اتفاقات هندية ـ فرنسية تتجاوز 13 مليار يورو

هيمنت عليها قطاعات الطاقة والطيران والنقل

موقع بناء في الهند (رويترز)
موقع بناء في الهند (رويترز)
TT

اتفاقات هندية ـ فرنسية تتجاوز 13 مليار يورو

موقع بناء في الهند (رويترز)
موقع بناء في الهند (رويترز)

أبرمت شركات هندية وفرنسية 19 تعاقدا واتفاقية بقيمة إجمالية تبلغ أكثر من 13 مليار يورو في قطاعات تشمل الطاقة المتجددة، والشبكات الذكية، والطاقة النووية، والطيران، والإسمنت، والاتصالات، من بين قطاعات أخرى، في احتفالية التوقيع على الشراكة الاقتصادية الهندية - الفرنسية في سياق الزيارة الأخيرة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الهند.
وهناك نحو ألف شركة فرنسية تباشر أعمالها في الهند بقيمة إجمالية للأعمال تبلغ 20 مليار دولار، وتوظف نحو 300 ألف عامل. وهيمنت قطاعات الطاقة، والطيران، والنقل، لا سيما السكك الحديدية، على الاستثمارات الفرنسية في الهند. ويبلغ إجمالي الاستثمارات الفرنسية المحققة في الهند أكثر من 17 مليار دولار، مما يضع فرنسا ضمن طائفة أكبر المستثمرين الأجانب في الهند.
وتملك معظم المجموعات الفرنسية الكبرى شركات متفرعة عنها في الهند. ومع ذلك، هناك قليل من المشروعات المشتركة ومكاتب الاتصال للشركات الفرنسية في الهند. ووفقا لـ«التقرير السنوي للأعمال الفرنسية» لعام 2016، فإن هناك نحو 120 شركة هندية تباشر أعمالها في فرنسا مع استثمارات بإجمالي مليار يورو، وتوظيف قرابة 7 آلاف موظف فرنسي. ويقع نصف مجمل الاستثمارات الهندية في السوق الفرنسية في قطاع البرمجيات، وخدمات تكنولوجيا المعلومات، والبحث والتطوير، والهندسة، ومشروعات التصميم.
- تطلعات لزيادة النشاط التجاري
وأعلنت كل من الهند وفرنسا عن الالتزام بزيادة التجارة الثنائية إلى 15 مليار يورو بحلول عام 2022، وارتفعت التجارة الثنائية بين البلدين إلى 10.96 مليار دولار (ما يساوي 8.91 مليار يورو) في عام 2016 - 2017 من 8.3 مليار دولار (ما يساوي 6.74 مليار يورو) في عام 2015 - 2016. وفي حقيقة الأمر، ورغم أن فرنسا تعد ثالث أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، فإنها تحتل المرتبة التاسعة من حيث تجارة دول الاتحاد الأوروبي مع الهند، وتأتي وراء دول أخرى مثل هولندا، وإيطاليا، وحتى بلجيكا.
كما أكدت الهند وفرنسا أيضا على أهمية «التجارة العالمية المفتوحة والشاملة»، وتعهدتا بالعمل معاً ومع الدول الأعضاء كافة في منظمة التجارة العالمية. وأعربتا عن دعمهما الجهود المبذولة من كلا الطرفين لإعادة الانخراط بفاعلية أكبر في إعادة بدء المفاوضات في الوقت المناسب بشأن «اتفاقية التجارة والاستثمار الشاملة القائمة على النفع المتبادل بين الهند والاتحاد الأوروبي».
ومن المحتمل للشركات الفرنسية أن تستثمر نحو 10 مليارات دولار في الهند في غضون السنوات الخمس المقبلة. وهناك جزء كبير من هذه الاستثمارات سوف يوجه إلى القطاع الصناعي، مما يجعل فرنسا من أبرز اللاعبين المهمين في مبادرة «أصنع في الهند» الرامية إلى تعزيز قطاع الصناعات التحويلية في البلاد، وفقا لبيان وزير المالية والحسابات العامة الفرنسي ميشال سابين في الهند.
وقد واجهت المفاوضات المعنية بـ«اتفاقية التجارة والاستثمار الشاملة القائمة على النفع المتبادل بين الهند والاتحاد الأوروبي»، التي بدأت في يونيو (حزيران) عام 2007، كثيرا من العقبات بسبب الاختلافات الرئيسية حول جملة من القضايا الحيوية مثل حقوق الملكية الفكرية، وتخفيض الرسوم الجمركية على السيارات، والمشروبات الكحولية. وتهدف هذه الاتفاقية إلى الحد بشكل كبير من التعريفات الجمركية على السلع، وتسهيل التجارة في قطاع الخدمات، وتعزيز الاستثمارات بين الجانبين.
ويشدد البلدان، الهند وفرنسا، من واقع الالتزام المؤكد على تيسير البيئة المواتية لتعزيز التجارة والاستثمار الثنائي، على أهمية التعاون الاقتصادي المنتظم والمستدام من خلال اللجنة الهندية - الفرنسية المشتركة.
ويقول وزير التجارة والصناعة الهندي، سوريش برابهو إن «فرنسا حريصة على الاستثمارات الكبيرة في الهند، الأمر الذي سوف يجلب التكنولوجيا والثروات إلينا، ويؤدي إلى خلق مزيد من الوظائف وفرص العمل للشباب هنا».
وأضاف الوزير الهندي أنه عُقد اجتماع مفصل مع الوفد التجاري المرافق للرئيس الفرنسي، والذي ضم عددا من الوزراء وكبار رجال الصناعة، وأردف الوزير الهندي قائلا: «إنهم يريدون الاستثمار في البلاد بأعداد كبيرة إلى جانب معرفتهم العميقة بالتكنولوجيا. وسوف تأتي التكنولوجيا والثروات إلى الهند، مما يخلق مزيدا من فرص العمل. ولذلك، فإنني أتفهم طبيعة العلاقات الممتدة مع فرنسا والتي سوف تساعد بلادنا بصورة كبيرة».
- أبرز الصفقات الحديثة
كانت أكبر صفقة تم التوقيع عليها خلال زيارة الرئيس ماكرون، وذلك من حيث القيمة، صفقة من قطاع الطيران المدني، حيث وقعت شركة الطيران الهندية منخفضة التكاليف «سبايس جيت» على اتفاقية بقيمة 12.5 مليار دولار (نحو 10.5 مليار يورو) مع مجموعة «سافران» الفرنسية الرئيسية للطيران بهدف توريد 155 محركا من طراز «سي إف إم ليب - 1ب» لطائرة «بوينغ 737 ماكس» بشركة الطيران الهندية، إلى جانب المحركات الاحتياطية لدعم أسطول الطيران بالشركة الهندية.
كما أعلنت شركة «سافران» الفرنسية للطيران أيضا عن افتتاح المنشأة الثامنة التابعة لها في الهند بمدينة حيدر آباد، التي تضم 250 موظفا هنديا، بهدف إنتاج المهمات المستخدمة في تطبيقات الطيران المدنية والعسكرية في الهند، لأجل البرامج المحلية والخارجية.
كما وقعت هيئة المطارات الهندية كذلك على اتفاقية مع شركة «إيجيس» الهندسية الفرنسية لأجل إجراء دراسة إنشاء 3 مطارات جديدة في البلاد؛ هي: مطارات لاكناو، وبيون، وتريشي. وعلى خلاف ذلك، أعلنت شركة «فيكات» الفرنسية للإسمنت عن صفقة بقيمة 140 مليون يورو مع ولاية كارناتاكا الهندية بهدف مضاعفة الطاقة الإنتاجية هناك.
على صعيد متصل، وقعت شركة «ألستوم» الفرنسية العملاقة للسكك الحديدية على صفقة بقيمة 75 مليون يورو لإمداد 3 شركات هندية تعمل على تشغيل خدمات مترو الأنفاق في مومباي، وجايبور، وتشيناي. وبموجب بنود الاتفاقية، تقوم شركة «ألستوم» الفرنسية بتوريد الطاقة إلى شركة السكك الحديدية لمترو مومباي، وشركة السكك الحديدية لمترو جايبور، فضلا عن تزويد قطارات المترو لشركة السكك الحديدية لمترو تشيناي.
وقالت شركة «ألستوم» الفرنسية في بيانها بشأن الصفقة: «تؤكد هذه التعاقدات مرة أخرى على الوجود الكبير والمستمر لشركة (ألستوم) في الأسواق الهندية، سواء كان ذلك في المناطق الحضرية، أو في قطاع السكك الحديدية الوطني في البلاد».
وفي عام 2015، حازت شركة «ألستوم» الفرنسية تعاقدا بقيمة 3.5 مليار يورو لتوريد مشغل السكك الحديدية الهندية بعدد 800 قاطرة كهربائية فيما اعتبر وقتها أكبر مشروعات الشركة الفرنسية العملاقة خارج البلاد.
وشركة «ألستوم» الفرنسية، التي من المقرر الإعلان عن اندماج أعمال السكك الحديدية فيها مع مثيلتها في شركة «سيمنز» الصناعية الألمانية العملاقة بهدف إنشاء تكتل أوروبي عملاق لصناعة وتشغيل السكك الحديدية، كانت قد استكملت تصنيع أول قاطرة كهربائية بالكامل في منشأتها الصناعية في مدينة مادهيبورا، بولاية بيهار الشرقية الهندية.
وتملك شركة «ألستوم» الفرنسية 74 في المائة من أسهم المنشأة في حين تملك هيئة السكك الحديدية الهندية النسبة الباقية. وتعد القاطرة المذكورة الأولى من نوعها، وهي جزء من أمر عمل بقيمة 3.5 مليار يورو يتألف من صناعة 800 قاطرة كهربائية مزدوجة المقطع وفق التعاقد المبرم في عام 2015.
- استثمارات مشتركة في مجال الطاقة
علاوة على ما تقدم، وقعت 4 شركات فرنسية أخرى؛ هي: «إي دي إف إنترناشيونال نيتوركس»، و«سايتلوم»، و«جي تو إم»، و«سولستايس»، على اتفاقية للعمل المشترك بغية تطوير البنية التحتية لشحن الطاقة في الهند لدعم التنقل الكهربائي في البلاد. ومن شأن فرنسا وشركاتها استثمار ما قيمته 125 مليار دولار في قطاع الطاقة الهندي.
وفي ما يتعلق بقطاع الطاقة الجديدة والمتجددة، جددت شركة «بهارات لايت آند باور» الهندية مع شركة «إي دي إف إنترناشيونال نيتوركس» الفرنسية التعاقد المبرم بينهما والمتعلق باكتساب البيانات للاستفادة المثلى من إنتاج الطاقة الشمسية في البلاد، بالإضافة إلى التوقيع على اتفاقية للتعاون العام بين «اللجنة الفرنسية للطاقة الذرية والطاقة البديلة» وبين شركة «فيكرام سولار» الهندية بهدف زيادة الطاقة الإنتاجية للخلايا الشمسية فائقة الأداء، بالإضافة إلى كثير من الاتفاقيات الأخرى التي تتعلق بمشروعات الطاقة المتجددة في الهند.
وفي برنامج المدينة الذكية بالحكومة الهندية، الذي يهدف إلى تطوير مائة مدينة هندية ذكية، تعد فرنسا من أبرز وأكبر شركاء الهند مع الاستثمارات القائمة بالفعل في شانديغار، وناغبور، وبودوشيري بغية تحويلها إلى مدن ذكية.
كما يتعاون البلدان أيضا في صناعة الشحن مع الموانئ الفرنسية، ولا سيما ميناء مرسيليا الذي أبرم اتفاقية «الميناء الشقيق» مع مومباي. كما توجد الشركات الفرنسية أيضا في مشروعات بناء الطرق الكبيرة في الهند.
علاوة على ذلك، تم التوقيع على اتفاقية تحت عنوان: «اتفاقية الطريق الصناعية المتقدمة» بين «إي دي إف» الفرنسية وشركة «إن بي سي آي إل» الهندية بهدف إنشاء 6 مفاعلات نووية في جايتابور، وهي واحدة من كبرى محطات الطاقة النووية على مستوى العالم.
وتستمر المفاوضات بشأن بناء الجيل الجديد من المفاعلات النووية في الهند منذ سنوات. وليس من الواضح في الآونة الراهنة ما إذا كان الأمر يتعلق بتعاقدات ثابتة أم مجرد إعلان مبدئي للنوايا.
ولا تعد كل هذه الاستثمارات جزءا من الصفقات الدفاعية المبرمة بين الهند وفرنسا والمقدرة بمليارات الدولارات.



حرب الأكواد: غارة مادورو تضع «أنثروبيك» في مواجهة البنتاغون

شعار «أنثروبيك» (رويترز)
شعار «أنثروبيك» (رويترز)
TT

حرب الأكواد: غارة مادورو تضع «أنثروبيك» في مواجهة البنتاغون

شعار «أنثروبيك» (رويترز)
شعار «أنثروبيك» (رويترز)

لطالما قدمت شركة «أنثروبيك» (Anthropic) نفسها بوصفها الحارس الأمين لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والملجأ الآمن للباحثين الفارين من «تهور» المنافسين. ولكن في فبراير (شباط) 2026، يبدو أن هذا البرج العاجي بدأ يتصدع تحت وطأة ضغوط لم تكن في الحسبان.

فبين مطرقة المنافسة الشرسة مع «أوبن إيه آي» و«إكس إيه آي»، وسندان المواعيد النهائية الصارمة التي فرضتها وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، وجدت الشركة نفسها مضطرة للتراجع عن أقدس مبادئها: «السلامة أولاً». هذا التحول الدراماتيكي لا يمثل مجرد تغيير في سياسة شركة، بل يعلن بداية عصر جديد توضع فيه «القدرة التنافسية» فوق كل اعتبار أخلاقي.

عقل «كلود»

يمثل نموذج «كلود»، الذي طورته «أنثروبيك»، قفزة نوعية فيما يُعرف بـ«نماذج الاستدلال المتقدم»، وهو ما يفسر استماتة المؤسسة العسكرية لامتلاكه دون قيود. تقنياً، يمتلك «كلود» قدرة فريدة على تحليل «البيانات غير المنظمة» عبر نافذة سياقية هائلة تسمح له بمعالجة ملايين السجلات الاستخباراتية وصور الأقمار الاصطناعية في ثوانٍ معدودة للخروج بـ«صورة استخباراتية موحدة».

وفي ميادين القتال، يقوم «كلود» بدور المحلل التكتيكي؛ إذ يمكنه التنبؤ بتحركات العدو، واقتراح أفضل الخطط اللوجيستية لنقل القوات، واكتشاف الثغرات السيبرانية في شبكات العدو لحظياً. هذه القدرة على الانتقال من تحليل البيانات الضخمة إلى اتخاذ قرارات ميدانية حاسمة هي التي جعلته المحرك الأساسي في منصات عسكرية مثل «بالانتير»، حيث تحول من مجرد «أداة مساعدة» إلى «قائد رقمي» يدير العمليات المعقدة تحت النار.

إلا أن ميزة «كلود» الكبرى هي ذاتها «المعضلة» للجنرالات، وهي «الذكاء الاصطناعي الدستوري»؛ حيث يمتلك النموذج دستوراً أخلاقياً داخلياً يدفعه لرفض الأوامر التي قد تؤدي لانتهاكات إنسانية، وهو ما يراه البنتاغون «عائقاً برمجياً» غير مقبول في جندي رقمي يُفترض أن يكون ولاؤه مطلقاً.

شعار برنامج الذكاء الاصطناعي «كلود» التابع لشركة «أنثروبيك» (موقع الشركة)

جذور التحالف والتمرد

تأسست العلاقة بين «أنثروبيك» والبنتاغون على تناقض جوهري فالشركة تأسست بوصفها «مؤسسة للمنفعة العامة» تضع دستورها الرقمي الأخلاقي فوق رغبات الزبائن، بينما يرى البنتاغون في هذا النهج «غطرسة تقنية» تهدد الأمن القومي. وتكشف التقارير المسربة أن الاحتكاكات بدأت فعلياً عندما اكتشف الجنرالات أن مهندسي الشركة يمتلكون «مفاتيح تقنية» تتيح لهم مراقبة أنماط استخدام النموذج لحظياً، مما جعل تحركات الجيش السرية «شفافة» أمام مبرمجين مدنيين. هذا التوجس تحول إلى غضب عارم مع تكرار حالات «الرفض البرمجي»؛ حيث كان «كلود» يمتنع آلياً عن الإجابة على استفسارات تتعلق بتحديد أهداف بشرية أو تحليل بيانات استخباراتية لمراقبة مدنيين، عادّاً إياها مخالفة لمبادئ «الذكاء الاصطناعي الدستوري» التي بُني عليها.

وقد تجلى هذا «التمرد الرقمي» بوضوح في مطلع عام 2026، خلال تنفيذ قوات خاصة أميركية عملية ميدانية استهدفت تحركات الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. خلال تلك العملية، تم استخدام «كلود» عبر منصة «بالانتير» لمهام فائقة الحساسية، شملت فك تشفير اتصالات القوات المحيطة بمادورو في وقت قياسي واقتراح مسارات الهجوم والانسحاب بناءً على معطيات الأرض المتغيرة. إلا أن «تدخل» أنظمة السلامة في «أنثروبيك» للاعتراض على هذه الأنماط القتالية في «وقت التنفيذ» الفعلي، أثار جنون القادة العسكريين؛ إذ عدوا أن وجود شركة خاصة تملك حق «الفيتو» الأخلاقي على القرارات السيادية في قلب الميدان يمثل سابقة خطيرة تهدد حياة الجنود، وهو ما دفع الوزير «هيغسيث» لوضع الشركة أمام خيار الانصياع الكامل أو «التأميم» بقانون الإنتاج الدفاعي.

صورة نشرها حساب تابع للبيت الأبيض على «إكس» للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وهو رهن الاحتجاز (أ.ف.ب)

كواليس «الثلاثاء العاصف»

أفاد مصدر مطلع لـ«رويترز» بأن حدة الخلاف بلغت ذروتها في اجتماع عُقد يوم الثلاثاء بين الرئيس التنفيذي لـ«أنثروبيك»، داريو أمودي، ووزير الدفاع بيت هيغسيث. وضع الأخير الشركة أمام إنذار نهائي ينتهي مفعوله عند الساعة الخامسة من مساء الجمعة: إما رفع القيود كافة عن استخدام الجيش لنموذج «كلود»، وإما مواجهة إجراءات «سلبية» غير مسبوقة.

ولم يتوقف تهديد هيغسيث عند حدود العقود المالية، بل لوّح بتفعيل «قانون الإنتاج الدفاعي»، وهو الإجراء الذي يمنح الحكومة سلطة استثنائية لإجبار الشركات الخاصة على إعطاء الأولوية القصوى لمتطلبات الدفاع القومي. وفي حال تفعيل هذا القانون ضد «أنثروبيك»، فإنه سيؤدي عملياً إلى ما يشبه «تأميم» الكود البرمجي لنموذج «كلود»، وتحويله من أداة مدنية إلى محرك حرب خاضع بالكامل للمعايير العسكرية، بعيداً عن أي رقابة من مطوريه. كما هدد الوزير بتصنيف الشركة بأنها «خطر على سلسلة التوريد»، وهي «رصاصة رحمة» قانونية كفيلة بعزل «أنثروبيك» عن السوق، ومنع أي جهة حكومية أو خاصة من التعامل معها.

وزير الدفاع بيت هيغسيث يقف خارج البنتاغون (أ.ب)

التراجع الكبير

رغم التصريحات الرسمية التي تحاول الحفاظ على صورة «الحارس الأمين»، فإن الشواهد تؤكد أن «أنثروبيك» بدأت بالفعل رحلة التراجع التكتيكي عن مبادئها الجوهرية. فخلف الكواليس، قامت الشركة بمراجعة بروتوكول «مستويات السلامة»، حيث تخلت عن سياسة «التجميد التلقائي» لتطوير النماذج الخطيرة؛ فبعد أن كان القانون الداخلي يقضي بإيقاف أي نموذج يتجاوز حدود الأمان، أصبحت القاعدة الجديدة تبيح الاستمرار في التطوير إذا وصل المنافسون، مثل «أوبن إيه آي» أو «إكس إيه آي»، إلى المستوى ذاته، وذلك تحت ذريعة «الضرورة التنافسية»، ومنع الخصوم من الانفراد بالقمة التقنية.

هذا التحول لم يمر بسلام داخل أروقة الشركة، بل أدى إلى «نزف في المواهب» وصفه مراقبون بأنه «زلزال داخلي». استقالة باحثين بارزين، وفي مقدمتهم مرينانك شارما، لم تكن مجرد مغادرة وظيفية، بل كانت صرخة تحذير من أن الإدارة بدأت تُغلب «منطق البقاء المالي» وضغوط البنتاغون على «منطق الأمان الوجودي». ويرى المستقيلون أن قبول الشركة بتعريف مهام «كلود» في عملية مادورو، بـ«دعم للأمن القومي» بدلاً من «مشاركة قتالية»، هو مجرد التفات لغوي يمهد الطريق لرفع القيود كلياً.

الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريو أمودي يتحدث بقمة تأثير الذكاء الاصطناعي 2026 في بهارات الهندية (إ.ب.أ)

«كلود كود» وغزو المكاتب

وبينما تنشغل الإدارة بالسياسات، تواصل الأقسام التقنية طرح أدوات هزت الأسواق العالمية. أحدث هذه الأدوات هو «كلود كود سيكيوريتي» الذي يمتلك قدرة مذهلة على اكتشاف ثغرات «يوم الصفر» التي استعصت على الخبراء لعقود. وقد تسبب هذا الإعلان في هبوط حاد لأسهم شركات الأمن السيبراني والبرمجيات؛ حيث انخفض سهم «رويترز» بنسبة 16 في المائة، وسهم «ليغال زوم» بنسبة 20 في المائة. والمفارقة هنا تكمن في أن الذكاء الاصطناعي أصبح «المرض والعلاج» في آن واحد؛ فهو يكتشف الثغرات، ولكنه أيضاً يولد أكواداً برمجية أكثر عُرضة للأخطاء الأمنية بمرتين مقارنة بالبشر.

تقف «أنثروبيك» اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فبحلول الموعد النهائي يوم الجمعة، ستحدد الشركة هويتها للعقد المقبل. هل تظل تلك المنظمة التي تقودها المبادئ، أم تتحول إلى «متعهد دفاعي» تقوده ضغوط البنتاغون وحسابات الأرباح؟ إن التراجع عن التزامات السلامة يبعث برسالة واضحة: في سباق الذكاء الاصطناعي المحموم لعام 2026، لم يعد هناك متسع للمثالية، والبقاء هو للأسرع، حتى لو كان ذلك على حساب أمان البشرية.


عوائد سندات منطقة اليورو تحوم قرب أدنى مستوياتها منذ أشهر

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
TT

عوائد سندات منطقة اليورو تحوم قرب أدنى مستوياتها منذ أشهر

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

ارتفع عائد السندات الحكومية الألمانية لأجل 10 سنوات بشكل طفيف يوم الأربعاء، لكنه بقي قريباً من أدنى مستوياته منذ نوفمبر (تشرين الثاني)، في ظل استمرار الطلب على أصول الملاذ الآمن مدفوعاً بحالة عدم اليقين بشأن الرسوم الجمركية الأميركية، وتصاعد المخاوف الجيوسياسية، وتقلبات أسواق الأسهم.

وصعد العائد على السندات الألمانية لأجل 10 سنوات، وهو المعيار المرجعي لمنطقة اليورو، بأقل من نقطة أساس واحدة إلى 2.716 في المائة. وكان قد سجل 2.697 في المائة يوم الثلاثاء، وهو أدنى مستوى له منذ 28 نوفمبر، وفق «رويترز».

وقال رينيه ألبريشت، المحلل لدى «بنك دي زد»: «يسعى المستثمرون، ولو جزئياً، إلى الاحتماء بأصول آمنة. وقد أصبحوا أكثر حذراً؛ خصوصاً في ضوء التطورات الأخيرة المتعلقة بالرسوم الجمركية في الولايات المتحدة».

وبدأت الولايات المتحدة يوم الثلاثاء فرض رسوم جمركية مؤقتة بنسبة 10 في المائة على الواردات، في حين أشار مسؤول في البيت الأبيض إلى أن الإدارة تعمل على رفعها إلى 15 في المائة، وفق ما أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب نهاية الأسبوع الماضي، بعد أن أبطلت المحكمة العليا الرسوم الواسعة التي فُرضت العام الماضي.

وتزامن فرض الرسوم الجديدة مع خطاب ترمب عن حالة الاتحاد أمام الكونغرس؛ حيث عرض مبرراته لشن هجوم محتمل على إيران، مؤكداً أنه لن يسمح لطهران بامتلاك سلاح نووي.

من جانبه، قال راينر غونترمان، استراتيجي أسعار الفائدة في «كومرتس بنك»، في مذكرة: «من المرجح أن تظل السندات الألمانية مدعومة على المدى القريب، في ظل استمرار التهديدات الأميركية تجاه إيران قبيل محادثات الغد، إذ تتخوف الأسواق من ضربة عسكرية وشيكة».

تأثير الرسوم الجمركية

لا يزال أثر الرسوم الجمركية الأميركية الجديدة على السياسة النقدية غير محسوم، غير أن رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد صرّحت، يوم الاثنين، بأن التضخم والسياسة النقدية يسيران في الاتجاه الصحيح، ما يشير إلى عدم وجود تغييرات قيد الدراسة في الأجل القريب.

وأظهرت بيانات صدرت الأربعاء أن معدل نمو أسعار المستهلكين في منطقة اليورو بلغ 1.7 في المائة في يناير (كانون الثاني)، وهو أدنى مستوى منذ سبتمبر (أيلول) 2024، متأثراً بانخفاض أسعار الطاقة.

في المقابل، ارتفع عائد السندات الألمانية لأجل عامين، الأكثر تأثراً بتوقعات أسعار الفائدة، بنحو 0.5 نقطة أساس إلى 2.057 في المائة. وتشير العقود الآجلة إلى احتمال يقارب 25 في المائة لخفض البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة بحلول نهاية العام.

أمّا عائد السندات الإيطالية لأجل 10 سنوات، فاستقر عند 3.323 في المائة دون تغير يُذكر، مما قلّص الفارق بينه وبين نظيره الألماني لأجل 10 سنوات إلى 57.5 نقطة أساس.


ضغوط الذكاء الاصطناعي تهزّ أسهم التكنولوجيا الأميركية مطلع 2026

مجسّمات مع أجهزة كمبيوتر وجوالات أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
مجسّمات مع أجهزة كمبيوتر وجوالات أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

ضغوط الذكاء الاصطناعي تهزّ أسهم التكنولوجيا الأميركية مطلع 2026

مجسّمات مع أجهزة كمبيوتر وجوالات أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
مجسّمات مع أجهزة كمبيوتر وجوالات أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

تراجعت أسهم شركات التكنولوجيا الأميركية مع بداية عام 2026 تحت وطأة مخاوف كبيرة بشأن تداعيات الذكاء الاصطناعي، في وقت تحوّل فيه جزء من السيولة الاستثمارية نحو قطاعات كانت متأخرة خلال موجة الصعود السابقة. ومع اقتراب إعلان نتائج «إنفيديا» بعد إغلاق السوق يوم الأربعاء، يواجه القطاع اختباراً حاسماً قد يحدد اتجاهه في المرحلة المقبلة، كما قد يؤثر في المسار العام للسوق.

ويُنظر إلى تقرير «إنفيديا» الفصلي بوصفه محطة مفصلية لأسهم التكنولوجيا، في ظل تساؤلات متنامية حول ما إذا كانت موجة البيع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد بلغت حدّ المبالغة، ومتى يمكن أن تبدأ الأسهم المتراجعة في استعادة زخمها. وتُعد الشركة، الأكبر عالمياً من حيث القيمة السوقية، مؤشراً قيادياً لاتجاهات الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، ما يمنح نتائجها وتوقعاتها وزناً كبيراً يتجاوز حدودها إلى القطاع بأكمله، وفق «رويترز».

ويرى كين بولكاري، الشريك وكبير استراتيجيي السوق في شركة «سلاتستون ويلث» في جوبيتر بولاية فلوريدا، أن الذكاء الاصطناعي سيواصل إحداث تحولات جوهرية في الاقتصاد العالمي، لكنه يستبعد أن يكون مصدر تهديد. ويضيف أن كل ثورة صناعية تمر بمرحلة قلق واضطراب، غير أن تجاوزها يفتح الباب أمام فرص جديدة.

وسجل قطاع التكنولوجيا ضمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» تراجعاً بنسبة 3.5 في المائة منذ بداية العام، في أسوأ انطلاقة سنوية له منذ عام 2022، عندما تعرضت الأسواق لضغوط واسعة مع بدء مجلس الاحتياطي الفيدرالي دورة رفع أسعار الفائدة.

وداخل القطاع، بدا الأداء متفاوتاً. فقد تكبدت شركات البرمجيات خسائر حادة بفعل مخاوف من أن تؤدي أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة إلى تقويض نماذج أعمالها التقليدية. وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» لقطاع البرمجيات والخدمات بنحو 23 في المائة منذ مطلع العام، مسجلاً أسوأ بداية له على الإطلاق.

ومن بين أبرز المتراجعين، هبط سهم شركة «إنتويت»، التي تعلن نتائجها الخميس، بنحو 46 في المائة هذا العام، فيما فقد سهم شركة «سيلزفورس»، التي تعلن نتائجها الأربعاء، نحو 30 في المائة. ومع ذلك، ظهرت إشارات تحسن محدودة، إذ تعافت أسهم القطاع بشكل طفيف بعد إعلان «أنثروبيك» عن تطوير أدوات جديدة بالتعاون مع شركات شريكة، ما خفف من حدة القلق بشأن بعض المخاطر.

في المقابل، أظهرت قطاعات أخرى داخل التكنولوجيا أداءً أفضل، إذ ارتفع قطاعا أشباه الموصلات والمعدات بنحو 7 في المائة، والأجهزة بأكثر من 4 في المائة منذ بداية العام، ما يعكس تبايناً واضحاً في مسار مكونات القطاع. وبلغ الأداء النسبي لأسهم أشباه الموصلات مقارنة بأسهم البرمجيات مستويات غير مسبوقة، في دلالة على إعادة تموضع المستثمرين داخل القطاع نفسه.

وتتصدر «إنفيديا» مجموعة «ماغنيفيسنت سفن» من الشركات العملاقة، التي تضم أيضاً «ألفابت» و«أبل» و«تسلا»، والتي قادت معظم موجة الصعود التي انطلقت في (تشرين الأول) 2022 بدعم من نمو أرباح قوي ومزايا تنافسية واضحة. ويؤكد تشاك كارلسون، الرئيس التنفيذي لشركة «هورايزون» لخدمات الاستثمار في إنديانا، أن أرباح «إنفيديا» تمثل حجر الزاوية لهذه المجموعة، نظراً لثقلها وتأثيرها المعنوي والسعري.

غير أن أداء «ماغنيفيسنت سفن» جاء باهتاً هذا العام. فقد كانت «إنفيديا» الأفضل أداءً بارتفاع يتجاوز 3 في المائة، بينما تراجع سهم «أمازون» بنحو 10 في المائة، وانخفض سهم «مايكروسوفت» قرابة 20 في المائة، ليصبح أكبر عامل ضغط سلبي على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» منذ بداية العام، وفق بيانات مؤشرات «ستاندرد آند بورز داو جونز».

وتعرضت «مايكروسوفت» لضغوط إضافية بفعل مخاوف من أن استثماراتها الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد لا تحقق العوائد المرجوة بالسرعة المتوقعة. وواجهت شركات أخرى مثل «أمازون» و«ألفابت» و«ميتا بلاتفورمز» مخاوف مماثلة بشأن جدوى الإنفاق الرأسمالي المرتفع.

وجاء تراجع قطاع التكنولوجيا متزامناً مع تحول ملحوظ في توجهات المستثمرين نحو قطاعات أخرى كانت متأخرة خلال طفرة السوق السابقة. فمنذ بلوغ التكنولوجيا ذروتها في أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تراجع القطاع بنحو 10 في المائة، في حين صعد قطاعا المواد والطاقة بأكثر من 20 في المائة، وارتفع قطاعا الصناعات والسلع الاستهلاكية الأساسية بأكثر من 10 في المائة.

وبفضل مكاسب هذه القطاعات، حافظ مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» على قدر من الاستقرار منذ أواخر أكتوبر، رغم ضعف أداء التكنولوجيا. ومع ذلك، يظل القطاع ركيزة أساسية للمؤشر، إذ يشكل نحو 33 في المائة من وزنه الإجمالي، مقارنة بنسبة 12.4 في المائة للقطاع المالي، ثاني أكبر القطاعات.

وعليه، فإنه حتى مع تألق قطاعات أخرى، سيصعب على المؤشر تحقيق مكاسب قوية ومستدامة من دون عودة واضحة لزخم أسهم التكنولوجيا، ما يجعل نتائج «إنفيديا» محطة مفصلية لمسار السوق في المرحلة المقبلة.