أحزاب إسلامية تتقاسم الجامعات العراقية

تحركت للسيطرة على مرافقها بعد 2003

طلاب في كلية الطب جامعة البصرة التي سيطر عليها حزب الفضيلة
طلاب في كلية الطب جامعة البصرة التي سيطر عليها حزب الفضيلة
TT

أحزاب إسلامية تتقاسم الجامعات العراقية

طلاب في كلية الطب جامعة البصرة التي سيطر عليها حزب الفضيلة
طلاب في كلية الطب جامعة البصرة التي سيطر عليها حزب الفضيلة

شتاء عام 2004، زارنا الناقد الأكاديمي مالك المطلبي في الجامعة المستنصرية وتزامنت زيارته مع أيام شهر محرم، حيث تنتشر مظاهر التعزية الحسينية في كل مكان تقريبا. فاستقبله لفيف من الأساتذة والتدريسيين في ممر الجامعة الرئيسي، وهو ممر طويل وأنيق، وقبل أنْ يسلِم علينا صاح بوجهي، هل هذه الجامعة شيعية؟ فقلت: كلَا إنها جامعة وطنية لكل العراقيين، فضحك وقال: ما هذا السواد الذي يلفها إذن؟! ففي شهر محرم الحرام، شأن بقية الأماكن، تتحول جدران أغلب الجامعة ومنها المستنصرية إلى لافتات سود بسبب الاحتفالات الدينية، مما يعني أنَ المد الديني، أو التدين الشعبي، أو الطقوسي زحف بقوة إلى أهم معاقل التنوير والتحديث المفترضة في البلاد.
أظن أن هذه الحادثة الصغيرة ربما تمثل مدخلا مناسبا للدخول إلى عالم الجامعات العراقية بعد 2003، ذلك العالم الذي كنا وما زلنا نعول عليه ليُسهم في بناء البلد، ويدفع بكفاءاته لصناعة المشهد العراقي. لكن المؤسف، أن الجامعات كانت من أوائل المؤسسات التي تعرضت للنهب والسلب والحرق، حتى إنَ المكتبة العظيمة في الجامعة المستنصرية، وتضم بين رفوفها أهم المراجع والمخطوطات، هاجمها السراق أيام الفوضى بعد 2003، فقاموا برمي المخطوطات القيمة والمراجع الكبرى والنادرة وسرقوا خشب المكتبات فقط، علما بأن كتاباً واحداً قد يكون بسعر كل الخشب الذي سرقوه!
بعد لحظة 9 أبريل (نيسان) 2003، حاولتْ الجامعات أنْ تستعيد شيئا من أدائها، لكن المشكلة الكبرى التي طرحت نفسها بقوة حينذاك، هي أن أغلب قيادات الجامعات من رؤساء جامعات، وعمداء كليات، وحتى رؤساء أقسام، كانوا ينتمون إلى «حزب البعث» فحدثت الفوضى في اختفاء البعض، وفي الاعتداء على البعض الآخر، بالضرب والإهانة والطرد من قبل طلابهم، أو زملائهم في الأقسام، لذلك اختفى شيئا فشيئا الجيل الذي كان يُمسك الجامعات لأكثر من عشرين عاما، رغم أن فترة الاختفاء ليست بالطويلة فبعد ما يقارب أربعة أعوام استطاع عدد من القيادات البعثية الحصول على استثناءات من هيئة المساءلة والعدالة (هيئة اجتثاث البعث) سابقا، وعادوا بمناصب متقدمة في المشهد الأكاديمي، وقد أبدلوا بجلباب حزب البعث لحى خفيفة، ومسابح، وبالاتكاء على طائفة أو حزب سياسي ما، ومن كل الجهات سنيِها وشيعيِها.
إنَ لحظة الفراغ الرهيب استدعت الصوت العالي والضجيج الذي لم يهدأ طوال ستة أعوام بعد 9 أبريل، فالأحزاب الإسلامية تحركت بشكلٍ قوي وعنيف على مرافق الجامعات، فأسست تجمعات طلابية بديلة للاتحاد الوطني الذي كان يسيطر عليه مقربون من «عدي صدام حسين»، النجل الأكبر للرئيس الراحل صدام حسين، وقد كان ذلك الاتحاد ذراعاً قوياً في الجامعات، برغم صفته غير الحكومية، وكانت تلك الأذرع متحكمة بتفاصيل مهمة داخل الحرم الجامعي، ولها مقرٌ رسمي في كل كلية، وكان أعضاؤها يُنتخبون من قبل الطلاب، ومعظمهم كانوا من المنتمين إلى تنظيمات حزب البعث، حتى إنَ رئيس الاتحاد الوطني في كل كلية، كان يدخل اجتماعات مجلسها وله سطوة على جميع الأساتذة.
عشية هزّة التغيير عام 2003، أُلغي اتحاد الطلبة البعثي مباشرة، ولم يعد له مكان إطلاقا، لكنه، وتلك واحدة من المشاهد الفنتازية المعادة في البلاد أبدا! استبدِل بمجموعة منظمات طلابية معظمهما من الإسلاميين، وبدأوا يتقاسمون الجامعات مثل أي غنيمة حرب!
فالشباب المتحمسون للتيار الصدري مثلا، عمدوا إلى السيطرة على الجامعة المستنصرية التي تقع شرق العاصمة بغداد حيث يقع معقلهم في مدينة الصدر (صدام سابقا)، بينما تقاسم حزب «الدعوة» و«المجلس الأعلى» السيطرة على جامعة بغداد العتيدة التي تقع وسط بغداد.
وكان نصيب «الحزب الإسلامي» السني الهيمنة على «الجامعة العراقية» في حي الأعظمية، وعلى جامعات المحافظات الغربية، وامتدت أذرع «حزب الفضيلة» إلى جامعة البصرة في أقصى جنوب العراق، وعلى بعض الكليات في بغداد والمحافظات.
ومثلما حدث مع «اتحاد الطلبة البعثي» المنظمة غير الحكومية، أديرت المنظمات الجديدة من قبل طلاب شباب استطاعوا أنْ يتحكموا بمفاصل الجامعات، وأنْ يوجهوها حسب ما يعتقدون، أو حسب المصلحة التي ينطلقون منها، وبذلك ظهرت قيادات شبابية إسلامية في الجامعات فرضت الحجاب على الطالبات في عدد من الجامعات، ومنعت مظاهر الحياة المعتادة في هكذا أجواء كالاحتفالات والسفرات والموسيقى، كما أسهمت كثيراً بانتشار الموالين لهم في مسك الإدارات على حساب الكفاءة والمهنية، وأصبحت تلك المنظمات تُدير شؤون عدد من الجامعات، وأضحى هؤلاء الطلبة الجانب الأقوى والمُهاب في الحرم الجامعي، وصاروا مصدرا للخوف والخشية لوجود أذرع مسلحة تساندهم، وصار بإمكانهم أنْ يعتدوا على رئيس جامعة، أو عميد كلية دون أنْ يُحاسبوا!
عدد غير قليل من أولئك كبروا وتخرجوا وصاروا ملزمين بمغادرة الأروقة الجامعية، لكن ذلك أمر لم يكن ليروق لهم، فوجدوا في مواصلة دراساتهم العليا في الماجستير والدكتوراه سببا وجيها للبقاء على قيد النفوذ والهيمنة في تلك الجامعات، فحصلوا على ما يريدون وتعينوا معيدين وأساتذة في الجامعات نفسها. ثم حدث أن هدأ البعض منهم واستقرَ، والتفتَ إلى نفسه، فيما بقي البعض الآخر صارخاً على طول الطريق.
إنَ فترة هيمنة الشباب الإسلاميين على الجامعات، كانت من أفقر المراحل معرفة وإنتاجاً، ومن أكثرها فوضى، وهي المرحلة التي أنتجت لنا أساتذة يتتبعون خطى أولئك الشباب، عسى أنْ يعطفوا عليهم بمنصب إداري، وللأسف فإن عددا كبيرا من الإداريين الذين مسكوا الإدارة في الجامعات جاءوا بتزكية من تلك المنظمات.
لحسن الحظ، فإن دور تلك المنظمات ضعف كثيرا بعد عام 2010. حين قام الوزير حينذاك، علي الأديب، بإلغاء تلك المنظمات وطارد عدداً من عناصرها، لكنْ رماد أولئك الطلبة بقي يشتعل بين مدة وأخرى.
إن البانوراما السريعة الآنفة، هي عبارة عن لمحات تؤشر لمرحلة من مراحل العراق ولزاوية مهمة من زواياه وهي الأكاديمية العراقية التي بقيت تعمل وتدور عجلتها وإن كانت بطيئة ومتأخرة في بعض الأحيان. كما أن هذا المشهد وهذه السطوة لا تعني خلو الجامعات من الكوادر والكفاءات المهمة التي التزمت الصمت فانزوت جانبا فبين يدي عشرات الأكاديميين الذين نأوا بأنفسهم عن صراعات الديكة واكتفوا بالبحث العلمي والدرس فأنتجوا جيلا يعتد بمعرفته ومكانته العلمية، وهذا الجيل الذي نأى بنفسه في الحقيقة هو الوجه التنويري والمعرفي للأكاديمية العراقية التي تتعالى على فتات ما ترميه الأحزاب لبعض الأساتذة الذين يقفون في طوابير طويلة للحصول على منصب إداري مهم في الجامعات.
شخصيا ربما أجد العذر للبعض من ناحية هوسه بالمنصب، لأسباب عديدة يقف في مقدمتها الفارق الكبير في الراتب ما بين المسؤول (العميد أو رئيس الجامعة) وبين الأستاذ الجامعي الذي يحمل نفس اللقب العلمي ونفس سنوات الخدمة، حتى أن الفرق في الأجور يصل بينهما لأكثر من ثلاثة أضعاف الراتب.
اليوم وبعد مرور نحو عقد ونصف على لحظة أبريل 2003. يمكن ملاحظة التغيير الذي طرأ على المشهد العام في الجامعات، حيث شكَل الضغط والنقد الذي يُمارس على القيادات الإدارية عاملاً مؤثرا في تغيير بوصلة اهتماماتهم، حتى إنَ الدولة التفتت إلى أهمية البعثات فأسست ما يسمى بـ«مبادرة رئيس الوزراء» لإرسال آلاف الطلبة للدراسة خارج العراق، ونحن بانتظار أنْ يحصد البلد ثمار هؤلاء المُبتعثين.
الجدير بالملاحظة هنا، هو أن معظم الإدارات التي توالت على ملف التعليم العالي انصب اهتمامها كثيراً على الجانب العلمي التطبيقي، وفي مقابل إغفالها للجانب الإنساني، بل إنَ أحد رؤساء الجامعات المهمة في البلد ينظر بازدراء للعلوم الإنسانية، علماً بأن أحد التقارير العلمية التي نشرتها صحيفة «الغارديان» البريطانية عام 2017 يشير إلى أن أغلب المنتمين للجماعات الإرهابية هم من خريجي الاختصاصات العلمية أطباء ومهندسين، كما أشار تقرير نشرته الأمم المتحدة للتنمية البشرية عام 2003، إلى أنَ مناهج التعليم العربية تشجع التسليم والطاعة والتبعية والامتثال بدلا من التفكير النقدي الحر.
إنَ هذا الاهتمام بالجانب العلمي - على أهميته - على حساب الجانب الإنساني نعتقد أنَه يُسهم بصناعة الفرد الناقد للمجتمع، والمفكك للخطابات المتطرفة والطائفية التي هي سبب من أسباب مشاكلنا، إنْ لم تكن السبب الرئيسي، فعدم الاهتمام بها سيُنتج لنا مجتمعاً مطيعاً لا يناقش ولا يعترض.


مقالات ذات صلة

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

الولايات المتحدة​ دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

أظهر بحث جديد أن مدى جودة مدرستك الثانوية قد يؤثر على مستوى مهاراتك المعرفية في وقت لاحق في الحياة. وجدت دراسة أجريت على أكثر من 2200 من البالغين الأميركيين الذين التحقوا بالمدرسة الثانوية في الستينات أن أولئك الذين ذهبوا إلى مدارس عالية الجودة يتمتعون بوظيفة إدراكية أفضل بعد 60 عاماً، وفقاً لشبكة «سكاي نيوز». وجد الباحثون أن الالتحاق بمدرسة مع المزيد من المعلمين الحاصلين على تدريب مهني كان أوضح مؤشر على الإدراك اللاحق للحياة. كانت جودة المدرسة مهمة بشكل خاص للمهارات اللغوية في وقت لاحق من الحياة. استخدم البحث دراسة استقصائية أجريت عام 1960 لطلاب المدارس الثانوية في جميع أنحاء الولايات المتحدة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

نفت الحكومة المصرية، أمس السبت، عزمها «إلغاء مجانية التعليم الجامعي»، مؤكدة التزامها بتطوير قطاع التعليم العالي. وتواترت أنباء خلال الساعات الماضية حول نية الحكومة المصرية «إلغاء مجانية التعليم في الجامعات الحكومية»، وأكد مجلس الوزراء المصري، في إفادة رسمية، أنه «لا مساس» بمجانية التعليم بكل الجامعات المصرية، باعتباره «حقاً يكفله الدستور والقانون لكل المصريين».

إيمان مبروك (القاهرة)
«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

لا يزال برنامج «تشات جي بي تي» يُربك مستخدميه في كل قطاع؛ وما بين إعجاب الطلاب والباحثين عن معلومة دقيقة ساعدهم «الصديق (جي بي تي)» في الوصول إليها، وصدمةِ المعلمين والمدققين عندما يكتشفون لجوء طلابهم إلى «الخصم الجديد» بهدف تلفيق تأدية تكليفاتهم، لا يزال الفريقان مشتتين بشأن الموقف منه. ويستطيع «تشات جي بي تي» الذي طوَّرته شركة الذكاء الصناعي «أوبن إيه آي»، استخدامَ كميات هائلة من المعلومات المتاحة على شبكة الإنترنت وغيرها من المصادر، بما في ذلك حوارات ومحادثات بين البشر، لإنتاج محتوى شبه بشري، عبر «خوارزميات» تحلّل البيانات، وتعمل بصورة تشبه الدماغ البشري. ولا يكون النصُّ الذي يوفره البرنامج

حازم بدر (القاهرة)
تحقيقات وقضايا هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

رغم ما يتمتع به «تشات جي بي تي» من إمكانيات تمكنه من جمع المعلومات من مصادر مختلفة، بسرعة كبيرة، توفر وقتاً ومجهوداً للباحث، وتمنحه أرضية معلوماتية يستطيع أن ينطلق منها لإنجاز عمله، فإن للتقنية سلبيات كونها قد تدفع آخرين للاستسهال، وربما الاعتماد عليها بشكل كامل في إنتاج موادهم البحثية، محولين «تشات جي بي تي» إلى أداة لـ«الغش» العلمي.

حازم بدر (القاهرة)
العالم العربي بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

اعتبر محمد بن عيسى، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، ووزير الخارجية المغربي الأسبق، أن مسألة التعايش والتسامح ليست مطروحة على العرب والمسلمين في علاقتهم بالأعراق والثقافات الأخرى فحسب، بل أصبحت مطروحة حتى في علاقتهم بعضهم ببعض. وقال بن عيسى في كلمة أمام الدورة الحادية عشرة لمنتدى الفكر والثقافة العربية، الذي نُظم أمس (الخميس) في أبوظبي، إن «مسألة التعايش والتسامح باتت مطروحة علينا أيضاً على مستوى بيتنا الداخلي، وكياناتنا القطرية، أي في علاقتنا ببعضنا، نحن العرب والمسلمين».

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)

العثور على الفنانة هدى شعراوي مقتولة في منزلها بدمشق

العثور على الفنانة هدى شعراوي مقتولة في منزلها بدمشق
TT

العثور على الفنانة هدى شعراوي مقتولة في منزلها بدمشق

العثور على الفنانة هدى شعراوي مقتولة في منزلها بدمشق

أفادت مواقع سورية بالعثور، صباح الخميس، على الفنانة السورية هدى شعراوي، المعروفة بشخصية «أم زكي» في مسلسل «باب الحارة» الشهير، مقتولة داخل منزلها في العاصمة السورية دمشق، ولا تزال ملابسات الحادثة طور التحقيق من الجهات المختصة.

وقالت مواقع فنية سورية إن الممثلة السورية هدى شعراوي (87 عاماً) وُجدت جثة هامدة في منزلها، مشيرةً إلى أن مصادر من عائلتها رجحت تعرضها للقتل، مع وجود شبهات حول تورط خادمتها التي يُعتقد أنها فرّت من المكان بعد وقوع الجريمة.

«أم زكي» الداية الشهيرة في مسلسل «باب الحارة» الفنانة السورية هدى شعراوي (متداولة)

من جهته، أكّد نقيب الفنانين مازن الناطور، في تصريح لمنصة «تأكد»، صحة الأنباء المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي حول العثور على الممثلة السورية هدى شعراوي مقتولة داخل منزلها.

وأوضح الناطور أن المعلومات الأولية الصادرة عن الطب الشرعي تشير إلى أن الجريمة وقعت ما بين الساعة الخامسة والسادسة صباح يوم الخميس 29 يناير (كانون الثاني)، لافتاً إلى أن المشتبه بها هي خادمة الضحية، التي لا تزال متوارية عن الأنظار حتى الآن.

القبض على المشتبه بها

وأعلن المحامي العام في دمشق، مساء الخميس، إلقاء القبض على المشتبه بها في جريمة قتل الفنانة السورية هدى شعراوي.

وقال القاضي حسام خطاب، في تصريح لوكالة الأنباء السورية (سانا): «تم إلقاء القبض على المشتبه بها في قتل الفنانة القديرة هدى شعراوي، وقد اعترفت خلال التحقيقات الأولية بإقدامها على ارتكاب الجريمة».

وأضاف أن التحقيقات لا تزال مستمرة لكشف جميع ملابسات الحادثة.

ونقلت الوكالة عن قائد الأمن الداخلي في دمشق، العميد أسامة عاتكة، قوله: «في إطار المتابعة الفورية لحادثة مقتل المواطنة هدى الشعراوي، وردت معلومات عصر اليوم تفيد بالعثور عليها متوفاة داخل منزلها، وبعد مباشرة التحقيقات وجمع الأدلة، تبين أن الوفاة وقعت صباح اليوم نتيجة تعرّض المجني عليها لاعتداء بأداة صلبة أدّى إلى نزيف حاد، وقد نُقل الجثمان إلى الطبابة الشرعية بانتظار التقرير الطبي النهائي». وأضاف أن «التحقيقات الأولية أظهرت الاشتباه بخادمتها المدعوة فيكي أجوك، من الجنسية الأوغندية، التي غادرت المنزل عقب وقوع الجريمة، وعلى إثر ذلك، تابعت الوحدات المختصة تحركات المشتبه بها، وتمكّنت من إلقاء القبض عليها مساء اليوم، حيث أقرّت خلال التحقيق بارتكابها الجريمة، فيما تستمر التحقيقات لكشف دوافع الجريمة وملابساتها تمهيداً لإحالة الملف إلى القضاء المختص».

ونعت نقابة الفنانين السوريين الراحلة عبر بيان رسمي شاركته عبر معرفاتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، قالت فيه: «فرع دمشق لنقابة الفنانين ينعى إليكم وفاة الزميلة الفنانة القديرة هدى شعراوي، وسنوافيكم لاحقاً بموعد التشييع والدفن وموعد التعزية. إنا لله وإنا إليه راجعون».

وبحسب مواقع تحدثت عن مسيرتها، دخلت هدى شعراوي عالم الفن في سن مبكرة، وبدأت عملها في الإذاعة السورية وهي في التاسعة من عمرها، وقدمت العديد من الأعمال الإذاعية المميزة، مثل مسلسل «صرخة بين الأطلال» و«حكم العدالة».

ورغم اعتراض أهلها الشديد على دخولها الوسط الفني، فإنها تمكنت من الحصول على موافقتهم بعد وساطة من وزير الإعلام في سوريا آنذاك.

أدّت شعراوي أكثر من 50 دوراً في المسلسلات السورية، منها مشاركاتها في أعمال مثل «أيام شامية»، و«عيلة خمس نجوم»، و«ليالي الصالحية»، و«الخوالي» و«بيت جدي». لكن الدور الأبرز في مسيرتها كان شخصية «أم زكي» في مسلسل «باب الحارة» الذي استمر أكثر من 10 أعوام، ما جعلها تُعرف بهذا الاسم في حياتها العامة.

وكان آخر ظهور إعلامي لها عبر برنامج «السؤال الأخير» على شاشة تلفزيون «الثانية» في تلفزيون سوريا، حيث استعرضت محطات من مسيرتها الفنية وتجربتها الطويلة في الدراما السورية.


صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب

صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب
TT

صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب

صوَر نرسيس وانعكاساتها في مرايا الغرب

إذا كانت الشعوب القديمة قد أطلقت العنان لمخيلاتها الجمعية، في ظل عجز العقل وقصوره، لتعثر في الأساطير على ما تفسر به ظواهر الطبيعة، فإن الحضارة اليونانية كانت واحدة من أكثر الحضارات ابتكاراً للأساطير، وهي التي نصبت آلهة أو أكثر لكل ظاهرة من الظواهر المتصلة بالوجود والمسيرة الإنسانية. إضافة بالطبع إلى أنصاف الآلهة الذين يقعون في الوسط بين الأرضي والسماوي، بين العادي والخارق، كما بين البشري وما بعد البشري.

ومع أن الميثولوجيا اليونانية لم تولد في عصر واحد ولم تتشكل على صورة واحدة، بل كانت مزيجاً من ميثولوجيا الخليقة وأصل العالم، وقصص اختلاط الآلهة والبشر، وسير الأبطال الملحميين، فإن النماذج العليا التي وضعتها للحياة والموت، وللبطولة والحب، وللجمال والألم، باتت جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الغربية، والإنسانية على نحو عام.

وحيث كان على كل واحد من الأبطال التراجيديين، أن يدفع غالياً ثمن سلوكياته وأفعاله المثيرة لغضب الآلهة، كما كانت حال بروميثيوس وسيزيف وأورفيوس وغيرهم، فقد كان على نرسيس، الصياد الوسيم العاشق لنفسه، أن يدفع كالآخرين ثمن افتتانه المفرط بجماله، وهو الذي عاقبته الآلهة بأن دفعته إلى التحديق في انعكاس صورته في الماء، إلى أن قضى غرقاً في المياه المظلمة للافتتان بالذات، قبل أن يتحول إلى زهرة جميلة تحمل اسمه.

وقد اعتبر هربرت ماركوز في كتابه «الحب والحضارة»، أن الحضارة الغربية منذ سقراط وأفلاطون وحتى عصورها المتأخرة، قد وضعت العقل في حالة مواجهة دائمة مع الغريزة، بحيث استخدم الأول بوصفه أداة للقسر والقمع وكبح الأهواء، فيما نُظر إلى كل ما ينتمي إلى منطقة الغريزة واللذة بأنه خطر على العقل وقوانين الانتظام العام والسلامة الأخلاقية. وإذا كان بروميثيوس هو الرمز الثقافي للعمل الباحث عن مردود وللإنتاجية والتقدم عن طريق القمع، فإن نرسيس وأورفيوس، الشبيهة صورتهما بصورة ديونيزيوس، كانا نموذجين للفرح والارتواء، وصوتهما «هو الصوت الذي لا يأمر أخلاقياً ولكنه يغنّي».

أما على الصعيد الأدبي، فقد تركت شخصية نرسيس أصداء متلاحقة في الأدب والفن الغربيين. وقد كان الشاعر الروماني أوفيد، من أوائل الذين أولوا شخصية نرسيس عناية خاصة، حيث أفرد له صفحات عدة من كتاب «التحولات»، متحدثاً عن الطفل ذي الوسامة الفائقة الذي كان ثمرة علاقة عشق صاعق بين ليريوبي، ربة الماء الفاتنة والإله النهر كيفيزوس، وحيث وقع نرسيس منذ يفاعته في عشق نفسه، فقد قابل بالصدود كل الآلهات الشابات اللاتي عملن على إغوائه، بمن فيهن إيكو إلهة الغابة، التي كانت الآلهة الكبرى قد غضبت منها وحولتها إلى صدى. وبعد مطاردة عقيمة بين الطرفين، قررت إيكو انتقاماً لحبها أن تتقمص انعكاس صورة حبيبها في المياه العميقة. حتى إذا انحنى ليشرب أعجبت صورته في الماء، فأغرق نفسه فيه، لتبكيه وفق رواية أوفيد، الآلهات جميعهن:

وكانت إيكو ترجّع نواحهنّ

وها هي تُهيَّأُ المحرقة

والمشاعلُ التي تُحرَّك في الأجواء

غاب الجسم

وفي مكانه نبتت زهرةٌ بلون الزعفران

تحيط بقلبها أوراق بيضاء

ومع أن شخصية دون جوان، التي ابتكرها الكاتب الإسباني تيرسو دي مولينا في بداية القرن السابع عشر، تمتلك كثيراً من الوجوه، التي تتصل بالسلوك الماجن والتهافت الأبيقوري على اللذة ومفهوم الخطيئة والعقاب، والانقلاب الاحتجاجي على التزمت الديني ورومانسية القرون الوسطى، فنحن لا نحتاج إلى كثير من الجهد لكي نكتشف الجنوح النرجسي لهذه الشخصية، التي وقع صاحبها في عشق نفسه، جاعلاً من إغواء النساء وطلب اللذة والمجون العابث ديدنه وهاجسه المستمر.

ولم يفُت وليم شكسبير أن يتخذ من المآل المأساوي لجمال نرسيس، العبرة الملائمة لحمل الجمال على التخلي عن أنانيته القاتلة، عبر الاتحاد العميق بالآخر. وإذ يجعل من حب الذات «الوقود الكبير الذي يغذي شعلة النور الإنساني، يحث شاباً وسيماً مأخوذاً بجماله ومكتفياً به على الإنجاب، لكي لا يكون الجمال مرادفاً للعقم؛ بل للتجدد والخصب واستمرار النسل، ليضيف قائلاً:

انظر في مرآتك وقل للوجه الذي تراه

إن الوقت قد حان

لينشئ ذلك الوجه وجهاً آخر

وهكذا عبر نوافذ عمرك

سترى رغم التجاعيد زمنك الذهبي

وإلا متَّ وحيداً وماتت معك صورتك

كما بدا النزوع النرجسي واضحاً لدى أندريه جيد، الذي أظهر منذ مطالع صباه انهماماً بالغاً بالذات، واحتفاء باللذة، فضلاً عن ميوله المثلية، ثم ما لبث في فترة نضجه أن تراجع عن جنوحه السلوكي، والعيش وفقاً لما طاب له أن يسميه «نظام الطبيعة» القويم. أما كتاب «اتفاق نرسيس» الذي كتبه جيد في مطالع شبابه، فهو عبارة عن نص تأملي يستلهم فيه الكاتب أسطورة نرسيس، ليطرح أسئلة فلسفية حول الذات والهوية والجمال، حيث البطل الأسطوري يحاول دون جدوى أن يقبض على صورته في مرآة الماء. وهو إذ ينحني فوق نهر الزمن، تمر فيه وعبره جميع الأشكال، قبل أن تلوذ بالفرار، ويهتف جيد بلسانه:

أيتها الأشكال الإلهية الدائمة التدفق

من ذا الذي لا يرتقب عودة السكون ثانية

فالجنة يمكن إعادة صنعها على الدوام

وحيث تغوص المياه الأكثر كثافة

كل شيء يجهد ليبلغ شكله المفقود

وفي قصيدته المميزة ذات اللغة المتوهجة «نرسيس يتكلم»، يشير بول فاليري إلى أنه استلهم القصيدة من عبارة «إرضاء لأرواح النرجس» المنقوشة على قبر نرسيسا، ابنة الشاعر الإنجليزي إدوارد يونغ، التي قضت نحبها في ريعان الصبا بعد أن ألمّ بها مرض داهم. وإذ يحرص فاليري في الوقت ذاته، على التحدث بلسان الشابة المتوفاة، التي تعدى تماثلها مع نرسيس إطار الاسم، ليصبح تماثلاً في المصير، يكتب قائلاً:

ها أنا ذا أهلكُ بالجمال

أهلك لأنني اشتهيتُ نفسي في عريك

لكَم آسفُ على بريقكَ الصافي المنهك

أيها النبع الذي أحتضنه برقّة

حيث شربتْ عيناي من لازورد الفناء

وليس صدفة بالطبع أن يلح فاليري على الاحتفاء بشخصية نرسيس، إذ في هذا الاحتفاء ما يتعدى جمال الوجه والجسد، ليتصل باللغة نفسها، وهو الذي كان مساعداً لرائد المدرسة الرمزية ستيفان مالارميه، ومشاركاً في حركة الصنعية الجمالية التي قادته بسبب ما تستلزمه من نمنمة زخرفية، إلى التخلي عن الكتابة لعقدين كاملين من الزمن. وفاليري الباحث عن الكمال المطلق، الذي كان يعتقد بأن القصيدة الحقيقية لا تنتهي، وإنما تُترك فقط، هو الذي عاد في قصيدته «الملاك» ليكتب ما حرفيته: «الكائن الخالص الذي هو أنا، الذكاء الذي يمتص بسهولة كل الخليقة دون أن يؤثر فيه شيء أو يغيره شيء، لن يتعرف على نفسه في هذا الوجه الطافح بالحزن».

تركت شخصية نرسيس أصداء متلاحقة في الأدب والفن الغربيين

يصعب الحديث أخيراً عن أثر النزوع النرجسي في الشعر الغربي، دون التوقف قليلاً عند تجربتي الشاعرتين الأميركيتين آن سكستون وسيلفيا بلاث، اللتين جمعتهما روابط كثيرة، بينها الولع بالشعر، وصداقة شخصية عكست نفسها فيما تبادلتاه من رسائل، إضافة إلى الوقوع في مرض الاكتئاب إياه، والفشل في الحياة والحب. حتى إذا عجز الشعر عن إسكات الأصوات السوداء المنبعثة من الأعماق الجحيمية للشاعرتين المطعونتين بنصال الحياة، بدا الموت انتحاراً بمثابة المرآة الأخيرة التي تلملم شتات ذاتيهما المنفصمتين، وتوحيدهما في صورة واحدة.وإذ تكتب سكستون من جوف عالمها المشوش «مرآتي الساخرة، حبي المقلوب، صورتي الأولى، ذلك الرأس الحجري للموت الذي تجاوزته وأنا أتعفن على الجدار دوريان غراي نفسي، وتلك المرآة المزدوجة التي تحدق في نفسها كأنها متحجرة في الزمن»، تحاول بلاث في قصيدتها «المرآة» الاستعانة بهذه الأخيرة، لكي ترسي ذاتها المتحولة على شكل نهائي. حتى إذا زينت لها ذاتها النرسيسية المنفصمة، وهي تحدق في مياه بالغة الاضطراب، أنها الوجه والمرآة في وقت واحد، وأنها تنزلق بلا هوادة نحو مصيرها المأساوي، هتفت قائلة: «أنا الآن بحيرة، وثمة امرأة تنحني فوقي، تبحث في أعماقي عما هي عليه حقاً، فيّ غرقتْ فتاة صغيرة، وفيّ تظهر امرأة عجوز تتوجّه نحو مصيرها كل يوم، مثل سمكة رهيبة».


سيدة «قصير عمرة»

لوحة جدارية من محفوظات «متحف الفن الإسلامي» ببرلين مصدرها «قصير عمرة» (أو عمرا) الأموي في بادية الأردن، يقابلها رسم توثيقي من نتاج «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى»
لوحة جدارية من محفوظات «متحف الفن الإسلامي» ببرلين مصدرها «قصير عمرة» (أو عمرا) الأموي في بادية الأردن، يقابلها رسم توثيقي من نتاج «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى»
TT

سيدة «قصير عمرة»

لوحة جدارية من محفوظات «متحف الفن الإسلامي» ببرلين مصدرها «قصير عمرة» (أو عمرا) الأموي في بادية الأردن، يقابلها رسم توثيقي من نتاج «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى»
لوحة جدارية من محفوظات «متحف الفن الإسلامي» ببرلين مصدرها «قصير عمرة» (أو عمرا) الأموي في بادية الأردن، يقابلها رسم توثيقي من نتاج «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى»

يحوي متحف الفن الإسلامي ببرلين مجموعة من القطع الأثرية الأموية المتنوّعة، منها لوحة جدارية من الحجم الكبير، تمثّل امرأة تقف في وضعية نصف جانبية. حسب البطاقة التعريفية، اقتنى المتحف هذه القطعة خلال عام 1908 من الرسّام النمساوي ألفونس ليوبولد ميليخ، وهو أحد كبار الفنانين التشكيليين المستشرقين، ومصدرها موقع أموي في بادية الأردن يُعرف باسم قصير عمرة، تشكّل جدارياته متحفاً حياً للفن التصويري الأموي المدني.

يقع قصير عمرة في وادي البُطم، شرق عمان، وهو منتجع ملكي يجمع بين حمّام كبير مؤلف من ثلاث غرف، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة. يتميّز هذا المنتجع برسومه الجدارية التي تلفّ جدران حجراته وسقوفها بمجموعة هائلة من الصور المتعدّدة المواضيع. يعود الفضل في اكتشاف هذا الموقع الاستثنائي إلى العالِم التشيكي ألوييس موزيل الذي قدم عام 1898 إلى المشرق العربي على رأس بعثة للآثار، بدعم فاعل من أكاديمية فيينا. وصل هذا العالِم إلى بادية الأردن خلال هذه الحملة، وقاده أهل المنطقة من البدو إلى مبنى مهجور يُعرف محلياً باسم قصير عمرة، وفوجئ بثراء حلله التشكيلية، فعاد إليه مرتين في فترة وجيزة، ثمّ زاره ثالثة في عام 1901 لدراسته بشكل موسّع، واصطحب معه الرسّام ألفونس ليوبولد ميليخ، فأنجز مجموعة من الرسوم التوثيقية خلال فترة زمنية قصيرة، ثم أكملها في محترفه في فيينا.

رسم الأبراج الفلكية والدوائر الفلكية على قبة قصر عمرة (عمرا)، أحد قلاع الصحراء الواقعة في شرق الأردن (شترستوك)

حمل الرسام النمساوي معه عيّنة صغيرة من هذه الحلل، نزعها عن جدار من جدران الموقع، ودخلت هذه العينة متحف الفن الإسلامي ببرلين في عام 1908 كجدارية مستقلّة، وكانت في الأصل تزيّن زاوية تعلو جنوب شمالي الإيوان الأوسط، وتمثل امرأة تقف منتصبة بين عمودين يعلو كلاً منهما تاج. يشكّل هذان العمودان الأبيضان قاعدة لقبّة زرقاء زُيّنت بشبكة من المكعّبات الزرقاء، وتُشكّل هذه القبّة قوساً يُعرف في قاموس الفن اليوناني الكلاسيكي باسم «قوس المجد». ومن أسفل هذه القبة، تنسدل ستارة طويلة، حدّدت ثناياها بخطوط حمراء. وتنفتح في الوسط، وتشكّل إطاراً في وسطه المرأة في وضعية نصف جانبية.

تحني هذه المرأة رأسها انحناءة طفيفة، وتبدو ملامح وجهها جليّة. العينان لوزيتان، يعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. الأنف طويل، ومنخراه محدّدان بدقة. الثغر محدّد بشكل مماثل، مع شق في الوسط يفصل بين شفتيه. الذقن عريض، وكذلك العنق. الصدر ممتلئ، ويعلوه عقد من الحجارة الدائرية المنمنمة الحمراء، تتدلّى منه في الوسط قلادة عريضة تزيّنها ثلاثة فصوص بيضاء. تماثل هذا العقد من حيث الشكل عقود الياقوت الأحمر، ويشكّل جزءاً من الحلي التي تتزّين بها هذه المرأة. يعلو الرأس شعر أسود كثيف، يكلّله بكتلة بيضاوية سوداء. وتعلو هذه الكتلة شبكة مكوّنة من سلاسل من الحجارة اللؤلؤية البيضاء. ترفع المرأة بيدها اليمنى طرف الستارة، وتشير بيدها اليسرى إلى الأسفل. يُزيّن كلّاً من هاتين اليدين سوار خطّ باللون الأسود، كما يزّين كلاً من الذراعين سوار مزدوج خطّ بأسلوب مماثل، وتظهر عند أعلى الحوض سلسلة مشابهة تنعقد حول الوسط على شكل حزام رفيع. الساقان مكتنزتان وملتصقتان، وتكشف القدم اليمنى عن سوار إضافي يأخذ هنا شكل خلخال بسيط.

واجهة قصر قصر مشطة في متحف بيرغامون للفن الإسلامي في 7 أبريل 2017 في برلين (شترستوك)

تشكّل هذه الجدارية عيّنة بسيطة من برنامج واسع، يصعُب تحديد مجمل عناصره بدقّة. تجمع جداريات قصير عمرة بين المشاهد الآدمية، الحيوانية والنباتية، وتشكل امتداداً لما نراه في سوريا الرومانية في العقود التي سبقت دخول الإسلام إلى بلاد الشام. تحتلّ هذه الرسوم مساحة كبيرة تمتدّ على مدى ما يقارب 380 متراً مربعاً، وتشكّل أكبر برنامج إيقونوغرافي مدني معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي بأقاليمه الوثنية والمسيحية والإسلامية، وهو ما يجعل منها مادة استثنائية لدراسة تطور فن الرسم التصويري في القرن الثامن للميلاد، ونشوء الفن التصويري الأموي.

قدّم ألوييس موزيل قراءة أولى لهذا البرنامج في كتاب نُشر عام 1907 في مجلّدَين، ضمّ أحدهما نصّ البحث، وضمّ الآخر الصور التوثيقية التي أنجزها ألفونس ليوبولد ميليخ. بعد فترة وجيزة، قام الكاهنان العالِمان أنطونان جوسين ورافاييل سافينياك بزيارات متكررة لقصير عمرة بين 1909 و1919، والتقطا مجموعة من الصور الفوتوغرافية، صدرت في عام 1922 ضمن دراسة علمية تناولت ثلاثة مواقع أموية. في تلك السنة، أصدر العالم الكبير سالومون راينش موسوعة كبيرة خاصة بفن التصوير اليوناني والروماني ضمت 2720 رسماً تخطيطياً، وحوت هذه الموسوعة رسوماً لبعض من جداريات قصير عمرة، تعتمد على اللوحات التي أنجزها ألفونس ميليخ، وبدت هذه الجداريات يومها كأنها آخر تجلٍّ لفنون التصوير في العالم الإسلامي الناشئ. بعد بضع سنوات، أسقطت الاكتشافات الأثرية هذه المقولة، وتبيّن أن جداريات قصير عمرة تمثّل تقليداً تشكيلياً جامعاً، تحضر شواهده في قصور أموية مهجورة تقع في سوريا وفلسطين.

حظيت جداريات القصير بشهرة واسعة منذ العشرينات، وجذبت بمواضيعها الشائكة كبار المختصّين، وتوالت الأبحاث التي سعت إلى فكّ ألغازها، غير أن هذه الجداريات بقيت مهملة ومنسية في موطنها. في مطلع السبعينات، كلّفت دائرة الآثار الأردنية فريقاً إسبانياً مهمة تدعيم بناء القصير وتنظيف جداريته، فقامت هذه البعثة بثلاث حملات بين 1971 و1974، وأصدرت في عام 1975 كتاباً ضمّ 59 صورة لجدارياتها، التقطت بعد أعمال الترميم. أعاد هذا الكتاب الاعتبار إلى قصير عمرة، وفي عام 1985 تمّ إدراجه في قائمة مواقع التراث العالمي التي تعدّها اليونيسكو.

في عام 1989، عُهدت إلى «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى» مهمة توثيق رسوم القصير، فتولى هذا العمل على مدى سنوات، ونشر في 2007 كتاباً سعى فيه إلى تحديد مجمل البرنامج التصويري الخاص بهذا الموقع. بعد ثلاث سنوات، باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العمل في الموقع، وقام بترميم نحو 100 متر مربع من مساحة الجداريات، وكشف عن كتابة تحمل اسم صاحب المجمّع، وبات من المؤكد أن المبنى يعود إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك.

يتواصل استكشاف قصير عمرة اليوم، وتتواصل الدراسات الخاصة ببرنامجه التصويري الضخم. يبدو هذا البرنامج أشبه بكتاب ضخم مفتوح، وتحتاج كل لوحة من لوحاته الكبيرة إلى قراءة مستقلة تلقي الضوء على مكوّناتها، وتكشف عن معانيها ودلالاتها المتعدّدة.