رئاسية مصر تربح «معركة المشاركة»

اهتمام ببلوغ نسبة الاقتراع 40 % رغم ضعف المنافسة

رئاسية مصر تربح «معركة المشاركة»
TT

رئاسية مصر تربح «معركة المشاركة»

رئاسية مصر تربح «معركة المشاركة»

في غياب المنافسة الجدية، تحوّل حجم الإقبال على الاقتراع في الانتخابات الرئاسية المصرية، التي أسدل الستار عنها الأسبوع الماضي، إلى التحدي الأبرز للرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي. وهذا أمر خصص له الرئيس الجزء الأكبر من حملته الدعائية، حاثاً المصريين على المشاركة بـ«غض النظر عن آرائهم»، على حد قوله. غير أنه ومع ظهور مؤشرات أولية لنتيجة الانتخابات، التي سوف تعلن رسمياً يوم (الاثنين) 2 أبريل (نيسان) المقبل، يبدو أن مصر قد ربحت ما يمكن أن يطلق عليه «معركة الغياب»، التي راهن عليها معارضون دعوا إلى مقاطعة الانتخابات، بسبب ما اعتبروه «غياباً لضمانات المنافسة».
أشارت التقديرات الأولية التي ذكرتها وسائل إعلام رسمية تابعت الانتخابات الرئاسية في مصر بالأمس، إلى تسجيل نسبة إقبال على الاقتراع تدور حول 40 في المائة. ومع أن نسبة المشاركة هذه أدنى بقليل من النسبة التي سُجلت في الانتخابات السابقة التي فاز فيها السيسي عام 2014 وبلغت 47 في المائة، فإن مراقبين عزوها إلى غياب المنافسة الجدية، ما أدى لعزوف بعض الناخبين الواثقين من فوز السيسي.
وخاض السيسي (63 سنة) الانتخابات، أمام منافس وحيد هو موسى مصطفى موسى (65 سنة)، رئيس حزب «الغد». واللافت أن موسى لم يكن يخفي دعمه للرئيس المصري، وسبق أن قاد بنفسه حملتين لتأييده. ومن ناحية أخرى، خرج من المنافسة خلال الأشهر الماضية مرشحون محتملون كانوا يتمتعون بثقل سياسي حقيقي، فتم حبس بعضهم بتهمة انتهاك القانون، أو تراجعوا عن خوض الانتخابات بحجة مناخ التضييق على الحريات.
وفي مقابلة تلفزيونية وحيدة أجراها قبل الانتخابات، أكد السيسي أنه غير مسؤول عن عدم وجود منافسين جادين، وقال إنه «كان يتمنى وجود مرشح أو اثنين أو 10 أقوياء».
- حول العملية الانتخابية
وكالة أنباء «الشرق الأوسط» ذكرت نقلاً عن صحف رسمية أن ما بين 23 و25 مليون ناخب أدلوا بأصواتهم من بين 59 مليوناً مسجلة أسماؤهم في كشوف الانتخابات. وعلى مدار أيام التصويت الثلاثة، حرصت السلطات على ضمان نسبة مشاركة أعلى في العملية الانتخابية. ولقد أثنى الرئيس السيسي على نسبة مشاركة الناخبين، معتبراً أن «تصويت المصريين سيظل شاهداً على أن إرادة أمتنا تفرض نفسها بقوة لا تعرف الضعف». وأردف في تغريدة على صفحته بموقع «فيسبوك»، عقب إغلاق مراكز الاقتراع: «ستظل مشاهد المصريين أمام لجان الاقتراع محل فخري واعتزازي ودليلاً دامغاً على عظمة أمتنا التي قدم أغلى أبناؤها الدماء كي نعبر معاً نحو المستقبل».
والواقع أنه أثناء العملية الانتخابية، شجعت السلطات المصرية ووسائل الإعلام لحشد أكبر عدد ممكن من الناخبين خلال الأيام السابقة، وعلى مدار أيام الاقتراع، من خلال التأكيد على أن المشاركة واجب وطني. وكانت مجموعة «يورو آسيا» لاستشارات المخاطر السياسية قد اعتبرت، من جانبها، أنه في حالة فشل الحكومة في تعبئة الناخبين «سيخرج السيسي من الانتخابات أضعف وأكثر عرضة للضغوط الداخلية».
وبينما بدا الإقبال على المشاركة متوسطاً خلال الأيام الثلاثة بشكل عام، فإنه تزايد بشكل ملحوظ في الساعات الأخيرة من التصويت، وبعدما كان يفترض أن تغلق مراكز الاقتراع أبوابها الساعة التاسعة مساء يوم الأربعاء الماضي، فإن «الهيئة الوطنية للانتخابات» قررت تمديد الاقتراع حتى العاشرة مساء، نظراً لإقبال الناخبين. ولقد لعب تلويح «الهيئة» بتطبيق غرامة مالية 500 جنيه (28 دولاراً) على المتخلفين عن التصويت، دوراً في حشد الناخبين، خصوصاً في الساعات الأخيرة. إذ أكدت «الهيئة» على لسان المستشار محمود الشريف، نائب رئيسها والمتحدث الرسمي باسمها، أن الهيئة ستقوم بإرسال كشوف بالأسماء التي لم تصوّت إلى النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات القانونية.
وجدير بالذكر أن المادة 43 من القانون رقم 22 لسنة 2014 في شأن تنظيم الانتخابات الرئاسية، تنصّ على أنه «يعاقب بغرامة لا تجاوز 500 جنيه من كان اسمه مقيداً بقاعدة بيانات الناخبين وتخلف بغير عذر عن الإدلاء بصوته».
- الحرب ضد الإرهاب
على صعيد آخر، شكلت الحرب التي يخوضها الجيش المصري ضد الجماعات الإرهابية في شمال سيناء، حافزاً قوياً لكثير من المصريين على المشاركة. وكانت القوات المسلحة المصرية، بمعاونة الشرطة، قد أطلقت عملية «سيناء 2018» في 9 فبراير (شباط) الماضي، قبل أسابيع من الانتخابات الرئاسية. وقال اللواء يونس الجاحر، عضو لجنة الدفاع والأمن القومي في البرلمان المصري، إن «مشاركة المواطنين في الانتخابات الرئاسية، والإدلاء بأصواتهم واستخدام حقهم التشريعي يعتبر رسالة لقوى الشر على عودة مظاهر الدولة بكامل صورتها».
وأضاف الجاحر لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه، أن «المشاركة الكثيفة تعدّ أبلغ رد على كل الدعوات المشبوهة التي انطلقت أخيراً وتطالب بمقاطعة الانتخابات الرئاسية»، وأن «تصويت المصريين في الخارج بكثافة، قبل أيام، كان بدافع القضاء على الإرهاب نهائياً، ووضع أسس جديدة لتحقيق مزيد من الاستقرار في الدولة». وبدوره، قال مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، إن «السيسي ليس له ذنب في عدم وجود منافسين»، ونوّه بأن خروج المصريين بكثافة للتصويت في الانتخابات كان أعظم رد على الأعمال الإرهابية، معتبراً أن دعوات مقاطعة الانتخابات «فاشلة».
- المرأة وكبار السن
وخلال التصويت تصدرت المرأة المصرية وكبار السن المشهد الانتخابي، مع حضور باهت للشباب. وقال المحلل السياسي عمار علي حسن في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلقاً: «المسنّون في العالم كله يميلون بطبعهم إلى تكريس ما هو موجود وسائد، وهم أكثر انحيازاً إلى الاستقرار والاستمرار، ولديهم إحساس بأن التغيرات الفجائية، في الحياة السياسية والاقتصادية أمر غير مستحب وخاطئ».
ثم أضاف: «الحالة النفسية والخبرات الحياتية تقول إن كبار السن، لا يألفون القفزات والتغيرات عكس الشباب الذين يألفون المجازفة والتغيير». واستطرد أن «لدى السلطة الحالية في مصر معضلة منذ الانتخابات الرئاسية الماضية في عام 2014، هي عزوف الشباب عن الإدلاء بأصواتهم... إذ لم تقم الدولة بحل هذا الأمر مع مرور الوقت، رغم كل الإجراءات الشكلية التي قامت بها. والسلطة الآن غير قادرة على علاج هذه الفجوة بين الشباب من جهة، والحكومة من جهة أخرى، رغم أن نحو 70 في المائة من سكان مصر من الشباب، وهؤلاء يمثلون نحو نصف أعداد الناخبين الحاليين».
- أجواء كرنفالية
وفي سياق العملية الانتخابية، بدا لافتاً الطقوس الاحتفالية والكرنفالية التي صاحبت الانتخابات، ومنها الرقص أمام اللجان، ولعبت هذه الطقوس دوراً بارزاً في حث الناخبين على المشاركة في العلمية الانتخابية. وحقاً، نشرت وسائل الإعلام مقاطع فيديو وصوراً من مناطق مختلفة، لوصلات رقص على أنغام أغنيات «تسلم الأيادي»، و«بشرة خير»، و«أبو الرجولة». حتى باتت الظاهرة جزءاً أساسياً من العملية الانتخابية في مصر. وفيما رآه ظاهرة مشجعة، قال المستشار لاشين إبراهيم رئيس «الهيئة الوطنية للانتخابات»، إن المشاركة الواسعة للمواطنين في الانتخابات الرئاسية «هي الأسلوب الأنجح لتأكيد اختيار المصريين للديمقراطية أساساً لنظام الحكم»، مشيراً إلى أن جهود الدولة في التنمية ومحاربة الإرهاب الأسود تتطلب من الجميع في هذه المرحلة التكاتف والحرص على النزول الكبير للجان الاقتراع.
وأشار المستشار إبراهيم إلى أن «أساس العملية الانتخابية هو التصويت السرّي المباشر من قبل الناخب، وهو الأمر الذي يعبر عن إرادته الحرة التي لا يمكن لكائن من كان أن يتدخل فيها». وتابع أن «المصريين ناضلوا طويلاً من خلال ثورتين شعبيتين؛ هما 25 يناير (كانون الثاني) و30 يونيو (حزيران)، من أجل كسر قيود الديكتاتورية وتحقيق المكسب السياسي الأهم، المتمثل في التعددية السياسية وإجراء انتخابات نزيهة تخرج نتيجتها معبرة عن إرادتهم الحرة، وهو الأمر الذي يتطلب من الجميع احترام هذا النضال الطويل، والحرص على المشاركة في الانتخابات تأكيداً على أن تلك المطالب الشعبية لم تكن أمراً عارضاً في تاريخ الأمة».
أيضاً، أعرب المستشار لاشين إبراهيم عن فخره واعتزازه وكل أعضاء «الهيئة الوطنية للانتخابات»، بـ«رسالة التحدي والصمود التي بعث بها المواطنون بمحافظة شمال سيناء عبر اصطفافهم ومشاركتهم الكبيرة في العملية الانتخابية»، مشيراً إلى أن تلك المشاركة «تعني أن أهل سيناء يلفظون الإرهاب ويرفضون وجوده وتوطنه في أرضهم». ثم أضاف أن المشاركة الكبيرة لمواطني شمال سيناء في العملية الانتخابية تقطع بوجود استقرار أمني كبير في المحافظة، ومستوى عالٍ من الوعي لدى الناخبين تجسّد في حرصهم هناك على أن يكونوا جزءاً من عملية اختيار رئيس مصر القادم عبر الصناديق. ثم ذكر أن احتشاد المواطنين واصطفافهم أمام لجان الاقتراع يبعث أيضاً برسالة واضحة وقوية للعالم أجمع هي «أن المصريين، بوعيهم وإرادتهم وحدهم، هم مَن يختارون حاكمهم، وأنه لا بديل عن الديمقراطية بما تنطوي عليه من قيم وإجراءات، كأسلوب لإدارة البلاد».
من جهته، قال أكرم الألفي، الباحث المتخصص في شؤون الانتخابات، إن غياب البعض عن مراكز الاقتراع، لا يشترط أن يحسب ضمن حملة المقاطعة التي دعت لها جماعات وأحزاب معارضة، مشيراً إلى أن «جزءاً من الشعب لم يذهب إلى الانتخابات، لأن هؤلاء يعتقدون أن دورهم غير مؤثر أو أنهم فضوا الاستمتاع بالإجازة التي منحتها المؤسسات للموظفين بهدف التصويت». وأكد أن هناك قطاعاً شديد التأييد للرئيس السيسي، وهناك فئات مثل كبار السن، تشعر بالخطر على الوطن، ولذلك نزلت بقوة إلى الانتخابات.
- المراقبون الدوليون
بشكل عام، لاقت العملية الانتخابية والمشاركة استحساناً لدى غالبية المتابعين من المراقبين الدوليين. وقال عادل عبد الرحمن العسومي، نائب رئيس البرلمان العربي، إن «الانتخابات الرئاسية المصرية 2018، الأفضل من حيث الشفافية، والتزام الجميع بالقواعد الانتخابية التي حددها الدستور والهيئة الوطنية للانتخابات».
وأفاد العسومي، خلال مؤتمر صحافي الخميس الماضي، بأن وفد البرلمان لمتابعة الانتخابات المصرية كان مكوناً من 14 عضواً بالبرلمان من 12 دول عربية، وزار 453 لجنة في 4 محافظات. وأضاف أن «العملية الانتخابية لم تشبها أي ملاحظات... ولا شيء يعكر صفوها»، مشدداً على عدم وجود تجاوزات من المرشحين في الانتخابات، متابعاً: «لم نسمع أي انتقاد للعملية الانتخابية من قبل المنظمات الدولية، وهذا يحسب للهيئة الوطنية للانتخابات في مصر».
وفي السياق ذاته، أشادت بعثتا «الكوميسا» و«تجمع الساحل والصحراء» لمتابعة انتخابات الرئاسة المصرية بـ«حسن سير العملية الانتخابية في مختلف اللجان». وقالت هوب كيفنجيري رئيسة بعثة «الكوميسا» في بيان، إن «البعثة المشتركة للكوميسا وتجمع الساحل والصحراء تكوّنت من 33 مراقباً ومارست مهمتها بدعوة من السلطات المصرية، وتم نشر البعثة في 6 محافظات على مستوى الجمهورية، وهي القاهرة والإسكندرية والجيزة والمنوفية والشرقية والإسماعيلية». وأثنت رئيسة البعثة على ما لمسته من «روح المسؤولية التي يتحلى بها المجتمع المصري، وحرص المصريين على ممارسة الديمقراطية وحقوقهم في مناخ من الأخوة»، مضيفة أن «الأجواء كانت إيجابية».
ولفت عيسى عبد الرحمن، منسق عام تجمع دول الساحل والصحراء المراقب، إلى أن «الفئات النسائية وكبار السن كانت لها النسبة الأكبر في التصويب، كما أن اليوم الثالث للانتخابات شهد إقبالاً كبيراً من الشباب للإدلاء بأصواتهم».
ورحب السفير حمدي لوزا، نائب وزير الخارجية المصري، بالتوصيات التي قدمتها بعثات المنظمات الإقليمية والدولية لمتابعة الانتخابات الرئاسية. وقال إن «التقارير المبدئية الصادرة أكدت أن الانتخابات اتسمت بالمصداقية والنزاهة، وهذه الرسالة مهمة للعالم»، لافتاً إلى أن مصر «سوف تأخذ التوصيات بكل جدية والهيئة الوطنية سوف تستفيد منها». كذلك أشار لوزا إلى أن البعثة أبدت إعجابها بالمظاهر الاحتفالية التي صاحبت العملية الانتخابية، ومنها الموسيقى في الشوارع ومظاهر الفرحة لدى المصريين بعكس العملية الانتخابية في دول أخرى التي تسودها أعمال عنف.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.