أموال موشيري فشلت في انتشال إيفرتون من الهاوية

المبالغ الباهظة التي أنفقها المالك الإيراني أسفرت عن نتائج مخيبة لآمال جماهير النادي

بيكفورد إحدى الصفقات القليلة الناجحة («الشرق الأوسط»)
بيكفورد إحدى الصفقات القليلة الناجحة («الشرق الأوسط»)
TT

أموال موشيري فشلت في انتشال إيفرتون من الهاوية

بيكفورد إحدى الصفقات القليلة الناجحة («الشرق الأوسط»)
بيكفورد إحدى الصفقات القليلة الناجحة («الشرق الأوسط»)

من غير المحتمل أن يكون الملياردير الإيراني فارهاد موشيري مالك نادي إيفرتون قد وجد سبباً يدعوه للاحتفال بمرور عامين على تحوله إلى المساهم الأكبر في نادي إيفرتون، الثلاثاء.
كان موشيري البالغ 62 عاماً قد استثمر ما يقرب من ربع مليار جنيه إسترليني في إيفرتون، منذ أن وضع نهاية لرحلة البحث الطويلة التي خاضها رئيس النادي بيل كينرايت عن منقذ مالي. وبالنظر إلى نتائج الأموال التي استثمرها في النادي، التي تمثلت في تحقيق تقدم بطيء في بناء استاد جديد، وسيطرة مشاعر سخط عميقة على الجماهير ووجود أسوأ فريق لإيفرتون على امتداد هذا القرن، يبدو أن عائدات أمواله جاءت ضعيفة للغاية.
من جانبه، كان كينرايت، رئيس «إيفرتون»، قد أشار إلى «المعرفة بكرة القدم والمقدرة المالية وروح الإخلاص الحقيقية» باعتبارها الأسباب الرئيسة وراء قبول الملياردير البريطاني - الإيراني الانضمام للنادي في 27 فبراير (شباط) 2016. وقد سدد موشيري ما يقرب من 87.5 مليون جنيه إسترليني مقابل شراء 49.9 في المائة من أسهم النادي، التي من المتوقع أن ترتفع بمرور الوقت. كما أقرض موشيري إيفرتون 150 مليون جنيه إسترليني دون تحديد موعد ثابت للسداد.
وقد مكَّن هذا القرض إيفرتون من الإنفاق ببذخ على اللاعبين، والتخلص من ديون بقيمة 28.4 مليون جنيه إسترليني، وتقليص قيمة الفوائد السنوية، وتمويل عمليات تطوير ملعب «فنش فارم» للتدريب والاستاد القديم الخاص بالنادي، بينما يُعدّ للاستاد الجديد من خلال الـ9.1 مليون جنيه إسترليني التي أنفقت على تأمين الموقع وأعمال التخطيط الأولية في براملي مور.
بالنسبة للمقدرة المالية للمساهم الأكبر في إيفرتون، فإنها لم تكن قط محل شك - ولا الحماس والطموح الذي أضفاه على النادي منذ بيعه أسهم آرسنال إلى شريكه التجاري أليشير عثمانوف. ومع هذا، فإن معرفته الكروية، أو على الأقل النصيحة التي جرى توجيهها إلى موشيري في إطار دوره الرائد الأول داخل نادي مشارك في الدوري الممتاز، لم تثبت بعد على أرض الواقع.
في ظل وجود موشيري، نجح إيفرتون أخيراً في الحصول على الوفرة المالية التي لطالما ظلت بعيدة عن متناول النادي على امتداد حقبة الدوري الممتاز، وجرى النظر إلى هذه الأموال باعتبارها عنصراً محورياً لإنهاء حالة القحط التي أصابت النادي على امتداد 23 عاماً، وحرمته من الفوز بأي بطولة. ومع هذا، فإنه في الواقع شكَّلَت هذه الوفرة المالية بداية حقبة جديدة من قرارات رديئة على صعيدي الإنفاق وصفقات ضم لاعبين جدد على مستويات متنوعة.
وبدلاً عن اتباع نهج توتنهام هوتسبير وتحدي أندية النخبة القائمة التي لطالما نجحت في التأهل لبطولة دوري أبطال أوروبا، انزلق إيفرتون نحو الاتجاه المعاكس.
وتبدو الفجوة بين الفريق والجماهير صارخة، وأبرز ملامحها صيحات الاستهجان التي استقبلت بها الجماهير مشاركة لاعب خط الوسط الفرنسي مورغان شنيدرلين أمام كريستال بالاس منذ وقت قريب. وقد تعرَّض اللاعب لانتقادات واسعة من جماهير إيفرتون، بسبب افتقاره الواضح إلى الالتزام إزاء النادي والحماس، لكن هذا اللاعب لا يمثل الصفقة الوحيدة التي تكبد فيها النادي مبلغاً باهظاً مقابل ضم لاعب أداؤه دون المستوى.
جدير بالذكر أنه منذ انضمام موشيري إلى إيفرتون، أنفق ما يقرب من 277 مليون جنيه إسترليني على 18 لاعباً. وجاء إيفرتون في المرتبة الخامسة بين أكبر الأندية إنفاقاً على مستوى القارة الأوروبية الصيف الماضي، ذلك أن إجمالي إنفاقاته بلغ 149.1 مليون جنيه إسترليني. وتبعاً لـ«مرصد سايز لكرة القدم»، فإن إيفرتون يأتي في المرتبة السادسة بين أكبر الأندية من حيث الإنفاق على امتداد موسمي الانتقالات السابقين. وتفسر النتائج الكارثية الضغوط الكبيرة التي يتعرض لها ستيف والش، الذي عينه موشيري في منصب المدير الأول لشؤون كرة القدم داخل إيفرتون.
من بين اللاعبين الـ18 الذين ضمهم النادي إلى صفوف الفريق، يبرز السنغالي إدريسا غانا غاي باعتباره الصفقة الناجحة - بجانب اعتباره مثالاً نادراً على تكرار والش لجهوده المتألقة بمجال الكشف عن المواهب الكروية أثناء وجوده في ليستر سيتي - بعدما أدى انضمامه إلى إيفرتون إلى تفعيل بند الانتقال الوارد في عقده مع أستون فيلا، الذي ينص على سداد 7.1 مليون جنيه إسترليني للنادي. علاوة على ذلك، فإن الـ30 مليون جنيه إسترليني، التي جرى إنفاقها على جوردان بيكفورد لتجعل منه حارس المرمى البريطاني الأغلى تبدو استثماراً حقيقياً، رغم أنه من الطبيعي أنه لا يزال يمر بعملية تشكل وتطور بالنظر إلى أنه في الـ23 من عمره، في الوقت الذي أسهم واين روني بـ11 هدفاً وقدم ثيو والكوت بداية مشجعة لحقبة ما بعد آرسنال في مسيرته الكروية. وتبدو هذه الأمثلة الوحيدة الناجحة من بين اللاعبين الجدد البالغ عددهم 18، ومن الصعب العثور على أي أمثلة أخرى.
من ناحية أخرى، فإن إيفرتون يتمتع بمواهب دولية بمختلف صفوفه، وبفضل الأكاديمية المتميزة التي يملكها، فإن ثمة مجموعة من اللاعبين الشباب بإمكانهم الاستفادة من التجارب العصيبة التي حملها هذا الموسم وإمداد الفريق بالهوية التي يفتقر إليها. إلا أنه فيما يخص استغلال هذه المواهب، وتحقيق عائدات مقبولة على الاستثمارات المالية الموجهة للاعبين الجدد وتطوير أسلوب اللعب والشخصية المميزة للفريق، جاء الأداء العام مروعاً. كان هذا الموسم قد بدأ بأول موجة إنفاقات في تاريخ إيفرتون التي صممت للدفع بالفريق إلى أتون المنافسات الأوروبية على المدى الطويل.
من ناحية أخرى، لم يقم موشيري سوى بعدد من التغييرات المتواضعة على المستوى التنفيذي، وذلك بتعيينه ساشا ريازانتسيف وكيث هاريس بمجلس الإدارة، بجانب طرده مدربين فشلا في تحقيق النجاح للفريق، وهما روبرتو مارتينيز ورونالد كومان، الأمر الذي ترتب عليه تكلفة كبيرة بالنسبة للنادي. ويعتبر قرار الاستغناء عن المدرب الهولندي كومان دون توافر بديل واحداً من أسوأ القرارات التي أضرت بالفريق.
ونجح تعيين سام ألاردايس، رغم المعارضة داخل مجلس إدارة النادي وصفوف الجماهير، في معاونة الفريق على النجاة من شبح الهبوط في وقت حيوي كان يسعى إيفرتون للحصول على تمويل لبناء استاد جديد. وبعد انتصارين فقط خلال 11 مباراة، كانت مشاعر السخط حيال ألاردايس وأسلوب اللعب الذي ينتهجه قد بلغت ذروتها. وترك حديثه عن تحسين أداء إيفرتون في المباريات التي يخوضها خارج أرضه ثم تلقيه الهزيمة الخامسة على التوالي على يد واتفورد، السبت الماضي، ورغبته في أن يكون الرجل الذي يبني الفريق الذي يلعب مستقبلاً على أرض براملي مور في غضون أربع سنوات، ترك الكثير من الجماهير في حالة صدمة وذهول.
ورغم عشق ألاردايس للإحصاءات الإيجابية، فإن الهزيمة التي مُنِي بها الفريق أمام واتفورد تركت متوسط إنجازه عند مستوى 1.37 نقطة خلال 16 مباراة تولى خلالها مهمة تدريب الفريق.
أما المتوسط في عهد كومان فبلغ 1.48 نقطة للمباراة، و1.56 نقطة بالنسبة لمارتينيز، وإن كان الاثنان الآخران أتيح أمامهما متسع أكبر من الوقت لبناء فريق يعكس فكرهما. وعلى خلفية ذلك، اعترف مدرب إيفرتون أنه «من المهم للغاية» أن تكون صفقته الأولى ناجحة. يُذكر أن المهاجم التركي جنك توسون انضم إلى إيفرتون مقابل مبلغ قد يرتفع إلى 27 مليون جنيه إسترليني قادماً من بشكتاش، وقد شارك في التشكيل الأساسي خلال مباراتين (وجرت الاستعانة ببديل له في كليهما)، بجانب مشاركته كلاعب بديل خلال مباراتين أخريين منذ انضمامه للفريق في مطلع يناير (كانون الثاني). وعلى ما يبدو، فإن الاستاد الجديد المقترَح بناؤه على ضفاف نهر ميرسي سيمثل العلامة المميزة لحقبة موشيري داخل النادي. كان النادي قد وافق على الحصول على قرض بقيمة 280 مليون جنيه إسترليني من مجلس ليفربول لتغطية تكاليف المشروع التي تقدر بـ500 مليون جنيه إسترليني.



هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟
TT

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

تتجه أنظار عشاق الساحرة المستديرة يوم السبت 13 يونيو (حزيران) 2026 صوب ملعب ميتلايف في نيوجيرسي، ليس لمتابعة القمة المونديالية المرتقبة بين البرازيل والمغرب فحسب، بل لرصد ولادة شرارة النجومية الحقيقية لفتى السامبا الذهبي إندريك.

ومع انطلاق منافسات كأس العالم 2026، عاد إلى الأذهان شريط ذكريات مونديال 1994 على الأراضي الأميركية ذاتها، عندما حطّ الفتى النحيل رونالدو نازاريو رحاله كبديل واعد، قبل أن يُصبح المهاجم الأسطوري الأكثر رعباً في تاريخ اللعبة.

اليوم، يجد إندريك نفسه تحت المجهر ذاته، يحمل إرث القميص الأصفر الثقيل وآمال أمة لا ترضى بغير الذهب، وسط تساؤلات ملحة: هل يملك الشاب الموهوب مقومات إعادة زمن «الظاهرة» الجميل؟

إندريك تحت مجهر «المستر»: صناعة البطل بأسلوب أنشيلوتي

لا يمكن فصل الانفجار الكروي المنتظر لإندريك عن وجود المحنك الإيطالي كارلو أنشيلوتي على رأس القيادة الفنية للسيليساو. أنشيلوتي، الذي يشتهر بقدرته الفائقة على ترويض المواهب الشابة وتحويلها إلى قوى ضاربة دون حرق المراحل، يمثل الأب الروحي المثالي لإندريك في هذه المرحلة الحرجة. الفيلسوف الإيطالي يعلم جيداً حجم الضغوطات الإعلامية التي تقارن الفتى برونالدو أو بيليه، لذلك ينتهج معه سياسة «الهدوء الذكي»، مانحاً إياه مساحات حرة للتعبير عن غريزته التهديفية الفطرية دون قيود تكتيكية صارمة قد تكبل موهبته.

يرتكز رهان أنشيلوتي على عقلية إندريك الانضباطية ونضجه المبكر الذي أظهره في فترات الحسم، إذ يرى فيه المهاجم العصري المتكامل القادر على التحرك بين الخطوط، والربط مع أجنحة مرعبة مثل فينيسيوس جونيور ورافينيا. ومع غياب نيمار جونيور عن التشكيل الأساسي في ضربة البداية، تتهيأ المساحة تماماً أمام إندريك ليكون الورقة الرابحة والوجه الجديد للهجوم البرازيلي.

بين عمر الفتى وذكريات «الظاهرة»

يخوض إندريك غمار مونديال 2026 وهو في سن التاسعة عشرة (ولد في 21 يوليو / تموز 2006)، ليُعيد إلى الأذهان شريط ذكريات الأسطورة رونالدو «الظاهرة» الذي وطئت قدماه الملاعب الأميركية في مونديال 1994 وهو ابن 17 ربيعاً فقط. ومع ذلك، تفترق المقارنة الفنية عند عتبة المشاركة الفعلية، فرونالدو تُوّج باللقب العالمي آنذاك دون أن يطأ المستطيل الأخضر لدقيقة واحدة في ظل سطوة الثنائي روماريو وبيبيتو، بينما يدخل إندريك البطولة الحالية كركيزة أساسية مرتقبة وورقة هجومية حاسمة يعول عليها كارلو أنشيلوتي لكسر التكتلات الدفاعية.

التوهج الأوروبي: أرقام الموهبة في الملاعب الفرنسية

رغم أن ملكيته الأصلية تعود لعملاق إسبانيا ريال مدريد، فإن إندريك صقل موهبته هذا الموسم عبر بوابة الإعارة مع نادي أولمبيك ليون الفرنسي منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث بصم على أرقام لافتة تعكس جاهزيته للمونديال، إذ خاض 16 مباراة، نجح خلالها في تسجيل 5 أهداف وصناعة 7 أهداف أخرى (إجمالي 12 مساهمة) في الدوري الفرنسي. لتكون الحصيلة الإجمالية 8 أهداف و8 تمريرات حاسمة في جميع المسابقات بعد تدوينه لهدفين في كأس فرنسا وهدف في الدوري الأوروبي، وكان أبرزها زيارته لشباك باريس سان جيرمان وثنائيته التاريخية الأولى في أوروبا.

ميزان الخصائص: هل يتطابق الفتى مع «الظاهرة» الأصلي؟

حين نضع الخصائص الفنية والظروف التاريخية للنجمين في ميزان المقارنة، نجد تبايناً مثيراً يرسم معالم «الظاهرة الجديدة»، فرغم أن رونالدو نازاريو استُدعي لمونديال 1994 بعمر 17 عاماً فقط حين كان لاعباً في كروزيرو البرازيلي، فإنه ظل حبيساً لدكة البدلاء طوال البطولة دون أن يشارك في أي دقيقة. في المقابل، يدخل إندريك مونديال 2026 وهو في سن 19 عاماً متسلحاً بخبرة الملاعب الأوروبية مع أولمبيك ليون الفرنسي (معاراً من ريال مدريد)، كركيزة أساسية ينتظرها دور محوري. وتكتيكياً، تميز رونالدو الأصلي بالسرعة الانفجارية الخارقة والمراوغة في المساحات الضيقة مع إنهاء أسطوري بالقدمين مستنداً إلى ثقة مطلقة وهدوء بارد أمام المرمى منذ صغره، بينما يمتاز إندريك بالقوة البدنية الهائلة، ودقة التسديد بعيد المدى، والذكاء الحاد في التموقع، مدفوعاً بنضج عائلي كبير وشغف جارف لإثبات ذاته وكتابة مجده الخاص.

طريق الخلود الكروي: شباك «الأسود» بوابته الأولى

إن كتابة الاسم بأحرف من ذهب في تاريخ الكرة البرازيلية تبدأ من ترويض المواعيد الكبرى، وسيكون الدفاع المغربي الحديدي غداً هو الاختبار الحقيقي الأول لإندريك. يدرك المهاجم الشاب أن مواجهة منظومة دفاعية قائدها أشرف حكيمي، ويحرسها ياسين بونو، تتطلب ما هو أكثر من مجرد المهارة، تتطلب دهاءً وحسماً من نصف فرصة. إذا نجح إندريك في فك الشفرة المغربية وقيادة السامبا لمنصات التتويج في هذا المونديال، فلن يكون مجرد «رونالدو جديد»، بل سيصنع سلالته الخاصة كظاهرة كروية خالدة تنطلق من أميركا لتسيطر على العقد المقبل.


صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»

صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»
TT

صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»

صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»

تتجه أنظار الملايين من عشاق كرة القدم السبت 13 يونيو (حزيران) 2026 صوب ملعب ميتلايف في نيوجيرسي، الذي يحتضن قمة نارية مبكرة في دور المجموعات (المجموعة الثالثة) لمونديال 2026 بين المنتخبين المغربي والبرازيلي. لا تمثل هذه المواجهة صراعاً بين النجوم داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل هي معركة تكتيكية معقدة على مقاعد البدلاء تجمع بين مدرستين وفلسفتين متباعدتين يقودهما المغربي البلجيكي محمد وهبي والإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي.

أنشيلوتي وعباءة «التاريخ»: رحلة البحث عن سداسية السامبا

يمر أنشيلوتي بلحظة تاريخية فارقة، إذ يُعد أول مدرب أجنبي يقود منتخب البرازيل في نهائيات كأس العالم. منذ توليه القيادة في مايو (أيار) 2025 بعد مسيرة أسطورية مع نادي ريال مدريد الإسباني، نجح «المستر» في إعادة الهدوء والاستقرار إلى غرف ملابس «السيليساو» بعد فترة اضطرابات فنية طويلة.

الإيطالي كارلو أنشيلوتي مدرب منتخب البرازيل (أ.ب)

فلسفة أنشيلوتي لا تعتمد على التعقيد، بل على «إدارة المشاعر» ومنح النجوم الحرية المطلقة لإبراز مواهبهم الفطرية، وهو ما يفسر اعتماده على ترسانة هجومية ضاربة قوامها فينيسيوس جونيور ورافينيا ورودريغو. ورغم افتقاد التشكيلة للعمق في مراكز الأظهرة، وغياب نيمار جونيور عن المواجهة الافتتاحية بداعي الإصابة، لكن خبرة أنشيلوتي العريضة في المواعيد الكبرى تمنح البرازيل ثقلاً تكتيكياً قادراً على تفكيك أعقد الدفاعات.

وهبي وهندسة البناء: إرث «الركراكي» وطموح جيل جديد

 

على الطرف الآخر يدخل المدير الفني للمنتخب المغربي محمد وهبي اللقاء تحت مجهر النقاد، بعد تسلمه المهمة في مارس (آذار) الماضي خلفاً لمهندس الإنجاز التاريخي في قطر وليد الركراكي.
وهبي، الذي بنى سمعته الأكاديمية وصنع ربيعه التدريبي في أروقة الفئات السنية لنادي أندرلخت البلجيكي قبل قيادة شباب المغرب للقب العالمي، يجد نفسه أمام الاختبار الأقوى في مسيرته الاحترافية الأولى مع المنتخبات الأولى.

محمد وهبي (أ.ف.ب)

يرتكز أسلوب وهبي على التوازن والواقعية الصارمة، فهو يسعى للحفاظ على الهوية الدفاعية الصلبة التي جعلت من «أسود الأطلس» رابع العالم في قطر، مع محاولة ضخ مرونة هجومية أسرع مستغلاً تحركات إبراهيم دياز ومهارات عز الدين أوناحي.

ورغم الهزات والغيابات المقلقة التي ضربت معسكره مؤخراً بإصابة نايف أكرد وعبد الصمد الزلزولي، يعتمد وهبي على اللعب الجماعي المنظم وروح التحدي لإثبات أن الكرة المغربية قادرة على تكرار التفوق، بعد أن هزم المغرب البرازيل ودياً في طنجة شمال المملكة عام 2023 بنتيجة 2 - 1.

التفوق الأقوى وطريق التتويج: لمن تبتسم الأرض؟

 

المواجهة ستكون صراعاً علنياً بين التفوق الهجومي البرازيلي الكاسح والتنظيم الدفاعي المغربي المستميت تكمن قوة البرازيل الأكبر في الحلول الفردية الخارقة في الثلث الأخير، بينما يراهن المغرب على حرمان الخصم من المساحات وتكثيف العمق الدفاعي أمام الحارس ياسين بونو.

الفائز في هذه المعركة لن يضمن فقط صدارة المجموعة الثالثة لتفادي مواجهات معقدة مبكرة ضد قوى مثل فرنسا أو إسبانيا في الأدوار الإقصائية، بل سيرسل إشارة قوية ومباشرة للمنافسين على لقب المونديال. هل ينجح دهاء أنشيلوتي في فك الشفرة المغربية، أم يكتب وهبي فصلاً جديداً من فصول العقدة الأفريقية للسامبا؟ الإجابة ستكتبها أقدام اللاعبين على عشب ميتلايف.

Your Premium trial has ended


«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»

«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»
TT

«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»

«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»

عندما يلتقي المنتخبان المغربي والبرازيلي في كأس العالم 2026، فإن المواجهة لن تكون مجرد مباراة في دور المجموعات، بل ستكون امتداداً لمسار كروي بدأ قبل نحو ثلاثة عقود. فمنذ اللقاء الودي الأول عام 1997 وحتى الصدام المرتقب في المونديال، شهدت كرة القدم المغربية تحولات عميقة نقلتها من موقع الباحث عن إثبات الذات إلى دائرة المنافسة مع كبار اللعبة. وفي المقابل، ظلت البرازيل حاضرة بصفتها المرجع التاريخي لكرة القدم العالمية، بما تملكه من إرث ثقيل وخبرة تراكمت عبر أجيال متعاقبة من النجوم.

البرازيل تدخل البطولة وهي تحمل إرث خمسة ألقاب عالمية وسمعة المنتخب الأكثر تأثيراً في اللعبة، في حين يصل المغرب بصفته صاحب أكبر إنجاز عربي وأفريقي في تاريخ كأس العالم بعد بلوغه نصف نهائي نسخة «قطر 2022».

وإذا كانت المواجهات السابقة تميل تاريخياً لصالح البرازيل، فإن الفارق الذي كان شاسعاً في التسعينات تقلص بصورة لافتة مع تطور المشروع الكروي المغربي، وهو ما يجعل مواجهة 2026 الأكثر توازناً بين المنتخبين منذ أول لقاء جمعهما قبل 29 عاماً.

بيليم 1997... عندما واجه المغرب أبطال العالم القادمين

في التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) 1997، حل المنتخب المغربي ضيفاً على البرازيل في مدينة بيليم ضمن استعدادات المنتخبين لكأس العالم 1998.

كان المغرب بقيادة المدرب الفرنسي الراحل هنري ميشال يعتمد على جيل ذهبي يضم الحارس مصطفى الشاذلي، والمدافع نور الدين النيبت، وصانع الألعاب مصطفى حجي، والمهاجم صلاح الدين بصير، وهي الأسماء التي ستصنع لاحقاً واحداً من أفضل المنتخبات المغربية في تاريخ كأس العالم.

في المقابل كانت البرازيل بقيادة المدرب الأسطوري ماريو زاغالو تعج بالنجوم. ضمت التشكيلة أسماء مثل رونالدو، أفضل لاعب في العالم آنذاك، وروماريو، ودينيلسون، وكافو، وروبرتو كارلوس، ودونغا.

صمد المغرب طويلاً أمام الضغط البرازيلي، قبل أن يظهر دينيلسون في الدقائق الأخيرة مسجلاً هدفي الفوز. ورغم الخسارة، خرج المتابعون بانطباع إيجابي عن المنتخب المغربي الذي نجح في مجاراة أحد أقوى منتخبات العالم لأكثر من ثمانين دقيقة.

فرنسا 1998... رونالدو يقود البرازيل لتأكيد التفوق

بعد أقل من ثمانية أشهر، التقى المنتخبان مجدداً في الجولة الثانية من دور المجموعات في كأس العالم بفرنسا.

دخل المغرب المباراة تحت قيادة المدرب الفرنسي الراحل هنري ميشال بتشكيلة ضمت نور الدين النيبت وعبد الجليل هدا (كماتشو) ويوسف شيبو ومصطفى حجي وصلاح الدين بصير، وهي أسماء صنعت واحدة من أكثر الفترات إشراقاً في الكرة المغربية.

لكن البرازيل امتلكت، آنذاك، ما يمكن عدّه أحد أقوى خطوط الهجوم في تاريخ المونديال. فقد لعب رونالدو أساسياً إلى جانب بيبيتو، فيما قاد ريفالدو صناعة اللعب، مع وجود كافو وروبرتو كارلوس على الأطراف.

افتتح رونالدو التسجيل، وأضاف ريفالدو الهدف الثاني، قبل أن يختتم بيبيتو الثلاثية. ورغم النتيجة، أظهر المغرب شخصية قوية في البطولة، قبل أن يحقق لاحقاً فوزه الشهير على اسكوتلندا بثلاثية نظيفة ويغادر المسابقة بصورة أثارت كثيراً من الجدل بسبب نتائج المجموعة.

طنجة 2023... المغرب ينتصر لأول مرة

إذا كانت مواجهتا 1997 و1998 جسّدتا الفارق التقليدي بين المنتخبين، فإن مباراة طنجة في مارس (آذار) 2023 حملت صورة مختلفة تماماً.

المغرب بقيادة المدرب المغربي وليد الركراكي كان يعيش أفضل لحظاته التاريخية بعد أشهر قليلة من احتلال المركز الرابع عالمياً في مونديال قطر، في حين وصلت البرازيل في مرحلة انتقالية بعد رحيل المدرب تيتي.

وضمت التشكيلة المغربية أسماء أصبحت من نخبة كرة القدم العالمية؛ مثل ياسين بونو وأشرف حكيمي ونايف أكرد وسفيان أمرابط وحكيم زياش.

أما البرازيل فاعتمدت على كاسيميرو وفينيسيوس جونيور ورودريغو ورافينيا، لكنها افتقدت خدمات نيمار بسبب الإصابة.

في تلك الليلة، لم يكن الانتصار المغربي بنتيجة 2-1 مجرد فوز ودي، بل كان إعلاناً بأن المنتخب المغربي لم يعد يخوض المباريات الكبرى من أجل التعلم، بل من أجل الانتصار.

مقارنة بين جيل 1998 وجيل 2026

أحد أهم الفوارق بين المنتخب المغربي في التسعينات ونظيره الحالي يتمثّل في نوعية الخبرة الدولية.

جيل 1998 كان يضم مواهب استثنائية مثل مصطفى حجي والنيبت وبصير، لكنه كان يعتمد على عدد محدود من اللاعبين المحترفين في البطولات الأوروبية الكبرى.

أما الجيل الحالي فيضم لاعبين أساسيين في أندية النخبة الأوروبية. فحكيمي قادماً من باريس سان جيرمان، وبونو من كبار حراس العالم، وأكرد وأمرابط وزياش يمثلون جيلاً اعتاد اللعب في أعلى المستويات القارية.

في المقابل، لم تتغير هوية البرازيل كثيراً. فكما امتلكت رونالدو وريفالدو وروبرتو كارلوس في التسعينات، تمتلك اليوم فينيسيوس جونيور ورودريغو وبرونو غيمارايش وأليسون وإيدير ميليتاو.

من يملك الأفضلية في 2026؟

منتخب البرازيل خلال حصة تدريبية قبل بدء كأس العالم (إ.ب.أ)

على مستوى القيمة السوقية والأسماء الفردية، لا تزال البرازيل تتفوق بوضوح. فهي تمتلك لاعبين مرشحين سنوياً للمنافسة على الكرة الذهبية، وفي مقدمتهم فينيسيوس جونيور.

لكن كرة القدم الحديثة أثبتت أن البطولات الكبرى لا تُحسم بالأسماء فقط. فالمغرب يملك اليوم واحداً من أكثر المنتخبات تنظيماً في العالم، بالإضافة إلى خبرة نفسية اكتسبها من الانتصارات على بلجيكا وإسبانيا والبرتغال في مونديال قطر.

لاعبو المنتخب المغربي ومعنويات مرتفعة في حصة تدريبية قبل مواجهة البرازيل (أ.ف.ب)

ولهذا يرى كثير من المحللين أن البرازيل تدخل المباراة مرشحة بنسبة تقارب 60 في المائة مقابل 40 في المائة للمغرب، وهي نسبة تعكس حجم التطور الذي حققه «أسود الأطلس» مقارنة بفترة التسعينات عندما كانت الأفضلية البرازيلية شبه مطلقة.

بين رونالدو وفينيسيوس... وبين حجي وحكيمي

إذا كان رونالدو قد مثّل رمز التفوق البرازيلي في مونديال 1998، فإن فينيسيوس جونيور يمثّل اليوم الوجه الجديد لكرة القدم البرازيلية. وعلى الجانب المغربي، انتقلت الراية من مصطفى حجي، صاحب الكرة الذهبية الأفريقية عام 1998، إلى أشرف حكيمي الذي يُعد أحد أفضل الأظهرة في العالم.

وبين هذَين الجيلين تُختصر قصة المواجهات المغربية البرازيلية نفسها: منتخب برازيلي يحاول الحفاظ على مكانته التاريخية، ومنتخب مغربي يسعى إلى تحويل إنجازاته الأخيرة إلى واقع دائم. لذلك فإن مواجهة 2026 تبدو أكثر من مجرد مباراة، إذ تُعدّ اختباراً حقيقياً لمعرفة ما إذا كان المغرب قادراً على الاقتراب أكثر من النخبة العالمية، أم أن البرازيل ستؤكد أن التاريخ لا يزال يقف إلى جانبها.