نائب رئيس الوزراء المصري: الانتخابات الرئاسية أولا

زياد بهاء الدين خلال حديثه مع {الشرق الأوسط} (تصوير: جيمس حنا)
زياد بهاء الدين خلال حديثه مع {الشرق الأوسط} (تصوير: جيمس حنا)
TT

نائب رئيس الوزراء المصري: الانتخابات الرئاسية أولا

زياد بهاء الدين خلال حديثه مع {الشرق الأوسط} (تصوير: جيمس حنا)
زياد بهاء الدين خلال حديثه مع {الشرق الأوسط} (تصوير: جيمس حنا)

في 25 يونيو (حزيران) الماضي، كتب الدكتور زياد بهاء الدين، وكان في موقع المعارضة، ومصر في حالة غليان، مقالا في جريدة «الشروق» المصرية ضد رئاسة محمد مرسي وحكم «الإخوان»، أشار فيه إلى الحالة قائلا: «كما تحتشد الجيوش ليلة المعركة في مواجهة بعضها، نقترب من 30 يونيو والأطراف كلها في حالة استنفار لخوض ما تعتقد أنه الجولة الحاسمة، وملايين المعارضين لن يقبلوا بأقل من عزل الرئيس والدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة».
حسمت الجولة وعزل الرئيس، وانضم الدكتور زياد بهاء الدين إلى الحكومة كنائب لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية والتعاون الدولي، وهي الحكومة التي تبحر بمصر في مياه صعبة في مرحلة انتقالية مفصلية، وما زالت التحديات التي تواجهها السفينة كثيرة للوصول إلى بر الأمان، وهو في هذه المرحلة إكمال «خريطة الطريق» التي تشمل الاستفتاء على الدستور وإقراره للمضي في الانتخابات البرلمانية والرئاسية.
زياد بهاء الدين، اقتصادي وقانوني حاصل على الدكتوراه في القانون من جامعة لندن، وشغل مناصب اقتصادية سابقا؛ منها رئيس الهيئة العامة للاستثمار، والهيئة العامة للرقابة المالية، كما أنه عضو الهيئة العليا لـ«الحزب المصري الديمقراطي»، كان في زيارة إلى لندن ضمن جولة أوروبية شملت الاتحاد الأوروبي في بروكسل، وقت الإعلان عن الاتفاق على مشروع الدستور الجديد الذي قدم إلى الرئيس المصري المؤقت، وذلك كأول إنجاز في خريطة الطريق الموضوعة.
في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» على هامش زيارته، يرى الدكتور بهاء الدين أن هناك تغيرا في المواقف الخارجية الغربية بشكل محسوس عما كان عليه الوضع في الفترة الأولى بعد عزل الرئيس السابق مرسي في أعقاب خروج ملايين إلى الشوارع في 30 يونيو، كما أنه أصبح يفضل التبكير بالانتخابات الرئاسية قبل البرلمانية رغم أنه كان متمسكا في السابق بالمسار الأولي الذي كانت حددته خريطة الطريق. وإلى نص الحوار.
* من خلال جولتك الحالية، هل لمست تغيرا في المواقف؟
- لا شك في أن هناك تغيرا، فقبل لندن كنت في بروكسل، وقبلها بثلاثة أسابيع كنت في واشنطن لزيارة البنك الدولي. هناك تغير، ولا أقول إنه جذري، لكن المهم أنه حقيقي وتدريجي، وكل هذه الدول من دون استثناء راغبة في التعاون مع مصر، وبدأت تعيد النشاط في برامج كانت تجري سابقا، وإن كان ذلك يجري من منظور حذر، يتقدم كلما تقدمنا في تنفيذ خريطة الطريق. لكن من دون شك، هناك فرق كبير بين الوضع الحالي، وما كان عليه قبل ثلاثة أو أربعة أشهر.
* بمناسبة الكلام عن خريطة الطريق، الملاحظ أن مشروع الدستور فيه تفاصيل كثيرة، قد لا تتضمنها الدساتير عادة. وفي نفس الوقت، تركت أشياء لم تحسم؛ مثل أيهما يسبق الآخر: الانتخابات الرئاسية أم البرلمانية، على الرئاسة حسمها؟
- الدستور فيه تفاصيل كثيرة نعم، وهذا أسلوب من أساليب الدساتير في العالم. أنا شخصيا لا أفضله، لكن هذه الطريقة الحكمة فيها أنك عندما تريد أن تضع حقا أو ضمانات معينة لا تتركها للقوانين لكي تخالفه فيما بعد، أي الغرض ألا تعطي فرصة للهروب من الموضوع، وهذا نوع من الحماية الإضافية. أما الشق الثاني من السؤال، فالملحوظة صحيحة، فهناك ثلاثة أو أربعة أشياء رئيسة تركت لتقدير رئيس الجمهورية، وطبعا رئيس الجمهورية سينفذها بمقتضي التفويض الذي أخذه في الدستور نفسه، إذ لا يزال الدستور هو الأساس في الموضوع. وكنت أفضل أن تحسم في الجمعية التأسيسية، لكنها في النهاية وضعت المبادئ العامة وتركت التفاصيل للرئيس.
* أنت وزير سياسي قادم من حزب معين؛ أيهما أفضل في الحالة المصرية: الانتخابات الرئاسية أولا أم البرلمانية؟
- لا بد أن أوضح أنني لا أمثل الحزب حتى نكون واضحين. فقد جرى اختيار الوزراء في هذه الحكومة كلهم على أساس شخصي، والذي كان في حزب جمد عضويته، لأننا كنا في وضع معين وقتها. بالنسبة إلى الانتخابات الرئاسية أولا أم البرلمانية؟ أنا كنت متمسك بخريطة الطريق، ليس لمجرد أنها جيدة، لكن لأنها كانت نوعا من محاولة تجنب الاختلاف خلال مرحلة، كان من الضروري أن نتمسك كلنا فيها بشيء واحد مثل الذين يستقلون سفينة ويقولون: لن نخرج منها حتى لا تغرق بنا، أما وقد ترك الأمر الآن لشيء آخر، فأتصور أن التبكير بالانتخابات الرئاسية قد يكون جيدا، لأنها ستجرى بشكل أسرع بحكم طبيعة إجراءاتها، ولأن مجال التنافس بين الأحزاب على البرلمان يأخذ فترة زمنية أكبر.
* بالنسبة لرؤيتك للانتخابات البرلمانية المقبلة؛ أيهما أفضل في الحالة المصرية: نظام القائمة أم النظام الفردي؟
- بحكم تجربتي السابقة عندما كنت عضوا في مجلس الشعب وانتخبت عن طريق قائمة، أجد أن القوائم ضرورية ولو بقدر معين، لأنها هي التي تعطي فرصة للتنوع والاتجاهات المختلفة في البرلمان، كما أنها تجبر الأحزاب على أن تعمل عملا جماهيريا بين الناس، وتطور نفسها.
أما فكرة أن انتخابات القائمة سيئة، لأن الأحزاب غير مستعدة، هي مثل قصة أيهما أسبق: البيضة أم الدجاجة. فالأحزاب حتى تنمو يجب أن تدخل منافسات انتخابية وهذا يأتي عن طريق نظام القوائم. لكن الواضح أيضا أن هناك حاجة لوجود أرضية مشتركة.
لذلك، أعتقد - رغم انحيازي إلى نظام القائمة الانتخابية - أن الاتجاه إلى خليط من الاثنين قد يسير المركب بشكل معقول. أفضل فقط ألا تقل حصة القائمة إلى الحد الذي يجعلها غير قابلة للتعبير عن انتخابات حقيقية مثلما عندما يكون مجال القائمة كبيرا جدا يتخلى المرشحون عن الاتصال بالجماهير لأنهم لا يستطيعون المرور على كل الدوائر.
* ماذا عن المزاج المصري هل هو أميل إلى النظام الفردي أم القوائم. البعض يقول إن الناس في الحالة المصرية تعرف الفردي أكثر من نظام القائمة؟
- أرى أن تقدم الحياة السياسية ونمو الأحزاب يتطلبان الاعتماد على نظام القوائم ولو بشكل غير كامل.
* في ضوء التجربة السابقة، «الإخوان» وتيار الإسلام السياسي استطاعوا من خلال نظام القوائم حصد أغلبية المقاعد، بينما التيارات الأخرى التي يطلق عليها المدنية لم تكن منظمة أو قادرة على المنافسة، هل تغير الوضع وأصبحت مستعدة لخوض غمار الانتخابات؟
- الانتخابات الماضية كانت مختلفة عن الانتخابات التي ستجري لاحقا. أولا، كان هناك جزء من المجتمع غير مشارك فيها، وكان هناك غياب لضوابط كثيرة - أرجو أن تتوافر هذه المرة - أبسط ما فيها أنه لا يوجد بلد في العالم تجرى فيه انتخابات نزيهة وحرة في غياب ضوابط للتمويل. وقد رأينا حجم تأثير الأموال التي بلا حساب في بعض الدوائر. فأي بلد لا بد أن يكون فيه قانون لتمويل الانتخابات يضع حدا أقصى ويشترط ألا يأتي من جهة واحدة. فعندما أنتخب مرشحا يجب أن أعرف من أين جاء بالتمويل. وهذا لم يكن موجودا في الانتخابات الماضية.
لم تكن هناك أيضا أي ضوابط لقضية استخدام دور العبادة في الانتخابات، وهذه مسألة غير مقبولة في مجتمع ديمقراطي حديث. وما أريد قوله هو أنه حتى تكون الانتخابات سليمة ونزيهة، فإن هناك الكثير من الإجراءات المكملة التي يجب أن ترافقها، فالمسألة ليست مجرد أن يقف الناس أمام صندوق الاقتراع.
كل هذا كان مؤثرا على تجربة الانتخابات الماضية. وأعتقد أن النتائج هذه المرة ستكون مختلفة، خصوصا لو وضعت الضوابط الخاصة بالتمويل واستخدام دور العبادة، وضوابط استخدام المواد الدعائية هذه أيضا مسألة مهمة.
* بالنسبة لمسألة مستقبل «الإخوان»، البعض يرى أن هناك حالة استقطاب شديدة أو انقساما في الشارع المصري، وآخرون يرون أن نسبة تأييد «الإخوان» منخفضة وأنه لا يوجد هذا الانقسام. كيف ترى وزن «الإخوان» ودورهم مستقبلا؟
- لا شك في أن الرأي العام انقلب على «الإخوان» بشكل كبير، فأولا وجود «الإخوان» في البرلمان ستة أشهر ثم في الحكم لمدة سنة أظهر للناس أن الكثير مما وعدوا به لم يحدث، إضافة إلى أن قضية الاستيلاء على الدولة ومؤسساتها كانت مسألة مستثيرة الناس للغاية، أيضا موضوع التنظيم الدولي وتأثيره عليهم - كلها أشياء كانت مؤثرة في غضبة الناس عليه. فأنا ليس عندي شك في أن شعبية «الإخوان» انخفضت، لكن هنا نحتاج أن نفرق بين «الإخوان» وتيار الإسلام السياسي الذي لديه أحزاب أخرى، وهي ما دامت ملتزمة القواعد الموضوعة لا بد أن يكون لها مكان في الانتخابات المقبلة. ومن المؤكد أنه لا يزال هناك جزء من الرأي العام لديه ميل إلى انتخاب تيار الإسلام السياسي، ولكن ليس بالضرورة «الإخوان».
* ماذا تقصد بتيار الإسلام السياسي؛ السلفيين مثلا؟
- أشياء كثيرة؛ هناك السلفيون، حزب مصر القوية الذي يرأسه الدكتور أبو الفتوح، هناك أكثر من تيار سلفي حزب النور، «الوطن»... هناك تنوع كبير، ونحتاج أن نضع الضوابط بالشكل الذي لا يكون فيه الخلط بين «الإخوان» وبقية تيار الإسلام السياسي؛ فهذه مسألة غير دقيقة.
* أنتم حكومة مؤقتة ومشاكل مصر الاقتصادية كثيرة، وخلال فترة «الإخوان» قيل إن البلاد كانت على وشك أن تصل إلى مرحلة الإفلاس، ماذا أمكنكم إنجازه خلال الفترة الماضية لضبط الاقتصاد المصري إلى حد ما، وماذا يمكن أن يعمل مستقبلا؟
- أهم شيء عملته هذه الحكومة أنها وضعت برنامجا اقتصاديا وأعلنته يوم 12 سبتمبر (أيلول) الماضي. هذا البرنامج منقسم إلى أشياء عاجلة، أهم ما فيها بعض المزايا والإعفاءات التي استطعنا أن نوفرها للناس مثل الرسوم المدرسية أو رسوم الإقامة في مدن جامعية. كذلك بعض التخفيضات في السلع الأساسية وفي أسعار بطاقات حافلات النقل، وإقرار الحد الأدنى للأجور، ثم الحد الأقصى للأجور منذ نحو أسبوعين. كل هذه أشياء عاجلة نفذت، إضافة إلى إقرار حزمة استثمار إضافي في البنية التحتية في مشروعات تشغل الناس أولا وتخدمهم ثانيا، وهذه حزمة من 28 مليار جنيه أضيف إليها جزء من الإمارات أيضا في إطار استثمارات البنية التحتية.
فلسفتنا، أن التحفيز مطلوب، لكن الأهم منه هو الانحياز الاجتماعي في اختيار المشروعات. ممكن أقول إننا وضعنا مليار جنيه في مشروع وهذا في حد ذاته يحفز ويخلق طلبا ويشغل الناس، لكن هناك أيضا مسألة الفائدة من هذا المشروع مثل: هل ننفق هذا المليار على رصف طريق إلى الساحل الشمالي لقرية سياحية يذهب إليها الناس شهرا في السنة، أم سننجز بهذا المبلغ عشرات الطرق الفرعية في الصعيد بقرى ليس لها طرق من الأساس. إذن، فإن اختيار المشروعات عامل مهم في الانحياز الاجتماعي.
* هل هناك موارد لهذه المشروعات؟
- نعم، هناك موارد في الميزانية نفسها، لأننا استطعنا أن نحقق بعض الوفرة في الميزانية نفسها، هناك موارد جاءت من الخارج، وقد تعمدنا ألا تذهب كل المنح القادمة من الخارج، مثل مساعدات الإمارات، إلى الاستهلاك. فجزء كبير منها، نصفها أو أكثر من نصفها، ذهب لاستكمال مشروعات البنية التحتية؛ أي بدلا من استهلاكها يجري استثمارها.
* لديك خبرة طويلة في الشؤون الاقتصادية، والخلل في بنية الاقتصاد المصري يحتاج إلى قرارات غير شعبية مثل معالجة قضية الدعم المتضخم الذي يأكل موارد الميزانية ويفوق الإنفاق على التعليم والصحة، ودائما ما كان هناك خوف عند الحكومات المصرية في مواجهة الناس بهذه الحقائق. كيف يمكن حل هذه العقدة في رأيك؟
- نعم، يمكن حلها، ولا أقول بشكل بسيط، لأنه لو كان بسيطا لكان العالم كله عمل الشيء نفسه. ليس هناك سوى حل واحد في الحالة المصرية، هو الخروج بإطار أن هذه القرارات لمصلحة الناس؛ أي يجب أن يقتنع الناس، وهذا شرط. فلا تستطيع أن تجري تغييرا في نظام الدعم إلا إذا اقتنع الناس بأن النظام الحالي فاسد أولا، وظالم ثانيا. ففكرة أن الدعم جيد للفقراء قصة لا بد من إقناع الناس بأنها غير صحيحة. فالذي يجعل الحكومة لا تستطيع إصلاح مستشفى أو شق طريق أو بناء مدرسة جديدة هو أن الموارد كلها تذهب في شيء يستفيد منه الأغنياء كما يستفيد منه الفقراء. ما أريد أن أقوله هو أننا يجب أن نصل إلى مرحلة يقتنع فيها الناس بضرورة إصلاح نظام الدعم وتوجيهه إلى من يستحق وما يسمى استهلاك الفقراء بشكل صحيح. إذا استطعنا أن نقنع الرأي العام بأن أمواله تستغل استغلالا خاطئا فإنه هو الذي سيطالب بتغيير نظام الدعم.
* الانطباع الشعبي في مصر عن الاستثمار ورجال الأعمال ليس إيجابيا، رغم أهميتهم لأي اقتصاد؟
- الاقتصاد المصري لا يزال يعتمد على الاستثمار الخاص أكثر من العام. هذه السنة استثنائية، لأنه مع انخفاض الاستثمار الخاص، كان من الضروري أن تتدخل الحكومة بضخ أموال إضافية لتحفيز الاقتصاد، لكننا لا نزال بلدا يعتمد على الاستثمار الخاص. هذه الصورة التي تحدثت عنها راجعة إلى أنه في غياب الضوابط الكافية يكون الاعتقاد - ربما - أن الاستثمار يأخذ مزايا تتجاوز ما يفترض أن يأخذه، لكن لو وضعت ضوابط صحيحة، وجرى تشغيل العمالة في ظروف سليمة، ودفعت الأجور بشكل سليم، ودفعت ضرائب إلى الدولة، ولا تكون هناك إساءة إلى مناخ التنافس، هنا لا توجد إشكالية، لكن عندما تكون الضوابط غير جيدة أو غير منضبطة، فإن ذلك هو الذي يعطي فرصة للفساد، فيصبح رد الفعل ضد الاستثمار كله. لذا، يجب أن ندافع عن الاستثمار ونشجعه، لكن يجب أيضا أن تكون هناك ضوابط سليمة.
* ماذا عن وضع رصيد الاحتياطي الأجنبي الذي تدهور في السنوات الماضية؟
- ارتفع قليلا في الأشهر الماضية، وأعتقد أننا كلما تقدمنا في المسار السياسي ارتفع، لأنه يأتي من السياحة، من الاستثمار الأجنبي المباشر، من زيادة الفوائض عند الشركات المصرية والبنوك، هذا كله مرتبط طبعا بالوضع السياسي.



مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
TT

مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)

ما إنْ نشرت وسائل إعلام مصرية مقترحاً تقدمت به النائبة بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، أميرة صابر، بهدف تأسيس «بنك وطني للأنسجة البشرية»، وللمطالبة بتفعيل منظومة التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، حتى عجت مواقع التواصل الاجتماعي بردود أفعال عديدة، أغلبها أخذ منحى «السخرية» من المقترح قبل أن تلقى النائبة دعماً من أوساط طبية وثقافية وسياسية، أكدت على أهمية ما ذهبت إليه.

وأعاد المقترح تباينات دائماً ما تبقى حاضرة عند الحديث عن «التبرع بالأعضاء» بعد الوفاة، رغم صدور تشريع مصري ينظم «تنظيم زرع الأعضاء البشرية» منذ ما يقرب من 16 عاماً، لكنه يبقى معطلاً، حسب ما جاء في مقترح النائبة، الذي أشار في مذكرته التوضيحية إلى أن التطبيق الفعلي «يواجه معوقات إدارية وثقافية».

وقالت النائبة وفق المقترح، الذي تقدمت به مساء الجمعة، إن الحروق «تمثل أزمة صحية عامة خطيرة في مصر، ونحو نصف المرضى في وحدات الحروق بالمستشفيات الجامعية هم أطفال، كما أن الأطفال دون سن الخامسة هم الأكثر تضرراً، ومعدلات الوفيات في وحدات الحروق أعلى بكثير مقارنة بالدول المتقدمة، مع معاناة نسبة كبيرة من الناجين من إعاقات دائمة، وخطر الوفاة بسبب نقص الجلد المتاح».

وشددت النائبة على «أهمية تسهيل إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، ونشر شروطها وطريقتها، وإنشاء سجل إلكتروني وطني للمتبرعين، يمكن التسجيل فيه عبر بوابة إلكترونية أو تطبيق على الهواتف الذكية، بالتنسيق مع المستشفيات ووحدات الرعاية المركزة، إضافة إلى التعاون مع المؤسسات الدينية لإطلاق حملات توعية، تؤكد مشروعية التبرع بالأنسجة بعد الوفاة».

غير أن الجدل الذي صاحب مقترحها جاء بسبب تأكيدها على أن «إنشاء بنك للأنسجة يوفر على الدولة ملايين الجنيهات سنوياً من تكاليف الاستيراد»، واستشهدت بتجربة «مستشفى أهل مصر» (أهلية متخصصة في علاج الحروق)، الذي استقبل أول شحنة من الجلد الطبيعي المحفوظ من متبرعين متوفين في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأكدت أميرة صابر لـ«الشرق الأوسط»، أن بعض وسائل الإعلام «أظهرت صياغةً لا تتماشى مع الهدف الرئيسي من المقترح»، موضحةً أن هدفها «ليس توفير ملايين الجنيهات على الدولة فحسب، بل أن يكون هناك (بنك وطني للأنسجة البشرية) التي يحتاجها الأطفال بالأساس، لأن هؤلاء يشكلون حالات إنسانية عاجلة، ومن الصعب أن يقف أي شخص سوي أمام هذا المقترح، الذي لا يتعارض مع الدين، مع حسم المسألة من جانب المؤسسات الدينية ومع وجود تشريع منظم».

وأضافت صابر موضحة: «واجهت حملة سلبية للغاية بعد نشر المقترح، لكن سرعان ما انعكست إيجاباً بدعم شخصيات عامة، وسياسيين وأطباء، وأضحت هناك حملة دعم واسعة، ومن المهم أن يتم توعية المواطنين بالمقترح، بعيداً عن مصطلحات أخرجت المقترح عن سياقه».

وجاءت تعليقات بعض المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي منتقدة لهذا المقترح، كون النائبة تركت العديد من المشكلات الأخرى الاجتماعية، وتطرقت إلى «التبرع بالجلد»، فيما شكك آخرون في عدم جواز التبرع بالأعضاء شرعاً.

ودخل العديد من الأطباء على خط الجدل، إذ أكدت رئيس مجلس أمناء «مؤسسة ومستشفى أهل مصر»، هبة السويدي، في تصريحات إعلامية، أن التبرع بالجلود «لا يختلف عن التبرع بأي عضو آخر، والجلد هو أكبر عضو في الجسم، وهذا الإجراء معمول به عالمياً، لكنه جديد وصادم في الشارع المصري».

وكشفت السويدي «عن إجراء عمليات جراحية معقدة لإنقاذ أطفال مصابين بحروق خطيرة، بعد استيراد جلد طبيعي من الخارج»، مشيرةً إلى أن قانون التبرع بالأعضاء لم يُفعَّل بشكل كامل، وأن التبرع الحالي يقتصر على أقارب الدرجة الأولى.

مقر مجلس النواب المصري بالعاصمة الجديدة (مجلس النواب)

وتضمن مقترح إحدى عضوات «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» تعريفاً لـ«الجلد المتبرع به»، باعتباره «تدخلاً طبياً منقذاً للحياة، خصوصاً للأطفال الذين تتجاوز نسبة الحروق لديهم 40 في المائة من مساحة الجسد، وهي فئة تعاني من ارتفاع معدلات الوفيات والإعاقات الدائمة في ظل غياب التغطية الجلدية المناسبة».

وأوضح بعض من أيد مقترح النائبة أنهم سيقومون بالتبرع بـ«أعضاء الجلد» بعد الوفاة، بينهم أميرة صابر التي قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها ستتبرع بأعضائها بعد وفاتها، لكنها لم تسجل وصيتها بشكل رسمي، موضحة أنها بانتظار تحركات الجهات التنفيذية عقب المقترح الذي تقدمت به.

من جهتها، قالت عضو لجنة الصحة بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، إيرين سعيد، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تقدمه به نائبة الشيوخ «ليس جديداً، لكن الأزمة أن هناك تشريعاً قديماً ليس مفعلاً، مع عدم شيوع ثقافة التبرع بالأعضاء عقب الوفاة بين المصريين، وهناك فجوة كبيرة بين المعتقدات الدينية والثقافية وبين التشريع، ما يتطلب توعية بأهمية التبرع دون أن يدخل في مجالات (تجارة الأعضاء)، وهي ذات سمعة سيئة بين المصريين».

وأوضحت إيرين أن الجدل الذي صاحب المقترح يرجع لأن التعامل معه إعلامياً «لم يكن بالقدر المطلوب، ولم يراعِ الأبعاد الإنسانية، واقتصر الأمر على جزء سطحي، ارتبط بالحفاظ على موارد الحكومة، رغم أن وزارة الصحة تنفق موازنات ضخمة على استيراد الجلود».


ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
TT

ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)

أجرى المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، السبت، زيارة لحاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب.

وقال ويتكوف، عبر منصة «إكس»: «التقيتُ اليوم مع الأدميرال براد كوبر وجاريد كوشنر، مع البحارة ومشاة البحرية الشجعان على متن حاملة الطائرات( يو إس إس أبراهام لينكولن)، والمجموعة القتالية التابعة لها، والجناح الجوي التاسع، الذين يحموننا، ويحافظون على رسالة الرئيس ترمب للسلام من خلال القوة».

وأضاف: «شاهدنا عمليات إقلاع الطائرات، وتحدثنا مع الطيار الذي أسقط طائرة إيرانية مسيرة من دون طيار اقتربت من الحاملة».

وتابع: «أشعر بالفخر للوقوف مع الرجال والنساء الذين يدافعون عن مصالحنا، ويردعون خصومنا، ويظهرون للعالم كيف تبدو جاهزية الولايات المتحدة وعزيمتها، في حالة استعداد دائم».

كانت شبكة «سي إن إن» أفادت، في وقت سابق من اليوم (السبت)، بأن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر قاما بزيارة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» بعد محادثات أميركية غير مباشرة مع إيران بوساطة من سلطنة عمان عقدت في مسقط أمس.

المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف يصافح أحد الضباط الأميركيين على متن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» وخلفه جاريد كوشنر (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

ونقلت الشبكة عن مصادر القول إن الزيارة جاءت بدعوة من قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، وإن الغرض من الزيارة، وفقاً لما قاله مسؤول أميركي رفيع المستوى، هو «التعبير عن الامتنان للقوات الأميركية الموجودة في المنطقة».

وجاءت الزيارة بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، بأن المحادثات مع إيران كانت «جيدة جداً».

ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وخلفهما طائرة «إف 35» على سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

وتسارعت وتيرة الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية بعد إعلان ترمب أنه يضع من ضمن خياراته توجيه ضربة إلى إيران، رغم أن الرئيس لم يُشر إلى أنه اتخذ قراراً محدداً بعد.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، ووصفها عراقجي بأنها «بداية جيدة» مقرونة بتفاهم على مواصلة المسار، لكن بشروط تتصل بمشاورات العواصم.


الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
TT

الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

دعا رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية (LAU) الدكتور شوقي عبد الله الأكاديميين في الجامعات اللبنانية ليكونوا جزءاً من المجتمع، وأن يتفاعلوا معه، إذ لا يمكنهم أن يعيشوا في برج عاجي بمعزل عن هموم محيطهم، ومشكلاته الكثيرة، لا سيما لجهة وضع حد لهجرة الأدمغة، والطاقات، والإفادة منها لبنانياً. وقال عبد الله في حديث لـ«الشرق الأوسط» في بيروت عرض فيه رؤيته لحاضر التعليم الجامعي في لبنان، ومستقبله، إن الجامعة «تصمم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

وعبد الله -وهو رجل فكر، وعلوم، وأبحاث- يجمع ما بين الحداثة الأميركية وأصوله اللبنانية التي يعتز بها. ويعمل منذ توليه رئاسة الجامعة اللبنانية-الأميركية في لبنان رسمياً في أكتوبر (تشرين الأول) العام 2024 على رفع مستوى مواكبة التطورات العلمية المتلاحقة، خصوصاً لجهة قطاع الذكاء الاصطناعي الأبرز عالمياً. وقال عبد الله إن خطة الجامعة تتضمن العمل على وضع تصاميم لإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي ينسق الأنشطة التربوية، والمقررات التعليمية، لتجنب أن تعمل كل مؤسسة تربوية بمعزل عن الأخرى، وذلك ضمن أحدث خطط مواكبة التطور الرقمي في التعليم، إلى جانب جهود تبذل وتندرج ضمن الإطار الوطني، وتتمثل في إبقاء المواهب داخل لبنان، للإفادة من طاقاتها، ووضع حدّ لـ«هجرة الأدمغة» بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية، والمعيشية، والأمنية التي ضربت البلاد.

الفصل الثاني من مسار الجامعة

استناداً إلى الدكتور عبد الله، الذي يتمتع بشبكة علاقات دولية ما يضيف الكثير على رصيد الجامعة اللبنانية-الأميركية التي احتفلت العام الفائت بمرور المئوية الأولى على تأسيسها، فإن «الفصل الثاني من مسار الجامعة اللبنانية-الأميركية بدأ»، وينصب اهتمام الجامعة التي تأسست العام 1924 في بيروت، ومع بدء المائة الثانية من مسيرتها، على الدفع بخطة طموحة لمواكبة التطورات الرقمية، مع الأخذ في الاعتبار أن «الجامعات في لبنان، ومن بينهاLAU ، تشكّل خط الدفاع الأكثر صلابة عن معنى لبنان الحضاري، واستطراداً الثقافي–الاجتماعي التعددي، والذي يقدم نموذجاً اقتصادياً مميزاً لطالما قدم إجابات، وحلولاً غير عادية لمشكلات لبنان القديمة»، حسبما يقول. ويضيف: «الجامعات اللبنانية، ومن خلال موقعها الأكاديمي، تمثل رابطاً حقيقياً للتفاعل بين الثقافتين الغربية والشرقية، وتقدم عبره نموذجاً للعمل الإبداعي بما يخدم الدور المطلوب منها». ويضيف: «ضمن هذا المبدأ، يمكن الكلام عن الموقف المشرف للجامعة اللبنانية-الأميركية خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي ضربت لبنان، ولا يزال الشعب اللبناني يعاني من تردداتها، حيث بادرت إلى سحب الأموال من (وقفيتها) الخاصة لضمان قدرة الطلاب على الدفع، وتأمين استمرارية الدروس لهم». وبرأي الدكتور عبد الله ،فإن ما تحقق على هذا الصعيد لجهة مساعدة الطلاب «يجب أن يدخل في صلب توجهات كل الجامعات العاملة في لبنان».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

مصنع العقول

أفادت دراسة «تعزيز فرص توظيف الخريجين في لبنان» أجريت حديثاً للوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) بأن 67 في المائة من خريجي الجامعات في لبنان يسعون إلى مغادرة البلاد، لكن 18 في المائة منهم فقط يريدون فعلاً المغادرة، فيما الباقون يرون أنفسهم مضطرين إلى الهجرة، لأنه لا خيار أمامهم سوى الرحيل، لتأمين مستقبلهم، وإيجاد فرص العمل التي تتناسب مع مؤهلاتهم، وتعليمهم الجامعي. ويقول عبد الله: «ثمة حاجة متزايدة، وخصوصاً في بلد مثل لبنان، إلى حل مشكلات مثل الكهرباء، وتحفيز البلديات على معالجة مياه الصرف الصحي، والنفايات، ناهيك عن المشكلات الكثيرة في قطاعات مختلفة»، وانطلاقاً مما تقدم، يشدد رئيس الجامعة على أن «أهم ما في التعليم الجامعي ليس المواد الأكاديمية التي تدرس، بل توصل الطالب إلى القناعة بأن التعليم عملية مستمرة، وأن البحث التطبيقي يشكل أحد أعمدة التعليم العالي الجامعي، واستطراداً، لا بد من انخراط الأكاديميين في التواصل مع الواقع من خلال البحث الأكاديمي الرصين، والتدريب المتواصل للطلاب قبل خروجهم إلى سوق العمل، والإنتاج». ويتابع عبد الله: «من الأفضل ألا يدار التعليم بدافع الفوز بالأرباح، والتركيز على جني المال، بل بروحية إنسانية تحمل رؤى للحاضر، والمستقبل، وتواكب العصر».

هجرة الأدمغة

يمتلك رئيس (LAU) سجلاً حافلاً على مستويات عدة، وخبرة في بناء أحد أكبر مراكز الأبحاث، وريادة الأعمال، وأكثرها ابتكاراً في جامعة معهد جورجيا للتكنولوجيا الأميركي من موقعه بوصفه نائب رئيس تنفيذي للأبحاث فيها. كما تولى عبد الله رئاسة جامعة نيومكسيكو الأميركية، وقاد جهوداً كبيرة ساهمت في رفع نسبة الطلاب، وزيادة معدلات التخرج بنسبة 125 في المائة، فضلاً عن أنه خبير رائد في نظرية التحكم وهندسة النظم، وله ثمانية كتب، وأكثر من 400 مقالة.

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

انطلاقاً من هذه التجربة، يشدد عبد الله على أهمية أن تبذل الجامعة -وكل الجامعات- جهداً أكبر في اتجاه إبقاء المواهب التي تخرجها داخل لبنان. وبرأيه، فإن لبنان أضحى أخيراً وكأنه مصنع لإنتاج الأدمغة، والكفاءات التي تتلقى التعليم النوعي، والعالي، وسرعان ما تغادر أرضها الأم بحجج مختلفة، أبرزها: استمرار الأزمات اللبنانية دون حل، وانحسار مشروع الدولة المؤسساتية، وتالياً تراجع الاستثمارات، ما يؤدي إلى البحث عن فرص للعمل خارج لبنان بما يتناسب مع حجم هذه المواهب الشابة، وإمكاناتها الواعدة. ويقول عبد الله: «نستورد كل شيء آخر، لكننا نصدّر أشخاصاً يريدون تحقيق إنجازات كبيرة في أماكن أخرى. وليس الأمر أننا نريد إبقاء الجميع هنا، فالسوق والمجتمع لا يمكنهما استيعاب كل هذه المواهب، ولكن علينا العمل لتغيير هذا الواقع، وبناء مستقبل أفضل للبنان، لوقف نزيف الأدمغة إلى الخارج».

فرص ريادة الأعمال

أكاديمياً، يؤكد رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية الحاجة الملحة إلى مركز تُجرى فيه دراسات حول أثر التعليم العالي على مستويات عدة: وطنية، اجتماعية، اقتصادية، تربوية، وغيرها، ويوضح: «نحن نفكّر في كيفية القيام بذلك. وإن سألتني كيف سأُقيّم إجمالي الأثر الاقتصادي لـLAU الآن، فلن أستطيع حتى التخمين». وقال بالأرقام: «ميزانيتنا اليوم في حدود 308ملايين دولار بما يشمل المستشفيات، وهذا هو الأثر الاقتصادي الفوري على محيطنا، وبيئتنا، لكن الأمور أبعد من ذلك بكثير، وحضور الجامعة يترك آثاره الشاملة على المستوى الوطني والإنساني بما يفوق التصور».

ويشرح عبد الله أن «الجامعة اللبنانية-الأميركية» تعمل على «رفع منسوب تفاعلها وطنياً مع المجتمع من خلال مؤسسات عدة تعمل تحت لوائها، مثل المعهد العربي للمرأة (AiW) ، ومع القطاع الاقتصادي، والشركات من خلال المجمع الصناعي (Industrial Hub)، ومع القطاع الخاص، والمجتمع المدني، وشرائح المجتمع المختلفة، مثل البلديات، والجمعيات من خلال أكاديمية التعليم المستمر (ACE). كما تسعى لزيادة النشاط الريادي، والتفاعل مع عالم الأعمال، ومع الشركات من خلال «مركز مخزومي للإبداع»، فضلاً عن أن الجامعة تستضيف 15 شركة وأكثر سنوياً لدمج ريادة الأعمال مع التعليم. ويشدد الدكتور عبد الله على أن «أصولنا بحسب الأرقام في الجامعة ليست المال ولا الأبنية، ولا أي شيء مادي بل هي الطلاب، لا الرئيس، ولا أعضاء الهيئة التعليمية. هناك رئيس واحد و440 عضو هيئة تدريس، وهناك 9 آلاف طالب. وعليهم نعوِّل، وهذا ما يفترض أن يفعله كل مركز ابتكار، أو قطب الابتكار».

يشار إلى أن الأرقام الصادرة في لبنان مؤخراً أفادت بأن هناك نحو 200 ألف طالب جامعي: 80 ألفاً منهم في الجامعة اللبنانية، و12 ألفاً في جامعة القديس يوسف، و9 آلاف في الجامعة اللبنانية-الأميركية، و8 آلاف في الجامعة الأميركية في بيروت، إضافة إلى جامعات أخرى.

الذكاء الاصطناعي

برأي الدكتور شوقي عبد الله، فإنه لا يجب عزل الذكاء الاصطناعي عما يحوطه من علوم، وتطورات متلاحقة. ويقول: «أعلم أن زملائي في الجامعة الأميركية في بيروت AUB ينشؤون كلية تركّز على الرقمية، وما إلى ذلك، لكنني أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون حاضراً في كل الاختصاصات، وأينما نحتاجه. ومع ذلك، بما أن الجميع يتجه إلى اعتماده، والتعامل معه، فلا يمكنك أن تدع كل طرف يعمل بمعزل عن الآخر». وأشار عبد الله إلى أهمية إنشاء حاضنة، أو مجمع للذكاء الاصطناعي (Hub)، وأنه استخدم هذا النموذج في جامعة جورجيا تك الأميركية. وأضاف: «ما أقصده أنه لن تكون هناك كلية للذكاء الاصطناعي، ولا بنية منفصلة، إنما سيكون هناك مركز للذكاء الاصطناعي لتنسيق كل هذه الأنشطة، وبالتالي سيشكّل الركيزة التي سيعتمد عليها كثير من الأعمال، داخلياً، وخارجياً». وكشف عن تقديم مقررات، والعمل على تصميمات على هذا الأساس، مؤكداً أنهم في الجامعة يستخدمون الذكاء الاصطناعي، ونقيّم أشخاصاً باستخدام بعض أدواته.

برامج دعم اجتماعي

لا يغيب الجانب الاجتماعي عن هذه الجامعة التي لطالما وقفت إلى جانب الطلاب، ولا سيما خلال الأزمة الاقتصادية، وفي فترات الحرب، وغيرهما، وقدمت برامج دعم واسعة للطلاب، سواء بقدراتها الذاتية من وقفية الجامعة، ومالها الخاص (كما سلف القول)، أو من المؤسسات العالمية، مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID التي علمت الكثير من الطلاب، وأتاحت لهم الفرصة للدخول إلى الجامعات رفيعة المستوى، مثل الجامعة اللبنانية-الأميركية. وشرح رئيس الجامعة هذا الأمر: «كان حجم هذا الدعم الأميركي يقارب الـ20 مليون دولار، وشكل ثاني أكبر مصادر التمويل لدينا، ما ترك آثاراً إيجابية هائلة لجهة النهوض بتعليم الطلاب المحتاجين»، وأضاف: «بعد توقف قسم من برنامج المساعدة الأميركية (USAID)، تحمّلنا مسؤولية طلابنا، وتكفلنا بهم، لكن انحسار مصدر التمويل هذا سيجعلنا أكثر حرصاً فيما نقوم به لجهة معايير المساعدة، وحجمها، ومدى توسعها». وأوضح عبد الله أن الدعم الأميركي للجامعات لم يتوقف تماماً، بل هناك أوجه عدة، مثل: «مبادرة الشراكة الأميركية الشرق الأوسطية MEPI» التي لا تزال مستمرة، وتوفر تمويلاً لمجموعة محددة من الطلاب. كما نعمل في المرحلة الحالية على استقطاب دعم من جهات مانحة في لبنان، والدول العربية، والأوروبية.

أما عن كيفية تأمين الموارد المالية لاستمرارية الجامعة، فأوضح عبد الله أن الأقساط الجامعية تشكل اليوم أكثر من 90 في المائة من إيرادات الجامعة اللبنانية-الأميركية. لكنه استدرك أن هذا الأمر غير قابل للاستدامة، لأن الجامعة تعيد توزيع أكثر من 50 في المائة على شكل مساعدات مالية. وقال: «لا نستطيع الاستمرار في عدم رفع الأقساط وسط إصرارنا على الحفاظ على الجودة، والدعم المالي، وما إلى ذلك، ولكننا نفكر، أو نسعى وراء طرق أخرى». وأضاف: «لدينا اليوم حرم في نيويورك نأمل أن يدرّ إيرادات، ولدينا برنامج ناجح للدراسة عبر الإنترنت يجب توسعته، لكننا نتطلع قدماً إلى خيارات بديلة تتجاوز الأقساط، ومنها: حملات جمع الأموال، والعمل الخيري، إضافة إلى زيادة أموال الوقف لدى الجامعة». ولكن رغم كل التحديات المالية يؤكد الدكتور عبد الله أن الجامعة ماضية في رسالتها الإنسانية، ومهمتها الأكاديمية، وقال: «إنه لا يمكن لأي جامعة أن تستغني عن نموذج المنح الدراسية، إذ لا بد دائماً من تقديم مساعدات مالية قائمة على الحاجة، وعلى الجدارة الأكاديمية».

يشار إلى أن الجامعة اللبنانية-الأميركية نجحت في تحويل مركزها الأكاديمي في مدينة نيويورك الأميركية إلى حرم جامعي متكامل الشروط والأوصاف، استناداً إلى موافقة مجلس أمناء ولاية نيويورك.