خيارات إيران في سوريا بعد غارات إسرائيل

TT

خيارات إيران في سوريا بعد غارات إسرائيل

بعد انقضاء سبع سنوات على التورط في الحرب السورية، والمساعدة في إطالة أمدها، قد تحاول إيران الآن إعادة التفكير من جديد في الاستراتيجية التي تمخضت عن تداعيات غير مقصودة، وعواقب غير مرغوبة ولا محمودة.
ولا تتسم الدعوات إلى مراجعة السياسات الإيرانية حيال سوريا بالحماسة أو الإلحاح، لكنها نابعة من أكثر من جهة داخل وخارج المؤسسة الإيرانية الرسمية. وقد دعا عضو مجلس الشورى الإسلامي محمود صادقي إلى «تقييم تداعيات مشاركتنا في سوريا» على علاقات إيران مع الدول الأخرى، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط.
والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت إيران، من خلال مساندة الرئيس السوري بشار الأسد، قد تسببت في إزعاج، وربما إغضاب، الدول العربية والإسلامية الأخرى. والأسوأ من ذلك أن يكون التورط الإيراني في سوريا قد أسفر عن تمكين الولايات المتحدة، التي تصفها إيران على الدوام بـ«الشيطان الأكبر»، من حشد الحلفاء على الصعيد الإقليمي، وتشكيل كتلة صلبة قوية لمجابهة التصرفات الإيرانية.
وكتب الدبلوماسي الإيراني المتقاعد موسوي خلخلي، في دورية «إيران دبلومات» التي يشرف على نشرها أحد المقربين من المرشد الأعلى علي خامنئي، داعياً ومؤيداً «إعادة النظر مجدداً في سياساتنا حيال المنطقة، وعلى وجه الخصوص في سوريا». ومن دون الإشارة إلى ضرورة إبعاد الأسد عن المشهد السياسي، فإنه يحض على انتهاج مقاربة المكاسب والخسائر في تلك السياسة التي حصدت أرواح ما يزيد على ألفين من المواطنين الإيرانيين، وكبدت خزانة البلاد ما يربو على 20 ملياراً من الدولارات حتى الآن.
ومن إحدى القضايا التي تحظى بتركيز المحللين الإيرانيين الوجودُ الروسي الكبير، وصياغة موسكو لأبرز النقاط على جدول الأعمال في سوريا؛ الأمر الذي يدفع إلى تهميش وانزواء الدور الإيراني إلى خلفية الأحداث. ويرجع ذلك بالأساس، لولا وجود نظام بشار الأسد والموالين له، إلى افتقار إيران لقاعدة الدعم والتأييد الحقيقية في الداخل السوري. وقال المحلل علي نوباري: «إن قاعدة التأييد الوحيدة التي نملكها هناك هي بشار الأسد ذاته؛ ولقد صار خاضعاً الآن للهيمنة الروسية الكاملة».
وإلى جانب زمرة بشار الأسد، تحظى روسيا بقدر لا بأس به من الدعم الحقيقي بين الأقليات المسيحية والدرزية في البلاد، التي تعتبر فلاديمير بوتين حامياً قوياً لها في مواجهة حكم الأغلبية السنية المسلمة. وإيران، رغم كل شيء، ولسبب واضح للغاية، لم تحرز أي تقدم يُذكر بين أوساط المسيحيين السوريين حتى الآن، في حين أن طائفة الدروز تساورها الشكوك العميقة إزاء نيات إيران في نشر المذهب الشيعي المعتمد رسمياً لديها بين ربوع الشرق الأوسط، ورؤيتها للدروز أنهم مجتمع ديني يتسم بالغلو والتمرد وصعوبة المراس.
وقد اقترح علي بروجردي، وهو من كبار رجال المذهب الشيعي في إيران، انضواء كل من طوائف الدروز والنصيرية (العلويين)، وغيرهم من الطوائف الموصوفة لديهم بـ«الغلاة»، تحت مظلة «الجبهة الفاطمية» واسعة النطاق، التي تقودها إيران كخطوة أولى في سبيل الانضمام إلى التيار الشيعي الكبير. وستكون المعاهد الدينية (الحوزات العلمية) في مدن قُم ومشهد على أتم الاستعداد لإرسال البعثات لمساعدة «الغلاة» السوريين في الانضمام مجدداً لمناهج البحث والتطوير اللاهوتي الإيراني. وفي واقع الأمر، شرعت إيران في الترويج لمثل هذه الأفكار قبل اندلاع الصراع السوري، حيث أنشأت طهران 14 مركزاً ثقافياً في مختلف أرجاء سوريا، للعمل على إعداد الدعاة السوريين، ونشر نسخة آية الله روح الله الخميني من الإسلام الشيعي هناك. ورغم ذلك، وبحلول عام 2013، أغلقت هذه المراكز كافة خشية تعرضها للهجمات الإرهابية، وتمت إعادة كل الموظفين فيها مرة أخرى إلى إيران.
وأعلن مكتب التقارب الإسلامي، وهو جزء من شبكة السيطرة التي يشرف عليها المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عن خطة جديدة لإعادة افتتاح أحد المراكز الثقافية الإيرانية في دمشق. وكان من شأن رئيس المكتب، آية الله محسن آراكي، الملا الإيراني الذي تلقى تعليمه في بريطانيا، أن يترأس وفداً يضم 40 من الدعاة الشيعة في هذه المهمة. ومع ذلك، أرجأت هذه الخطة، والسبب الظاهر يرجع إلى المخاوف الأمنية على أعضاء الوفد، ولكن واقع الأمر يفيد بأن زعماء الطائفتين العلوية والدرزية في البلاد قد أعربوا عن تحفظاتهم الجادة والقوية إزاء هذه المهمة لدى الرئيس بشار الأسد.
وليس المخطط الإيراني بشأن التحول الجماعي السوري إلى النسخة الشيعية من الإسلام هو ما تم إرجاؤه فحسب خلال الفترة الماضية. فمع اضطلاع روسيا بدور قيادي أكبر في سوريا، وتركيا التي توسع من وجودها العسكري الكبير داخل البلاد، كان لزاماً على إيران تقليص طموحاتها التوسعية الأخرى في ذلك البلد الذي مزقته الحرب الأهلية تمزيقاً.
وخلال العام الماضي، كشفت طهران النقاب عن خطة لبناء طريق سريع بطول 1800 كيلومتر، يربط مدينة قُم الإيرانية المقدسة بالعاصمة اللبنانية بيروت، ويمر عبر الأراضي العراقية والسورية، في فترة زمنية تقدر بعامين للانتهاء من المشروع الذي يهدف إلى منح الجمهورية الإسلامية منفذاً، تشتد الحاجة إليه، على البحر الأبيض المتوسط.
وأشادت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية بالجنرال قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني، المسؤول الأول عن ملف «تصدير» الثورة الإيرانية إلى الخارج، باعتباره الزعيم العظيم الذي جعل من إيران قوة إقليمية وبحر متوسطية كبيرة للمرة الأولى منذ القرن السابع الميلادي.
غير أن وكالة أنباء «فارس»، التابعة للحرس الثوري الإيراني، كشفت خلال الأسبوع الماضي عن أن المشروع المذكور ليس إلا خيالاً محضاً، وأفادت بأنه لا يعلم من أحد مَن سوف يبني هذا الطريق الطويل، وأنه لم يتم تخصيص أية مبالغ مالية من ميزانية البلاد حتى لإجراء الدراسات الأولية بشأنه.
وفي عام 2013، تفاخر الجنرال سليماني بأن قواته، التي تجند بين صفوفها مقاتلين من «حزب الله» اللبناني، إلى جانب مرتزقة آخرين من أفغانستان والعراق وباكستان، قد بسطت سيطرتها على أرخبيل من الأراضي في أواسط سوريا، بين شرقها وغربها، وبالتالي يمكن تأمين الوجود الإيراني المتاخم على الأرض هناك.
ورغم ذلك أيضاً، تم التخلي عن كل أجزاء هذا الأرخبيل المذكور تحت ضغوط متصاعدة من جانب قوات المعارضة المناوئة لحكم بشار الأسد، التي تسعى لمتابعة أجندات متباينة على أرض الصراع.
وقال المحلل حميد زمردي، الباحث في الشؤون العسكرية الإيرانية، معقباً: «تحتاج إيران، إثر افتقارها الشديد للقوة الجوية المؤثرة، إلى وجود بري قوي وراسخ. وكانت الفكرة الأولية تدور حول توفير إيران والأسد للقوات البرية على الأرض، في ظل الحماية الجوية من سلاح الجو الروسي».
ومع ذلك، لم تسفر هذه الفكرة عن أي نتيجة تُذكر، مع رفض الرئيس بوتين لذلك الدور الذي كانت طهران ترغب في تكليف القوات الجوية الروسية به. وأردف زمردي قائلاً: «يعتقد بوتين أنه قد انتصر فعلاً في الحرب السورية بفضل سلاح الجو الروسي؛ ويمنحه معتقده هذا كل الحق في تحديد كيفية توزيع غنائم هذه الحرب».
ومع تلاشي الحلم الإيراني بإنشاء طريق إلى لبنان يلامس الحدود الإسرائيلية، يحاول الرئيس بوتين إقناع خامنئي بالتخلي عن قطعتين من الأراضي السورية، لا تزالان تحت سيطرة القوات الإيرانية والمرتزقة اللبنانيين، على الحدود مع إسرائيل ولبنان. وفي هذين الموقعين المذكورين، شنت إسرائيل بالفعل ثلاث غارات جوية خلال العام الماضي، أو نحوها، الأمر الذي عزز من رسالة بوتين إلى خامنئي بأنه يتعين على إيران نقل وجودها البري إلى منطقة «نزع التصعيد»، التي خُصصت لها في دير الزور على مقربة من الحدود العراقية السورية، وبعيداً كل البعد عن المثلث السوري - اللبناني - الإسرائيلي المضطرب.
قد يكون من السابق لأوانه الخلوص إلى أن إيران شرعت فعلياً في دراسة مختلف الخيارات المتاحة أمامها في سوريا، بيد أن هناك أمراً واحداً واضحاً للغاية، ألا وهو أن شريحة متنامية من القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية باتت على قناعة مفادها أن الصفقة الإيرانية داخل سوريا هي من أسوأ الصفقات، وأنه يلزم القيادة الإيرانية الآن إعادة النظر في خياراتها هناك. ورغم ما تقدم، وفي حين أن دخول الحرب هو من السهولة بمكان، فإن الخروج منها أمر بالغ الصعوبة، ولا سيما عندما تُغيم الخرافات الدينية والمشاعر الثورية الرومانتيكية على الرؤية السياسية.



الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)

في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل أوساط الجماعة الحوثية من احتمال هجوم أميركي على إيران قد يتسع ليشمل أذرع طهران في المنطقة، أعلنت السلطات التابعة للجماعة في صنعاء رفع مستوى الطوارئ والاستعداد لمواجهة أي تطورات عسكرية محتملة، بالتزامن مع تصعيد خطاب التعبئة الدينية والدعوة إلى «الجهاد»، حيث لا يستبعد مراقبون أن تنخرط الجماعة في الصراع إلى جانب إيران.

وجاء الإعلان الحوثي عقب اجتماع نادر للجنة الطوارئ التابعة للحكومة غير المعترف بها دولياً، برئاسة القائم بأعمال رئيسها محمد مفتاح، حيث ناقش المجتمعون - وفق وسائل إعلام الجماعة - إجراءات رفع الجاهزية على المستويين المركزي والمحلي، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية بالتعامل مع الحالات الطارئة، خصوصاً الدفاع المدني والقطاعات الخدمية.

ويرى محللون يمنيون أن توقيت الاجتماع يعكس مخاوف الحوثيين من احتمال تعرضهم لتداعيات أي ضربات عسكرية قد تستهدف إيران، في ظل ارتباط الجماعة السياسي والعسكري بما يُعرف بمحور «الممانعة»، وهو ما قد يجعل مناطق سيطرتهم جزءاً من مسرح ردود الفعل الإقليمية.

وحسب المصادر الحوثية، ناقشت لجنة الطوارئ آليات تعزيز الاستجابة السريعة للأزمات، بما يشمل رفع جاهزية فرق الإنقاذ والإغاثة وتقوية البنية التشغيلية لقطاع الطوارئ، الذي يضم عدداً من الوزارات والمؤسسات المرتبطة بالأمن والخدمات.

اجتماع نادر للجنة الطوارئ في حكومة الحوثيين الانقلابية (إعلام محلي)

وأكد محمد مفتاح خلال الاجتماع أن «الوضع الاستثنائي» يتطلب استمرار الاستعداد الكامل، داعياً إلى دعم مصلحة الدفاع المدني بالكوادر والمعدات اللازمة، بما يمكّنها من الحد من الخسائر البشرية والمادية في حال وقوع هجمات أو تطورات عسكرية مفاجئة.

ويشير مراقبون إلى أن الإعلان عن اجتماعات لجنة الطوارئ يُعد أمراً غير معتاد، إذ غالباً ما تبقى تحركاتها بعيدة عن الإعلام، ما يعزز فرضية أن الجماعة تتوقع سيناريوهات تصعيد تتجاوز الإطار المحلي اليمني.

كما انتقد المسؤول الحوثي الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة، ورأى أنها تمثل تهديداً لاستقرار دول الشرق الأوسط، ومتهماً واشنطن بالسعي إلى فرض الهيمنة على مقدرات المنطقة، وهو خطاب يتكرر في بيانات الجماعة بالتوازي مع كل توتر إقليمي.

احتواء الضغوط

وتزامنت إجراءات الطوارئ الحوثية مع تصعيد ملحوظ في الخطاب التعبوي، حيث كثّفت الجماعة الفعاليات الجماهيرية والمسيرات المناهضة للسياسات الأميركية والإسرائيلية، إضافة إلى توسيع حملات التجنيد، خصوصاً في أوساط الطلاب والشباب.

ويرى سياسيون يمنيون أن هذا التصعيد يأتي أيضاً في سياق محاولة احتواء حالة الاحتقان الشعبي الكبيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات، واتساع رقعة الفقر، فضلاً عن مواجهات قبلية متفرقة في عدد من المحافظات.

تعسف الحوثيين ضد الوكالات الإغاثية حرم ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (أ.ف.ب)

وحسب هؤلاء، فإن ربط الوضع المحلي بالصراع الإقليمي يمنح الجماعة فرصة لإعادة توجيه الرأي العام نحو «الخطر الخارجي»، بما يسهم في تخفيف الضغط الداخلي المتصاعد.

وفي السياق ذاته، نظمت الجماعة عروضاً عسكرية في عدد من المدن الخاضعة لسيطرتها، في استعراض للقوة العسكرية ورسائل ردع داخلية وخارجية، بينما عدّ مراقبون أن هذه التحركات تهدف أيضاً إلى ترسيخ حالة التعبئة النفسية لدى السكان.

وفي موقف أكثر وضوحاً، أصدرت رابطة رجال الدين التابعة للحوثيين بياناً دعت فيه إلى رفع مستوى التعبئة والاستعداد القتالي، مطالبة السكان بالالتزام بتوجيهات زعيم الجماعة، ومؤكدة ضرورة «النفير الواسع» لمواجهة ما وصفته بالتهديدات الأميركية والإسرائيلية.

كما أدانت الرابطة الضربات الإسرائيلية ضد مواقع مرتبطة بــ«حزب الله» في لبنان، وعدّت التهديدات الموجهة لإيران دليلاً على اتساع المواجهة، داعية إلى ما سمته «وحدة الساحات»، وهو مفهوم سياسي تتبناه القوى المتحالفة مع طهران في المنطقة.

وشدد البيان على أن «الجهاد ووحدة الصف» يمثلان السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الراهنة، داعياً إلى مقاطعة المنتجات الأميركية والإسرائيلية وتحريض السكان على التعبئة العامة.

تصعيد ميداني

وبالتوازي مع هذه التحركات السياسية والتعبوية الحوثية، شهدت جبهات الساحل الغربي اليمني تصعيداً عسكرياً لافتاً، إذ أفادت مصادر عسكرية بسقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المشتركة (الحكومية) إثر هجوم حوثي واسع استهدف مواقع في مديرية حيس جنوب محافظة الحديدة.

تجنيد مستمر ضمن حملات التعبئة الحوثية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، أسفر الهجوم عن مقتل ستة عسكريين وإصابة نحو ثلاثة عشر آخرين، بعد معارك دارت في مناطق خط حيس - الجراحي وجبال ذو بأس شمال المدينة، في محاولة للسيطرة على مواقع استراتيجية.

ويشير مراقبون إلى أن مدينة حيس تمثل موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، كونها تربط بين الساحل والمرتفعات الداخلية المؤدية إلى محافظتي تعز وإب، إضافة إلى كونها بوابة جنوبية رئيسية لمحافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر.

ويرى محللون أن التصعيد الحوثي الميداني بالتزامن مع إعلان الطوارئ يعكس استراتيجية مزدوجة للجماعة، تجمع بين الاستعداد لأي تصعيد خارجي وتعزيز مواقعها الميدانية داخلياً.


حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
TT

حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)

مع عودة الحكومة اليمنية إلى العاصمة المؤقتة عدن وعقد أول اجتماعاتها من الداخل، بدأت مؤسسات الدولة مرحلة من الحراك التنفيذي المكثف، عكستها اجتماعات موسعة وتحركات متزامنة لعدد من الوزارات، في مؤشر على توجه حكومي لإعادة تنشيط العمل المؤسسي وتعزيز حضور الدولة في مختلف القطاعات الخدمية والتنموية.

وفي حين يشدد رئيس الوزراء شائع الزنداني على العمل من الداخل وتقليص مهام سفر الوزراء إلى الخارج، تسعى الحكومة، وفق مسؤولين، إلى تحويل عودتها الميدانية إلى نقطة انطلاق لمرحلة إصلاح إداري واقتصادي تستند إلى رفع كفاءة الأداء، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتفعيل الحوكمة والرقابة، بما يسهم في تحسين الخدمات العامة وتثبيت الاستقرار في المناطق المحررة.

في هذا السياق، عقد وزير الدفاع، الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً موسعاً في عدن ضم مساعدي الوزير ورؤساء الهيئات العسكرية، بحضور نائب رئيس هيئة الأركان، اللواء الركن أحمد البصر؛ لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة داخل المؤسسة العسكرية.

وأكد العقيلي أهمية تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الهيئات العسكرية بما يحقق الانسجام في تنفيذ المهام الوطنية، مشدداً على ضرورة إجراء تقييم شامل لأداء المرحلة الماضية، ومراجعة الإنجازات والتحديات؛ بهدف تصحيح الاختلالات وتعزيز كفاءة العمل المؤسسي.

وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي يترأس اجتماعاً للقادة في عدن (سبأ)

وأشار إلى «أهمية تفعيل آليات الرقابة وترسيخ قيم الشفافية والنزاهة والانضباط، بوصفها ركائز أساسية لإعادة بناء مؤسسة عسكرية حديثة قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الراهنة».

كما شدد وزير الدفاع اليمني على المضي في تطبيق الحوكمة الإلكترونية وتطوير الأنظمة الإدارية، في خطوة تهدف إلى «تحديث بنية العمل المؤسسي وتقليل البيروقراطية»، مثمناً في الوقت ذاته دعم «تحالف دعم الشرعية» بقيادة المملكة العربية السعودية، وما يقدمه من إسناد مستمر للمؤسسة العسكرية اليمنية.

واستمع الوزير خلال الاجتماع، وفق الإعلام الرسمي، إلى تقارير تفصيلية من رؤساء الهيئات بشأن سير تنفيذ الخطط العسكرية والصعوبات التي تواجه الأداء، في إطار توجه حكومي لإرساء ثقافة التقييم الدوري والمساءلة المؤسسية.

صدارة الأولويات

بالتوازي مع التحركات العسكرية، ركزت وزارة الإدارة المحلية على إعادة تفعيل دور السلطات المحلية بوصفها محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية والخدمية.

وأكد وزير الإدارة المحلية، المهندس بدر باسلمة، خلال اجتماع ضم قيادات الوزارة، أهمية إجراء تقييم شامل لأداء السلطات المحلية في المحافظات؛ «بهدف تحديد مكامن الضعف وتعزيز نقاط القوة، بما يضمن تنفيذ برامج تنموية واستثمارية أعلى فاعلية».

وأوضح باسلمة أن المرحلة الحالية تتطلب تمكين السلطات المحلية اقتصادياً وتنموياً، وتعزيز التنسيق مع المنظمات الدولية والقطاع الخاص لدعم المشروعات الخدمية والتنموية، مشيراً إلى أن «منح صلاحيات أوسع للوحدات الإدارية الكفؤ يمثل خطوة أساسية نحو ترسيخ الحكم الرشيد».

وزير الإدارة المحلية اليمنية بدر باسلمة خلال اجتماع في عدن (سبأ)

وشدد الوزير على أن تعزيز اللامركزية المالية والإدارية «سيمكن السلطات المحلية من قيادة التنمية المستدامة بكفاءة أكبر، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات وتخفيف الأعباء عن الحكومة المركزية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس تحولاً تدريجياً نحو نموذج إداري أعلى مرونة، يمنح المحافظات دوراً أوسع في إدارة مواردها وتحقيق التنمية المحلية.

وفي قطاع التعليم، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور أمين القدسي، سلسلة لقاءات منفصلة مع قيادات الجامعات الحكومية والأهلية، بينها جامعة عدن، والجامعة الألمانية الدولية، وجامعة العلوم والتكنولوجيا، إضافة إلى مجلس الاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم العالي.

ونوقشت في اللقاءات آلياتُ «تطوير الأداء المؤسسي للجامعات وتعزيز جودة العملية التعليمية، مع التركيز على تطبيق معايير أكاديمية حديثة تسهم في تحسين مخرجات التعليم ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية».

رهان على تنشيط قطاعات الثقافة والسياحة في اليمن بقيادة الوزير مطيع دماج (سبأ)

وأكد القدسي أن الوزارة تتحمل مسؤولية وطنية في رسم السياسات المنظمة لقطاع التعليم العالي، مشدداً على ضرورة تعزيز العمل التكاملي بين الجامعات والجهات الرقابية لمعالجة أوجه القصور وتجاوز التحديات التي فرضتها سنوات الحرب.

كما استعرضت الاجتماعات مستوى تنفيذ البرامج الأكاديمية والتحديات التي واجهت المؤسسات التعليمية، والجهود المبذولة للحفاظ على استقرار العملية التعليمية رغم الظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة.

تحريك القطاعات الخدمية

وفي إطار الحراك الحكومي الأوسع، ترأس وزير الثقافة والسياحة، مطيع دماج، اجتماعاً لقيادات الوزارة لمناقشة إعداد استراتيجية ثقافية وسياحية جديدة، مع التركيز على إعادة تنظيم صناديق التنمية الثقافية والترويج السياحي، وتوجيه مواردها نحو تنشيط الفعاليات الثقافية وجذب الاستثمار السياحي.

ووجّه الوزير بإعداد دليل للفرص السياحية في اليمن بهدف استقطاب المستثمرين، إلى جانب وضع تصور متكامل لإدارة المواقع السياحية في سقطرى وعدن وحضرموت، وحصر المنشآت السياحية المملوكة للدولة تمهيداً لإعادة تأهيلها.

جانب من اجتماع ترأسه وزير النقل في الحكومة اليمنية محسن حيدرة (سبأ)

وفي قطاع النقل، عقد الوزير محسن حيدرة اجتماعاً موسعاً ناقش تطوير أداء الهيئات والمؤسسات التابعة للوزارة، مؤكداً أن خدمات النقل تمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الوطني وحياة المواطنين اليومية.

وشدد حيدرة على «ضرورة استكمال خطط تطوير القطاع وفق مصفوفة إجراءات واضحة، مع التزام تطبيق القوانين وبسط سيادة الدولة في المنافذ والموانئ، ومعالجة الاختلالات القائمة، بما يعزز التعافي الاقتصادي واستدامة الخدمات».

أما على صعيد الشباب والرياضة، فقد ناقش الوزير نايف البكري، مع مدير مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن ألبرت سكوت، جهود الحكومة لتعزيز الاستقرار في عدن والمحافظات المحررة، مؤكداً التزام الحكومة مواصلة الإصلاحات وتقريب مؤسسات الدولة من المواطنين.

ودعا البكري المجتمع الدولي إلى تقديم دعم أكبر لجهود الإصلاح والاستقرار، مشيداً بدعم «تحالف دعم الشرعية» وجهود الأمم المتحدة في الدفع نحو عملية السلام، فيما أكد المسؤول الأممي وجود مؤشرات إيجابية في أداء الحكومة خلال المدة الأخيرة.


مجلس القيادة الرئاسي يحذر من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية»

رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)
رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)
TT

مجلس القيادة الرئاسي يحذر من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية»

رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)
رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)

في وقت جدّد فيه التزام الدولة بالتصدي الحازم لأي محاولات تستهدف تعطيل مؤسساتها الوطنية، كشف مجلس القيادة الرئاسي اليمني عن فتح تحقيق شامل في الأحداث الأخيرة بعدن، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في التحريض عليها أو تمويلها.

رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)

جاء ذلك خلال اجتماع عقده المجلس برئاسة الرئيس الدكتور رشاد العليمي، وعضوية سلطان العرادة، وعبد الرحمن المحرمي، وعبد الله العليمي، وسالم الخنبشي، وبمشاركة طارق صالح ومحمود الصبيحي عبر الاتصال المرئي. وحذّر المجلس من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية» تحت ضغط الشعارات أو الحسابات الضيقة.

واستعرض الاجتماع تطورات الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن، على خلفية الأحداث التي شهدتها المدينة، ومحاولات الاعتداء على مؤسسات الدولة وتعطيل أعمالها، واستخدام الشارع وسيلة ضغط لتحقيق أهداف سياسية «غير مشروعة»، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الرسمية (سبأ).

وكانت قوات «درع الوطن»، وألوية «العمالقة» عززّت انتشارها في محيط المجمع الرئاسي بمدينة عدن، حيث رصدت «الشرق الأوسط» انتشار وحدات عسكرية إضافية في الطرق المؤدية إلى المنطقة التي تضم مقر إقامة مجلس القيادة الرئاسي ورئيس الوزراء، إضافة إلى عدد من المؤسسات السيادية والخدمية؛ بينها البنك المركزي، ومكتب الجوازات، ومصلحة الأحوال المدنية.

وأكد المجلس عزمه الرد بحزم على أي مساعٍ لتعطيل مؤسسات الدولة، والعمل على فتح تحقيق شامل في هذه الأحداث، ومساءلة كل من يثبت ضلوعه في التحريض أو التمويل، مشيداً في الوقت ذاته بـ«اليقظة العالية» للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية في حماية المدنيين والممتلكات العامة والخاصة، وصون السلم الأهلي.

وعبّر مجلس القيادة عن تقديره لموافقة المملكة العربية السعودية على استضافة مؤتمر الحوار الجنوبي، معتبراً ذلك «مستوى متقدماً وغير مسبوق» في مقاربة القضية الجنوبية، بوصفها قضية عادلة ذات أبعاد تاريخية واجتماعية، تتطلب معالجة منصفة ضمن إطار الدولة ومرجعياتها الضامنة.

قوات درع الوطن تمركزت إلى جانب قوات الأمن في مداخل عدن (إعلام محلي)

وفي السياق نفسه، شدد المجلس على ضرورة عدم التفريط في هذه الفرصة تحت ضغط الشعارات أو الحسابات الضيقة، داعياً إلى حماية المكاسب المتحققة أمنياً وخدمياً واقتصادياً، واستلهام العبر من «المغامرات الطائشة» لميليشيات الحوثي التي عزلت أكثر من 20 مليون يمني، وحرمتهم من الرواتب وفرص العيش الكريم.

وجدد المجتمعون إشادتهم بالدعم السعودي «السخي» للنهوض بأوضاع المحافظات المحررة، مؤكدين اعتزازهم بالشراكة الاستراتيجية مع المملكة، وخصوصية العلاقات الراسخة القائمة على الجوار والمصير المشترك والأمن المتبادل، ومهنئين قيادتها بمناسبة يوم التأسيس وما حققته من تحولات تنموية شاملة.

كما أكد المجلس دعمه الكامل للحكومة وتمكينها من ممارسة صلاحياتها الدستورية، والمضي في تنفيذ خطة التعافي وبرنامج الإصلاحات الشاملة، بما يشمل الإسراع في إعداد مشروع الموازنة العامة، وتعزيز الإيرادات، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، وتنفيذ مشاريع خدمية ذات أثر مباشر في حياة المواطنين.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محمود الصبيحي إلى جوار رئيس الحكومة الزنداني في عدن (إكس)

وتطرق الاجتماع إلى مستجدات التطورات الإقليمية في ظل استمرار ما وصفه بـ«تعنت» النظام الإيراني وميليشياته في اليمن والمنطقة إزاء المساعي الرامية إلى خفض التصعيد، وانعكاسات ذلك على الأمنين الوطني والإقليمي، مؤكداً جاهزية الدولة لردع أي تهديدات محتملة بالتنسيق الوثيق مع تحالف دعم الشرعية والمجتمع الدولي.