعتدل»، وينتمي له ما يزيد على 33 في المائة من الحالات. وهذا النمط تميز بالتأرجح بين التفهم والتشدد؛ حيث أظهر الآباء أسلوباً تربوياً غير متسق ومحير في الوقت نفسه، ما صعَّب على المراهقين توقع ردود أفعالهم.

• النمط الثالث وهو «النمط المسيطر»، وينتمي له أكثر من 17 في المائة من الآباء. وهذا النمط تميز بمطالبة الآباء للأبناء بالطاعة المطلقة، وسمحوا لهم بأقل قدر من الاستقلالية الشخصية، ولجأوا بشكل متكرر إلى أساليب السيطرة النفسية، مثل تغذية الشعور بالذنب أو الحرمان العاطفي، للضغط على أبنائهم.

• النمط الرابع والأخير، وهو «النمط المختلط المرتفع»، وينتمي له نحو 6 في المائة فقط من الآباء. وهذا النمط تميز بالتلاعب النفسي من قبل الآباء؛ حيث قدموا دعماً سطحياً واستخدموا في الوقت نفسه أساليب السيطرة النفسية، تحت ستار مصلحة الطفل، بطريقة النمط المسيطر نفسها.

وأظهرت نتائج البحث أن استخدام الآباء طرق السيطرة النفسية على أبنائهم -مثل إجبارهم على الطاعة من خلال التلاعب بمشاعر الذنب أو الحرمان العاطفي- يُعد نوعاً من الابتزاز العاطفي، يمكن أن يضعف من قدرة المراهق على تنظيم عواطفه، ما يؤدي بدوره إلى ظهور أعراض الاكتئاب، ويزيد من خطر إيذاء النفس؛ خصوصاً في الفتيات.

وقال الباحثون إن تأثير أنماط التربية على المراهقين يختلف بين الذكور والإناث، نتيجة لكثير من العوامل، مثل العوامل البيولوجية والهرمونية والتنشئة الاجتماعية، بالإضافة للتكوين النفسي لكل جنس. وعلى سبيل المثال، تميل الفتيات إلى اجترار المشاعر السلبية، ما يضخم تأثير السيطرة النفسية الأبوية على صحتهن النفسية، وفي المقابل يميل الذكور إلى إلقاء اللوم على الآخرين، ما يؤدي إلى تخفيف حدة الألم النفسي عليهم.

الاكتئاب وإيذاء النفس

أوضحت الدراسة أن نمط التربية الداعم الذي يحترم استقلالية الطفل، ويقدر التواصل العاطفي، يقلل من خطر حدوث الاكتئاب وإيذاء النفس لدى الأطفال. وفي المقابل أظهرت الأنماط الثلاثة المتعلقة بالسيطرة النفسية، وخصوصاً مجموعة السيطرة الكاملة، ارتباطاً وثيقاً بإيذاء النفس غير الانتحاري بعد عام من الدراسة. ويعتبر إيذاء الجسد -من دون غرض التخلص من الحياة- عملاً لمجرد الشعور بالألم كنوع من الإحساس بالذنب.

وكان نمط التربية المختلطة من الأنماط السيئة للغاية على نفسية المراهقين؛ لأن الإشارات المتضاربة للدعم السطحي، المقترن بالسيطرة النفسية الشديدة، تركتهم في حالة من التشتت الشديد، أكثر سوءاً من النمط المسيطر بشكل واضح، ما انعكس بالسلب على نفسيتهم.

ومن المعروف أن السيطرة النفسية الأبوية، تتسبب في حدوث خلل عاطفي للمراهقين، وهو ما يظهر في سلوكياتهم بعد ذلك، مثل الاندفاعية، والمبالغة في ردود الأفعال، وصعوبة التعامل مع المشاعر السلبية؛ حيث يمهد وجود هذا الخلل العاطفي فترات طويلة لحدوث أعراض الاكتئاب وما يتبعها من إيذاء النفس، وهو ما ظهر واضحاً بشكل خاص بين الإناث المشاركات في الدراسة.

ونصحت الدراسة الآباء بضرورة تحقيق التوازن في تربية المراهقين، بين وضع الحدود والاستقلالية المناسبة والدعم العاطفي. ومن خلال تخفيف السيطرة النفسية عليهم، يمكن للآباء مساعدة أبنائهم على تطوير مهارات تنظيم الانفعالات العاطفية المختلفة.

وأكد الباحثون أن هذه الدراسة تُعد شديدة الأهمية في المجتمعات المتقدمة، التي تتميز بتنافسية كبيرة في الدراسة والعمل؛ لأن الآباء في هذه المجتمعات في الأغلب تكون لديهم طموحات عالية جداً لأبنائهم، وبالتالي يضطرون إلى ممارسة السيطرة النفسية عليهم، كشكل من أشكال الرعاية والمسؤولية، لحثهم على التقدم العلمي والتركيز على العمل.

ونتيجة لهذه القناعات يتصرف الآباء بنوع من القسوة، متخيلين أن هذه التصرفات لصالح الأبناء، ما يؤدي إلى حدوث ضغوط نفسية على الأبناء بشكل غير مقصود. وبدلاً من تحقيق النتائج التعليمية المرجوة، في الأغلب تتسبب هذه التصرفات في حدوث ضرر بالغ للصحة النفسية للطفل، وشعوره بقيمته الذاتية، وتؤثر بالسلب على علاقته بوالديه.

واقترح الباحثون أن تقوم الجهات الصحية بعمل مسح لأسر الطلاب، يمكن من خلاله معرفة أساليب التربية المختلفة، وتحديد المراهقين المعرضين لخطر إيذاء الذات غير الانتحاري والاكتئاب، وتعليمهم كيفية إدارة المشاعر ودعم الصحة النفسية.

* استشاري طب الأطفال