انطلاق «مهرجان البستان الدولي» في الذكرى الـ25 لتأسيسه

يشارك فيه 185 عازفاً أجنبياً احتفاء بـ«باخ»

انطلاق «مهرجان البستان الدولي» في الذكرى الـ25 لتأسيسه
TT

انطلاق «مهرجان البستان الدولي» في الذكرى الـ25 لتأسيسه

انطلاق «مهرجان البستان الدولي» في الذكرى الـ25 لتأسيسه

انطلق مساء أول من أمس «مهرجان البستان الدولي» الذي يحتفل في الذكرى الـ25 لتأسيسه مخصصاً هذه الدورة للموسيقي العالمي باخ. هذا النشاط الذي ينتظره اللبنانيون من عام لآخر لتضمنه أعمالاً موسيقية كلاسيكية يفتقدها في الزمن الحالي يستمر حتى 21 مارس (آذار)، موزّعا حفلاته الـ25 على صالات متاحف وكنائس وقصور إلى جانب «فندق البستان».
وشارك في حفلة الافتتاح التي جرت في «فندق البستان» لمناسبة يوبيله الفضي السوبرانو جوانا غولدسميث أتيسون وساراي دافييه وآلالتو إليزابيت سواين. وصدح فيها صوتا التينور العالميين أوليفير غريفيتس وجون سميث وذلك على إيقاع موسيقى «سوينغلز» لباخ.
ويشهد الشهر الحالي فبراير (شباط)، أمسيات موسيقية مختلفة يحييها فنانون عالميون أمثال السوبرانو جيما سامرفيلد (في 15 منه في كنيسة الكبوشية وسط بيروت)، وعازف الأورغ توماس أوسبيتال (في 19 الحالي في الجميزة)، وعازف البيانو مارتن ستاتفيلد الذي يقدم في 23 فبراير «منوعات غولدبيرغ» للموسيقى التي تعد من روائع باخ المعروفة، وذلك في فندق البستان. ويلي الحفلة دعوة إلى العشاء يحضرها الفنان ستاتفيلد شخصياً كضيف شرف.
ومن بين العازفين الشهيرين المشاركين في هذه التظاهرة الثقافية والفنية، عازف التشيللو الفرنسي غوتييه كابوسون وزميله على البيانو جيروم دوكرو اللذان سيحييان حفلة «من العمر» في 5 مارس المقبل، تحت عنوان «منوعات غوتييه»، وسيقدمان فيها مقطوعات موسيقية لباخ (سوناتا 3) وتشايكوفسكي وفوريه وغيرهم.
وتأتي مشاركة غوتييه كابوسون الثالثة من نوعها في هذا المهرجان، فيما تعد المرة الثانية بالنسبة لزميله جيروم دوكرو. «لم يتردد أحد من العازفين في تلبية دعواتنا»، تقول ندى مسعود المسؤولة الإعلامية لـ«مهرجان البستان الدولي» خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط» وتضيف: «للمهرجان تاريخه الحافل في هذا الإطار ولذلك لا يتوانى ضيوفه عن تلبية دعوتنا فهم يلبونها بسعادة».
ومن الحفلات المتوقع أن تشهد إقبالاً ملحوظا من قبل اللبنانيين هي تلك التي ستجري في كنيسة (مار إلياس) في منطقة القنطاري في 13 مارس المقبل، ويحييها كل من أوكتافيو دانتون وأندرياس كول تحت عنوان «العودة إلى باخ»، وترافقهما فيها أوركسترا «الأكاديمية البيزنطية».
وتستضيف قاعة «المتحف الوطني» في لبنان، في 8 مارس عازف التشيللو الشهير أنطونيو مينيسيز ليقدم مقطوعات موسيقية شهيرة لباخ وتحمل أرقام 2 و4 و6. ويستضيف «قصر الصنوبر» (مقر السفارة الفرنسية في لبنان) ليلة 14 الشهر المقبل، أمسية موسيقية ليواكيم سون فورغيت «Harpsichord» (عازف البيانو القيثاري) التابع لـ«الجمعية الوطنية الفرنسية» ومهنته الأساسية طبيب أشعة.
فيقدم معزوفات لموسيقيين يعود تاريخهم إلى ما قبل وبعد باخ ولآخرين عاصروه منتهجاً تقنية التفاعل مع الحضور ليلبّي رغباتهم الفنية في هذا الإطار.
وتعد الحفلة التي ستجري في 19 مارس المقبل، ويقودها عازف الكمان الروسي سيرغاي كريلوف يرافقه فيها لانا تروتوفسيك (على الكمان)، حيث سيتناغمان في تقديم مقطوعات موسيقية لـ«باخ» بمشاركة «الأوركسترا الليتوانية»، واحدة من أهم الحفلات التي يتضمنها «مهرجان البستان الدولي» لا سيما وأنّ كريلوف ابن عائلة موسيقية بامتياز (والده عازف كمان ووالدته عازفة بيانو). وبدأ مشواره الموسيقي وهو في سن الخامسة، وقدّم حفلات في عدد من الدول وبينها روسيا وإيطاليا والنمسا. وهو حائز على جوائز عالمية وأحدثها «جائزة الإنجازات المتميزة في الثقافة الموسيقية» في عام 2009 في مدينة فلورنسا الإيطالية.
أمّا الحفلة التي ستأخذ طابعا شرقياً فهي تلك التي ستجري في 1 مارس، في حديقة «الكريستال» بفندق البستان، الواقع في منطقة برمانا، تحت عنوان «أمسية شعرية عربية مع باخ» ويشارك فيها الرائدان في عالم المسرح اللبناني ميراي معلوف ورفعت طربيه اللذان سيلقيان قصائد لشعراء وفلاسفة عرب أمثال جبران خليل جبران وسعيد عقل ومحمود درويش وغيرهم. ويرافقهما فيها عزفاً على آلة التشيللو رومانو ستوروجنكو في مقطوعات خاصة للموسيقي باخ.
وتجدر الإشارة إلى أن فكرة اختيار تكريم الموسيقي الألماني الراحل باخ في الدورة الـ25 لـ«مهرجان البستان الدولي» تعود إلى مؤسسته ميرنا البستاني التي تعشق موسيقاه منذ صغرها واصفة هذه الدورة بأنّها تفوق كل التوقعات أن من ناحية شموليّتها فيما خص فئات الأعمال عند باخ، وإن من مقطوعات الكلافييه والتشيلو إلى الكونشرتوهات والأعمال الدينية الكورالية التي تتضمنها حسب ما ذكرت في المؤتمر الصحافي الذي خصص للإعلان عن برنامج المهرجان.



رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».