محمد بن سلمان يشرف على توقيع شراكات تكنولوجية وعلمية في بوسطن

بحث مع رئيسي «صندوق النقد» و«البنك الدولي» مبادرات «رؤية السعودية 2030»

ولي العهد السعودي خلال زيارته أمس مركز «آي بي إم واتسون» في مدينة بوسطن الأميركية (وزارة الخارجية السعودية)
ولي العهد السعودي خلال زيارته أمس مركز «آي بي إم واتسون» في مدينة بوسطن الأميركية (وزارة الخارجية السعودية)
TT

محمد بن سلمان يشرف على توقيع شراكات تكنولوجية وعلمية في بوسطن

ولي العهد السعودي خلال زيارته أمس مركز «آي بي إم واتسون» في مدينة بوسطن الأميركية (وزارة الخارجية السعودية)
ولي العهد السعودي خلال زيارته أمس مركز «آي بي إم واتسون» في مدينة بوسطن الأميركية (وزارة الخارجية السعودية)

واصل الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع السعودي، أمس، جولته الأميركية، حيث أجرى لقاءات في مدينة بوسطن، بعد 5 أيام من المباحثات مع كبار المسؤولين في واشنطن.
وأشرف ولي العهد السعودي على توقيع اتفاقات تعاون بين كبرى المؤسسات العلمية والأكاديمية في الولايات المتحدة والسعودية، بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (إم آي تي) في مجالات الطاقة والطاقة المتجددة والرعاية الصحية والأطراف الصناعية وغيرها.
وجاءت هذه الاتفاقات في إطار التزام الطرفين السعودي والأميركي بتعزيز التعاون بين الأوساط الأكاديمية والقطاعين العام والخاص، الذي شهده المنتدى الثاني للابتكار بعنوان «الابتكار من أجل التأثير» (إينوفايشن تو إمباكت) في معهد «إم آي تي». وتعد هذه المناسبة جزءاً من التعاون المستمر بين مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، وجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، والهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، و«إم آي تي» وغيرها من المؤسسات الأكاديمية الرائدة في الولايات المتحدة.
وتميز المنتدى بإشراف الأمير محمد بن سلمان على توقيع كثير من اتفاقات التعاون بين مؤسسات أميركية وسعودية، بما في ذلك الشراكة بين جامعة الملك عبد الله ومعهد «إم آي تي» باسم «وجهة المستقبل» لمشروع نيوم. وستقوم هذه الجهات مجتمعة بمشاريع مشتركة جديدة في الأبحاث، وتبادل الطلاب، وريادة الأعمال، لتمكين المؤسسات الأميركية والسعودية من تحقيق أهداف الابتكار المشتركة. وعلق الدكتور كلاوس كلاينفيلد، الرئيس التنفيذي لمشروع نيوم، على هذا الحدث بالقول إنه «بفضل القدرات الفريدة لمعهد (إم آي تي) وجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، سيؤدي هذا التعاون إلى تطوير التكنولوجيا في كثير من المجالات ذات الصلة بنيوم».
وبالتزامن مع زيارة ولي العهد السعودي إلى بوسطن، اجتمع كبار المسؤولين من مؤسسات أكاديمية وحكومية وصناعية من السعودية والولايات المتحدة منذ الصباح في رحاب معهد «إم آي تي»، لمناقشة أحدث الابتكارات والاحتفاء بالبحث العلمي وتبادل الطلاب وريادة الأعمال.
وأعلن وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية السعودي، خالد الفالح، من المنتدى نفسه، أن الأميركيين ستكون لديهم فرصة لامتلاك أسهم في شركة «أرامكو» الكبرى عندما تعرض في السوق. وتعد هذا التصريحات رجع صدى لما أعلنه سابقاً وزير المالية السعودي محمد الجدعان، الذي نفى صحة تقرير عن أن بيع الأسهم سيقتصر على السوق المحلية في المملكة. وقال: «نحن نقيم الأسواق الدولية - نيويورك ولندن وهونغ كونغ، ومن الواضح أن السوق الرئيسية هي السعودية. لذلك لم يتخذ أي قرار بعد».
وأفادت وكالة «بلومبيرغ» بأن العرض المبدئي للأسهم في «أرامكو» هو «حجر الزاوية في خطة ولي العهد للإصلاح» الاقتصادي، مضيفة أن الخطة تقضي بجمع مائة مليار دولار من خلال بيع 5 في المائة من «أرامكو» المقدّرة قيمتها بنحو تريليوني دولار، ما يجعلها أكبر شركة نفطية في العالم من حيث القيمة السوقية.
وأكد الفالح أن «المملكة تمضي قدماً في طرح عام أولي لشركة أرامكو في النصف الثاني من العام الحالي»، موضحاً أن «أرامكو قد تطرح اكتتاباً عاماً إما محلياً أو دولياً، أواخر هذا العام، وسيعتمد توقيت الطرح على أوضاع السوق، والسعودية مستعدة لتنفيذ الطرح العام الأولي في أي وقت». وأضاف أن «المملكة بحاجة إلى أن تضمن أن السوق جاهزة، وأن هذا هو الوقت الأمثل للتنفيذ». كما ذكر أن بورصة نيويورك «لا تزال في السباق للطرح العام الأولي لأرامكو». وقال: «قمنا بتجهيز كل المستندات لنكون جاهزين لتنفيذ الإدراج المحلي والدولي على السواء، لم نغلق الباب أمام 2018».
وعلى صعيد أسواق النفط، قال الفالح إن الدول الأعضاء في منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) يجب أن تواصل التنسيق مع روسيا والدول المنتجة من خارج المنظمة في ما يتعلق بالحد من المعروض عام 2019، لتقليل مخزونات النفط العالمية للمستويات المطلوبة. وأوضح: «نعلم على وجه اليقين أنه لا تزال أمامنا فترة قبل أن نقلل المخزونات إلى المستوى الذي نراه طبيعياً، وسنستعرض هذا بحلول منتصف العام عندما نجتمع في فيينا. ونأمل بحلول نهاية العام أن نحدد الآلية التي سنعمل بها في 2019».
وكان الفالح أفاد سابقاً بأنه من الأفضل لـ«أوبك» أن تترك سوق النفط تواجه نقصاً طفيفاً في الإمدادات بدلاً من أن تنهي اتفاق خفض الإنتاج قبل الأوان، كاشفاً أن هناك اتفاقاً عاماً بين المنتجين على أن مزيداً من التنسيق «لا يعني بالضرورة الحفاظ على مستوى التخفيضات نفسه»، بل «يعني أن الآلية نجحت وأنهم ملتزمون بالعمل في إطار تلك الآلية لفترة أطول».
ويستند منتدى الابتكار لعام 2018 على نجاح الاجتماع الافتتاحي خلال العام الماضي، الذي كان انعقد في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية في جدة مع صانعي القرار الرئيسيين والخبراء في مجالات الطاقة والزراعة والتكنولوجيا والرعاية الصحية والعلوم البيولوجية.
أما هذا العام، فهناك كثير من الاجتماعات حول طاولات مستديرة لاستكشاف الحلول التي تتوافق مع أهداف السعودية في «رؤية 2030» وأهداف الولايات المتحدة للتقدم في البحث العلمي المتطور. وفي إطار روح الابتكار المشتركة، يعمل الحاضرون على تحديد وإيجاد فرص للباحثين والطلاب ورجال الأعمال في كلا البلدين لتعزيز تقنيات الطاقة، والبنية التحتية المستدامة، وتحسين الصحة، وتعزيز تعليم المرأة، وتعزيز روح المبادرة. بالإضافة إلى ذلك، شمل المنتدى في معهد «إم آي تي» معرضاً للتقنيات والابتكارات والتعاون الفني الجاري حالياً بين المؤسسات السعودية والأميركية.
في هذا السياق، قال الرئيس المؤقت لجامعة الملك عبد الله المهندس نظمي النصر: «نحن سعداء بإحضار الحدث إلى بوسطن الكبرى هذا العام، إلى أحد أكبر مراكز الابتكار في العالم، ما يعزز العلاقة بين السعودية والولايات المتحدة». وأضاف: «مع التزامنا العميق بتطوير المشهد الابتكاري في المملكة وتوسيع الفرص للطلاب ورجال الأعمال السعوديين، فإن هذا التجمع وتبادل المعرفة بين الخبراء سيكون له تأثير إيجابي على اقتصادنا، بالإضافة إلى أهداف شركائنا في الولايات المتحدة».
بدوره، قال رئيس معهد «إم آي تي» رافائيل ريف، إنه «بفضل (رؤية 2030)، تتجه المملكة نحو مستقبل واعد. أحد العناصر الأساسية لهذه الاستراتيجية ينطوي على بناء علاقات تعاونية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك مع الجامعات الرائدة والمستشفيات والشركات في بوسطن الكبرى. ويسرّ معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا جلب هذه المجموعة الرائعة». وتابع: «نسمع من ضيوفنا السعوديين عن تطلعاتهم وتطورهم، وبينما نعرض قوة منظومة خلق الإبداع لمنطقتنا، يسعدنا أن نلتزم بمزيد من الفرص للتعاون الإبداعي والمتبادل المنفعة حول التكنولوجيا المهمة والقضايا المجتمعية».
يشار إلى أن المحطّة الأولى من جولة الأمير محمد بن سلمان الأميركية، تميّزت بسلسلة لقاءات رفيعة المستوى تقدّمتها مباحثات مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي سلط الضوء على قوة العلاقات الثنائية بين البلدين، وأشاد بصداقته الشخصية مع ولي العهد السعودي. كما عقد الأمير محمد بن سلمان، منذ بداية زيارته إلى واشنطن الثلاثاء الماضي، مباحثات مع أعضاء في الكونغرس الأميركي، والتقى وزير الدفاع جيمس ماتيس، ووزير التجارة ويلبر روس، ووزير الخزانة ستيفن منوتشن، ونائب وزير الخارجية جون سوليفان، ونائب الرئيس التنفيذي لغرفة التجارة توم دونوهيو، إلى جانب كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية ومستشاري البيت الأبيض.
وقبل مغادرته واشنطن إلى بوسطن، استعرض الأمير محمد بن سلمان، خلال اجتماعه في مقر إقامته بالعاصمة الأميركية، مع كريستين لاغارد المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، أول من أمس، «رؤية السعودية 2030»، ومبادراتها على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية. كما بحثا الإصلاحات التي تشملها الرؤية، والتي تهدف إلى تنويع الاقتصاد السعودي، وتطوير التجارة وزيادة الاستثمار في التقنية والموارد البشرية، إلى جانب استعراض الجانبين العلاقات بين المملكة والصندوق، وفرص تطويرها.
والتقى ولي العهد السعودي في وقت لاحق، في واشنطن، عدداً من المسؤولين الأميركيين السابقين؛ أبرزهم وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت، ومستشارا الأمن القومي السابقان ستيف هادلي وجيم جونز، ومستشارة الأمن الداخلي السابقة فرانسيس تاونسند، إضافة إلى رئيس «المجلس الأطلسي» فريدريك كمب. وتناولت اللقاءات علاقات الصداقة السعودية - الأميركية، وتطورها على مر العقود.
واجتمع الأمير محمد بن سلمان كذلك مع رئيس البنك الدولي جيم يونغ كيم، وتطرق اللقاء إلى مبادرات المملكة لتنويع اقتصادها وتطويره، وسعيها إلى مزيد من التقدم والتطوير التقني وفق «رؤية 2030».
حضر اللقاءات الأمير خالد بن سلمان، سفير خادم الحرمين الشريفين لدى الولايات المتحدة، والوفد الرسمي المرافق لولي العهد.


مقالات ذات صلة

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

تحليل إخباري ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس) p-circle 00:33

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة محمد شهباز شريف للمملكة تجسيداً لعمق العلاقة

جبير الأنصاري (الرياض)
المشرق العربي رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (أ.ب)

عون: لبنان يقدر جهود ولي العهد السعودي لدعم الاستقرار في المنطقة

اعتبر الرئيس اللبناني جوزيف عون أن جهود الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، «الحكيمة، والمتوازنة» موضع تقدير واعتزاز للبنان.

الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس) p-circle 00:33

نقاشات سعودية - باكستانية تبحث التطورات والعلاقات

بحث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف، مجريات أوضاع المنطقة، ومستجدات محادثات أميركا وإيران في إسلام آباد.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في جدة الثلاثاء (واس) p-circle 00:21

ولي العهد السعودي ورئيس المجلس الأوروبي يناقشان تداعيات أوضاع المنطقة

ناقش ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، مستجدات الأوضاع الراهنة في المنطقة، وتداعياتها الأمنية والاقتصادية دولياً.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج الأمير محمد بن سلمان مترئساً جلسة مجلس الوزراء في جدة الثلاثاء (واس)

رفض سعودي قاطع لانتهاك سيادة الدول وتهديد أمن المنطقة

شدّد مجلس الوزراء السعودي، الثلاثاء، على رفضه القاطع لانتهاك سيادة الدول، ومحاولة تهديد أمن المنطقة واستقرارها، مجدداً إدانته بأشد العبارات الاعتداءات السافرة.

«الشرق الأوسط» (جدة)

«التعاون الإسلامي» تؤكد دعمها وتضامنها مع الأسرى الفلسطينيين في سجون إسرائيل

شعار منظمة التعاون الإسلامي (متداولة)
شعار منظمة التعاون الإسلامي (متداولة)
TT

«التعاون الإسلامي» تؤكد دعمها وتضامنها مع الأسرى الفلسطينيين في سجون إسرائيل

شعار منظمة التعاون الإسلامي (متداولة)
شعار منظمة التعاون الإسلامي (متداولة)

أعربت الأمانة العامة لمنظمة «التعاون الإسلامي» عن بالغ القلق إزاء تدهور أوضاع الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، البالغ عددهم أكثر من 9500 أسير، من بينهم 73 أسيرة و350 طفلاً، علاوة على المعتقلين من قطاع غزة الذين لا يُعرَف عددهم.

وحذّرت الأمانة العامة من خطورة ما يتعرّض له الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي «من جرائم ممنهجة وغير إنسانية، وآخرها المصادقة على عقوبة الإعدام بحقهم، وحرمانهم من أبسط الحقوق الإنسانية التي كفلها لهم القانون الدولي الإنساني، من تعليم وعلاج واتصال بالعالم الخارجي، علاوةً على إخضاعهم للتعذيب والاعتداء عليهم بشكل متعمَّد ومنهجي، والتجريد من الإنسانية والإرهاب النفسي، والعنف الجنسي، والاغتصاب، والتجويع، والحبس الانفرادي، وغيرها من الإجراءات التي ترتقي إلى مستوى جريمة حرب وجريمة إبادة جماعية، بموجب القانون الجنائي الدولي»، وفقاً لـ«وكالة الأنباء السعودية (واس)».

وأكدت الأمانة العامة أن هذه الإجراءات، التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي، «تشكل انتهاكاً لجميع المعايير والقواعد التي ينص عليها القانون الدولي الإنساني، وميثاق حقوق الإنسان، واتفاقيات جنيف، وغيرها من المواثيق الدولية ذات الصلة؛ الأمر الذي يتطلب مضاعفة الجهود لملاحقة ومساءلة إسرائيل، وفق القانون الجنائي الدولي».

وحمّلت الأمانة العامة للمنظمة إسرائيل «المسؤولية الكاملة عن حياة جميع الأسرى الفلسطينيين، لا سيما الأطفال والنساء والمرضى وكبار السن». وجدَّدت دعوتها جميع أطراف المجتمع الدولي إلى «تحمّل مسؤولياتها وإلزام الاحتلال الإسرائيلي باحترام واجباته تجاه حقوق الأسرى الفلسطينيين».


السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».