لقاء ولي العهد السعودي والخمسة الكبار في مجلس الأمن بحث انتهاكات الحوثيين

أمضى أسبوعاً حافلاً ورعى اتفاقات مع الأمم المتحدة وكبرى الشركات والمصارف

الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه ممثلي الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن في نيويورك أول من أمس (واس)
الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه ممثلي الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن في نيويورك أول من أمس (واس)
TT

لقاء ولي العهد السعودي والخمسة الكبار في مجلس الأمن بحث انتهاكات الحوثيين

الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه ممثلي الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن في نيويورك أول من أمس (واس)
الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه ممثلي الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن في نيويورك أول من أمس (واس)

قبل ساعات من مغادرته نيويورك، أمس، متوجهاً إلى سياتل في إطار جولته في الولايات المتحدة، التقى الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، مندوبي الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وحثهم على ضرورة تحمل المجلس مسؤولياته لوضع حد لانتهاكات الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران، واحترام المعاهدات والمواثيق الدولية.
والتقى الأمير محمد بن سلمان، المندوبين الدائمين: الأميركية نيكي هيلي، والبريطانية كارين بيرس، والفرنسي فرنسوا دولاتر، والروسي فاسيلي نيبينزيا، والصيني زاوشو ما. وأوردت وكالة الأنباء السعودية أنه جرى خلال اللقاء «بحث الأوضاع العامة في الشرق الأوسط، بما فيها تطورات الأزمة في اليمن، والانتهاكات الحوثية المدعومة من إيران»، مضيفةً أن ولي العهد أكد لممثلي الدول الكبرى «ضرورة أن يتحمل مجلس الأمن المسؤولية في هذا الصدد، وضرورة احترام المعاهدات والمواثيق الدولية والقانون الدولي واتفاق الأمم المتحدة»، مشدداً على «التزام المملكة العربية السعودية ميثاق الأمم المتحدة والتعاون الكبير بينهما». وحضر اللقاء أيضاً عن الجانب السعودي السفير لدى الولايات المتحدة الأمير خالد بن سلمان، ووزير الخارجية عادل الجبير، والمندوب الدائم لدى الأمم المتحدة عبد الله المعلمي.

أسبوع حافل في نيويورك
وأمضى ولي العهد السعودي أسبوعاً حافلاً في نيويورك، إذ عقد اجتماعات على مدار الساعة مع الرؤساء التنفيذيين للمصارف والشركات المالية والاقتصادية الكبرى، بالإضافة إلى شخصيات سياسية ومجموعات دينية، وأشرف على توقيع اتفاقات سعودية - أميركية، ورعى نشاطات ثقافية نُظمت بالتزامن مع زيارته.
واجتمع ولي العهد مع الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، بحضور الأمير خالد بن سلمان والجبير. وتبادل الطرفان «الأحاديث الودية»، وفقاً لـ«واس». كما استقبل وزير الخارجية السابق جون كيري. وجرى خلال اللقاء تبادل الأحاديث الودية بحضور الأمير خالد بن سلمان.
واجتمع ولي العهد مع عدد من القيادات الدينية في الولايات المتحدة بحضور السفير السعودي في واشنطن، والأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الدكتور محمد العيسى، ووزير الخارجية. وجرى خلال اللقاء «تأكيد أهمية المشتركات الإنسانية بين أتباع الأديان لتعزيز القيم الإيجابية للتعايش والتسامح».
وكان ولي العهد قد التقى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وبحث معه الموضوعات ذات الاهتمام المشترك وما تقدمه المملكة لبرامج الأمم المتحدة المختلفة في إطار دعمها للجهود الإنسانية والتنموية، ودورها في صون الأمن والسلم الدوليين بالشراكة مع الأمم المتحدة.
وعبر غوتيريش عن تقديره لما تقوم به المملكة من مساهمات إنسانية في العالم، وتقدمه من أجل الشعب اليمني، ودعمها وتمويلها خطة الاستجابة الإنسانية في اليمن، داعياً الدول إلى المساهمة في هذا الجهد الإنساني. وجدد التنديد باستهداف مدن المملكة بالصواريخ الباليستية من قبل ميليشيا الحوثي.

المملكة تلتزم القانون
وفي كلمة له عقب اللقاء، أكد الأمير محمد بن سلمان، أن السعودية تعمل مع حلفائها في الشرق الأوسط من أجل ضمان أمن المنطقة واستقرارها. وقال إن المشكلات في الشرق الأوسط هي مع الأفكار التي لا تؤمن بمبادئ الأمم المتحدة، وتنتهك بشكل صارخ كل قوانين وأعراف الأمم المتحدة في تدخلها في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وفي الترويج لآيديولوجيات عابرة للحدود ليست لها علاقة بالمصالح الوطنية. كما أشار إلى أن المملكة، وهي من الأعضاء المؤسسين للأمم المتحدة، تدافع عن مصالحها وتحافظ على أمنها، كما تلتزم القوانين الدولية. ولفت إلى أن السعودية تؤمن بمبدأ سيادة القانون، وسيادة الدول في العالم. وأضاف: «نحن في المملكة نعمل مع الحلفاء لحماية مصالحنا وأمننا، كما نتعاون مع الأمم المتحدة ونحاول قدر الإمكان حل مشكلات الشرق الأوسط بالطرق السياسية، ولذلك نحاول قدر المستطاع تجنب أن تخرج الأمور عن السيطرة، وتفادي أكبر قدر ممكن من الإشكاليات».

نشاطات اقتصادية ومالية
وشهد ولي العهد والأمين العام التوقيع على البرنامج التنفيذي المشترك بين كلٍّ من السعودية والأمم المتحدة ممثلةً في مكتب تنسيق المساعدات الإنسانية بغرض: دعم وتمويل خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية في اليمن لعام 2018. ومثّل المانحين في التوقيع على البرنامج السفير السعودي لدى اليمن المدير التنفيذي لمركز إسناد العمليات الإنسانية الشاملة في اليمن محمد آل جابر، ومن الأمم المتحدة مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة والمراقب المالي بيتينا توتشي بارتسيوتاس. وتتضمن الاتفاقية تقديم مبلغ مليار دولار من المملكة ودولة الإمارات العربية المتحدة، منها 930 مليون دولار لمنظمات الأمم المتحدة، و70 مليون دولار لتأهيل الموانئ والطرق لزيادة حجم المواد الإغاثية والواردات التجارية.
وحضر اللقاء والتوقيع أيضاً الأمير خالد بن سلمان، ووزير الدولة مساعد بن محمد العيبان، ووزير الخارجية عادل الجبير، والسفير عبد الله المعلمي، ومحمد آل جابر سفير المملكة في اليمن، وكبار المسؤولين في الأمم المتحدة.
وقبل يوم من مغادرته نيويورك على الساحل الشرقي الشمالي للولايات المتحدة، متوجهاً إلى سياتل ولوس أنجليس على الساحل الغربي، التقى الأمير محمد بن سلمان أيضاً كلاً من الرئيس التنفيذي لمصرف «مورغان ستانلي» جيمس غورمان، والرئيس التنفيذي لمصرف «جي بي مورغان» جيمس ديمون. وتخلل اللقاءين تبادل للآراء حول الخدمات التي يقدمها المصرفان في المملكة وفرص التعاون والشراكات الاستراتيجية. وحضر اللقاءين الأمير خالد بن سلمان، ووزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية خالد الفالح، ووزير المالية محمد الجدعان، ورئيس مكتب إدارة الدين العام بوزارة المالية فهد السيف.

مع مؤشر «فوتسي»
وقبل ذلك اجتمع مع الرئيس التنفيذي لشركة «فوتسي» مارك ميكبيس، وجرى استعراض عدد من الموضوعات المالية والاقتصادية المتعلقة بالأسواق المالية وانضمام السوق المالية السعودية إلى مؤشر «فوتسي» الذي يعكس ثقة المستثمرين في الإصلاحات الاقتصادية والمالية وفق «رؤية المملكة 2030». حضر اللقاء الأمير خالد بن سلمان، والجدعان، ورئيس مجلس هيئة السوق المالية محمد القويز، ورئيسة مجلس إدارة «تداول» سارة السحيمي، والمدير التنفيذي لشركة «تداول» خالد الحصان.
واجتمع الأمير محمد بن سلمان بصفته أيضاً رئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة، مع أكثر من 40 مسؤولاً تنفيذياً من الشركات العالمية الكبرى. واستعرض خلال الاجتماع 3 مشاريع تنموية كبرى في المملكة العربية السعودية، وهي مشروع «نيوم»، ومشروع البحر الأحمر، ومشروع القدية. وتحدّث ولي العهد خلال الاجتماع عن «أهمية هذه المشاريع ومساهمتها في الارتقاء بمستقبل المملكة والمنطقة ككل على صعيد الأثر الاقتصادي وتحقيق الرفاه الاجتماعي»، مؤكداً «التزام المملكة الريادة البيئية والاستدامة كجزء لا يتجزأ من الجهود المبذولة في هذا السياق».
وكان الأمير محمد بن سلمان قد وقّع مع رئيس مجلس إدارة صندوق رؤية «سوفت بنك» ماسايوشي سون، مذكرة تفاهم لإنشاء «خطة الطاقة الشمسية 2030، التي تعد الأكبر في العالم في مجال الطاقة الشمسية، وهي تشكل إطاراً جديداً لتطوير قطاع الطاقة الشمسية في السعودية، وسيتم بموجبها تأسيس شركة جديدة لتوليد الطاقة الشمسية وبدء العمل على محطتين شمسيتين بقدرة 3 غيغاوات و4.2 غيغاوات بحلول عام 2019، والعمل أيضاً على تصنيع وتطوير الألواح الشمسية في السعودية لتوليد الطاقة الشمسية بقدرة ما بين 150 غيغاوات و200 غيغاوات بحلول 2030، وتعد مذكرة التفاهم هذه مكملة لما تم التوقيع عليه مسبقاً في مبادرة مستقبل الاستثمار في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وتشير الاتفاقية إلى أن دراسات الجدوى بين الطرفين حول هذا المشروع ستكتمل بحلول مايو (أيار) 2018. وتشير الاتفاقية كذلك إلى أن الطرفين ملتزمان باستكشاف تصنيع وتطوير أنظمة تخزين الطاقة الشمسية في السعودية، وتأسيس شركات متخصصة للأبحاث وتطوير ألواح الطاقة الشمسية بكميات تجارية في السعودية تسمح بتسويقها محلياً وعالمياً.
وتشير هذه المذكرة إلى التزام الطرفين بإنتاج الألواح الشمسية بقدرة تقدر بـ200 غيغاوات في السعودية وتوزيعها عالمياً، بالإضافة إلى استكشاف الفرص المتعلقة بتأسيس صناعات في مجال منظومات توليد الطاقة وبطارياتها في المملكة، والتي من شأنها أن تساعد على دعم تنويع القطاعات وخلق فرص العمل في مجال التقنيات المتقدمة. ويتوقع أن تساعد هذه المذكرة والمشاريع التي ستنتج منها السعودية على توفير النفط في إنتاج الطاقة في المملكة، وهذا من شأنه أن يعزز دور السعودية في إمداد أسواق العالم بالنفط لا سيما أن الطلب على النفط يتزايد باطراد مع نضوب الإنتاج في بعض المناطق. كما أن هذه المشاريع من المتوقع أن تسهم بما يقدَّر بـ100 ألف وظيفة في السعودية، وزيادة الناتج المحلي للسعودية، كذلك بما يقدر بـ12 مليار دولار، بالإضافة إلى توفير ما يقدر بـ40 مليار دولار سنوياً.

الشراكة السعودية ـ الأميركية
وبحضور عشرات المسؤولين السعوديين والأميركيين، رعى ولي العهد حفلاً تحت عنوان الشراكة السعودية - الأميركية. وقال الأمير محمد بن سلمان خلال الحفل إن «السعودية دولة مهمة في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي والعربي... والولايات المتحدة دولة مهمة جداً في العالم». وأشار إلى أن السعودية تمتلك أكبر اقتصاد عربي، وتعد من العشرين الكبار في اقتصاديات العالم... ويوجد فيها مئات الآلاف من السعوديين الذين يحملون الجنسية الأميركية، كما أن الولايات المتحدة فيها مئات الآلاف من السعوديين الذين يتعلمون ويعملون. وشدد على أن العلاقة بين السعودية وأميركا عميقة ومتشعبة، وهذه العلاقة «سبب مهم جداً للنمو الاقتصادي وخلق الوظائف، وأيضاً سبب رئيسي للأمن في البلدين، وكذلك للنجاحات السياسية والأمنية والاقتصادية».
وبعيداً عن الرسميات، التقطت الكاميرا بعض الصور للقاء في أحد المقاهي بنيويورك جمع الأمير محمد بن سلمان مع رئيس بلدية نيويورك السابق مؤسس «بلومبيرغ» مايكل بلومبيرغ. وبدا ولي العهد السعودي برفقة بلومبيرغ يتناولان القهوة في أحد المقاهي، يرافقهما الأمير خالد بن سلمان، في استراحة قصيرة بين «زحمة» اللقاءات في المدينة الأميركية.


مقالات ذات صلة

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.


وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا
TT

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

شارك الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، في الاجتماع الوزاري الرباعي، الذي عقد في مدينة أنطاليا بتركيا، بمشاركة نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان.
وجرى خلال الاجتماع مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية، ودعم جهود الوساطة الباكستانية ومساعيها في التوصل لوقف دائم لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، بما يسهم في خفض حدة التصعيد ويجنب المنطقة والعالم التداعيات الأمنية والاقتصادية الخطيرة للحرب.