الرئيس الفرنسي في زيارة دولة للهند

طموحات في القطاعات الدفاعية ومساعٍ لتعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

صورة أرشيفية في محطة لتوليد الطاقة النظيفة في الهند ويحضر الرئيس الفرنسي مع رئيس وزراء الهند قمة حول الطاقة الشمسية ومحاربة التغيير المناخي (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية في محطة لتوليد الطاقة النظيفة في الهند ويحضر الرئيس الفرنسي مع رئيس وزراء الهند قمة حول الطاقة الشمسية ومحاربة التغيير المناخي (أ.ف.ب)
TT

الرئيس الفرنسي في زيارة دولة للهند

صورة أرشيفية في محطة لتوليد الطاقة النظيفة في الهند ويحضر الرئيس الفرنسي مع رئيس وزراء الهند قمة حول الطاقة الشمسية ومحاربة التغيير المناخي (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية في محطة لتوليد الطاقة النظيفة في الهند ويحضر الرئيس الفرنسي مع رئيس وزراء الهند قمة حول الطاقة الشمسية ومحاربة التغيير المناخي (أ.ف.ب)

الهند في مارس (آذار)، ثم الولايات المتحدة الأميركية في أبريل (نيسان)، وبعدها يأتي دور روسيا في مايو (أيار): ثلاث زيارات دولة رئيسية لإيمانويل ماكرون، الذي، بعد أن أرسى قاعدته في فرنسا وأوروبا، ها هو يطمح للعب دور رئيسي على المسرح العالمي. وكانت البداية من الصين التي زارها في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي.
وبإتمام الزيارات الثلاث المشار إليها، يكون ماكرون قد جال على عواصم القرار في العالم وخصوصاً على مراكز الثقل في عالم الغد. وابتداءً من مساء هذا اليوم وحتى الثاني عشر من الشهر الحالي، سيكون الرئيس الفرنسي ضيف شبه القارة الهندية وبلد الـ1.25 مليار نسمة (الثاني في العالم بعد الصين)، والذي تريد فرنسا أن تعزز معه «العلاقة الاستراتيجية» التي أبرمت بين الطرفين قبل عشرين عاماً، وبالتالي ستكون الزيارة مناسبة للاحتفال بهذه الذكرى ومن «أجل إطلاقها في فضاءات جديدة»، وفق ما أفادت به مصادر قصر الإليزيه، في معرض تقديمها للزيارة.
وتذكر هذه المصادر، أن رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي كان من أوائل كبار الضيوف الذين استقبلهم ماكرون عقب انتخابه في ربيع العام الماضي، وأحد الذين يعول عليهم حقيقة لاستمرار العمل باتفاقية المناخ التي وقّعت في باريس نهاية عام 2015، خصوصاً بعد أن قرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب الانسحاب منها.
أمس، وزع قصر الإليزيه ملفاً عن الزيارة يبين أن باريس راغبة وساعية لتعزيز «العلاقة الاستراتيجية» في ثلاثة محاور متكاملة. أولها المحور الدفاعي والأمني، وفيه توصيف للهند بأنها «الشريك الاستراتيجي الأول» لفرنسا في المنطقة. والمرجح أن تكون الإشارة إلى الشريك «الأول» محاولة من باريس لعدم إثارة حساسية باكستان، والصين التي يشوب علاقاتها مع الهند الكثير من التوتر. وكان لافتاً أن ملف الإليزيه يؤكد أن باريس داعمة «لاستقلال وأمن الهند»، وأن محادثات ماكرون مع المسؤولين الهنود «ستتركز بالدرجة الأولى على الوصول إلى رؤية مشتركة لمسألة الأمن في المحيط الهندي وعلى التعاون في مجال الاستخبارات والحرب على الإرهاب، فضلاً عن التعاون في المجال الدفاعي والطاقة النووية المدنية والمجال الفضائي».
ويدور المحور الاستراتيجي الثاني على الشراكة من أجل كوكب الأرض (أي التغيرات المناخية). وترى باريس في الهند «شريكاً رئيسياً» في الحد من التغيرات المناخية، وللمحافظة على اتفاق باريس، وعلى مكتسبات «قمة الكوكب الواحد» التي نظمها ماكرون العام الماضي، وحضرها رئيس الوزراء الهندي. ومن الإنجازات المشتركة إطلاق «التحالف الشمسي العالمي» للترويج للطاقة الشمسية، وهو أحد مقررات اتفاقية باريس للمناخ للعام 2015. وبمناسبة الزيارة سيتم إطلاق التحالف المذكور في قمة تستضيفها الهند، ويتشارك في رئاستها ماكرون ومودي. كما أن المسؤولين سيشتركان في تدشين المحطة الشمسية التي بنتها الشركة الفرنسية «أنجي» في مدينة ميرزابور بقوة 100 ميغاواط، والتي ترى فيها باريس «ترجمة» لما يمكن أن يحققه التعاون بين البلدين في هذا المجال. أما المحور الثالث للشراكة، فيدور حول «التعاون الإنساني» من أجل الشباب والتجديد والإبداع. وعملياً، يريد الطرفان الدفع باتجاه جديدة من التعاون العلمي والثقافي والجامعي. وترغب باريس في فتح أبواب جامعاتها أمام الطلاب والباحثين الهنود، فضلاً عن المستثمرين والسياح. وتطمح فرنسا أن تتوصل في السنوات المقبلة إلى استقبال 100 مليون سائح خارجي (مقابل 66 مليون في الوقت الحاضر).
وسيقوم ماكرون وزوجته بزيارة أغرا وتاج محال ومدينة بيناريس، التي تعد المواقع الأثرية والثقافية الأشهر في الهند.
تعكس هذه الأولويات مقاربة فرنسية للهند ترى في هذا البلد ــ القارة فرصاً استثمارية وتجارية واسعة. وسيسعى الرئيس الفرنسي، إلى جانب أولوية الطاقة المتجددة وما توفره من فرص استثمارية وشراكات صناعية إلى تعزيز موقع فرنسا في المشتريات الدفاعية الهندية، علماً بأن الهند تعد أول زبون لشركات السلاح في العالم. ويعكس تشكيل الوفد الذي يرافق ماكرون هذه الرؤية؛ إذ يصطحب وزراء الخارجية والدفاع والتعليم العالي والبحث العلمي ووزير الدولة لشؤون البيئة والطاقة والمبعوثة الخاصة، سيغولين رويال، لإطلاق التحالف الشمسي الدولي وعددا من البرلمانيين ورجال الأعمال.
في معرض تقديمها للزيارة، أشارت مصادر الإليزيه إلى أن مجموعة من العقود والاتفاقيات ستبرم خلالها. لكن المعروف أن الصناعات الدفاعية الفرنسية مهتمة كثيراً بالسوق الهندية، خصوصاً بعد أن نجحت مجموعة «داسو» للصناعات الجوية بعد منافسة شرسة مع شركات أوروبية وأميركية وروسية في الفوز بعقد بيع الهند 36 طائرة من طراز «رافال». وتأمل الشركة المذكورة أن تعمد نيودلهي إلى توقيع صفقة إضافية. كذلك، فإن الهند مهتمة بالتكنولوجيا النووية الفرنسية. ويندرج ذلك كله في سياق الرؤية الهندية لمستقبل العلاقات مع أووربا وفرنسا تحديداً.
وليس سراً أن مشاغل الهند الاستراتيجية لها عنوانان: الأول اسمه الصين والآخر باكستان. وبحسب الجانب الهندي، فإن المسؤولين في نيودلهي يرغبون في «تعزيز التعاون في قطاعات الدفاع والأمن والفضاء والطاقة»، إضافة إلى التغيرات المناخية والعلوم والشباب. وبخصوص النقطة الأخيرة، فإن برنامج ماكرون الذي يصطحب معه زوجته بريجيت ينص على لقاء مع نحو 200 شاب وشابة هندية من مختلف ولايات هذا البلد. وهذا الأمر ليس بجديد؛ إذ درج على لقاء الشباب في زياراته الرسمية إلى الخارج.
ثمة توافق على اعتبار أن العلاقات الفرنسية ــ الهندية «جيدة». لكن نقطة الضعف فيها هي أن القطاع الدفاعي هو المهيمن عليها. وتريد باريس تنويع علاقاتها وتوفير دفعة قوية للمبادلات المدنية، وفي القطاعات التي تتوافر فيها قيمة مضافة ذات معنى. وإلى جانب المقاتلات من طراز «رافال»، تسعى شركة «إيرباص» للصناعات الحربية إلى تسويق طوافاتها من طراز «بانتير». كذلك، تريد باريس الترويج للغواصات التي تصنعها من طراز «سكوربين». وفي مجال الطاقة النووية للاستخدام السلمي (الهند دولة نووية)، سيحاول المسؤولون الفرنسيون إقناع المفاوضين الهنود بشراء مفاعلات نووية من الجيل الجديد والمسماة (EPR). وسبق لوزير الخارجية جان إيف لودريان، الذي شغل في السابق منصب وزير الدافع لخمس سنوات في عهد الرئيس فرنسوا هولاند، وبالتالي فإنه يعرف جيداً الملف الدفاعي مع الهند، وكان قد زار نيودلهي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وأكد أن موضوع المفاعلات النووية «في الطريق الصحيحة». وفي المجال المدني، تراهن الشركات الفرنسية على حاجة الهند إلى الخبرات الفرنسية في مجال محاربة التلوث وخفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، علماً بأن الهند من كبريات البلدان الملوثة بعد الصين.
يبقى أن مستوى المبادلات التجارية بين البلدين ما زال ضعيفاً، حيث إنها لا تزيد على 11 مليار دولار، وأن الهند هي الزبون الـ18 لفرنسا. وبفضل الصادرات الدفاعية العام الماضي حققت الصادرات الفرنسية قفزة مهمة نسبتها 30 في المائة. وتعد الشركات الفرنسية ثامن طرف مستثمر في الهند، حيث تتواجد نحو 120 شركة فرنسية. ويصطحب ماكرون معه عدداً مهماً من رؤساء ومديري كبار الشركات الفرنسية المهتمة بالسوق الهندية.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.